الفصل السابع : " براءة الحقيقة "
لم ينتظر ماركوس أي رد؛ سحب مفاتيح سيارته وجاكيته بعنف، واندفع مسرعًا نحو الباب الخارجي يلحق بألبا قبل أن تبتعد.
وصل ماركوس إلى أسفل البناية، فوجدها تمشي بخطوات سريعة ومستقيمة، محاولةً الحفاظ على رباطة جأشها وكبريائها وسط الشارع البارد، رغم أن كتفيها كانا يرتجفان بخفة.
أسرع ماركوس نحوها وناداها بصوت دافئ ومحترم:
"ألبا! انتظري أرجوكِ!"
توقفت ألبا و استدارت ببطء، محاولةً رسم ملامح هادئة وقاسية، لكن عينيها المحمرتين كشفتا كل ألمها.
اقترب ماركوس وفتح لها باب سيارته، وقال بنبرة هادئة ورجاء أخصائي:
"لن أطلب منكِ أن تسامحي أو تعودي... لكنكِ لستِ في حالة تسمح لكِ بالبقاء وحدكِ أو أخذ مواصلات. تعالي، سأوصلكِ إلى شقتكِ بسلام ولن أتحدث بحرف واحد إن أردتِ الصمت."
نظرت ألبا إلى السيارة، ثم إلى وجه ماركوس الذي كان يشع بالصدق والاحترام. هزت رأسها بخفة، وصعدت إلى مقعد الركاب دون أن تنطق بكلمة.
أغلق ماركوس الباب برفق، وصعد إلى مقعد القيادة وانطلق بالسيارة في شوارع المدينة الهادئة، حيث كان الصمت سيد المكان، بينما كانت ألبا تسند رأسها إلى الزجاج، تودع جزءًا من قلبها تركته خلفها في تلك الشقة المظلمة.
كانت السيارة تقطع شوارع المدينة المبتلة بالصمت، بينما تعزف قطرات المطر الخفيفة على الزجاج. أمسك ماركوس بلمسة مشدودة على مقود السيارة، متنهداً بعمق عدة مرات قبل أن يكسر هذا الصمت الثقيل. التفت إليها بخفة، وقال بنبرة تغلفها ثقة عمياء في صديقه، تتصارع فيها الاستغراب مع الشك:
"ألبا... أعلم أنكِ لا تريدين سماع اسمه الآن، لكن هناك شيء خاطئ كلياً في هذه القصة."
لم تتحرك ألبا ولم تجبه، فاكتفى ماركوس بالنظر إلى الطريق وأكمل بصوت واثق :
"خافي ليس غبياً، ولا يمكن أن يرتكب خطأً بدائياً كهذا. إنه مهووس بالسيطرة والحذر، وفي كل مرّة يدخل فيها في علاقة سريعة مع أي امرأة -خاصة في ذلك العالم المظلم- يكون أول ما يحتاجه هو الواقي الذكري. إنه يضعه دائماً ودون استثناء، حتى لو كان تحت تأثير المشروب أو السموم... هذا انطباع محفور في رأسه كغريزة بقاء."
تبدّلت تحركات ألبا قليلاً، ورفعت رأسها عن الزجاج ببطء، وعيناها محمرتان تتجهان نحو ماركوس بنظرة تتقاطع فيها الحيرة مع شرارة أمل طفيفة حاول كبرياؤها إطفائها.
ضغط ماركوس يديه على المقود وتابع وهو يهز رأسه:
"كلوي أفعى ومحتالة تجيد تزوير كل شيء من أجل البقاء بمهارة... والتقرير الطبي أو الاختبار المنزلي لا يعنيان أي شيء في الشوارع؛ يمكن شراؤها أو تزويرها بأقل من مئة يورو. أنا حقاً لا أفهم كيف انطلت هذه اللعبة عليه، لكنني أقسم لكِ... هناك ملعوب قذر في هذا الأمر، وخافي وقع ضحية لذكائها السام."
صمتت ألبا لثوانٍ طويلة، وتدافعت في رأسها عقلانيتها كمحامية مع ألمها كامرأة مجروحة. تنفست الصعداء بصوت مسموع، ورفعت حاجبها بنبرة تكسوها الريبة لكن دون أن تفقد وقارها:
"الاختبارات والتقارير الطبية لا تُكذب بسهولة يا ماركوس... ولكن، إذا كان كلامك صحيحاً وكان هناك حيلة فعلاً، فالسؤال ليس هل هي حامل أم لا... السؤال الحقيقي هو: من هو والد هذا الطفل إن لم يكن خافي؟"
انحرفت السيارة قليلاً من أثر الضغط المفاجئ على المقود، وتباطأت سرعة ماركوس ليلاً في الشارع الخالي، قبل أن يهز رأسه بجدية حادة لم تعهدها ألبا منه.
التفت إليها بكامل جسده عند إشارة المرور الحمراء، ونظر في عينيها بثبات قاطع قائلاً:
"ألبا، اسمعيني جيداً...صحيح أنني أنا وسوفيا في علاقة جادة الان ، و لكن في الماضي القريب -قبل أن تستقر أمورنا- ارتكبتُ أنا نفسي خطأً وضجعتُ كلوي. لكن سوفيا كانت أذكى وأقوى من أن تدع حثالة الشوارع تدمّر ما بيننا، وسامحتني لأنها عرفت من أكون وماذا أساوي بالنسبة لها."
اتسعت عينا ألبا بذعر وصدمة طفيفة من هذا الاعتراف المفاجئ لتقول من صدمت :"اللعنة…كنت اعرف انك خنتها لكنها لم تخبرني ابدا انها كلوي !"
، بينما واصل ماركوس كلامه بنبرة يملؤها اليقين:
"أنا لا أعرف صاحب هذا الطفل حقاً... قد يكون أي شخص من حثالة الشوارع الذين تعاشرهم، بل أقسم لكِ أن هناك احتمالاً -حتى وإن كان ضئيلاً- أن يكون مني أنا من تلك الليلة القديمة! لكنني متأكد من شيء واحد فقط كالشمس: هذا الطفل ليس طفل خافي قط."
ضغط ماركوس على بنزين السيارة من جديد، ونظر إلى ألبا برجاء أخوي صادق:
"خافي يحبكِ يا ألبا... إنه غارق في القاع، وأنتِ أمله الوحيد للخروج من ذلك الحضيض. كلوي استغلت ضعفه وتسممه لتبني هذا الوهم وتطردكِ أنتِ بالذات لأنكِ الخطر الوحيد على وجودها. عليكِ إعادة التفكير... لا تدعيها تنتصر وتأخذه منكِ بهذه السهولة."
ساد الصمت داخل السيارة، لكن هذه المرة لم يكن صمت انكسار، بل صمت محامية بدأت عقلانيتها الشرسة تستعيد تدريجياً زمام الأمور، لتشتعل في قلب ألبا شرارة غضب جديدة مستعدة لقلب الطاولة على الجميع.
تنهدت البا بقوة و قالت و هي تتأمل الفراغ أمامها :
" انا .. انا لا اعرف احتاج بعض الهدوء لأفكر في أمر .. باضافة ان جلسته قريبة جدا و عليا استعادة الدراجة "
أومأ ماركوس برأسه بتفهم احتراماً لموقفها، وأبطأ سرعة السيارة وهو يقترب من بناية شقتها.
قال بنبرة هادئة ورزينة، يملؤها الدعم:
"حقكِ بالكامل يا ألبا... خذي وقتكِ للتفكير وتنفس الصعداء. أنتِ قبل كل شيء محامية محترفة، وتألقكِ في المحكمة هو أسرع طريق لتستعيدي زمام السيطرة على حياتكِ و حياته… و لا تهمل صحتك ايضا ."
توقفت السيارة أمام باب البناية. التفتت ألبا إلى ماركوس وشدت على حقيبتها، وقد عادت لمعة الثبات والصمود إلى عينيها، رغم ثقل الحزن في صدرها.
أخذت نفساً عميقاً وأصلحت ياقة معطفها، ثم قالت بصوت نبرته واثقة ومتزنة:
"شكراً لك يا ماركوس على كل شيء... قضية خافي القانونية هي أضخم من أي فوضى شخصية الآن، ولن أسمح لأي كان، ولا حتى لكلوي، بأن يدمر عملي أو يجعله يخسر حريته في القاعة."
نزلت ألبا من السيارة بخطوات واثقة ومستقيمة، ودخلت البناية دون أن تلتفت إلى الخلف.
كانت تعلم أن أمامها ليلة طويلة من المراجعة، ليس فقط لأوراق القضية وجلسة المحكمة المقربة، بل لأجزاء قلبها وحقائق القصة القذرة التي بدأت خيوطها تنكشف شيئاً فشيئاً.
دخلت ألبا شقتها الهادئة، وخلعت حذائها ذو الكعب عالٍ برفق، تاركة حقيبة أوراق القضية الثقيلة على الطاولة الخشبية. كان الصمت يخيم على المكان، صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت ساعات الحائط المنتظم وصوت أفكارها التي لا تتوقف.
توجهت مباشرة نحو المطبخ، وبيدين ثابت رغم الإرهاق، فتحت الخزانة وأخرجت دواءها و تناولته ثم فتحت الثلاجة و اخذت زجاجة نبيذ أحمر معتق، و سكبت لنفسها كأساً مليئاً. لم تكن تشرب لتنسى، بل لتطفئ ضجيج مشاعرها كامرأة، وتوقظ عقل المحامية الشرسة في داخلها.
أخذت رشفة دافئة أحرقت حلقها برفق، وأعادت لجسدها المنهك بعض التركيز.
جرفت المجلدات الضخمة وأوراق التحقيق وخرائط الأدلة الخاصة بقضية خافي، وفرشتها على الطاولة الكبيرة. أضاءت مصباح المكتب الصغير، وجلست بشعرها المرفوع ترتشف من كأس الخمر بين الحين والآخر، وعيناها الحادتان تمسحان السطور والفقرات القانونية بدقة متناهية. كل دليل، كل شهادة، وكل ثغرة في لائحة الاتهام كانت تخضع للتحليل تحت مجهر عقلها الجسور.
تضاءل ألم الخيانة والغيرة تدريجياً، ليحل محله إصرار بارد كالحجر. نظرت إلى الكأس في يدها، ثم إلى اسم "خافي" المكتوب أعلى ملف القضية، و غمغمت بصوت خفيض ونبرة يملؤها التحدي:
"معركتك في الشارع قد تكون قذرة يا خافي... لكن معركتك هنا في قاعة المحكمة هي ملعبي، ولن أسمح لأحد بأن يهزمنا فيها."
مع كل رشفة ثانية تتجرعها من كأس النبيذ، بدأت ألبا تشعر بتلك الوخزة الشديدة والمألوفة في منتصف صدرها.
ارتجفت يدها بحدة، وكاد الكأس أن يسقط من بين أصابعها. سارعت بوضعه على الطاولة الخشبية، وهي تسند يدها الأخرى على حافة الطاولة، وتتجمع قطرات العرق البارد على جبينها. كانت أنفاسها تضيق وتسارع دقات قلبها المريض يزداد بأسلوب مضطرب وخطير.
الخمر لم يكن يوماً حلّاً، وبالنسبة لجسدها وحالتها الصحية الحرجة، كان بمثابة سمّ يبطئ حركة قلبها المجهد أساساً تحت أطنان الضغط النفسي والانتكاسة العاطفية التي عاشتها اليوم.
غمضت عينيها بشدة، وضغطت بيدها على مكان قلبها النابض بجنون، وتذكرت تحذيرات الأطباء الصارمة: "أي ضغط عصبي مضاعف أو كحول قد يودي بحياتكِ في أي لحظة يا ألبا."
سحبت زجاجة النبيذ والكأس بجرأة وصرامة مع الذات، وقامت بخطوات غير متزنة نحو المغسلة، وسكبت الخمر بأكمله في الحوض، ليجري السائل الأحمر مع الماء ويتلاشى كلياً.
فتحت ثلاجة المطبخ، وأخرجت زجاجة ماء بارد و علبة دوائها الخاص بالقلب مرة اخرى . أخذت حبتها فوراً وشربت الماء بجرعات متتالية، ثم جلست على الأريكة، تنام على ظهرها وتغمض عينيها ببطء، تنتظر أن تهدأ تلك الزوابع التي تعصف بصدرها.
أنفاسها بدأت تستقر تدريجياً، وعاد نبض قلبها إلى إيقاعه المنتظم وإن كان ضعيفاً. فتحت عينيها وتنفسّت الصعداء، متذكرةً أنها يجب أن تبقى قوية وسليمة؛ ليس فقط من أجل قضية خافي في المحكمة، بل من أجل نفسها وكبريائها أولاً.
كان المساء قد أسدل ستائره على كامل المدينة، حين عاد ماركوس إلى الشقة، يحمل معه ثقل يوم طويل وأخباراً أثقل.
وجد سوفيا جالسة على الأريكة، تحمل كوب شاي بارد نسيت أن تشربه، وعيناها شاخصتان نحو النافذة بلا هدف. لم تسمع صوت الباب، أو ربما سمعته ولم تكترث.وقف ماركوس عند العتبة لثانية، يتأمل ظهرها. ثم خلع جاكيته ببطء وجلس بجانبها دون أن ينطق بكلمة.
ساد الصمت بينهما، لكنه لم يكن صمتاً مريحاً. كان صمتاً يحمل أشياء لم تُقَل بعد.
أخيراً، قالت سوفيا دون أن تحول نظرتها عن النافذة:
"ماركوس... هل تعلم أن كلوي ستكون في نفس الاستوديو دائما ابتداء من الليلة؟"
توقف ماركوس عن الحركة. ثم قال بنبرة هادئة محسوبة:
"نعم."
استدارت سوفيا إليه ببطء، وفي عينيها سؤال لا تجرؤ على صياغته بالكلمات. لكن ماركوس رآه.
نظر إليها مباشرة وقال:
"أريدك أن تسمعيني لي يا سوفيا."
"أنا أسمعك."
"لا." هز رأسه برفق. "أريدك أن تسمعيني حقاً، لا أن تنتظري حتى أنتهي لتقولي لي إنك بخير."
صمتت. كان محقاً.نهض ماركوس وجلس على الطاولة المقابلة لها، ليكون وجهاً لوجه معها. مسح وجهه بيده، ثم نظر إليها بنظرة خالية من أي دفاع:
"ما فعلته كان خطأ لا يُبرَّر. لا بالسموم التي كنت أتعاطاها آنذاك، ولا بأي شيء آخر. أعرف هذا."
"ماركوس، لسنا بحاجة—"
"بحاجة." قاطعها بهدوء. "لأنني أراكِ كل مرة تسمعين اسم كلوي تصمتين بطريقة معينة. وأعرف هذا الصمت يا سوفيا. عشت معه طوال الأشهر الماضية."
ارتجفت شفتا سوفيا قليلاً. نظرت إلى كوبها البارد وقالت:
"لم أقل يوماً إنني انتهيت من الموضوع كله."
"أعرف."
"ولم أقل إنني لا أزال أتألم."
"أعرف هذا أيضاً."
رفعت عينيها إليه، وفيهما شيء بين الغضب والحزن والحب الذي يرفض الرحيل رغم كل شيء.
"إذن ماذا تريد مني أن أقول يا ماركوس؟"
فكّر لثانية، ثم قال بصدق كامل:
"لا أريدك أن تقولي شيئاً. أريدك فقط أن تعرفي أنني هنا. لن أختبئ خلف صمتي ولن أنتظر حتى تنسي. سأبقى هنا حتى تقولي لي ما تريدين قوله، حتى لو احتجنا سنة كاملة."
نظرت إليه سوفيا لوقت طويل. ثم قالت بنبرة فيها دفء وجرح في آنٍ واحد:
"أنت تعرف ما أكثر ما آلمني؟"
"أخبريني."
"ليس ما فعلته." توقفت لثانية. "بل أنني عندما علمت، أول شيء خفت منه لم يكن خسارتك. بل خفت أن أكون أنا السبب. خفت أن أكون غير كافية."
صدمت الكلمات ماركوس في مكانه. مدّ يده وأمسك بيدها بحنان شديد:
"سوفيا—"
"دعني أكمل." قالت بهدوء. "قضيت أسبوعاً كاملاً أقنع نفسي أن الأمر لم يكن عني أنا. وعندما اقتنعت... قررت أن أبقى. ليس لأن ما حدث كان بسيطاً. بل لأنني قررت أن أرى من أنت حقا ."
شدّ ماركوس على يدها بقوة، وعيناه تلمعان بشيء لم يُظهره أمامها من قبل.
قالت سوفيا وهي تنظر إلى وشمها المشترك غير المكتمل على معصمها:
"لكن هذا الوشم يا ماركوس... لن أكمله إلا عندما أشعر أن البداية الجديدة حقيقية فعلاً. وليس فقط جميلة."
نظر ماركوس إلى الوشم غير المكتمل على معصمها، ثم نظر إلى وشمه هو أيضاً. وأومأ برأسه ببطء شديد، وقال:
"أنا لن أستعجل. خذي الوقت الذي تحتاجينه. سأكون هنا."
ساد صمت دافئ بينهما، لم يكن فيه كل شيء محلولاً، لكن فيه شيء ثمين أصعب من الحل... فيه صدق.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (1)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخول