the sacrifice
the sacrifice
جزء 7 من 5
وضع القراءة:

الفصل الخامس : " مشاعر التغيير "

أطفأ المحرك، وحلّ الصمت الشديد مجددًا باستثناء صوت قطرات المطر.
نزل خافي أولاً، ثم التفت ونظر إليها بعينين حادتين لكنهما مشبعتين بتركيز شديد وقلق خفي، وقال :
" منزلكِ لم يعد آمنًا ، قد يكون هناك من يراقب المكان. لتبقى هنا الليلة."
اومأت البا برأسها ،فأنزلها أ ببطء، خلعت الخوذة بيديها اللتين كانت ترتجفان من أثر أدرينالين الخوف والمغامرة لكن النظر إلى وجهه الهادئ القوي أرجع لها بعض الثبات. وافقت على كل كلامه دون أي اعتراض هذه المرة؛ فقد أدركت أن قواعد اللعبة قد تغيرت كلياً.
صعدا السلالم الخشبية العتيقة في صمت، حتى فتح باب شقته بالتقاط مفتاح معدني.
كانت الشقة تعكس شخصيته تماماً: لوحات فنية غير مكتملة، جدران مكشوفة من الطوب الأحمر، إضاءة خافتة ودافئة، ورائحة خشب الأرز والمطر.
أغلق الباب وقفل الأقفال الثلاثة بحرص، ثم التفت إليها وأخذ الخوذة من يدها ووضعها جانباً. طالعها لثوانٍ وهي تقف وسط شقته ببدلتها الأنيقة التي ابتلت أطرافها بالأمطار، وقال بنبرة لطيفة وهادئة على غير العادة:
"أنتِ آمنة هنا الآن... هذا المكان آمن."
خطت ألبا بضع خطوات للداخل، ونظرت حولها ثم التفتت إليه وقالت بصوت هادئ يمتزج فيه الامتنان بالذهول:
"خافي... ما الذي أنقذتني منه للتو؟ ومن تكون أنت بحق الخالق؟"
نزع خافي سترته الجلدية المبتلة وألقاها على أحد الكراسي الخشبية، ثم التفت نحوها، متجاهلاً سؤالها عن هويته لـ يصرف ذهنها عن الخوف والتوتر الذي عاشته منذ قليل.
تغيرت نبرته القاسية تمامًا، وحلت محلها نبرة دافئة ولطيفة وهو يطالعها بعينين هادئتين:
"ما رأيكِ أن تنامي وتستريحي الليلة؟ أعلم أن اليوم كان طويلاً ومجهداً عليكِ..ساحضر لك بعض الملابس ."
توقف للحظة وهو يرى إرهاق المشهد يرتسم على ملامحها الناعمة، ثم أردف بابتسامة خفيفة شبه غامضة:
"أم أنكِ جائعة أولاً؟ لا أظن أن المحاميات يتناولن العشاء وسط مطاردات الشوارع!"
ابتسمت ألبا رغماً عنها وسط كل هذا الذهول، وشعرت بجوع خفيف نسيته بفضل الأدرينالين. رفعت رأسها ونظرت إليه بتحدٍ لطيف:
"في الحقيقة... لم أتناول شيئاً منذ الظهيرة. وهل يعرف رسام الوشم والمتمرد الشرير كيف يطبخ شيئاً يُؤكل؟"
ضحك خافي بنبرة خفيضة أضفت دفئاً خاصاً على الشقة المظلمة، وقال وهو يتجه نحو المطبخ المفتوح:
"شرير ؟ … حسنا ستفاجئين يا حضرة المحامية... اجلسي واستريحي، سأعدّ لكِ شيئاً سريعاً قبل أن تستسلمي للنوم."
احضر لها بعض من ملابسه الدافئة و سلمها ايها قائلا :" لا اريد ان احقق في موتك ببعض الزكام يا محاميتي "
ابتسمت البا و اخذت منه الملابس متوجهة للحمام، و ماهي الا لحظات حتى خرجت و هي غارقة في قميصه تماما ، جلسَت ألبا على أريكة جلدية دافئة في زاوية الغرفة، تراقب حركته المتناسقة في المطبخ المفتوح. القى خافي نظرة سريعة و عميقة عليها وهي تزهر في قميصه لتعلو وجهه ابتسامة خلابة ثم عاد ليتحرك بمهارة وخفة عكس المظهر القاسي الذي يرتديه في الشارع؛ أعدّ شطائر ساخنة بسرعة، وسكب كوبين من الشاي الدافيء المعبق بنكهة الاعشاب.
وضع الصينية على الطاولة أمامها، ثم جلس على الطرف الآخر من الأريكة، يركز عينيه عليها وهو يشاهدها تأكل بهدوء.قالت ألبا بعد أن أخذت رشفة من الشاي:
" اوه... لم أتوقع هذا الجانب منك."
ابتسم خافي ابتسامة هادئة، ونظر نحو النافذة حيث كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بانتظام، ثم قال بنبرة خفيضة وصادقة لأول مرة:
"الناس تراني كما أظهر لهم يا ألبا... متمرد، رسام وشم، ومتهور على الدراجات. لكن هنا، في هذا المكان، لا توجد أقنعة."
ساد صمت دافئ بينهما، لم يكن صمتًا غريبًا بل كان مليئًا بالتفاهم والتواصل غير الملفوظ.
نهض خافي بعد قليل وأحضر لها غطاءً ثقيلاً ووسادة مريحة ، وضعها بجانبها وقال بحديث ناعم:
"الغرفة بالداخل …إن أردتِ النوم على السرير، وسأنام أنا هنا على الأريكة."
نظرت إليه ألبا بعمق، وقد تلاشت كل الحواجز التي ولدتها المحاكمة واللوائح القانونية في رأسها، وقالت بهدوء:
"شكراً لك يا خافي... على كل شيء حدث الليلة."
اقترب منها قليلاً، وانحنى ليمسح بطرف إبهامه قطرة ماء كانت ما تزال عالقة على وجنتها من أثر المطر، وقال بنبرة ساحرة جعلت قلبها يخفق بقوة:
"تصبحي على خير يا حضرة المحامية... غداً سنفكر في باقي المشاكل، أما الليلة، فأنتِ في أمان تام."
شعرت ألبا أن النوم يجافيها، ورغم التعب الذي يثقل جفنيها،و حين حمل خافي الكؤوس للمطبخ ،نهضت بهدوء تام حتى لا تصدر أي صوت، ومشت بخطوات خفيفة نحو الغرفة الداخلية التي أشار إليها خافي سابقًا.
دفعت الباب الخشبي العتيق ببطء شديد... وتفاجأت بلمح البصر!
كانت الغرفة غارقة في اللون الأسود الكامل بشكل مهيب وساحر؛ الجدران مدهونة بأسود مطفي يتصادم بشكل فني مع ضوء القمر الفضي المتسلل من النافذة الكبيرة. السرير، الأغطية، وحتى الستائر الثقيلة... كل شيء كان يشع بجمالية مظلمة وأنيقة للغاية، وكأنها دخلت إلى أعماق عقله وروحه.
لكن ما لفت انتباه ألبا وجعلها تستمر في مكانها لم يكن ديكور الغرفة الأسود... بل الجدار الرئيسي المقابل للسرير.
كان الجدار بأكمله مليئًا برسومات ولوحات فحمية سوداء ودقيقة للغاية، تفاصيلها تعكس صراعات، شوارع، ووجوهًا ملامحها غامضة... وفي منتصف هذا الجدار تمامًا، كانت هناك لوحة حديثة لم تجف خطوطها الفحمية بعد.
اقتربت ألبا بخطوات بطيئة والذهول يأكل تفكيرها، لتكتشف أن اللوحة لم تكن سوى رسم دقيق لوجهها هي!
كان قد رسم تفاصيل ملامحها الحادة بثوبها الأنيق ونظرتها الواثقة التي واجهته بها في الشارع، مكتوبًا أسفل اللوحة بخطه العريض:
"المحامية التي لا تهاب الشارع..."
وفي تلك اللحظة بالذات، سمعت وقع خطوات هادئة خلفها، وصوت خافي الخفيض والمشبع بمسحة من السخرية الساحرة يتردد عند عتبة الباب:
"ألم يخبركِ أحد من قبل يا حضرة المحامية... أن التجسس على غرف الآخرين يُعد اقتحامًا لخصوصية؟"
التفتت إليه ألبا بسرعة دون أن تبدي ارتباكًا، وواجهت نظراته المظلمة بابتسامة متوازنة ونبرة هادئة تجمع بين الذكاء والدبلوماسية:
"أنت من أخبرني بنفسك قبل قليل أنني سأنام في الغرفة وأنت على الأريكة... جئتُ استكشف المكان فقط، ولم أكن أعلم أنني سأجد معرضًا فنيًا سريًا يُمنع دخوله."
خطى خافي خطوة إلى داخل الغرفة السوداء، واستند بجانبه على إطار الباب، متكتف الذراعين ومحافظًا على تلك الابتسامة الخفيفة والمستفزة:
"الغرفة لكِ كما وعدتكِ تمامًا... لكنني لم أعدكِ بما ستجدينه فيها."
نظرت ألبا مجددًا إلى اللوحة الفحمية لملامحها المثبتة في منتصف الجدار الأسود، ثم التفتت إليه وقالت بنبرة ساحرة تحدّت بروده:
"ورسمُ ملامح محاميتك... جزء من اللوائح الفنية؟ أم أنك ترسم كل من يهدد بطلب الشرطة لك؟"
ابتسم خافي بنبرة خفيضة وعميقة، ودنا خطوات قليلة ليمسك بطرف الباب متراجعًا للخلف ليترك لها الخصوصية:
"أنا أرسم فقط الأشياء التي تستحق أن تُحفظ في ذاكرتي يا ألبا... استريحي الآن، ولا تدعي الجدران السوداء تقلقكِ، انا هنا ."
أغلق الباب ببطء وهدوء، تاركًا ألبا وحدها في الغرفة السوداء، تتأمل لوحتها تحت ضوء القمر الخافت وقلبها ينبض بإيقاع جديد يرفض الهروب.
و في منتصف الليل، انكسر هدوء الشقة بصوت حفيف خفيف، وقهقهات مكتومة قادمة من الصالون الخارجي.
فتحت ألبا عينيها فوراً، وشعرت بريبة تسري في جسدها. تسللت من السرير ببطء شديد، وخطت بخطوات حافية خفيفة للغاية نحو باب الغرفة. فتحت الباب ثغرة صغيرة لا تتعدى السنتيمترات، وتطلعت عبرها إلى الصالون.
كانت الإضاءة في الخارج خافتة للغاية، حمراء داكنة.
تسمرت ألبا في مكانها وانقبض قلبها وصُدمت مما رأته: كان خافي يجلس على الأريكة، وحوله ثلاثة من أصدقائه بأشكالهم المتمردة و وشومهم الغريبة. كانت هناك زجاجات وعبوات معدنية، وأحجام صغيرة من الأكياس الشفافة... كانوا يتعاطون المواد المخدرة ويتسامرون بصوت خفيض.
في البداية، كان خافي يستند برأسه للخلف، مغمض العينين، ولم يلاحظ وجودها مطلقًا بين ظلال الباب المورب.
لكن أحد أصدقائه، الذي كان يجلس في الزاوية المقابلة لراهن الغرفة ويستعد لتدخين لفافته، رفع رأسه بالصدفة. التقت عينان الشاب الشاحبتان بعيني ألبا المتسعتين من بين ثغرة الباب.
لترتسم على شفتيه ابتسامة بطيئة وساخرة تحت تأثير المواد المخدرة، ونغز خافي بكتفه مستغربًا ومستمتعًا بالمفاجأة، ثم قال بصوت مبحوح وساخر وصل مسامع ألبا بوضوح:
"ياه يا خافي... منذ متى وأنت تحتفظ بقطة جميلة في منزلك ولا تخبرنا؟"
توقف خافي عن الحركة تمامًا. فتح عينيه ببطء، وتلاقت نظراته الحادة المظلمة مع عيني ألبا الشاخصتين نحو الصالون...توقف خافي عن الحركة تمامًا، وحوّل نظراته المظلمة والحادة فورًا نحو الشاب الذي تحدث، فخرس الصديق وتلاشت ابتسامته الساخرة تحت ثقل تلك النظرة الصارمة.
التفت خافي ببطء نحو ثغرة الباب حيث تقف ألبا و انخفضت ملامحه الحادة قليلاً، وتلاشت قسوتها أمامها. رفع يده ببطء وتأنٍّ، وجعل أطراف أصابعه تومئ لها بالحركة... كانت إشارة هادئة، لطيفة وواثقة، أخذت ألبا نفساً عميقاً، وضغطت بيدها على قلبها لتستعيد ثباتها و أزاحت الباب ببطء وخطت إلى الخارج بثبات، متجاهلة نظرات أصدقائه المندهشة و المتفحصة.
وقف خافي من مقعده فوراً بمجرد أن خطت أول خطوة نحو الصالون، وحجبها بجسده العريض عن أعينهم، متحملاً مسؤولية حضورها في هذا الوقت وهذه الظروف.
التفت خافي نحو أصدقائه بصوت صارم بارد كالجليد لا يقبل النقاش:
"جمعتكم انتهت هنا... أجمعوا أشيائكم واخرجوا فوراً."
تبادل أصدقاؤه النظرات بحيرة وانسحبوا من الشقة بسرعة ودون اعتراض، مُدركين من نبرته القاطعة أن الخطأ معه في هذه اللحظة ليس خيارًا صائبًا.
ما إن أُغلق الباب الخارجي خلفهم وعاد الصمت ليُخيم على المكان، حتى التفت خافي نحو ألبا. لكنه لم يكد يخطو خطوة واحدة باتجاهها حتى اختل توازنه فجأة؛ بدأت عيناه تظلمان تحت تأثير المخدر والإرهاق الشديدين، وترنح جسده العريض للأسفل وكأنه على وشك السقوط على الأرض.
نسيت ألبا في تلك اللحظة صدمتها وغضبها، ودفعتها أنوثتها ورغبتها الصريحة في حمايته كما حماها هو إلى التحرك بلمح البصر.
قفزت نحو الأمام وأمسكت بذراعيه وجسده الثقيل قبل أن يرتطم بالأرض، متحمّلة ثقله وشدة إرهاقه. استند خافي عليها بغير وعي كامل، ورأسه يميل بالقرب من كتفها، بينما انفاسه الثقيلة تلامس عنقها.
قالت ألبا بصوت يملؤه القلق والصرامة، وهي تحاول التشبث به وقادته نحو الأريكة القريبة:
"تمسّك بي يا خافي... لن أتركك تسقط، هيا، خطوة واحدة بعد."
فتح خافي عينيه بصعوبة ورمق ملامحها القريبة جَدًا منه، ورغم تغييب المادة المخدرة لذهنه، كانت هناك ابتسامة دافئة مرسومة على شفتيه وهو يشعر بمسكتها الحنونة والقوية في آن واحد.
همس بصوت مبحوح كادت لا تسمعه:
"تُحذرينني من السقوط... وأنتِ من تجعلين الأرض تميد بي يا ألبا..."
أجلسته بحذر على الأريكة الجلدية، وجلست بجانبه وهي لالتقاط أنفاسها و دقاتها، تنظر إلى وجهه المتعب وعينيه الغائبتين، متسائلة بينها وبين نفسها كيف لرجل بهذا الكبرياء والقوة أن يحمل كل هذا الدمار والجمال في جوفه.استند خافي برأسه إلى ظهر الأريكة وأغمض عينيه ببطء، أنفاسه ثقيلة وخطواته ملغاة تمامًا بفعل المخدر والإرهاق.
نهضت ألبا ببطء وأتت بالغطاء الثقيل من غرفته، ثم انحنت فوقه و غطت به جسده بعناية وحرص، تُعدّل أطرافه حول كتفيه العريضين كي يدفأ وسط برودة الليل.
لكن المحامية التي بداخلها، والتي ترفض رؤية شخص تمتلك تجاهه كل هذه المشاعر يعبث بحياته وشبابه، لم تستطع الكتمان أكثر من ذلك.
جلست على طرف الأريكة بجانبه، ونظرت إلى وجهه المتعب المسترخي تحت إضاءة الصالون الخافتة. وقالت بصوت هادئ لكنه يفيض بالحزن واللوم الصريح:
"لماذا تفعل هذا بنفسك يا خافي؟ دائمًا تختار الطريق الأشد قسوة ودمارًا... الهروب بالسرعة والسباقات، ثم تسميم جسدك بهذه السموم؟"
ساد الصمت لثوانٍ، ظنت خلالها أنه غرق في النوم ولم يسمعها. لكن خافي أزاح عينيه ببطء، وتطلع إلى ملامحها القريبة القلقة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة ومجروحة، ثم همس بصوت مبحوح:
"الهروب هو الطريق الوحيد لتصميت الأصوات في رأسي يا ألبا... بعض العقول لا تهدأ إلا عندما تجبرها على الصمت."
تجمعت نظرة عتاب حنونة في عيني ألبا، وانحنت قليلاً لتكون قبالة وجهه تمامًا، وقالت بنبرة حازمة ودافئة:
"هذا ليس حلاً، هذا انتحار بطيء... القوة التي تستعرضها أمام العالم في الخارج لا معنى لها إن كنت تنهزم أمام نفسك في هذا الصالون المظلم."
لم يقدر خافي على الرد هذه المرة؛ فقد لامست كلماتها نقطة مؤلمة في عمق روحه. رفعت يدها ببطء وأزاحت خصلة شعر مبللة عن جبهته، ثم قالت بخفوت:
"سأبقى بجانبك الليلة... لكن إن أردتني أن ابقى حقًا، فعليك أن تتوقف عن إيذاء نفسك بهذه الطريقة."
أغمض خافي عينيه مجددًا وهو يشعر بدفء لمستها وصدق كلماتها، لتهدأ أنفاسه ببطء، ويستسلم للنوم أخيراً وهو يعلم في أعماقه أن هذه المحامية لم تعد مجرد عابرة في حياته. رفع يديها وربط بين أصابعها، ثم أمال رأسه الثقيل بين يدي ألبا الدافئتين، متلمسًا الأمان الذي حُرم منه لسنوات.
انكمشت ملامح ألبا بالشفقة والحنان، وسكنت يدها تحت خدّه المائل، تشعر بدفء بشرته وتسارع أنفاسه الخفيفة التي بدأت تهدأ تدريجيًا.
همس خافي بصوت متقطع خفيض، ورأسه ما زال مستريحًا بين كفيها:
"لا أحد يتحدث معي هكذا يا ألبا... الجميع هنا إما يخافون مني، أو يريدون شيئًا مني... أنتِ الوحيدة التي ترين الشياطين التي تطاردني."
مرّرت ألبا إبهامها برفق شديد على وجنته، واقتربت منه قليلاً لتهمس بجانب أذنه بصوت يملؤه الثبات والعطف:
"لأنني لا أخاف من ظلامك يا خافي... ولن أسمح لك بأن تدمر نفسك بينما أنا هنا."
ارخى خافي جسده و لم يجبها مستسلما لنوم عميق
و مع إشراقة الصباح، أخذت أشعة الشمس الدافئة تتسلل عبر الستائر المفتوحة لترسم خطوطًا ذهبية على أرضية الصالون الخشبي.
فتح خافي عينيه ببطء شديد. كان رأسه ثقيلاً من أثر الليلة الماضية، لكنه شعر بهدوء وسكينة غريبة . تحرك ببطء وحذر، ليجد أن رأسه ما زال مستقرًا بالقرب منها...
كانت ألبا نائمة بجانبه على أطراف الأريكة، وقد أجهدها التعب والسهر، يميل رأسها للخلف بطفولية ناعمة، وبعض خصلات شعرها داكنة اللون ملقاة على وجهها، بينما يداها ما زالتا تحيطان به وكأنها كانت تحرسه حتى غلبها النوم.
تصمر خافي في مكانه، و اتسعت عيناه وهو يتأمل ملامحها الهادئة والواثقة حتى في نومها
رفع يده ببطء شديد، و بأطراف أصابعه الخشنة أزاح خصلة الشعر المتمردة عن وجهها بكل رفق ولين و انحنى فوقها برفق شديد يطبع شفتاه على جبينها ، حريصًا للغاية ألا يوقظها من نومها العميق. نهض بخفة فائقة كالفهد ، ووضع إحدى يديه تحت ظهرها والأخرى تحت ركبتيها، ثم رفعها بين يديه بسهولة وكأنها لا وزن لها.
انكمشت ألبا في نومها وقربت رأسها من صدره بغير وعي، تستنشق رائحة خشب الأرز الجلدية الخاصة به. أغمض خافي عينيه لثانية يستشعر القرب والدفء، ثم مدّدها بحذر شديد على الجزء الأكبر والمريح من الأريكة في مكانه، ورفع الغطاء الثقيل ليغطيها به حتى كتفيها بعناية.
استقر نظر خافي على حقيبتها الجلدية الملقاة على الطاولة القريبة. أخرج هاتفها الذكي ببطء، ليبحث في قائمة الاتصالات أو الرسائل الأخيرة، حيث وجد رقم قسم مكتب المحاماة أو جهة التدريب الجامعي الخاصة بها.
ابتعد بضع خطوات نحو النافذة كي لا يقلق نومها، ثم أجرى الاتصال.
عندما جاءه الرد من الطرف الآخر، غير خافي نبرة صوته الحادة المعتادة إلى نبرة رسمية، هادئة :
"مرحبًا... أتصل نيابة عن الأنسة ألبا. انا… أنا حبيبها ،هي مريضة جدًا هذا الصباح وتمر بوعكة صحية طارئة تمنعها من الحضور اليوم. ستتواصل معكم فور تحسن حالتها."
أغلق الخط ببرود وسلاسة قبل أن يتلقى أسئلة إضافية، ثم وضع الهاتف بهدوء بجانب وسادتها و عاد للمطبخ .
و عندما انارت اشعت الشمس كامل الغرفة ،استيقظت ألبا ببطء ، وتفاجأت بأنها مستلقية براحة تامة في منتصف الأريكة والغطاء يغمرها بدفء.
لكن قبل أن تستوعب كيف انتقلت إلى هنا، وصل إلى مسامعها صوت أنين مكتوم ومؤلم قادم من الحمام القريب!
قفزت ألبا من الأريكة فوراً وتخلت عن كل أثار النوم. ركضت نحو الباب المفتوح جزئياً للحمام، لتنخلع روحها مما رأته:
كان خافي جائثياً على ركبتيه أمام المغسلة، يتقيأ بشدة وجسده الضخم يرتجف بالكامل من شدة الإعياء والتسمم الذي أحدثته المواد المخدرة في جسده الليلة الماضية. كان وجهه شاحباً كالأوراق، والعرق البارد يتصبب من جبهته ورقبته.
"خافي!"
صرخت ألبا بنبرة يملؤها الهلع والخوف الصادق، وجثت بجانبه فوراً دون تردد.
رفعت يديها لتثبيت كتفيه العريضين ومساندته، بينما رفعت يدها الأخرى لتمسك بجبهته الساخنة وترد شعره المبلل إلى الخلف حتى يستطيع التنفس. كان يتنفس بصعوبة بالغة و يئن من ألم معدته، بينما يُحاول جاهداً الابتعاد عنها كبرياءً منه حتى لا تراه في هذه الحالة المزرية.
قال بصوت مبحوح ومتقطع وهو يحاول دفع يدها برفق:
"ألبا... ابتعدي... لا تنظري إليّ هكذا..."
لكن ألبا لم تبتعد إنشاً واحداً. ضغطت على كتفه بقوة وحنان، وقالت بنبرة حازمة وبدأت الدموع تتجمع في عينيها:
"لن أبتعد يا خافي! تمسك بي... أنا معك، اخرج كل هذا السم من جسدك."
فتحت صنبور الماء البارد، وبللت منشيلة صغيرة وبدأت بمسح وجهه وعنقه برفق ولين، وهي تنظر إلى عينيه الحمراوين أثراً للتعب والسموم، رفع نظره اليها و هو يرى خوفها ليهمس و هو يستند إليها ليقول بصوت متألم :" لقد… اتصلت بجامعتك …"
لتقاطعه بعتاب :" اصمت…. لا تجهد نفسك ، انسى امري و انظر لحالتك"
ليسعل و يخبرها وهو يحاول التماسك :"لا ..أنا بخير اهدئي .."
كان جسده يرتجف بشدة، وشحوب وجهه يزداد بطريقة مرعبة كأن الحياة تنسحب منه ببطء. سعل بقوة واستند بجبهته الباردة على حافة المغسلة، يحاول التقاط أنفاسه التي أصبحت متقطعة وصفيرها يعلو في الحمام الضيق.
شعرت ألبا برعب حقيقي يتسلل إلى قلبها؛ لم تكن هذه مجرد أعراض تعب عادية، بل انخفاض حاد في ضربات القلب و تسمم جسدي واضح.
أمسكت بوجهه بين كفيها وجعلته ينظر إليها، لكن عينيه كانتا غائبتين تماماً، وثقل جسده بدأ يزداد وكأنه يفقد الوعي تدريجياً.
"خافي! انظر إليّ... خافي! لا تغمض عينيك!"
صرخت بنبرة تهتز خوفاً، لكنه لم يستطع الرد، واكتفى بضم جفنيه بتعب شديد وهبوط رأسه على كتفها.
دفعتها نوبة الخوف هذه إلى التصرف فوراً؛ مسحت وجهها بجرأة و اخذت نفسا عميقا محاولة الا يسكت قلبها من توتر ، وسحبت جسده بجهد أليم لتميل به خارج الحمام. اسندته على الجدار خطوة بخطوة وهي تحاول موازنة ثقله، حتى أطجعتْه على السرير الأسود في الغرفة.
ركضت ألبا نحو المطبخ، وأحضرت ماءً بارداً، وقليلًا من المكر مع الرشات الخفيفة من الملح والسكر لتحضير محلول سريع يرفع ضغطه المنخفض، مع مناشف رطبة وضعتها على رأسه وعنقه.
جلست على طرف السرير، ورفعت رأسه بحذر شديد لتسقيه رشقات صغيرة جداً من الماء، بينما كانت يداها ترتجفان وهي تمسح قطرات العرق البارد عن صدره وجبينه.
انحنت عليه وقالت بصوت هادئ ومبحوح بالقرب من أذنه، تحاول إبقاءه متمسكاً بالحياة:
"قلتَ لي البارحة أنني في أمان هنا و انك معي ... والآن دوري يا خافي. لن أسمح لهذا السم أن ينتصر عليك …انظر اليّ أنتقم منك إن تركتني وحدي في هذا الظلام! "
فتح خافي عينيه لثوانٍ معدودة بصعوبة بالغة، ورأى دمعة سقطت من عين ألبا لتستقر على وجنته. حاول رفع يده ليمسحها، لكن أطرافه كانت مشلولة تماماً من التعب، فاكتفى بضغط خفيف جداً على يدها التي تمسك بيده، وأغمض عينيه مجدداً ولكن هذه المرة بنبضات قلب بدأت تتزن ببطء... مستسلماً لرعايتها.
انتقل خافي إلى نوم عميق وبارد بعد أن استقرت ضربات قلبه ببطء، واستسلم جسده المنهك للراحة تحت تأثير المحلول والمناشف الدافئة التي أعدتها.
1 قراءة
0 إعجاب
1 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (1)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول
منذ 11 ساعة
اقتراحاتكم و اراءكم احبائي تهمني ساسعد كثيرا لو شكرتموني ايها 😍

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.