الفصل الثالث عشر : " نفسا جديد"
استيقظ خافي أولاً، وتطلع إلى وجهها المسترخي بجانبه بابتسامة حنونة وممتنة. انحنى نحوها وطبع قبلة خفيفة على خدها، ثم همس بنبرة دافئة:
"ألبا... استيقظي يا فتاتي، لقد حل الصباح."
لكن ألبا لم تحرك ساكناً؛ انكمشت أكثر تحت الغطاء، ودفنت وجهها في الوسادة بتذمر لطيف، رافضة الاستيقاظ ومتمسكة بالدفء والهدوء بين يديه.
ابتسم خافي بعبثية وجاذبية، واقترب منها أكثر يحاصرها بذراعيه، وهمس قرب أذنها ببطء:
"المحامية الشرسة ترفض الاستيقاظ؟ أم أن ليلة البارحة كانت أثقل مما تحتملين؟"
فتحت ألبا عيناً واحدة ببطء، ونظرت إليه بنظرة حادة وملاعبة تحمل كل الكبرياء والدلال، قبل أن تغلق عينها مجدداً وتسحب الغطاء فوق رأسها محاولة الهروب من الصباح ومن ابتسامته الماكرة.تسلل صوت خافي الضاحك ليخترق حاجز الغطاء، ولم يترك لها مجالاً للهروب؛ إذ جذب الغطاء برفق ودون سابق إنذار، لتبدو عيناها الممتلئتان بالنعاس والتذمر الجميل تحت ضوء الصباح الخفيف.
مدّ ذراعيه ليحيط بخصرها ويجذبها نحو صدره مباشرة، وهمس قرب أذنها بصوت مشبع بالحنان والمكر:
"لا تحاولي الهروب يا محاميتي ... الشمس أشرقت، ودانيلو قد يعود في أي لحظة ويطردنا من مملكته."
فتحت ألبا عينيها تماماً، ونظرت إليه بتذمر مصطنع ودلال أنثوي آسر، ثم مدت ذراعيها ببطء تطوق رقبته، وقالت بصوت خفيض بحاح إثر النوم، وفي عينيها لمعة تحدٍ مشاكس:
"فليعود... وليفعل ما يشاء، لست مستعدة لمواجهة ضجيج العالم الخارجي ولا وجه كلوي بعد."
ابتسم خافي بعمق، وهدأت ملامحه وهو يطبع قبلة طويلة ودافئة على جبهتها، مغرماً بكل تفصيلة فيها وفي دلالها الذي يملك قلبه تماماً و بينما كانا غارقين في لحظة الدفء والتكاسل الصباحي، انفتحت بوابة الورشة السفلى فجأة، وترددت أصوات أقدام وضحكات مألوفة تصعد الدرج ببطء.
كان ذلك صوت ماركوس ونبرة سوفيا العالية وهي تتناقش مع دانيلو الذي كان يحاول تعطيلهم بابتسامة مرتبكة ورفع صوت عمداً ليحذر من في الأعلى:
"انتظروا ... قد لا يكون الملحق المزدوج جاهزاً للزيارة الآن!"
في لحظة، اتسعت عينا ألبا بذعر خاطف. شهقت بخفة وسحبت الغطاء فوراً لتلفّ به جسدها العاري بالكامل، واختبأت خلف كتف خافي، مشدّدة الغطاء على صدرها بكبرياء ، متمتمة بغضب خفيض:
"خافي! إنهم صاعدون... ارتدي شيئاً فوراً!"
أما خافي، فبقي مستلقياً بكل أريحية وبرود، وابتسامة عابثة ومسترخية ترتسم على شفتيه. لم يكترث لكونه عارياً أو لمفاجأة الاقتحام، بل اكتفى بسحب وسادة وسند رأسه عليها بثبات تام، وكأنه صاحب المكان والزمان.
وفجأة، دخل ماركوس وسوفيا الغرفة خلف دانيلو، ليتوقف الجميع في مكانهم فوراً!
تجمدت سوفيا في مكانها، واتسعت عيناها بذهول قبل أن تغطي وجهها بكفيها وتضحك بصوت عالٍ، بينما صفر ماركوس بتعجب خفيف وابتسم بمكر وغمز لخافي قائلاً:
"أوه... يبدو أن دانيلو لم يكن يمزح أبداً بشأن التغطية!"
أما خافي، فنظر إليهم ببرود جذّاب وابتسامة ساخرة، وقال دون أن يتحرك أو يغير جلسته:
"صباح الخير جميعاً... هل نسيتم كيفية طرق الأبواب، أم أن الورشة أصبحت متنزهاً عاماً اليوم؟"
انفجر دانيلو ضاحكاً وهو يمسك بمقبض الباب، ونظر إلى المنظر أمامه—ألبا المختبئة تحت الغطاء بخجل وكبرياء، وخافي المسترخي بكل برود وعري بلا أي اهتمام.
هز دانيلو رأسه بقلة حيلة، وقال بابتسامة واسعة ونبرة ساحرة ومرحة:
"انظر إليكما... أنتما مجنونان بحق! رسام وشوم ومحامية؟ أي مزيج مجنون هذا الذي يجمع بين الحبر والقانون؟!"
ضحك ماركوس مؤيداً، بينما ابتسمت سوفيا بمكر وهي تنظر إلى ألبا المختبئة قائلة:
"يبدو أن القانون استسلم بالكامل لمشرط الحبر والوشم ليلة البارحة!"
احمرّ وجه ألبا خجلاً، ورمقتهم بنظرة حادة من فوق الغطاء محاولة استعادة هيبتها كمحامية، بينما قلّب خافي عينيه بسخرية محببة، ثم انحنى نحو ألبا وطبع قبلة خفيفة على كتفها العاري الظاهر من تحت الغطاء أمام أعينهم جميعاً، ليغيظهم قائلاً بثقة:
"القانون والحبر يكتبان أروع القصص يا صديقي... والآن، ألا تنوون إغلاق الباب و إعطاءنا بعض الخصوصية للنهوض؟"
ضحكت سوفيا بصوت عالٍ وهي تسحب ماركوس من ذراعه نحو الخلف، بينما أومأ دانيلو برأسه متقبلاً الهزيمة وقال بنبرة ضاحكة:
"حسناً حسناً يا حضرة المحامية والرسام المجنون! ننتظركم في الأسفل... قهوة الصباح على حساباتنا اليوم."
استدار الثلاثة وأغلق دانيلو الباب خلفهم بخفة، ليعود الهدوء إلى الغرفة المضيئة بنور الصباح.
تنفسّت ألبا ببطء وأطلقت تنهيدة طويلة، ثم التفتت فوراً نحو خافي وضربت كتفه العاري بالوسادة بقوة خفيفة وهي تصيح بحنق ودلال:
"هل أنت مجنون بحق؟! كيف تستلقي هكذا أمامهما دون أي قميص حتى؟! أين ذهب حياؤك يا خافي؟!"
أمسك خافي بالوسادة منها بخفة، وجذبها من يدها لتسقط على صدره مجدداً. التقت عينيه بحدقتيها المشتعلتين بالخجل، وابتسم بجلادة وثقة أذابت غضبها في لحظة، ثم همس وهو يمرر يده على خصرها تحت الغطاء:
"ليعرف الجميع أنكِ ملكي... وليعلم العالم كله أن المحامية الشرسة لا تلين إلا في حضن هذا الرسام."
عقدت ألبا حاجبها محاولة الحفاظ على قسوة ملامحها، لكن الابتسامة تسللت رغماً عنها إلى شفتيها. زفرت براحة وسندت رأسها على صدره الدافئ مجدداً، مستمتعة بثوانٍ أخيرة من الهدوء قبل أن يخوضا معاً المعركة المنتظرة في الأسفل.
وبعد دقائق كانت الاحن في تاريخهما نهضت ألبا ببطء واستعادت هيبتها وقوامها الرزين، وارتدت ملابسها بعناية لتبدو بكامل أناقتها ورقيها كعادتها. أما خافي، فقد جلس على طرف السرير ينظر إليها بعينين هادئتين ويراقبها بإعجاب صامت.
التفتت إليه وهي تعدل شعرها أمام المرآة الصغرى، وقالت بابتسامة خفيفة ونبرة تحمل كبرياء المحامية:
"سأنزل قبلك... لا أريد أن ندخل معاً فيبدو الأمر وكأننا نختبئ أو نتهرب او حتى ارى حبيبتك كلوي ."
ابتسم خافي بروقان وهز رأسه متفهماً، وقال بصوت بحاح:
"كما تشائين يا سيادة المحامية... انزلي وافترسيهم ببرودك، و سألحق بكِ فوراً."
فتحت ألبا الباب ونزلت درجات السلم الهادئة بخطوات واثقة وثابتة.
وما إن وطأت قدمها أرض الورشة السفلى، حتى توقفت أحاديث دانيلو وماركوس وسوفيا الجانبية، والتفتوا جميعاً نحوها. ابتسم دانيلو بذكاء ورفع فنجان القهوة تحية احترام وتقدير لشجاعتها وكبريائها، بينما استقبلتها سوفيا بابتسامة دافئة مرحبة، لتثبت ألبا أن حضورها وقارها دائماً يتسيدان الموقف.تلاشى الدفء في جو الورشة فجأة، وهبط صمت ثقيل كسر كل اللحظات اللطيفة التي سبقتها. لكن الهدوء لا يدوم في حياتهم أبدا دون شوائب إذ انفتح الباب الخارجي بحدة، ولطم البرود المكان مع دخول كلوي.
كانت ملامحها شاحبة، مشدودة، وعيناها تدوران بقلق واضطراب شديدين، تجران خلفهما هالة من النكد والتوتر. توقفت خطواتها في منتصف الورشة فور أن وقعت عيناها على ألبا الواقفة بكامل ثباتها وأناقتها.
نظر دانيلو وماركوس وسوفيا إلى بعضهم البعض بارتباك صامت، وتراجع دانيلو خطوة للخلف وهو يضع فنجان القهوة جانباً، متوقعاً العاصفة القادمة.
ثبّتت كلوي نظراتها الحادة والمشحونة في عيني ألبا، وصاحت بنبرة تهكمية مرتجفة محملة بالغيرة والحرقة:
"يا للمفاجأة... المحامية الوقورة تقضي ليلتها في ورشة مهجورة! هل انتهت حججكِ القانونية فبدأتِ بتمثيل دور الضحية هنا ايتها العاهرة ؟"
لم ترمش لألبا عين. وقفت بثبات كامل،عدلت دقات قلبها ونظرت إلى كلوي بنظرة شمولية حادة خالية من أي خوف، واضعة يديها في جيبها ثم قالت بنبرة هادئة ومتزنة خالية تماماً من أي انفعال:
"أنتِ حامل يا كلوي... اهدئي ولا توتري نفسكِ، هذا ليس جَيّداً لصحتكِ. لم أكن هنا ليلة البارحة، بل كنتُ مشغولة في المحكمة لمتابعة بعض القضايا."
التفتت ألبا بذكاء وسرعة بديهة محامية نبهة نحو دانيلو، ووجهت له نظرة حازمة وثابتة تطالبه بشهادة حق تسد بها الباب أمام نوبة غيرة كلوي.
تدارك دانيلو الموقف فوراً، وسعل بخفة ليزيح الارتباك عن حنجرته، ثم خطى خطوة إلى الأمام متضامناً مع ألبا، وقال بنبرة جادة وواثقة كلياً ليؤكد كلامها:
"هذا صحيح يا كلوي... الأنسة ألبا وصلت للتو منذ دقائق معدودة لمناقشة أمور قانونية تخص الورشة، وكانت طوال البارحة في المحكمة والعمل. لا داعي لوضع افتراضات خاطئة."
لكن في تلك اللحظة بالذات، خيم صمت مشحون على المكان، ولم تكد كلوي تفتح فمها لتشكك في كلام دانيلو حتى تردد صوت خطوات ثقيلة وواثقة تنزل درج الملحق.
نزل خافي بخطى هادئة، يرتدي قميصه الأسود وعيناه الحادتان مسلطتان مباشرة على كلوي. لم تجف نظرة البرود عن وجهه، وكان حضوره كفيلاً بإشاعة هيبة ورهبة جمّدت الجو.
توقفت كلوي عن الكلام فور رؤيته، وتراجعت نظرتها الهجومية ليحل محلها ارتباك ملحوظ وحيرة، بينما بقي ماركوس وسوفيا يراقبان المشهد بوجوم حذر.
وقف خافي بجانب ألبا، دون أن يمسها لكن بقرب يعكس حمايته ووقوفه الصارم إلى جانبها، ثم نظر إلى كلوي وقال بنبرة خفيضة، حادة كالشفرة، وقاطعة لا تحتمل النقاش:
"دانيلو قال الحقيقة يا كلوي... وما يفترض أن يشغلكِ الآن ليس أين قضت ألبا ليلتها، بل صحتك والجنين. لا تتصرفي بطيش في مكاني."
صمتت كلوي لثوانٍ، وعيناها تنتقلان بين برود ألبا القاتل وقسوة خافي الصريحة، وتجلت في أرجاء الورشة حقيقة واحدة: أن كل محاولاتها لإحداث شرخ بينهما كانت تتحطم أمام جدار ثقتهما وثباتهما. امتلأت عيناها بالخيبة والدموع المكتومة، وتراجعت خطواتها للوراء بقلة حيلة. فرغم كل محاولاتها لإظهار القوة، أرهقها الشك والتعب الحقيقي لجذوة الحمل.
لاحظ خافي الانكسار في عينيها، وعلى الرغم من موقفها الهجومي، تذكر أنها تحمل جنيناً في أحشائها، وأنه المسؤول الوحيد عليهما ،لذا كسر قسوته الشديدة، وخطا خطوات هادئة ونبيلة نحو كلوي.
ركع أمامها ببطء على ركبة واحدة، وعيناه ممتلئتان بجدية ورقة بالغة. مدّ كفيه الحانيتين ليمسك بخصرها برفق، ثم انحنى بطمأنينة وطبع قبلة دافئة وطويلة على بطنها البارز.
ساد الصمت المطلق في الورشة؛ سكنت كلوي تماماً وانحسرت غضبتها لتجهش ببكاء خفيض وارتياح، بينما نظرت ألبا إلى المشهد بعينين ثابتاين ناضجتين—عينان تدركان أن نبض الحياة الصغير هذا ليس ذنبه شيء، وأن شهامة خافي ورعايته لهذا الجنين لن تنقص من مكانتها في قلبه شيئاً.
رفع خافي رأسه، وهو لا يزال جائثاً أمامها، وقال بصوت دافئ وخفيض:
"اهدئي يا كلوي... هذا الصغير لا يستحق كل هذا التوتر. أعدكِ أنني سأكون مسؤولاً عنه وعنكِ، فلا تقلقي."
مرت الأيام والشهور ثقيلة على الجميع، حتى بلغت كلوي شهرها الثامن من الحمل. وخلال هذه الفترة، كانت حالة ألبا الصحية تتدهور ببطء وصمت؛ ضعف قلبها المنهك يوماً بعد يوم حتى كاد المرض ينهيها، وغدت ملامحها شاحبة كالياسمين، لكنها ظلت تحتفظ بكبريائها ووقارها الصامت أمام الجميع.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!