الفصل التاسع : " رغم الالم "
انطلقت موكب السيارات نحو منزل خافي؛ قاد خافي دراجته النارية الاستثنائية بكل هيبة وشعور بالحرية بعد البراءة، وتجلس خلفه ألبا متمسكة بخصره بابتسامة دافئة، بينما تبعتهما سيارة ماركوس وسوفيا.
ولكن المفاجأة كانت وصول سيارة أجرة في ذات اللحظة أمام منزل خافي، ونزلت منها كلوي بملامح حاقدة، وهي تجر حقيبتها المليئة بالملابس وتضع يدها على بطنها بكل إصرار.
نزل خافي من دراجته وساعد ألبا على النزول، للتفاجأ المجموعة بوجودها تقف عند مدخل الباب.
تصلبت ملامح خافي، وخطى نحوها بغضب:
"ما الذي تفعلينه هنا يا كلوي؟! ألم ننهِ هذا الكلام في المحكمة؟"
ردت كلوي بحدة ومسكنة متقنة، وهي تنظر إلى ألبا وماركوس بثقة زائفة:
"أنا أحمل طفلك في بطني يا خافي! سواء أعجبك ذلك أم لا، فلن أترك هذا المنزل ولن أفرط في حقي وحق طفلي. أنا باقية هنا حتى تظهر نتيجة الفحص يوم ولادتي!"
نظرت سوفيا إليها بغضب وقالت:
"يا لها من وقاحة لا تُطاق!"
جاء ماركوس ليتدخل، لكن ألبا وضعت يدها على ذراعه لتهدئته.
نظرت ألبا إلى كلوي بنظرة ثاقبة وذكية، وقالت بهدوء وكبرياء:
"دعها تدخل يا خافي. إن كانت واثقة من ادعائها لهذه الدرجة، فلتبقَ تحت أعيننا جميعاً حتى يحين موعد الحقيقة... فالبيت يسع الجميع، لكن الحقيقة لا تتسع للكاذبين."
تطلع خافي إلى ألبا بامتنان كبير رزانتها وحكمتها كنا أساس القصة ، ثم فتح باب المنزل الكبير بدفعة حادة، وقال بنبرة تحذيرية حاسمة وهو ينظر لكوي:
"ستدخلين... لكنكِ هنا انت مجرد ضيفة غريبة حتى يثبت العكس. ولا تحلمي حتى بالاقتراب من غرفتي أو من ألبا."
لكن التفتت ألبا نحو خافي، وكانت ملامحها هادئة بشكل مستفز، وعيناها الناعمتان تجسدان كبرياءً لا يمكن كسره. وقفت بثبات وقالت بصوت ناعم:
"لا يا خافي... لن تفعل هذا."
نظر إليها خافي برجاء متلعثم: "ألبا، عما تتحدثين؟! كيف—"
قاطعتها ألبا بنبرة متزنة ومرفوعة الراس:
"تعاملها بلطف وكأنها زوجتك تماماً... وستنام هي في غرفتك وعلى سريرك حتى تلد وتجري الفحص. هذه المرأة تحمل طفلاً قد يكون من صلبك، والصحّة النفسية والجسدية لهذا الطفل هي مسؤوليتك الآن. أما أنا... فأنا هي الضيفة هنا يا خافي."
شهقت سوفيا بالصدمة، بينما خطى ماركوس خطوة للأمام مشدوهاً من حجم الشموخ والتضحية الذكية التي تفرضه ألبا على الجميع.
تقدم خافي نحو ألبا بقلب مكسور، وحاول الإمساك بيديها وهو يترجاها بعينين تدمعان:
"ألبا... أرجوكِ لا تفعلي هذا بي! السرير وغرفتي و قلبي لا يتسع إلا لكِ! أستضيفها في أي مكان آخر، لكن لا تطلبي مني أن أعيش معها كزوجين!"
سحبت ألبا يديها ببطء ورقة، ونظرت في عينيه بابتسامة باهتة مليئة بالكبرياء، وقالت وهي تنظر إلى كلوي بثبات:
"إن كانت كلوي صادقة، فهذا حق طفلها عليك... وإن كانت تكذب، فستكون هذه الغرفة سجناً لضميرها كل ليلة حتى تحين لحظة الفحص. أنا سآخذ الاريكة... ولن نغير هذا القرار."
استدار خافي بحيرة واندهاش، ونظر حوله في أرجاء المنزل وقال بنبرة مرتبكة ومحاولة لرفض هذا الوضع:
"لكن يا ألبا... بحقك كيف افعلها وانت تنامين على ريكة "
اندفعت سوفيا فوراً وقفت بجانب ألبا، وقالت بإصرار وحماس:
"ولن تنام بمفردها أبداً! الصالون يتسع لنا جميعاً، سأنام بجانبها ."
تقدم ماركوس هو الآخر،وكتف ذراعيه بابتسامة متضامنة وقال:
"وأنا سأحرس الصالون وأنام على الكنبة الأخرى. لن نترككِ لوحدكِما لحظة واحدة."
بقيت كلوي واقفة في منتصف ، وتجمّدت ملامحها المصدومة وهي ترى مخططها ينهار كلياً؛ كان أملها أن تخلو بخافي في الغرفة بمفردهما وتستغل الموقف، لكنها وجدت نفسها تتلقى نظرات الاحتقار والسخرية من المخلصين الثلاثة الملتفين حول ألبا كالجدار الصلب.
اقترب خافي من ألبا،و امسك يدها و اتجها لغرفة الوشوم وقف في داخل بعيدا عن جميع وعيناه تشتعلان بالوجع والعجز، ووقف أمامها متوسلاً بصوت خفيض:
"ألبا... أرجوكِ، كيف أقبل أن تنامي أنتِ على أريكة الصالون بينما هي تنام في غرفتي وعلى سريري؟! هذا يقتلني!"
نظرت إليه ألبا بنظرة ناعمة ولكنها مفعمة بالتحدي، وقالت بنبرة خفيضة أسمعتها له وحده:
"دعها تنام في الغرفة يا خافي... فالغرفة لن تجعلها زوجتك، والنوم على هذه الأريكة مع أصدقائي لن يقلل من كبريائي. اذهب إلى غرفتك، وأثبت لي ولنفسك أن كبرياءك وحبك لي أعظم من أي مكيدة."
أخذ خافي نفساً مكسوراً وهو ينظر إلى عيني ألبا، ورأى فيهما إصراراً لا يمكن لشيء في العالم أن يكسره.
تراجع ببطء، مطأطئ الرأس وكأنه أُحيل إلى زنزانة جديدة،لتقول هي و هي تجلس على كرسي الوشم :" ايها الرسام المهار اضنه الوقت المناسب لأخذ اول وش لي "
ارتفعت شفتي خافي في ابتسامة ساحرة ثم قال :" أنت متأكدة أيتها المحامية الجميلة ؟ اين ذهبت المبادئ التي عرفتها فيك "
ليشرق وجهها بضحكة خاطفة و تجيبه :" لا تدعني اندم على هذا أيضا! "
بادرها خافي بنفس الابتسامة ثم هادئة الغرفة تماما، لا يتردد سوى صوت أزيز إبرة الوشم الناعم، يتخلله ضوءٌ دافئ يتسلل عبر النافذة ليضيء التفاصيل الدقيقة ليديهما المتشابكتين. جلس خافي ممسكاً بكف ألبا الرقيقة بحرصٍ شديد، وكأنه يحمل قطعة من الزجاج النادر؛ كانت هذه هي المرة الأولى التي تجرؤ فيها على رسم أي وشم على جسدها الشفاف لذلك تركت له الخيار .
انحنى خافي بتركيز تام، لتهمس هي بخوف : خافي هل يؤلم ؟"
يبتسم وهو يقبل يدها :" ليس أكثر من وضعنا … إذن دعنا نخدع عقلك هذا .. عزيزتي ان انجبت ولدا يوما ماذا ستسميه ؟"
قطبت حاجبيها بتساؤل و قالت :" لما قلت ولد اريد فتاة!..حسنا ربما دازو … احب هذا الاسم كثير.. اه "
وحين صرخت كان خافي بيد ثابتة يخط اخر خط بحبره الأسود لشامساً صغيرة ناعمة بدقة متناهية على جلدها، بجانب عروق يدها تماماً حيث ينبض دمها الدافئ.
رفعت ألبا يدها لتتأمل الأثر الصغير الدائم، وابتسمت بنبرة يملؤها الحب والشرق، ثم همست وهى تنظر إلى عينيه:
"لماذا اخترتَ الشمس لي يا خافي؟"
ابتسم خافي برفق، ولمس بأبهامه مكان الوشم الصغير قائلاً بصوت دافئ:
"لأنكِ النور الوحيد الذي أضاء عتمة حياتي يا ألبا... ولأن الشمس هي مصدر الحياة، تماماً كما تفعلين معي."
أخذت ألبا الإبرة بجرأة ولطف، واقتربت من كف يده —وفي نفس الموضع تماماً بجانب عروقه البارزة— لتخطّ بنفسها قمراً هلالياً صغيراً يكمل اللوحة. وعندما انتهت، نظرت إليه بعينين تلمعان بالحنان وقالت:
"وأنا اخترتُ لك القمر... لأنه يستمد نوره من الشمس مثلنا ، ومهما طال الليل وغابت فيه الشمس، سيبقى القمر شاهداً يذكر العالم بأن النور كان هنا وسيعود."
تلاقت كفّاهما مجدداً، ليتجاور القمر الصغير والشمس الدقيقة جنباً إلى جنب كوثيقة عشق أبديّة؛ وشمين صغيرين بجانب النبض، يختصران حكاية روحين لن يفترقا مهما دهمهما القدر.
تأمل خافي عينيها ثم رفع يده ووضعها برفق على وجنتها، يداعب جلدها الناعم بأبهامه بينما تشابكت أصابعهما الأخرى لتلتصق الشمس مع القمر بجانب نبضهما.
اقترب منها ببطء، وعيناه تغرقان في عينيها اللتين تحملان كل أسرار الحب والوداع الوشيك. همس بصوت خفيض بحة الشغف:
"لن يغيب هذا النور أبداً يا ألبا... أعدكِ."
وانحنى يطبع على شفتيها قبلة دافئة، عميقة وهادئة، اختزلت كل المشاعر التي يعجز اللسان عن صياغتها؛ قبلة شربت من شهد حضورها واستحضرت العهد الأبدي بين روحيهما.
أغمضت ألبا عينيها واستسلمت للمسة شفتيه، لترتسم على وجهها ابتسامة صغيرة وهي تتنفس من أثيره، قبل أن تبعد رأسها ببطء وتسند جبينها إلى جبينه، مسحت البا دمعة تسللت منعينيها بسبب اختلاط المشاعر ثم قالت بصوت ناعم :" حسنا لا تجعلني ابكي الان يجب ان نصعد للاعلى و لا تنسى وعدك لي كلوي ستنام معك "
اومئ خافي برأسه و صعدا معا ما ان دخلا وجدا الجميع في صالون القى خافي السلام على ماركوس و سوفيا ثم التفت نحو كلوي ببرود حاد كالسيف، وشار بدقة نحو باب غرفته:
"اتبعيني... ولا تنطقي بحرف واحد."
دخلت كلوي الغرفة وهي تحاول إظهار التكبر، لكن قلبها كان يدق برعب؛ فقد أدركت أن دخولها الغرفة لم يقرّبها من خافي إنشاً واحداً، بل جعلها تعيش مع رجل يراها كابوساً ينظر بفارغ الصبر للحظة انقضائه.
أغلق خافي الباب خلفهما، ولم يلمس السرير؛ بل سحب وسادة وغطاءً وجلس على الأرض في أقصى زاوية من الغرفة، مسنداً رأسه إلى الجدار الصرد، وعيناه معلقتان بالباب... كأنه يحرس روح ألبا من خلف الجدران.
في الصالون، كان الجو مفعماً بالدفء رغم القسوة.
ساعد ماركوس وسوفيا ألبا في ترتيب الوسائد والأغطية على الأريكة الكبيرة. جلست ألبا في المنتصف، وبجانبها سوفيا التي وضعت يدها على يدها مكان الوشم بحنان وهما يتهامسان ، بينما استلقى ماركوس على الأريكة المقابلة وهو يبتسم بامتنان لصلابة ألبا.
قالت سوفيا بنبرة خفيضة ومبتسمة:
"لقد أربكتِ حساباتها تماماً يا ألبا... كانت تتوقع أن تبكي و تغادري، لكنكِ عدت و انت توشمين عهدا على يدك و يده مثبتِتا لها أن هذا بيتكِ وحقكِ قبل أن يكون حقها."
ابتسمت ألبا ابتسامة هادئة، وأغمضت عينيها وهي تستشعر نبضات قلبها التائهة بين حزن حبها وكبرياء موقفها، وقالت بنبرة ناعمة:
"البيت ليس الجدران ولا الأسرة يا سوفيا... البيت هو من يملك القوة لانتظار الحقيقة دون أن ينكسر. وخافي يستحق أن أنشئ له هذا الاختبار ليتحرر من ذنبه للابد."
ومع حلول منتصف الليل، ساد الهدوء أرجاء البيت، لكن أحداً لم ينم... كان كل طرف ينتظر الصباح، والكل يعلم أن معركة الصبر الحقيقية قد بدأت للتو تحت سقف واحد.
تبادل ماركوس وسوفيا نظرات دافئة وعاطفية في عتمة الصالون الهادئة، ثم اقتربت سوفيا من ماركوس واستندت رأسها على صدره على الأريكة الواسعة، ليلف ذراعه حولها بحنان وانسجام تام.
لاحظت ألبا هذه اللحظة الحميمة بينهما، وشعرت بموجة خفيفة من الخجل والارتباك؛ فلم ترغب في أن تصبح عائقاً أمام راحتهما أو تفرض وجودها بين زوجين يعيشان لحظة حب صادقة.
انسحبت ألبا بخطوات خفيفة جداً حتى لا تزعجهما، وسحبت معها غطاءً خفيفاً ووشاحاً، ثم فتحت الباب الزجاجي المؤدي إلى الشرفة الكبيرة للمنزل ببطء.
كان هواء الليل بارداً ينعش الأنفاس، والسماء مرصعة بالنجوم المشعة.
وقفت ألبا عند سور الشرفة، ولفّت الغطاء حول جسدها الشاحب، ونظرت إلى أضواء المدينة البعيدة. كانت دقات قلبها المريض تتصاعد بهدوء بين الحين والآخر، تذكرها بكل ما مرت به ليلة البارحة من ألم وخوف ومحاكمة، وبكل العواصف التي تحيط بحبها لخافي.
أغمضت عينيها واستنشقت هواء الليل العميق، بابتسامة صامتة ومزيج من الكبرياء والشوق الحارق الذي يعصر قلبها... غير مدركة أن خافي، من خلف زجاج غرفته المظلمة، كان يراقب طيفها الواقف في الشرفة بقلب مكسور ويموت ألف مرة لعدم قدرته على الوقوف بجانبها وتدفئتها بين ذراعيه.
اشتَد بريد الليل وهبّت نفحة هواء قارسة جعلت ألبا ترتجف في مكانها وتضم الغطاء الخفيف حول جسدها أكثر.
لم يستطع خافي الاحتمال؛ تسلل ببطء من غرفته كي لا يزعج أحداً، وسحب غطاءً ثقيلاً ودافئاً ثم خرج إلى الشرفة. اقترب منها بهدوء وضعه على كتفيها بحنان بالغة، ملامساً طرف يدها الباردة.
نظر في عينيها بنبرة ممتلئة بالخوف عليها والرجاء:
"الجو بارد جداً يا ألبا... لا أريدكِ أن تمرضي، أرجوكِ اعتني بنفسكِ."
ردت عليه ألبا بابتسامة باهتة وناعمة، وأومأت برأسها شاكرةً اهتمامه الدافي.
في تلك اللحظات داخل الغرفة المغلقة، كانت كلوي تتقلب على السرير وترتجف هي الأخرى من شدة البرد والتوتر، وضغط الخوف من خسارة كل شيء يلفها.
عندما عاد خافي إلى الغرفة ليطمئن على الوضع، رأى كلوي في حالة ارتباك وترتجف بشكل ملحوظ وهي تمسك ببطنها. ورغم كل غضبه منها، تحرك فيه بدافع الإنسانية والمسؤولية تجاه الطفل الذي قد يكون طفله، فاقترب منها وضمّها بهدوء وجفاف بين ذراعيه ليمدّها بالدفء، دون أن يحمل في قلبه أي مشاعر تجاهها سوى واجب الرعاية.
في هذه الأثناء، قررت ألبا العودة إلى الداخل بعد أن اشتد البرد في الشرفة. سارت بخطوات خفيفة ونظرت بلمحة سريعة نحو الغرفة، ورأت خافي يحتضن كلوي ليدفئها.
حبست ألبا أنفاسها، وغطت حزنها بابتسامة كبرياء صامتة، ثم اتجهت مباشرة إلى الصالون. استلقت على الأريكة المتبقية بجانب سوفيا وماركوس اللذين كانا نائمين بعمق، ولفّت الغطاء الدافئ حولها، وأغمضت عينيها تستسلم للنوم بعد يوم طويل ومجهد.
تسللت أشعة الشمس الذهبية من خلال زجاج الصالون، لتعلن عن بداية صباح جديد محمل ; بالتوتر والترقب تحت سقف هذا المنزل.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (1)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخول