the sacrifice
the sacrifice
جزء 6 من 4
وضع القراءة:

الفصل الرابع : ذروة البداية

عاد خافي إلى الاستوديو المظلم وحده. دفع الباب المكسور الزجاج بيده دون أن يكترث للجروح الصغيرة التي خلّفتها الشظايا على أصابعه، وجلس على كرسيه المعتاد وسط الفوضى التي خلّفتها العصابة. التقط آلة الوشم من على الطاولة، وأخذ يديرها بين أصابعه بتفكير عميق، بينما كان اسم "الرئيس" الذي تردد قبل قليل يطرق رأسه كطرقة باب قديمة لم يظن يومًا أنها ستُفتح من جديد.
(قبل سنوات)
كان المرآب مضاءً بضوء أصفر خافت، ورائحة الزيت والمعادن تملأ المكان. وقف خافي شابا، بوشوم أقل عددًا مما يحملها الآن ، يمسح يديه بقطعة قماش متسخة، بينما جلس دييغو أو الرئيس كما يدعى الآن على كرسي معدني قديم، يدير مفتاحًا صغيرًا بين أصابعه بلا اكتراث ظاهري.
قال دييغو دون أن يرفع عينيه عن المفتاح:
"سمعتُ أنك فزت بالسباق الأخير بفارق نصف عجلة فقط."
رد خافي بجفاء، وهو يواصل تنظيف يديه:
"ماذا تريد دييغو؟، لما أتيت ؟."
ابتسم دييغو ابتسامة باردة، ورفع رأسه أخيرًا:
"أتيتَ لأنك مدين لي. أو نسيت من دفع ثمن تلك الدراجة التي تعتليها الآن كأنها امتداد لجسدك؟"
توقفت يد خافي عن الحركة للحظة. لم يرد، فواصل دييغو بنبرة أكثر هدوءًا وأكثر خطورة في آن:
"أبوك ترك دَينًا يا خافي، ولم يترك لك سواه. أنا لم آخذ منك شيئًا بعد و لا أضمن ذلك طويلا ."
رمى خافي قطعة القماش على الطاولة بحدة:
"دفعتُ الدَين بالسباقات. بالدم الذي سال من ركبتي مرتين. لا أدين لك بشيء بعد الآن."
ضحك دييغو ضحكة قصيرة وجافة:
"الدَين لا يُقاس بالدم يا فتى، بل بالوقت الذي أبقيتُك حيا الى حد الان و لست في سجن تفنى ."
جمد خافي في مكانه.اقترب دييغو خطوة، وخفضت نبرته أكثر:
"وهناك أمر آخر... أختي."
رفع خافي حاجبًا باستغراب حقيقي: "مابها كلوي؟"
"إنها معجبة بك منذ أن كانت في السادسة عشرة، وتتبعك كظل. لا أمانع هذا، بصراحة. رجل مثلك، بهذا القدر من التهور والولاء، قد يكون... مفيدًا للعائلة."
قطّب خافي حاجبيه بارتياب: "أنا لست بضاعة تُوزَّع يا ديغو، ولا زوجًا محتملًا لأختك لمجرد أنك تريد ذلك."
ابتسم دييغو ابتسامة لا تصل إلى عينيه، وادار المفتاح مرة أخيرة بين أصابعه قبل أن يقول بنبرة ختامية باردة:
"لم أطلب زواجًا يا خافي. طلبتُ فقط... ألا تنسى من يملك مفتاح ماضيك. وكلوي، إن أرادت شيئًا، فهي تعرف كيف تأخذه بطريقتها الخاصة. أنا لا أتدخل في ذلك."
خرج دييغو من المرآب تاركًا خافي وحيدًا، يحدّق في المفتاح الذي تركه على الطاولة عمدًا — تذكيرًا صامتًا بأن بعض الديون لا تُسدَّد بالمال ولا بالسباقات، بل تبقى معلّقة، تنتظر اللحظة المناسبة لتُستحصَل.
أفاق خافي من ذكرياته على صوت خطوات خفيفة تقترب من الزقاق. نظر نحو الباب الزجاجي المكسور، وارتفع رأسه ببطء ليجد ظلًّا يتوقف عند العتبة.
عندما وصلت إلى زقاق الاستوديو، كان الضوء الأحمر الخافت ما زال ينبض في الداخل. دفعت الباب ا، لتجده يجلس على كرسيه في الظلام، يمسك بآلة الوشم ، غارقا في تفكير عميق.
رفع خافي رأسه ببطء، وتفاجأ بوجودها تقف عند الباب، أنفاسها متسارعة من المشي السريع.
طالعها بذهول ونبرة :
"ألبا؟... ما الذي أتى بكِ مجدداً؟ الشارع ما زال خطر.. اخبرتك الا تعودي ."
خطت ألبا خطوة ثابته نحو الداخل، وقالت بنبرة واثقة يمتزج فيها الإصرار بالهدوء:
"عدتُ لأنني لا أهرب من القضايا يا خافي... وعدتُ لأفهم حقيقة ما تورطتَ فيه، وكيف يمكن لخريجة قانون أن تمنعك من تدمير حياتك."
رفع خافي رأسه ببطء، وتلاقت عيناه بعينيها في عتمة المكان. ساد الصمت لثوانٍ معدودة، كان ينظر إليها بنظرة مشتعلة بالخوف والصرامة في آن واحد، قبل أن ينهض من مقعده بخطوات ثقيلة ومحسوبة.
وقف أمامها مباشرة، يفصلهما شبر واحد، وحجب الضوء الخافت بجسمه العريض يغرقها في ظله. أغمض عينيه لثانية محاولاً كبح عواطفه، ثم فتحها وهو يرمقها بنبرة حادة وباردة، خالٍ تمامًا من أي دعابة:
"لا يمكنكِ يا ألبا... أقولها لكِ للمرة الأخيرة: ابقي بعيدة عن هذا العالم."
تراجعت ألبا انطباعًا من حدة صوته، لكنها حافظت على ثبات عينيها. استطرد خافي بصوت يقطر بالخطورة والواقعية القاسية:
"أنتِ تعيشين بين نصوص الكتب والقوانين، وترين العالم عبر الأوراق والعدالة النظيفة... أما أنا، فهؤلاء الأشخاص الذين رأيتهم الليلة لا يعترفون بكتبكِ، ولن يترددوا في إيذائكِ لمجرد أنكِ تقفين بجانبي. هذا ليس شجارًا في الشارع أستطيع حلّه بطلب مساعدة من شرطي، هذه لعبة بقاء... وأنا لا أسمح لأحد بالدخول إلى دائرة الخطر الخاصة بي، خصوصًا أنتِ."
عقدت ألبا ذراعيها وصمدت أمام نظراته المظلمة، وقالت بنبرة هادئة وواثقة لا تتزحزح:
"تظن أنك تحميني بإبعادي، لكنك لا تفهم أنني أصبحت جزءًا من القصة بالفعل... ولن أقف أراقبك تسقط في الهاوية وأنا أملك القدرة على منع ذلك."
اقترب خافي أكثر حتى لامست أنفاسه وجهها، وقال وهو يثبت عينيه في عينيها :
"إذن اسمعيها مني بوضوح يا حضرة المحامية... إن أردتِ الحفاظ على حياتكِ وعلى مستقبلكِ النقي، خطى خطوة إلى الخلف الآن... وأخرجي من هذا الباب ولا تعودي أبدًا."
وفجأة... وقبل أن تجيبه ألبا، تحطّمت زجاجة الباب الخارجي بضربة حادة، واهتزت جدران الاستديو بصوت خطوات ثقيلة ومُسرعة تقتحم المكان!
انكمشت ملامح خافي في كسر من الثانية، وتحول الغضب في عينيه إلى رعب حقيقي عليها. وبلا أي تردد، سحب ألبا من معصمها بقوة ولين في آنٍ واحد، يجرّها خلف الستارة الجلدية الثقيلة نحو غرفة التخزين الخلفية.
دفَعها ببطء إلى الزاوية المظلمة خلف الخزائن، ووضع يده الخشنة الموشومة على فمها بلطف ليمنع أي صوت قد يخرج منها، ودنى منها حتى كادت أنفاسهما تتداخل. قال بصوت خفيض جدًا وهو يثبت عينيه في عينيها المتسعتين رعبًا:
"مهما حدث... لا تتحركي ولا تخرجي أي صوت. هل تفهمين؟"
أومأت ألبا برأسها بصعوبة، وقلبها يخفق كالطبل في قفصها الصدري.
أرخى خافي يده، وسحب الستارة لغلق الثغرة تمامًا، ثم خرج إلى القاعة الرئيسية وهو يرسم على وجهه برودًا قاتلاً وقسوة تامة.
كان في الخارج ثلاثة رجال أضخم من السابقيْن، يتوسطهم رجل كبير في السن نسبيًا، يرتدي معطفًا فاخرًا ويحمل عصا ذات رأس فضي... إنه الرئيس.
طالع الرئيس الاستوديو المظلم بابتسامة باردة، ثم أشار بعصاه نحو خافي وقال بصوت حاد يقطر سلطة:
"أهلاً يا خافي... أعتذر عن الكسر، لكن رجالي أخبروني أنك أصبحت صعب المنال الليلة، وأن هناك 'محامية شابة' لسانها حاد كانت تتطوع بحمايتك قبل قليل."
وقف خافي بثبات، ووضع يديه في جيبي سرواله ببرود مستفز، وقال بصوت جاف:
"لا توجد محاميات هنا يا دييغو... كان مجرد زبونة عابرة وغادرت منذ ساعات. ما الذي تريده مني في هذا الوقت؟"
ابتسم الرئيس ابتسامة خبيثة، وخطا خطوة للداخل وهو ينظر حوله بفضول مريب، ثم قال بنبرة أمر لا تقبل النقاش:
"لا تكذب عليّ... عينانا رأتاها تعود إلى هنا قبل دقائق. هذه الفتاة سمعت ما لا يجب أن يسمعه أحد، وتعرف معلومات عن سباقات... أحضرها إليّ فورًا يا خافي، نريد أن نتحدث معها بأسلوبنا الخاّص! "
ساد صمت خانق في الاستوديو، ولم يُسمَع سوى صوت قطرات المطر التي بدأت تتساقط في الخارج. خلف الستارة في العتمة، كتمت ألبا أنفاسها وهي تضغط بيدها على صدرها لتهدئة ضربات قلبها المريض المتسارعة، تستمع إلى وقع خطوات العصابة الثقيلة.
تجمّدت ملامح خافي، ولم ترفّ له عين.ثم طالع الرئيس بنظرة ثاقبة وباردة كأنه صخرة لا تهتز، و قال بصوت مرعب في هدوئه:
"قلتُ لك... لا يوجد أحد هنا غيري. وإن كنتَ تظن أن بإمكانك جلب رجالك وتهديدي في مكاني لتبحث عن فتاة عابرة، فأنتم تخطئون العنوان."
تقدم أضخم الرجلين خطوة نحو خافي، وسحب سلاحاً نارياً من خلف حزامه ووجهه مباشرة نحو صدر خافي، بينما قال الرئيس بنبرة خبيثة:
"تُخاطر بحياتك من أجل محامية لا تعرف حتى اسمك الكامل؟ فتشوا الغرفة الخلفية!"
في تلك اللحظة بالذات، وبينما تحرك الرجل الآخر نحو الستارة الجلدية، التقط خافي زجاجة الحبر الكبيرة الثقيلة عن الطاولة بجانبه وضرب بها القاطع الكهربائي الرئيسي للجدار!
طاخ!
انفجرت شرارة كهربائية خاطفة وانطفأت أضواء الشارع الخافتة، ليغرق الاستوديو في ظلام دامس وتعمّ الفوضى المكان.
صاح دييغو بغضب، بينما سحب خافي سكيناً صغيراً من طاولته وضغط بمهارة على مفتاح الإنذار الصوتي الموصول بالشرطة ليتصاعد صوت صفارات خرق المبنى مدوياً في الزقاق!
قبل أن يستوعب الرجال ما يحدث في الظلام، اندفع خافي كالفهد نحو الغرفة الخلفية، شق الستارة وسحب ألبا بقوة من يدها قبل أن يصل إليها الرجل.
أمسك بخصرها وحماها بجسده وهو يهمس في أذنها وسط فوضى الأصوات والظلام:
"تمسكي بي جيداً... الآن!"
دفع باب الخلفي المخصص للطوارئ بقدمه، وخرج بها إلى الزقاق الخلفي الضيق والمطير، حيث كانت دراجته النارية تركن في الظل. ألبسها الخوذة بسرعة فائقة، و حملها عليها،
أدار المحرك بأقصى قوة ليحدث زئيراً مرعباً يغطّي على أصوات صراخ العصابة التي خرجت تركض خلفهما... شقّت الدراجة النارية الشوارع المبللة بسرعة جنونية، تتفادى السيارات والمنعطفات كالسهم، بينما كانت ألبا تتمسك بخصر خافي بقوة، واضعةً رأسها على ظهره المكسو بالجلد المبتل وهي تستمع لإيقاع أنفاسه المنتظمة رغم كل الفوضى.
لم يتوقف خافي عند بنايتها السكنية هذه المرة، بل واصل القيادة نحو الأحياء القديمة والتاريخية للمدينة، حتى دخل في زقاق هادئ وضيّق، وتوقف أمام بناية قديمة ذات طابع معماري دافئ وأبواب خشبية عتيقة.
1 قراءة
0 إعجاب
1 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (1)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول
منذ 20 ساعة
اراؤكم تهمني هل اكمل الرواية ؟😍

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.