الفصل الثامن : " المحكمة "
انقضى أسبوع كامل كأنه دهر بعد تلك الليلة . مرّت الأيام متثاقلة، حاولت فيها ألبا بكل ما أوتيت من قوة الاستمرار في روتين حياتها العادي. قضت الأسبوع بأكمله بين جدران مكتبها الصغير، لا تخرج إلا للنوم القليل الذي يسمح به قلبها المتعب. كانت الأوراق تتكدس أمامها كجدار: محاضر الشرطة، تقارير المخبرين السريين، شهادات دييغو ورجاله المتناقضة.
في الليلة الثالثة، وبينما كانت تقارن بين محضر التوقيف الأول ومحضر إعادة الحجز، توقفت فجأة عن الكتابة. رفعت الورقتين إلى الضوء، وقرأت التاريخ المدوّن في كل منهما مرتين.
همست لنفسها: "التوقيت... التوقيت لا يتطابق."
كان محضر ضبط "المداهمة على الاستوديو " مؤرخًا بساعة سابقة لوصول الدورية الفعلي المسجّل في سجل نوبات الشرطة نفسها — ثغرة إجرائية دقيقة، لكنها كافية لإسقاط الدليل الأساسي الذي بُنيت عليه التهمة كاملة.
جلست ألبا متسمّرة أمام الورقتين لدقائق طويلة، ثم ابتسمت ابتسامة باردة ومنتصرة، وكتبت في هامش الملف بخط سريع: "هنا... من هنا سندخل."
لكن هذه المثالية لم تدم طويلا .
خلال ذلك الأسبوع، زارت البا طبيبها الذي اخبرها انها ارهقت نفسها كثيرا و ان قلبها في تراجع كبير وعليها المواظبة على دواءها .خرجت من عيادة تحاول التماسك بعد ما قاله طبيبها و اتجهت إلى مقهاها المفضل لتلقي بماركوس وسوفيا بعيد عن الأنظار. كانت اللقاءات تغلفها نبرة من الدعم والصداقة الصادقة، لكن الخبر الذي نقلاه إليها في هذا اللقاء نزل عليها كبرودة الحديد.
قال ماركوس وهو يحرك فنجان قهوته بأسى:
"كلوي انتقلت للعيش في شقة خافي... استغلت ورقة الحمل لتفرض وجودها هناك كأمر واقع."
وأضافت سوفيا وهي تشد على يد ألبا بأسف:
"خافي يتصرف كالأشباح يا ألبا... لا يتحدث مع أحد، ويقضي أغلب وقته صامتاً ومبتعداً، وكأنه ينفذ عقوبة سجن اختيارية في بيته."
تلقّت ألبا الخبر باستجابة باردة ظاهرية. لم تدمع عينها ولم يرتجف صوتها، بل اكتفت برشفة طويلة من كوب الماء الدافيء، وأومأت برأسها برصانة محامية متمرسة. لكن في الداخل، كان كبرياؤها يشتعل ومرض قلبها يذكرها بوجوده عبر نغزات خفيفة تتجاهلها باستمرار، نظرت إليها سوفيا بنظرة يملؤها العطف والتفهم، وأمسكت بيدها المتروكة على الطاولة، لتكمل بكلمات صادقة لامست أعمق جرح في قلب ألبا:
"إنه يفعل هذا ليحميكِ يا ألبا... خافي كان على وشك سحب وكالة المحاماة منكِ وتعيين محامٍ آخر تماماً! ليس لأنه لا يثق بكِ، بل لأنه لا يريد تعريضكِ للإجهاد، ولا يريد جركِ مجدداً إلى قاذورات عالمه المظلم. هو يعلم بشأن قلبكِ الضعيف، ويفضل أن تكرهيه على أن يراكِ تنهارين بسببه."
ساد صمت مفاجئ في المكان.
توقفت ألبا عن الكلام، وانسحبت الكلمات من شفتيها كلياً. نظرت إلى وجهي ماركوس وسوفيا، وشعرت بغصة حادة تتشكل في حلقها، ونبضة قوية مضطربة تضرب قفصها الصدري.
كانت تظن أنه تخلى عنها ببساطة، لكنه فضل الانسحاب فقط ليحميها
أخفضت ألبا عينيها نحو فنجانها، وشدت قبضتها ببطء، محاولةً السيطرة على اضطراب دقات قلبها وعلى الشرارة التي عادت تشتعل في أعماقها.، فجأة تحولت أنظار الجميع نحو مدخل المقهى.
انفتح الباب الزجاجي، ودخل خافي بخطوات ثقيلة ومترددة. كان يبدو شاحباً، وأثر السهر والتعب محفور بوضوح تحت عينيه المظلمتين،ولم يكن وحده...
كانت كلوي تسير بجانبه، متمسكة بذراعه وتتبختر، مرتدية فستاناً يُبرز كبر حجم بطنها قليلاً بشكل متعمد، ونظراتها تتجول في المكان بانتصار واستفزاز صافٍ.
تصلّب جسد ماركوس وسوفيا فوراً، وقفا في مكانيهما كدرع لحماية ألبا. أما ألبا، فقد شعرت بنغزة حادة وسريعة تجتاح قلبها، لكنها أخذت نفساً عميقاً، واستجمعت كل كبريائها ووقارها، ورفعت رأسها بثبات قاتل دون أن يرف لها جفن.
توقفت خطوات خافي على بعد أمتار قليلة من طاولتهم عندما وقعت عيناه على ألبا. انقبض وجهه بألم واضح، سحب ذراعه بحدة من يد كلوي، وكأن لمستها تحرقه أمام ألبا.
ابتسمت كلوي بابتسامة سامة وتقدمت خطوة، قائلة بنبرة مليئة بالاستفزاز:
"يا لها من مصادفة رائعة... المحامية والأصدقاء مجتمعون! خافي أراد أن نأخذ جولة قصيرة قبل الجلسة غداً، ولم نكن نعلم أننا سنلتقي بكم هنا."
لم ينظر خافي إلى كلوي مطلقاً، بل كانت عينيه المظلمتان و المليئتان بالانكسار والرجاء تثبتان كلياً على وجه ألبا، وزمجر بصوت خفيض وبارد وجهه لكلوي:
"صمتكِ يا كلوي... ولا كلمة إضافية."
ثم خطى خطوة واحدة نحو ألبا، وقدر هائل من الشوق والعجز يكبّلان نبرة صوته:
"ألبا..."
رغم النغزة الحادة التي اعتصرت قلبها، حافظت على ثباتها الانفعالي القاتل. أخذت نفساً عميقاً، وأرخت كتفيها بكل رصانة وهدوء.
شكلت على شفتيها ابتسامة راقية، و رفعت عينها بثبات ناصع إليهما بثقة المحامية التي تملك زمام كل شيء.
أشارت بيدها الناعمة نحو المقاعد الفارغة بوقار لا يتزعزع، وقالت بنبرة ناعمة ورزينة أرسلت قشعريرة في أرجاء المقهى:
"مرحباً خافي... تفضلا بالجلوس."
تجمد خافي في مكانه، واتسعت عيناه بصدمة وذهول من هذا الترحيب غير المتوقع. كان يتوقع غضباً، أو صراخاً، أو كبرياءً يجعلها تغادر المكان فوراً كما فعلت سابقاً، لكن هذه الابتسامة الباردة والدعوة الهادئة جعلته يشعر بعجز أشد قسوة.
حتى كلوي، التي كانت تبحث عن دراما أو انهيار تتغذى عليه، تلاشت ابتسامتها السامة لثوانٍ وارتبكت من ثبات ألبا المطلق، قبل أن تحاول استعادة غرورها وتتحرك نحو الطاولة.
سحب خافي المقعد ببطء وجلس بحركة آلية خالية من الحياة، بينما جلست كلوي بجانبه بانتصار وتملّك.
كانت عينا خافي ترقبان ألبا بصمت ممزق. كان يرى خلف ابتسامتها الباردة ألم دفينا تحاول إخفاءه، وكان يعلم أن كل ثانية تجلس فيها أمامه وأمام كلوي هي طعنة مسمومة لقلبها وجرح كبرياء لم تكن تستحقه يوماً.
وفجأة، وقعت عينا ألبا لبضعة ثوانٍ على بطن كلوي بارزة الملامح. لم تتغير ابتسامتها الراقية، بل أمالت رأسها بخفة وقالت بنبرة عذبة متزنة خالية من أي مرارة ظاهرة:
"مبروك لكم مرة أخرى... أتمنى لكِ حملاً هادئاً يا كلوي."
كانت هذه الجملة أكثر مما يستطيع خافي تحمله.
شعر وكأن خنجراً ينغرس في منتصف صدره. تنفس بصعوبة، وزادت حمرة عينيه غضباً وعجزاً. لم ينطق بحرف واحد، بل استدار فجأة ودفع الكرسي للخلف بصوت حاد أربك الجميع، ووقف ممتلئاً بالغيظ والقرف من نفسه ومن الوضع بأكمله.
تجاهل نظرات كلوي المستنكرة، وخرج مسرعاً من باب المقهى الزجاجي نحو الشارع البارد.
أخرج علبة سجائره بيدين مرتجفتين من شدة الانفعال، وأشعل سيجارة وسحب منها نفساً عميقاً وطويلاً، يسند ظهره إلى جدار المقهى وهو يطرق رأسه للأرض بجنون.
لم تمضِ ثوانٍ حتى انفتح الباب وخرج ماركوس بخطوات حازمة، ووقف أمامه يكتف يديه، ونظر إليه بنبرة خالية من الرحمة:
"إلى متى ستستمر في هذه المسرحية القذرة يا خافي؟ أنت تقتلها ببطء، وهي تموت بكبريائها لتنقذك غداً في المحكمة!"
رفع خافي رأسه ببطء، ونظر إلى ماركوس بعينين حمراوين يملأه الضياع. سحب نفساً أخيراً كاد يمتلئ بصدق قاتل، ثم نفث الدخان في الهواء البارد وقال بصوت مبحوح ومكسور:
"أردتُ إخراجها من حياتي يا ماركوس... أردتُ إبعادها عن هذا الخراء كلياً! أنا رجل ملعون، وكل من يقترب مني ينتهي به المطاف محطماً. ألبا نقية ومحترمة... وقلبها المريض لا يتحمل قذارة هذا العالم الذي أعيش فيه."
رمى عقِب السيجارة على الأرض وداسه بحذائه بعنف، ثم واصل كلامه بنبرة يملؤها الغضب من نفسه:
"ظننتُ أنه إن كرهتني... و راتني وسخاً وخائناً وحصّلتُ على عقابي، فستستجمع كبرياءها وتسير بعيداً عني وتنساني للأبد. لكنها لم تفعل! بدلاً من ذلك، تقف هناك، تبتسم ببرود وتتلقى الطعنات بوقار، وتتحمل كل هذا العذاب فقط لكي تقف غداً في القاعة وتدافع عن حريتي!"
ضرب خافي الحائط الخرساني بقبضته بحدّة، وساد صمت متوتر وهو يتنفس بصعوبة، متأوّهاً بعجز:
"أنا أقتلها بيدي... وهي تحاول إنقاذي بكل ما أوتيت من قوة. أقسم لك يا ماركوس، لو كان موتي أو سجني سيعيد إليها صحتها وابتسامتها الحقيقية، لدخلت السجن بنفسي ورميت المفتاح في البحر!"
نظر ماركوس إلى خافي بثبات، وضيق عينيه بجدية قاطعة، ثم خطى خطوة نحو وخطب فيه بنبرة حازمة خالية من الشك:
"توقف عن إلقاء اللوم على حظك الملعون يا خافي... وأجبني بصراحة: أنت تعرف داخلياً أن هذا الطفل ليس ابنك، أليس كذلك؟"
توقف خافي عن الحركة، وشخصت عيناه بنظرة صدمة وارتباك، بينما واصل ماركوس كلامه بحدّة وهو يشير بأصبعه نحو صدر خافي:
"أنا أعرفك أكثر من أي شخص آخر. أنت مهووس بالسيطرة والحذر، وفي كل مرة تدخل فيها هذه المتاهة المظلمة، لا تتخلى عن حمايتك أبداً. أنت لا تخطئ في هذه الأمور تحديداً... هذا انطباع محفور في رأسك كغريزة بقاء. خافي، أنت لم ترتكب ذلك الخطأ مع كلوي، وهمك الوحيد وشعورك الذنب هو ما يجعلك بليداً وتصدق مسرحيتها!"
مسح خافي وجهه بكفيه بذهول، وتلعثمت الكلمات في حلقه وهو يحاول التفكير فيما قاله ماركوس.
أكمل الآخر بنبرة أخوية حازمة:
"كلوي أفعى، لعبت على نقطة ضعفك وحاجتك للتكفير عن ماضيك. ألبا تعاني الآن ليس لأنها تكرهك، بل لأنها تراك تستسلم للعبة رخيصة وتدمر حياتك وحياتها معك. إذا كنت تحبها حقاً وتريد حمايتها، استيقظ من هذا الكابوس واكشف هذه اللعبة قبل أن تفقد كل شيء غداً!"
طرق خافي رأسه إلى الأسفل بجسدٍ منهك، وسحب خطوة للوراء وهو يمسح وجهه بيدين مرتجفتين، متأوهاً بصوت يخنق كبرياءه:
"وهل تظن أنني لم أفكر في ذلك يا ماركوس؟! القانون لا يجبر امرأة على إجراء فحص حمض نووي (DNA) وهي حامل إن رفضت، وهي ترفض وتتحجج بخطورة الإجراء على الجنين! لا أستطيع إثبات أي شيء الآن... يجب أن تلد أولاً لأجري الفحص. عليّ الانتظار أشهرًا في هذا الكابوس!"
نظر إليه ماركوس بنفاذ صبر، لكن خافي واصل كلامه بنبرة يملؤها العجز والواقعية المرة:
"حتى لو كنتُ أشك بنسبة مليون في المئة أنها محتالة... ما الذي يمكنني فعله اليوم؟ أن ارميها في الشارع وأتخلى عن طفل قد يكون طفلي حقاً؟ لو اكتشفتُ لاحقاً أنه ابني بعد أن طردتها، لن أسامح نفسي أبداً. أنا مكبل الأيدي يا ماركوس... ولا أملك سوى الانتظار وتحمّل هذا العذاب حتى تلد."
ساد الصمت بينهما مجدداً في الشارع البارد.
توقف ماركوس عن الحركة، و تجمدت ملامحه بصرامة سردية حادة. نظر إلى خافي بنظرة خالية من العطف، ونطق بكل برود وحسم:
"إذن إنهِ هذا الحب... والآن يا خافي."
اتسعت عينا خافي بصدمة وتصلب في مكانه، بينما واصل ماركوس كلامه بنبرة حازمة كالسيف:
"إن كنت قد اخترت الانتظار وأسر نفسك في هذا الكابوس لأشهر، فلا تحقن ألبا بسمّ الأمل الصامت. لا تتركها معلقة بين خيبتك وحبها لك! أدخل الآن، وابتعد عنها تماماً، وادعم قرارك بصمت. دعها تركز على قضيتك كمحامية فقط، وأقطع أي خيط عاطفي متبقٍ بينكما لتستعيد هي عافيتها وتنقذ ما تبقى من قلبها المريض."
ساد الصمت بينهما في الشارع البارد، صمت ثقيل كسر كل الأعذار التي كان خافي يحتمي خلفها.
أخرج خافي زفيراً ساخناً واكتسى وجهه بجمود ممزق، وأومأ برأسه ببطء شديد، مدركاً أن التضحية الأكبر المطلوبة منه الآن ليست معاقبة نفسه، بل إطلاق سراح ألبا كلياً من عالمه المظلم.
دخل بخطوات ثقيلة ومحسوبة، وقد ارتدى قناعاً من الجمود البارد ليخفي تحطم قلبه الداخلي. تجاهل نظرات الذهول من سوفيا، ومشى بثبات نحو الطاولة حيث كانت تجلس كلوي.
دون أن ينطق بكلمة، سحب كلوي ببرود وظاهرُه التملّك لتجلس على حجره. انحنى نحوها وألصق شفتيه بعنقها قبلةً بطيئة، ثم وضع يده على بطنها وانحنى يقبلها بتمثيلية متقنة ومؤلمة، يحاول بها حسم القصة وإيقاف هذا العذاب بقطع آخر خيط أمل.
كانت ألبا تجلس في مواجهتهما مباشرة.
تسمرت عيناها على المشهد، وشعرت وكأن برودة قاسية تجمدت في أطرافها. بدأت دقات قلبها المريض تخفق باضطراب حاد، وحرارة دموع مكتومة اجتمعت في حدقتيها ، تمتلئ عيناها بلمعة وجع لم تستطع كبرياءها منعها هذه المرة.
لكن، ورغم الخنجر الذي انغرس في منتصف صدرها، أخذت ألبا نفساً عميقاً، واستجمعت آخر ذرات قوتها كمحامية وامرأة ذات وقار.
مسحت دمعة هربت من طرف عينها بسرعة وثبات، ورفعت رأسها بنظرة حادة وصوت ناعم، حزين لكنه متزن كالسيف:
"غداً... سأنهي القضية في المحكمة وأحقق لك حريتك يا خافي. وبعدها... تستطيعان تقديم طلب زواج رسمياً وتأسيس حياتكما."
ساد صمت خناق في المقهى؛ كلوي تبتسم بغرور، وماركوس وسوفيا ينظران بحسرة، بينما بقي خافي مجمداً في مكانه، متقبلاً طعنة كلماتها التي اختارها بنفسه ليحمي ما تبقى من حياتها.
اتسعت ابتسامة كلوي بغرور وانتصار لا يُطاق، وضغطت بيدها على كتف خافي بينما تجلس على حجره، لتصيح بنبرة مليئة بالاستفزاز والحماس:
"هذا أجمل خبر سمعته اليوم يا ألبا! ليت الجميع يمتلكون نفس عقلانيتك ومهنيتك العالية. أعدكِ أنكِ ستكونين أول من يتلقى دعوة زفافنا بعد أن تبرئي خافي غداً."
كانت كلوي تظن أنها وجهت الضربة القاضية، لكن خافي لم يحرك ساكناً. بقي جبهته ملامسة لكتف كلوي، وعيناه مغمضتان بحدة من شدة القرف والوجع، متمنياً لو تنشق الأرض وتبلعه في هذه اللحظة.
أما ألبا، فقد أغلقت ملف أوراقها الهامشية على الطاولة بهدوء تام، وحزمت حقيبتها الجلدية الأنيقة. وقفت بخطوات متزنة ورفيعة المستوى، ونظرت إلى خافي مباشرة لمرة أخيرة، بنظرة خالية تماماً من العتاب أو التوسل... كانت نظرة وداع أخير.
قالت بصوت متزن وبارد:
"سأراكم في القاعة في الثامنة صباحاً. لا تتأخر يا خافي... فلدينا عمل ننجزه."
التفتت ألبا وسارت نحو الخارج بخطوات واثقة وكبرياء شامخ، يرافقها ماركوس وسوفيا اللذان رمقا كلوي وخافي بنظرات احتقار حادة قبل أن يلحقا بها.
وما إن خرجت ألبا إلى هواء الشارع البارد، حتى وضعت يدها بسرعة على صدرها، وشعرت بوخزة حادة تسري في قلبها المجهد. أغمضت عينيها واستندت لثوانٍ على سيارة ماركوس، متهمسة لنفسها وهي تمنع دموعها من الهبوط:
"إنها المعركة الأخيرة يا ألبا... غداً تنتهي مهمتك، و تغلقين هذا الفصل للابد."
ما إن ابتعدوا خطوتين عن المقهى، حتى خانتها قوتها تماماً.
توقفت ألبا في منتصف الرصيف البارد، وسقطت حقيبتها من يدها. وضعَت كفيها على صدرها وهي تتنفس بصعوبة بالغين، قبل أن تثني ركبتيها وتنهار بالكامل.
انهمرت الدموع من عينيها كالسيل المكتوم، وانطلقت من حنجرتها صرخة ألم تمزق القلوب، صرخة اختلط فيها وجع الخيانة بمرارة القهر ونغزات قلبها العنيفة التي كادت تطبق على أنفاسها.
"لماذا يا ماركوس؟! لماذا يفعل بي هذا... ألم يكن يكفي؟!"
اندفع ماركوس ونزل على ركبتيه فوراً، وسحبها إلى أحضانه محاولاً إسناد رأسها، بينما جثت سوفيا بجانبها وهي تبكي برعب، تمسك يد ألبا المرتجفة وتصرخ بقلة حيلة:
"ألبا! تنفسي رجاءً... ألبا خذي نفساً!"
رفعت ألبا رأسها والمحكمة وقضية غداً وقلبها المجهد كلها تتصارع في رأسها، وكانت تصرخ صرخات متقطعة ومؤلمة وهي تتشبث بمعطف ماركوس:
"إنه يحرقني... يقتلني وهو ينظر في عيني!"
شعر ماركوس بضعف نبضها وتسارع أنفاسها الخطير، فلم يتردد لثانية. رفَعها بين ذراعيه بحذر وسرعة، بينما فتحت سوفيا باب السيارة الخلفي بسرعة وهي تمسح دموعها.
أدخلها ماركوس إلى المقعد الخلفي، واستندت سوفيا برأس ألبا على أحضانها وهي تهدئها وتفحص علبة دوائها، بينما قفز ماركوس خلف المقود وانطلق بالسيارة بسرعة جنونية نحو أقرب مستشفى، وهو ينظر إليها عبر المرآة بقلق عارم، عالماً أن ليلة غدٍ في المحكمة قد باتت معلقة بين الحياة والموت.
و من النافذة الزجاجية الكبيرة للمقهى، كان خافي يراقب كل شيء.
دفع كلوي بحدّة وعنف عنه لتقع على الأريكة المجاورة، ووقف ملتصقاً بالزجاج، وعيناه متسعتان برعب قاتل وهو يرى ألبا تنهار على الرصيف، وتصرخ بوجع يمزق سكون الليل، وتتمسك بمعطف ماركوس قبل أن تخور قواها بالكامل.
كان يرتاح على الزجاج المظلم وكأنه مشلول الحركة، يرى ماركوس يحملها بين ذراعيه بسرعة، وسوفيا تفتح باب السيارة وهي تبكي وهلعه.
"ألبا... لا!"
خرجت الكلمة من بين شفتيه كهمسة مكسورة ومخنوقة. أراد أن يركض، أن يكسر زجاج المقهى بيده ويخرج إليها، أن يحملها بنفسه ويترجاها لتتنفس... لكن قدميه كانتا مثقلتين بسلاسل الذنب الذي صنعه بيده.
رأى سيارة ماركوس تنطلق بسرعة جنونية وتختفي بين أضواء المدينة، تاركة خلفها حقيبة ألبا الجلدية وسلسلتها الصغيرة التي سقطت منها على الرصيف البارد.
استدارت كلوي بغضب وهي تعدل شعرها وقالت بنبرة حادة:
"ما بك يا خافي؟! هل جننت لتطردني هكذا من أجل—"
ولم تكمل كلمتها.
استدار إليها خافي بملامح شاحبة كالموتى، وعينين تشتعلان بشرار مرعب، وصوت خفيض جداً لكنه ممتلئ بالتهديد والموت:
"إن حدث لها أي شيء... أقسم لكِ يا كلوي، لن يحميكِ هذا الجنين في بطنكِ مني، و لن أرحمكِ للحظة واحدة."
تركها متجمدة في مكانها ودفع باب المقهى مسرعاً، وركض نحو الرصيف. جثى على ركبتيه حيث كانت ألبا تبكي قبل ثوانٍ، والتقط السلسلة الصغيرة المنقوش عليها حرف اسمها. ضغط عليها بيده حتى انغرست في لحمه وأدمته، ووقف ينظر نحو الطريق المظلم والدموع تحرق عينيه، رافضاً أن يصدق أنه قد يكون السبب في إنهاء حياتها قبل أن تبدأ معركتها غداً.
شرقت شمس الصباح على مبنى المحكمة العليا، وكان الجو بارداً ومثقلاً بالغيوم.
في القاعة الكبرى، كان الحضور محتشداً الصحفيون، المحامون، ورجال الشرطة. جلس خافي في قفص الإتهام، بدت عليه علامات السهر والإرهاق القاتل. لم يكن يفكر في حريته أو في حكم السجن الذي ينتظره، بل كانت عيناه تنتقلان بجنون و نشيج مكتوم نحو باب القاعة الكبير... ينتظر دخولها، أو حتى خبر برؤها أو شفائها بعد ليلة البارحة المروعة.
جلس إلى جانبه محامٍ بديلاً كان قد اتصل به ماركوس ليلاً ليكون احتياطياً، لكن الجميع كان يعلم أن قضية خافي المعقدة لا يملك مفاتيحها سوى ألبا.
وقبل أن يرفع القاضي مطرقته ليعلن بدء الجلسة، انفتح الباب الخشبي الضخم ببطء.
ساد الصمت القاعة كلياً.
دخلت ألبا.
كانت ترتدي بدلتها السوداء الرسمية الأنيقة، وشعرها مرفوع بعناية. بدت شاحبة الوجه، وهالات التعب تظهر بوضوح تحت عينيها رغم مساحيق التجميل التي حاولت إخفاءها. كانت خطواتها بطيئة ولكنها ثابتة وموزونة، وبيدها اليسرى تمسك حقيبة أوراقها، بينما يرتجف إبهام يدها اليمنى بخفة فوق صدرها، حيث تختبئ أوجاع قلبها المريض.
وراءها مباشرة، كان ماركوس وسوفيا يسيران كظلها، ونظراتها المليئة بالقلق تحرس كل خطوة تخطوها.
توقفت عينا خافي عليها. خفق قلبه بقوة وكأنه يرى طيفاً، وسال أمل ضعيف في صدره، لكنه لاحظ بوضوح الشحوب القاسي على وجهها والهدوء المخيف في نظراتها.
تقدمت ألبا نحو منصة الدفاع، وأخذت مكانها بكل رصانة. لم تنظر نحو خافي ولا لمرة واحدة، بل فتحت ملفها ورصّت الأوراق أمامه بانتظام.
رفع القاضي نظارته:
"المحامية ألبا... هل أنتِ جاهزة؟"
"جاهزة يا سيادة القاضي."
بدأت بصوت هادئ، لا ترتفع نبرته:
"سيادة القاضي، الاتهام الموجّه لموكلي يستند بالكامل إلى محضر ضبط مؤرَّخ الساعة العاشرة والنصف مساءً... لكن سجل نوبات الشرطة في تلك المنطقة، وهو مستند رسمي ارفقته النيابة نفسها ضمن ملف القضية، يثبت أن الدورية لم تصل إلى الموقع إلا الساعة الحادية عشرة إلا ربعًا."
توقفت لثانية، ثم رفعت الورقتين معًا أمام القاضي:
"بعبارة أخرى... المحضر الذي يُدان به موكلي، حُرِّر قبل أن تطأ قدم أي ضابط أرض الحادثة."
ساد همس في القاعة. اعترض المدعي العام بحده:
"هذا خطأ كتابي بسيط، سيادة القاضي، ولا يمس جوهر التهمة!"
ردت ألبا دون أن ترفع صوتها، لكن بحدّة قاطعة:
"خطأ كتابي في تاريخ تحرير محضر جنائي هو، بحسب المادة الثامنة والتسعين من قانون الإجراءات، سببٌ كافٍ لبطلان المحضر بأكمله... وليس مجرد التهمة القائمة عليه."
نظر القاضي إلى الوثيقتين طويلًا، ثم إلى المدعي العام الذي حاول الرد، فقاطعه بيده:
"المحكمة ستنظر في الأمر."
جلست ألبا، ويدها ترتجف بخفة تحت الطاولة من الإجهاد لا من الخوف. من خلف القفص، كان خافي يراقبها بصمت، وقد اتسعت عيناه بدهشة لم يعرف بها من قبل — لم تكن هذه المرة الأولى التي يراها فيها قوية، لكنها المرة الأولى التي يراها فيها... دقيقة، جراحية، لا تترك للصدفة موضعًا.
استمرت الجلسة ساعتين إضافيتين، فيها استجواب لشاهدين، ومحاولة من الادعاء لإدخال دليل بديل، ردّته ألبا ثغرة أخرى في سلسلة حفظ الأدلة.
أخيرًا، ضرب القاضي بمطرقته:
"بناءً على بطلان محضر الضبط الأساسي، وعدم وجود دليل بديل يقوم مقامه... حكمت المحكمة ببراءة المتهم خافي، وإطلاق سراح دراجته فورًا."
ضجت القاعة بالحضور، واندفع الصحفيون نحو الخارج.
انفتحت أبواب قفص الإتهام، ووقف خافي متجمداً في مكانه. لم تكن فرحة الحرية هي ما تشغل باله، بل كان بصره شاخصاً نحو ألبا التي كانت تجمع أوراقها ببطء وهدوء شديدين.
التفتت ألبا نحو خافي أخيراً.
تلاقت عيناهما في لحظة اختزل كل الوجع، الشوق، والتضحية. وأمام عينيه المندهشتين ونظراته المليئة بالندم، رفعت ألبا رأسها بثبات، وشكّلت على شفتيها ابتسامة هادئة، ناصعة، وصادقة... ابتسامة انتصار للمحامية التي أدت واجبها ببراعة، وابتسامة وداع أخير للمرأة التي قررت أن تترك قلبه خلفها وتغادر.
خطت ألبا خطواتها الأولى نحو خافي برصانة وهدوء، تاركةً منصة الدفاع خلفها. وفي المقابل، تحرك خافي نحوها بخطوات متثاقلة، وكأنه يمشى على جمر ندمه، وعيناه لا تفارقان وجهها الشاحب والجميل.
توقفا على بعد خطوة واحدة.
رفع خافي يديه ببطء شديد، وفتحهما باتساع يملؤه الرجاء والعجز، كمن يطلب الإذن لمسح كابوس الأمس، ولسانه يعجز عن النطق بأي كلمة خشية أن تكسر حشاشة هذه اللحظة.
نظرت ألبا إلى عينيه المجهدتين، ورأت فيهما كل التمزق والخوف الذي عاشه ليلة البارحة. ساد صمت قصير بينهما وسْط ضجيج القاعة المتراجع، ثم أومأت برأسها بخفة، وقالت بنبرة ناعمة ودافئة:
"حسناً..."
وفور سماع كلمتها، جذَبها خافي إلى أحضانه بسرعة ولهفة، وضمّها بصلابة وحنان حذر كأنها جوهرة زجاجية يخشى انكسارها. أغمض عينيه بحدة ودفن وجهه في شعرها، مسحوباً بنَفَس عميق من عطرها الذي طالما كان ملجأه.
انحنى وشدّها إليه أكثر، وطبع قبلة طويلة ودافئة على رأسها، قبلة حُملت بكل اعتذارات العالم، وبكل الخوف الذي اعتصر قلبه ليلة أمس وهو يراها تنهار بعيداً عنه.
و لكن فجأة دفع الباب بغضب ودخل دون دييغو—رجل العصابات النافذ ورأس الأفعى في سباقات الدراجات النارية غير القانونية. كانت ملامحه مشوهة بالغلّ بعد أن خسر قضية التلفيق التي نسجها لخافي، ورأى نفوذه يتهاوى بعد أن أثبتت ألبا براءة خافي من سباقات و انه كان تحت ضغط، وصدر قرار قضائي صارم بـ إرجاع دراجة خافي النارية النادرة وتخليصها من حجز دييغو.
تقدم دييغو بخطوات ثقيلة، محاطاً بحارسين، وتوقف على بعد خطوات قليلة منهما.
احتمت ألبا تلقائياً خلف خافي، بينما تحول جسد خافي—بوشومه العريضة الممتدة على رقبته ويديه—إلى جدار حماية حاد. سَبَل ألبا بجسده بالكامل، ونظر إلى دييغو بعينين تشتعلان بشرار مرعب.
ابتسم دييغو ابتسامة صفراء مسمومة، وشخص بنظراته نحو خافي ثم إلى ألبا، وقال بنبرة خفيضة ومثقلة بالتهديد:
"تهانينا على البراءة وعلى استعادة دراجتك المحبوبة يا رسام الوشوم... ولكن لا تفرح كثيراً."
خطى دييغو خطوة إضافية ونظر إلى ألبا بنظرة حقد، وأضاف بصوت كالسّم:
"القاضي قد يرجع لك حريتك ودراجتك يا خافي، لكن الشارع يخصني. وأنتِ يا حضرة المحامية الذكية... أعادتي له دراجته، لكنكِ كتبتِ بيدكِ عقد موتكما في المحلب القادم."
تصلب فك خافي، وضغط على يده بقوة ليدفع ألبا بحذر إلى الخلف، ثم خطى خطوة بثبات نحو دييغو، وزمجر بنبرة رجولية حازمة هزت القاعة:
"إياك وأن تنطق باسمها على لسانك القذر يا دييغو! الدراجة التي أرجعتها لي ألبا بعقلها وقوتها... هي نفسها التي سأدعسك بها في الشارع إن تجرأت ومسست شعرة واحدة منها!"
تنهد دييغو و لكن عندما رأى كلوي تركض نحو خافي تغيرت نبرته بشكل غريب :
" انت محظوظ خافي لان اختي تحبك …"
انقطع أنفاس البا و هي تهمس :" كلوي اختك ؟"
و لكن قبل ان يجيبها تقدم ماركوس بخطوات سريعة وحازمة، ووقف بجانب خافي مباشرة كتفاً بكتف، مانعاً دييغو وحراسَه من التقدم إنشاً واحداً إضافياً. وضّق عينيه بنظرة قاطعة، بينما احتدت نبرته التحذيرية :
"إلى هنا ويكفي يا دييغو! أنت في محكمة رسمية وأمام رجال الشرطة. أي حرف تهديد إضافي تصدره الآن سيكلفك مذكرة إيقاف فورية قبل أن تطأ قدمك الشارع."
وفي الوقت نفسه، اندفعت سوفيا نحو ألبا بثبات، وأمسكت يدها بحنان وحماية، مستغلة ضخامة جسدا خافي وماركوس كدرع حمايتهما. وقفت أمام ألبا تماماً و رمقت دييغو بنظرة احتقار لازعة، وقالت بنبرة حادة لا تخلو من التحدي:
"ألبا مسحت بك وبمحاميك الأرض بالعدل والقانون يا دييغو... بدلاً من إلقاء التهديدات الفارغة، اذهب واجمع ما تبقى من كبريائك وأموالك الخاسرة!"
احمرّ وجه دييغو غضباً من هذا التكتل والرد الصارم. نظر حوله ليرى عناصر أمن المحكمة يتجهون نحوه بسرعة بعد أن ساد الهرج في القاعة.
زمجر دييغو بصوت خفيض وشديد الخطورة وهو يتراجع للوراء مع حارسيه:
"سنرى من سيبتسم أخيراً في الشارع..."
التفت وغادر القاعة بخطوات غاضبة.
تنفس خافي الصعداء، والتفت فوراً نحو ألبا وعيناه تفيضان بالقلق. مسك يدها المرتجفة بين كفيه العريضين المليئين بالوشوم، وقال بصوت خفيض ودافئ:
"هل أنتِ بخير؟ لا تخافي... لن يجرؤ على الاقتراب منكِ وأنا حي."
نظرت ألبا إلى عينيه المجهدتين بابتسامة باهتة لكنها صلبة، وأومأت برأسها بخفة وقالت بنبرة هادئة:
"أعرف يا خافي... أعرف أنك لن تسمح ، لكنك لم تخبرني أن كلوي… ."
يقاطعها وهو يمسح على وجنتها بلطف :" اسف البا أنه ماض وسخ … و لا اريدك ان تعلم منه شيء ارجوك انسي الامر .."
وقبل أن يسترسل خافي في كلماته، دخلت كلوي بخطوات متسرعة، تتصنع الشحوب والضعف، وواضعةً يدها فوق بطنها البارز بشكل ملحوظ لفت أنظار الحاضرين في القاعة.
مشى الجميع نحوها بذهول، بينما اتسعت عينا كلوي وهي تلاحظ تقارب خافي وألبا. تقدمت منهما بنبرة حادة ممتلئة بالتمثيل والغيرة المقيتة:
"خافي! أخيراً حللت الامر مع اخي ... لقد كنت أحتضر من الخوف عليك! الطفل كان يتحرك بجنون طوال الليل بسبب توتري من أجلك!"
اقتربت كلوي وحاولت إمساك ذراع خافي والدخول بينه وبين ألبا، تاركةً نظرة استفزازية صريحة موجهة ونظرها نحو ألبا.
تراجع خافي خطوة إلى الخلف فوراً ودفع يد كلوي ببرود وقسوة، وعيناه ترمقانها باحتقار حاد، بينما وقفت ألبا بثبات مغاير تماماً للبارحة. لم تظهر ألبا أي ضعف هذه المرة، بل نظرت إلى بطن كلوي ثم إلى خافي بنظرة متزنة وواضحة، وقالت بصوت ناعم وجاد:
"قضيتنا القانونية انتهت هنا ببراءتك يا خافي... لكن اظن ان هناك امور ستتغير ،الآن."
ابتسمت كلوي ابتسامة صفراء مليئة بالاستفزاز والتعالي، ونظرت إلى ألبا بنبرة تتصنع اللباقة والمسكنة حاولت بها تغير مجرى الحديث ، وهي تضع يدها بتباهٍ على بطنها الحامل:
"بما أنكِ محاميتنا الماهرة يا ألبا، وقد أنهيتِ قضية خافي بنجاح... هلا أتممتِ جميلكِ وقدمتِ لنا طلب عقد الزواج الرسمية فوراً؟ أنتِ تعلمين أن طفلنا لا يستطيع الانتظار أكثر في هذه الظروف."
ساد صمت ثقيل في القاعة، وتجهّمت ملامح خافي بغضب عارم وكان على وشك التدخل وقطع حديثها، لكن ألبا رفعت يدها بخفة لتهدئته.
نظرت ألبا إلى كلوي ببرود تام وكبرياء شامخ، ولم تظهر على وجهها أي علامة من علامات الانكسار التي كانت تراهن عليها كلوي. بل ابتسمت ابتسامة واثقة، ناصعة، باردة كالثلج، وأجابتها بصوت متزن يقطر بالمهنية واللامبالاة الذكية:
"أجل... ومن دواعي سروري يا كلوي."
التفتت ألبا وسحبت استمارة رسمية من حقيبتها، وقدمتها نحو كلوي وخافي بثبات، وأضافت وهي تنظر في عيني كلوي مباشرة:
"الطلب جاهز، وكل ما يحتاجه هو توقيعكما. سأقدمه بنفسي للسجل المدني اليوم... لتكتمل مسرحيتكِ بالأوراق الرسمية."
تسمرت كلوي في مكانها، ومدّت يدها بلهفة واثقة لأخذ الاستمارة من ألبا.
لكن قبل أن تلمسها أطراف أصابعها، امتدت يد خافي العريضة المغطاة بالوشوم وسحبت الورقة من بينهما بسرعة وحسم.
نظرت إليه كلوي بابتسامة نصر تتوقع أن يوقعها فوراً، لكن خافي رفع الاستمارة أمام عينيها مباشرة، وبنظرة تشتعل غضباً واحتقاراً، شق الورقة إلى نصفين، ثم إلى أجزاء صغيرة، ورماها على الأرض تحت قدميه.
تراخى فك كلوي بصدمة، وتعالت همهمات المفاجأة من سوفيا وماركوس.
خطى خافي خطوة جادة نحو كلوي، وانحنى نحوها بملامح حادة كالصخر، وصوت خفيض ومرعب هزّ أركان المكان:
"إياكِ وأن تحلمي بذلك يا كلوي... لن أوقع ورقة واحدة، ولن أتزوجكِ أبداً إلا بعد أن تلدين ونجري فحص الحمض النووي (DNA) و ستثبت رسمياً أنه ابني."
اتسعت عينا كلوي برعب حقيقي وشحبت ملامحها، بينما واصل خافي كلامه بنبرة حازمة لا تقبل النقاش:
"إن كان طفلي حقاً، فسأتولى كل مسؤولياته ورعايته حتى آخر يوم في حياتي... أما أنتِ، فلن تكوني زوجتي بحيلة أو بابتزاز. انتهى العرض يا كلوي."
التفت خافي فوراً نحو ألبا، وكانت نظراته المليئة بالشوق والندم تترجاها ألا تبتعد، وكأنه بهدم هذه الاستمارة أعلن أمام الجميع أنه لن يبيع حبه لها بأي ثمن.
تسمرت كلوي في مكانها وشحبت ملامحها تماماً، وحاولت التلعثم بكلمات مرتبكة وهي ترتعد:
"خافي... كيف تشكك بي و بطفلنا؟! كيف تهينني هكذا أمام الجميع؟!"
لكن خافي لم يمنحها حتى فرصة لإكمال دراميتها. التفت عنها ببرود تام، متجاهلاً وجودها وكأنها أصبحت هواءً، وثبّت نظريه القويتين على ألبا.
اقترب من ألبا خطوة واحدة، ونزل بصوته إلى نبرة دافئة ومكتومة مليئة بالصدق والندم:
"ألبا... لقد انتهت المحاكمة، وأنتِ أعدتِ لي حريتي ودراجتي. لكن حريتي لا قيمة لها إن لم تكوني فيها. أعلم أنني أخطأت، وأعلم أن الجرح عميق... لكنني لن أتزوج غيرك، ولن أسمح لأي كذبة أن تبعدني عنكِ مجدداً."
كانت سوفيا تبتسم باتساع ونصر، بينما أومأ ماركوس برأسه بخفة خافية، مشيراً لألبا بذراعيه وكأنه يقول لها: "الآن القرار لكِ وحده."
نظرت ألبا إلى خافي. رأت التعب في عينيه، و الوشوم التي تطوق يديه المرتجفتين رجاءً، وشعرت بدقات قلبها المريض تهدأ قليلاً وكأنها وجدت أخيرًا مستقرها.
أخذت نفساً عميقاً، وشكّلت على شفتيها ابتسامة ناعمة ودافئة، ثم رفعت يدها ببطء ولمست خده برقة، وقالت بصوت هادئ يملؤه الحنان:
"إذن... هيا بنا نخرج من هنا يا خافي. دراجتك المنتظرة بالخارج تحتاج إلى من يقودها... وأنا بحاجة إلى من يأخذني بعيداً عن كل هذا الضجيج."
اتسعت عينا خافي بفرحة عارمة وكأنه ولد من جديد. أمسك يدها التي على خده وقبل كفها بشغف أمام عيون كلوي المصدومة، ثم أحاط خصرها بحماية، وسارا معاً نحو أبواب المحكمة للترجل في الشارع تحت أشعة الشمس الباردة، يرافقهما ماركوس وسوفيا، مخلفين وراءهم كل الماضي والمكائد.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (1)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخول