الفصل السادس : " الانهيار المحتم "
بعد ان تأكدت من هدوء انفاسه ، جلست ألبا بجانبه تتأمل وجهه الشاحب و تراقب حرارته بكثب . ساد هدوء ثقيل الشقة، لكن هذا الهدوء لم يدم طويلاً...
طرّق جرس الباب بحدّة واستعجال!
جفلت ألبا وانقبض قلبها، فاستقامت فورًا متجهة نحو باب الشقة بخطوات حذرة. نظرت عبر الثقب الصغير، لتجد شابًا وفتاة بملامح جادة وقلقة؛ كانا ماركوس و سوفيا و قد كانا غريبين اذ ماركوس يرتدي سترة جلدية و وشم مميز يظهر في عنقه لاول مرة و سوفيا بشعر مستعار قصير و سترة مشابهة .
فتحت ألبا الباب بحذر وهي تكتف ذراعيها:
"ماذا تفعلان هنا ؟و ما بها ملابسكما ؟"
دفع ماركوس الباب بقلق وتجاوزها ليدخل الصالون ومعه سوفيا ، ثم التفت إليها ونظر إليها بتفحص وسرعة وقال بنبرة مشدودة:
"ألبا لا وقت لاسئلتك الآن … نحن عائلته الوحيدة ."
قاطعتها سوفيا وهي تتجه فورًا نحو الغرفة السوداء:
" انها اجراءات امن لا تقلقي …سمعنا بما حدث البارحة وعن حالة خافي... أين هو الآن؟"
تبعتهما ألبا إلى الغرفة، وقالت وهي تقف بينهما وبين السرير بحزم ومشاعر حماية صريحة:
"إنه نائم الآن... تعرض لتسمم وانخفاض حاد في الضغط بسبب ما تعاطاه البارحة مع أصدقائه. كان وضعُه خطيرًا جدًا، ولكنه استقر قليلاً."
تنهد ماركوس بأسى وشبّك يديه وراء رأسه، بينما اقتربت سوفيا وجلست على طرف السرير وتفقدت نبض خافي على عنقه بمهارة، ثم التفتت إلى ألبا بنظرة امتداد وتقدير خفي:
"حسنًا أنكِ كنتِ هنا يا ألبا... تلك السموم كانت ستقتله يومًا ما. خافي يحمل أوجاعًا وأسرارًا لا يتحملها بشر، وحين تشتد عليه، يهرب إلى تلك الحبوب اللعينة."
التقط ماركوس أنفاسه وقال بصوت خفيض ونبرة جادة للغاية:
"لكن المشكلة ليست في تعبه فقط الآن... الرجال الذين يطاردونكِ رجال دييغو ، لقد افتكوا دراجته النارية مقابل روحك .. لا افهم كيف خافي فعل ذلك انها كل ما يملك ."
نظرت ألبا إلى خافي النائم، ثم رفعت رأسها ونظرت إلى ماركوس وسوفيا بعينين يملأهما الثبات والحدّة:
"لن يلمسه أحد وهو في هذه الحالة...ليس و أنا هنا أخبراني بكل شيء، كيف نخرج من هذا؟"
وفجأة، تحرك الجسد الممدد على السرير و فتح خافي عينيه ببطء شديد، ورغم الشحوب الذي يكسو وجهه والإرهاق المفروض على جسده، إلا أن عينيه كانتا تشعان بصرامة حادة وأمر لا يقبل النقاش.
رفع يده الثقيلة بحركة بطيئة أوقفت ماركوس عن الكلام، وتحدث بصوت مجهد لكنه حاسم:
"إياكم... أن تنطقوا بكلمة واحدة أمامها."
توقف ماركوس وسوفيا في مكانهما فورًا وتبادلا نظرات قلقة، بينما خطت ألبا خطوة للأمام مستغربة:
"خافي! أنت لست في حالة تسمح لك بالجدال، هؤلاء أصدقاؤك وكانوا يحاولون..."
قاطعها خافي ببرود قاطع ووجه خالٍ من أي تعابير، وهو يحاول الجلوس على السرير بصعوبة و يستند بظهره إلى السرير، مستجمعًا كل قوته كي يبدو متماسكًا أمامها.
نظر إليها مباشرة، بنظرة جافة وقاسية لم تستشعرها منه منذ أن أخذها إلى شقته:
"ألبا... انتهى الدور الذي تلعبينه هنا. أنتِ لستِ جزءًا من هذا العالم، ولم أطلب منكِ أن تصبحي حارستي الشخصية."
صدمت كلماته ألبا وتسمرت في مكانها، بينما واصل خافي كلامه دون أن يرمش له جفن:
"ماركوس سيؤَّمن خروجكِ من المنطقة بأمان ... ارجعي إلى حياتكِ النظيفة، إلى مكتبكِ وقوانينكِ. ارحلي ولا تعودي إلى هنا مجددًا."
ارتسمت على شفتي ألبا ابتسامة مريرة تجمع بين الصدمة والغضب؛ فقد أدركت بذكائها الحاد أنه يحاول إبعادها وحمايتها بطريقته القاسية حتى لا تتورط معه .
خطت نحوه بجرأة، وانحنت لتكون قبالة وجهه تمامًا، وقالت بصوت خفيض يقطر بالثبات والتحدي:
"تظن أنك بهذه النظرة الباردة ستجعلني أصدق أنك لا تريد وجودي؟ أنت تحاول حمايتي بالهروب مجددًا يا خافي... لكنني لن أتركك تشرب سمومك وتواجه شياطينك وحدك."
تبادل ماركوس وسوفيا النظرات بذهول، مدركَيْن أن هذه المحامية ليست كأي شخص آخر دخل حياة خافي من قبل.
ثبت خافي عينيه في عينيها، واشتدت ملامحه بقسوة مصطنعة يحاول من خلالها التستر على ضعفه وخوفه الحقيقي عليها.
رفع صوته المجهد قليلاً بنبرة أمر حادة جمدت الهواء في الغرفة:
"قلتُ لكِ ارحلي يا ألبا! ألا تفهمين؟ لا أريدكِ هنا... ارحلي فورًا!"
لم تهتز ألبا إنشًا واحدًا أمام ثورته.بالعكس، خطت خطوة أسرع نحو السرير، ووضعت يديها بثبات على طرف السرير وقربت وجهها من وجهه، ونظرت في عمق عينيه بنبرة قاطعة، حادة كالصلب، ودافئة كالشمس:
"لا."
صمتت الغرفة تمامًا. لم يسبق لأحد في هذه المدينة أن تجرأ على مواجهة خافي بهذه الجرأة والتحدي.استجمعت ألبا كل ثباتها وقالت بصوت يفيض بالإصرار:
"لن أرحل يا خافي. اعصر غضبك كما تشاء، واصرخ، واستخدم كل قسوة العالم التي تتخفى خلفها... لن أتركك تسقط، ولن أترك هذا المكان حتى أتأكد أنك بخير."
مسح خافي وجهه بيده العريضة بإرهاق، وأطلق زفيرًا حارًا يمتزج بالغضب والاستسلام، ثم زمجر بنبرة مبتلة بالخيبة:
"اللعنة عليكِ... وعلى عنادكِ اللعين يا ألبا!"
تجاهلته ألبا تمامًا وابتسمت بتشفٍّ هادئ، ثم سحبت كرسياً خشبيًا وجلست عليه بالقرب من السرير،التفت ماركوس نحو خافي، وكتم ابتسامة إعجاب خفيفة بجرأة ألبا، ثم حكّ عنقه وقال بنبرة جادة:
"إذن... ماذا الآن يا خافي؟ الرجال في الخارج يمشطون الحي، والوقت ليس في صالحنا."
نظر خافي إلى ماركوس ثم نقل عينيه المظلمتين نحو ألبا، قائلاً بنبرة قاطعة تحاول إرجاع جزء من سيطرته المفقودة:
"هي لن تعلم بأي شيء مما نخطط له... تريدين البقاء؟ ابقي كما تشائين يا حضرة المحامية، لكن لن تعرفي حرفًا واحدًا عما يحدث في الخارج."
نظرت إليه ألبا بثبات ورفعت حاجباً واحداً بذكاء وسخرية، ثم قالت بثقة:
"اتفقنا... حافظ على أسرارك المظلمة كما تشاء يا موكلي ، طالما أنك تستلقي في سريرك وتدع جسمك يتعافى من سمومك، يمكنك أن تتظاهر بأنك تدير العالم من هنا."
تنفس خافي بحدة وأغمض عينيه محاولاً السيطرة على أعصابه، بينما حوّل وجهه نحو سوفيا وماركوس وقال :
"تحدث... لكن بلغة لن تفهمها."
تبادل ماركوس وخافي الحديث بنبرة خفيضة ورموز مشفرة لا يفهمها إلا من عاش في زواريب الشوارع الخلفية، بينما كانت ألبا تراقبهما بهدوء ظاهري وثقة لا تتزعزع.
مرى اليوم الى ان حل المساء و توتر يعصف المكان ، كان خافي عنيد ومتمسك برفض إدخالها لهذا العالم كانت البا تجلس بجانبه على سرير بعد أن غيرت ملابسها
كان يغفو بخفوت بعيدا عن الغضب الذي أظهره منذ قليل أما هي فكانت تحاول السيطرة على دقات قلبها بعد كل ماحدث و خاصة انها فوتة وقت دوائها بسبب ما حصل وفجأة... انفتح باب الشقه الخارجي بقوة دون استئذان!
دخلت فتاة ذات ملامح صارخة الجمال تناطح جمال البا ، بشعر وردي قصير ووجنتين متوردتين، ترتدي ملابس متمردة تُبرز أنوثتها. لم تتوقف الفتاة لبرهة، ولم تلتفت لأحد في الصالون، بل ركضت فوراً ا بلهفة متجهة إلى الغرفة السوداء.
رمت بنفسها نحو خافي الممدد على السرير، وقبل أن يستوعب أحد ما يحدث، انحنت عليه وأمسكت بوجهه بقوة، وطبعت قبلة عميقة ومباغتة على شفتيه!
"خافي! يا إلهي... سمعت أنك مريض كدت أجن!"
تسمرت ألبا في مكانها وكأن صاعقة ضربت الغرفة. انقبض قلبها بشدة، واشتدت أصابعها على ذراعي الكرسي حتى ابيضت مفصلها من الغيرة لم تعهده في نفسها من قبل.
انقبضت ملامح خافي فوراً بضيق شديد، ودفعها برفق ولكن بصرامة أبعدتها ، وهو ينظر بطرف عينه خاطفة نحو ألبا التي كادت تقتلهما بعينيها .
اقتربت سوفيا بخطوات خفيفة وسريعة من ألبا، ووضعت يدها على كتفها المشدود وغمست نبرتها بالهدوء والاطمئنان:
"اهدئي يا ألبا... لا تدعي المشهد يخدعك. بالتأكيد خافي سيفسر لكِ كل شيء."
التفتت الفتاة ذات الشعر الوردي، بنظرات حادة ومستغربة نحو ألبا الصامتة في زاوية الغرفة.
مسحت كلوي جسد ألبا من رأسها إلى أخمص قدميها، متفحصة أسلوبها الأنيق ووجودها الغريب في شقة خافي وفي هذا التوقيت بالذات.ثم رسمت ابتسامة متكبرة على شفتيها ، وخطت خطوة بثبات نحو ألبا، ثم مدّت يدها المغطاة بأقوار جلدية وقالت بنبرة ناعمة يُخالطها التحدي الصريح:
"لم أرَ وجوهًا غريبة هنا من قبل... أنا كلوي، حبيبة خافي. ومن تكونين أنتِ؟ حارسته الشخصية أم محاميته؟"
نزلت كلمة "حبيبة خافي" كالصاعقة في أذن ألبا. رفعت رأسها بثبات تام، وتجاهلت اليد الممدودة ببرود تام يقطر كبرياءً، ثم نظرت إلى كلوي بعينين حادتين كالصلب وقالت بصوت جعل الجميع في الغرفة يصمتون:
" حبيبته ؟…آنا ألبا... الشخص الوحيد الذي أخرجه من قاعه هذا الصباح بينما كانت 'حبيبته' مشغولة ."
اتسعت عينا كلوي بصدمة وغضب من الجوابها الجريء، بينما ارتبك خافي تمامًا واعتدَل في جلسته رغم ألمه شديد، وصاح بنبرة حادة ومجهدة يقطع بها هذا التوتر:
"كلوي! يكفي... ليس هذا هو الوقت المناسب لترهاتكِ!"
التفتت ألبا نحو خافي بنظرة نارية حارقة تجمع بين الخيبة والغيرة والمقت، ثم استقامت في وقفتها وأصلحت معطفها، وكأنها تضع حدًا فاصلًا لكل ما حدث بينهما.
في حين اشتعلت عينا كلوي بالغضب والكره تجاه ألبا، وازداد التوتر في المكان،لكن ألبا، ورغم النار التي تتآكل في جوفها من الغيرة، بقية هادئة ، ابتسمت ابتسامة رسمية باهتة لا تصل إلى عينيها، وقالت :
"عموماً... أنا المحامية المسؤولة عن قضاياه وسلامته القانونية، لا أكثر ولا أقل. يمكنكِ الاطمئنان يا آنسة كلوي."
استغلت كلوي هذه الجملة لتثبيت سيطرتها ومكانتها. التفتت فوراً نحو خافي المجهد على السرير، وانحنت فوقه مجدداً دون أي مراعاة لوجود الآخرين. أحاطت عنقه بيديها، وألصقت جسدها به تبدأ بملامسة صدره وعضلاته بنهم وشغف متعمد، وطبعت قبلة ثانية عميقة على شفتيه أمام أنظار الجميع.
شعر خافي بالتضايق الشديد والارتباك، وحاول دفعها برفق وهو ينظر بعينين متوسلتين ومصدومين نحو ألبا، لكن الأوان كان قد فات.
لم تحتمل ألبا رؤية المشهد أكثر من ذلك. شعرت بخنقة حادة تكتم أنفاسها و خفقاتها ورغبة في الهروب من هذا المكان الشديد السموم.
تجاهلت نداءات سوفيا الخفية خلفها، واستدارت ببرود تام وخطت بخطوات ثقيلة ومسرعة نحو الشرفة الخارجيّة للشقة. أغلقت الباب الزجاجي خلفها بإحكام لتفصل نفسها عنهم، ووقفت تستنشق الهواء البارد لعلّها تطرد حرارة الدموع والغيرة التي كادت تتفجر من عينيها.
مرّت الساعات ثقيلة كالجبال على ألبا وهي واقفة في الشرفة الباردة. تحول ضوء النهار الدافئ تدريجيًا إلى شفق حمراء، ثم حلّ المساء ليغمر المدينة بالظلام والبرودة.
رغم برودة الجو التي اخترقت جسدها، رفضت العودة إلى الداخل. وفي كل مرة كانت تتلتفت فيها بعينين منكسرتين نحو الباب الزجاجي الشفاف للمعيشة، كانت ترى المشهد نفسه الذي يحرق قلبها: كلوي قريبة جدًا من خافي، تتودد إليه، وتطبع القبلات على شفتيه وعنقه بنهم وتملك.
كان خافي يبدو مجهدًا وغائبًا، لكنه لم يبعدها بقوة كافية تلجمها، مما أضرم النار في جوف ألبا أكثر فأكثر.
تجمعت الدموع الساخنة في عينيها وانزلقت على وجنتيها الداكنتين. لكنها كانت تمسح دموعها بسرعة وبحرقة بظهر يدها المرتجفة، مستكثِرة على نفسها أن تضعف أو تظهر انكسارها أمامهم.
تستدير فورًا نحو الشارع المظلم تعطي ظهرها للزجاج، تطبق جفنيها بقوة كي تطرد صورة خافي مع غيرها من مخيلتها، وتهتف بينها وبين نفسها بأسى وحسرة:
"أنا من صنعتُ هذا الوهم... ظننتُ أنني أستطيع إنقاذه، بينما هو يختار الهلاك في أحضان غيري."
و دون سابق إنذار انفتح باب الشرفة الزجاجي ببطء، وخرج ماركوس وسوفيا إلى الهواء البارد، يغلقان الباب خلفهما تمامًا ليعزل ألبا عن أصوات الداخل.
وقفت ألبا معطيةً إياهما ظهرها، ومسحت دمعتها الأخيرة بلمسة خاطفة وسريعة قبل أن تستدير بملامح جامدة كالجليد، محاولةً استعادة درعها الحصين كمحامية لا تُهزم.
خطت سوفيا نحوها بخطوات هادئة، وشبّكت يديها وهي تنظر إلى عيني ألبا المجهدتين بأسى واعتذار صادق:
"ألبا... أرجوكِ لا تدعي ما رأيتِه يخدعكِ. كلوي ليست سوى شبح من الماضي خافي الفوضوي، وهمسٌ قديم يطارده من عالم الشوارع الذي يحاول الخروج منه."
تدخل ماركوس بصوت جاد، متكئًا على سور الشرفة:
"سوفيا محقة يا ألبا. خافي لم يختر وجود كلوي اليوم، هي فرضت نفسها . خافي مريض ومشتت.. إنه أعجز من أن يقاوم أو يدخل في شجار معها الآن."
ردت ألبا بنبرة هادئة لكنها يابسة ومجرحة، وعيناها تلمعان بتحدٍّ مكسور:
"لستُ بحاجة لمبررات يا ماركوس. أنا هنا بصفة مهنية... أردتُ فقط التأكد من أنه لن يموت الليلة من التسمم. أما حياته الشخصية وعلاقاته، فلا تعنيني."
ابتسمت سوفيا ابتسامة حنونة وقريبة، وربطت على ذراع ألبا برفق وقالت:
"أنتِ أذكى من أن تصدقي كلامكِ هذا يا ألبا... نحن نعرف خافي منذ سنوات، ولم نره يفتح باب شقته، ولا باب روحه لأحد كما فعل معكِ. نظراته لكِ هذا الصباح عندما كنتِ نائمة... خوفه عليكِ من العصابة... حمايته لكِ وإبعادكِ عن طريقه... كل هذا لا يفعله رجل يحب امرأة مثل كلوي."
تنهد ماركوس ووافقها الراس قائلاً:
"كلوي مجرد وسيلة يهرب بها عندما يكره نفسه، لكنكِ أنتِ الأمل الوحيد الذي رآه منذ زمن. لا تتخلي عنه في منتصف الطريق وتتركيه لتلك الشياطين."
صمتت ألبا، ونظرت عبر الزجاج الداكن لترى خافي يجلس شاحبًا بينما كلوي مجددًا ومحاولاتها المتكررة تتمرد على كل موجودين دون أي حياء و لكن فجأة اتسعت عيناها بصدمة مشوبة بالاشمئزاز. كانت كلوي قد بدأت بخلع سترتها جينز قصيرة، كاشفة عن ملابس داخلية جريئة، مائلةً بجسدها فوق خافي الذي بدا مخدراً وغائباً عن الوعي تقريباً، لا يبدي أي حراك.
تملّكت الغيرة الممزوجة بالقرف من ألبا تماماً، ولم تستطع كبح لسانها المهذب هذه المرة. أفلتت زمام أعصابها وقالت بصوت خفيض يقطر سماً وكراهية، بينما عيناها مثبتتان على المشهد المقزز:
"تلك العاهرة اللعينة... لم تبعد مؤخرتها القذرة عنه منذ أن داسَت قدماها هذا المكان."
ساد الصمت لثانية خلفها على الشرفة، ثم انفجر ماركوس في ضحكة مكتومة، بينما كتمت سوفيا ضحكتها بوضع يدها على فمها، ونظرا إلى بعضهما البعض بذهول وإعجاب خفي.
التفت ماركوس نحو ألبا وغمز لها بعين واحدة، قائلاً بنبرة ساخرة ومحببة:
"المحامية الرزينة تخاطبنا بألفاظ بذيئة؟ يا إلهي... هذا رائع! يبدو أن وحش الشوارع بدأ يوقظ وحشاً نائماً في داخلكِ يا ألبا."
أكملت سوفيا بابتسامة خبيثة وهي تهز رأسها:
"صدقيني يا ألبا... نحن نفضل هذه النسخة الجريئة منكِ على نسخة المحاكم الرسمية. خافي يحتاج لامرأة قوية تستطيع أن تشتم عندما تستدعي الحاجة."
احمرّ وجه ألبا خجلاً وغضباً من نفسها لأنها فقدت سيطرتها، لكنها شعرت براحة غريبة لأنها أخرجت جزءاً من النار التي تأكلها. و عندما عادت بنظرها لالنافذة شاهدت كلوي تتمادى وتجاسر على فك حزام خافي، محاولة تجريده من ملابسه، بينما هو، بملامح مشدودة من الألم والإعياء، يحاول صدّ يديها المصرتين بضعف ووهن.
لم تحتمل ألبا هذا المشهد للحظة أخرى. تملكها كبرياء شرس وغيره نارية. دفعت باب الشرفة الزجاجي بقوة فاجأت الجميع، ودخلت الصالون بخطوات واثقة كأنها تملك المكان.
و دون كثير من الكلام توجهت مباشرة نحو الأريكة التي تجلس عليها كلوي بجوار خافي، وبكل وقاحة وثقة لم يعهدها أحد فيها من قبل، جلست على الكرسي المقابل تماماً لكلوي، بوضعية متحدية و سلطة نظراتها الحادة مباشرة نحو عين كلوي ، تجمّدت الاخرى في مكانها، وشعرت برهبة لم تألفها أمام قوة حضور ألبا الرادعة. انقبض قلبها بخوف وخيبة أمل، وأدركت أن المحامية لن تستسلم بسهولة. ببطء شديد، سحبت كلوي يديها المرتجفتين عن حزام خافي، وأصلحت ملابسها بعجلة، ثم استقامت في وقفتها وتراجعت خطوتين للخلف، ناظرة إلى ألبا بنظرة مهزومة وخاضعة.بينما اغمض خافي عينيه مدركا انه قد جنى على نفسه .
عمى هدوء مربك على مكان ، صمت جنائزية بحضور حضرة المحامية إلى ان حلّ الليل على الشقة، نام ماركوس وسوفيا في الصالون من شدة التعب، واستسلمت الشقة لصمت ثقيل لا يقطعه سوى انفاس خافي المنتظمة بعد أن غفى .
خرجت ألبا من الحمام ببطء، وهي تحمل وعاءً صغيراً به ماء بارد ومجموعة من الكمادات النظيفة. مشت بخطوات خفيفة كي لا توقظ أحداً، واقتربت من الغرفة السوداء.
كان خافي ممدداً على السرير، عاري الصدر جزئياً، والتعرق الخفيف ما زال يغطي جبينه رغم انخفاض حرارته قليلاً. جلست ألبا على طرف السرير بهدوء شديد، وبللت المنشفة ثم عصرتها برفق، وانحنت لتبدأ بتغيير الكمادات الموضوعة على جبينه وعنقه.
وفجأة... تحركت يده العريضة والدافئة لتمسك بيده المرتجفة بثبات شديد.
فتح خافي عينيه المظلمتين المجهدتين، ونظر إليها بنظرة مليئة بالندم والانكسار الخفي. حاول الجلوس بصعوبة وأخرج صوتاً مبحوحاً يملؤه التوسل ليبرر لها ما حدث مع كلوي:
"ألبا... أقسم لكِ أنني لم... كلوي مجرد..."
قبل أن يكمل كلماته، رفعت ألبا يدها الأخرى بثبات ولين، ووضعت أصابعها الناعمة على فمه مباشرة، لتمنعه من إكمال الحديث.تلاقت عيناهما في عتمة الغرفة، وساد صمت مشحون بالحرارة. هزت ألبا رأسها برفق وقالت بصوت خفيض ودافئ يفيض بالحنان والقوة:
"اصمت... لا تقل شيئاً الآن … ساقتلك لاحقا ."
تجمّد خافي في مكانه، وأغمض عينيه باستسلام تام تحت لمسة أصابعها، بينما استمرت ألبا في مسح جبينه بالكمادة الباردة ببطء، ادرك انها وبذلك القلب الحنون اختارت منحه فرصة الأمل مجددا ، رفعت يده الثقيلة أصابعها الرقيقة المتوقفة على شفتيه. لم يلتفت ولم يبتعد، بل انحنى برأسه قليلاً وطبع قبلة بطيئة ودافئة على باطن أصابعها، واحدة تلو الأخرى.
سرى شعور دافئ وكهربائي في جسد ألبا، واهتزت أنفاسها لبرهة. كانت شفتاه الجافتان تلامسان جلدها برقة متناهية، وكأنه يشكرها بلغة لا تحتاج إلى حروف، أو يستسمحها عن كل الألم الذي سببه لها اليوم.
همس بصوت بحار، مجهد ودافئ، وشفتاه ما زالتا تلامسان يدها:
"شكراً لكِ... على عدم رحيلكِ."
سحبت ألبا يدها ببطء شديد كي لا تجرح كبرياءها، وأصلحت المنشفة الرطبة فوق جبينه مجدداً بلمسة أرق هذه المرة. ابتسمت ابتسامة خفيفة وظليلة، ثم ردت بنبرة خفيضة ومطمئنة:
"نم الآن يا خافي... غداً يوم جديد، وتحتاج لكل قوتك لمواجهة ما هو قادم."
أغمض خافي عينيه بسلام، ولأول مرة منذ أشهر طويلة، غرق في نوم عميق ، بينما بقيت ألبا جالسة بجانبه في العتمة، تحرس نومه وتنصت لنبضات قلبه الهادئة.ولم يمر وقت طويل لتلحق هي به ليغفو معا ، ألبا مستندة برأسها على حافة السرير بجانب خافي، ويدها ما زالت قريبة من يده، بينما غطّ خافي في راحة لم يذقها بعيد عنها .
مع إشراقة الصباح، بدأت أشعة الشمس الخفيفة تتسلل عبر ستائر الشرفة الثقيلة، لتنسكب بدفء على الغرفة السوداء.
استيقظت ألبا أولاً. فتحت عينيها ببطء لشعورها بثقل في ظهرها، ولما التفتت وجدت خافي ما زال نائماً، لكن ملامحه أصبحت أكثر استرخاءً وشحوب وجهه القاسي قد تلاشى ليحل محله لون دافئ وهادئ.
انحنت عليه بخفة، ووضعت ظهر يدها على جبينه؛ كانت حرارته قد عادت لطبيعتها، ونبضات قلبه هادئة ومتزنة. ابتسمت براحة خفية، وأصلحت غطاءه بحنان قبل أن تستقيم في وقفتها وتمتدد ببطء.
خرجت ألبا من الغرفة لتجد الصالون هادئاً هو الآخر؛ كان ماركوس مستلقياً على الأريكة وغارقاً في نومه، بينما كانت سوفيا قد استيقظت بالفعل وتقف في المطبخ الصغير تعدّ القهوة.
التفتت سوفيا وابتسمت بنظرة دافئة حين رأت ألبا:
"صباح الخير يا محامية... كيف حاله الآن؟"
ردت ألبا بابتسامة رقيقة:
"صباح النور... حرارته انخفضت ونبضه استقر، إنه يغط في نوم عميق."
أومأت سوفيا برأسها وهي تقدم لها كوباً من القهوة الساخنة:
"هذا بفضلكِ... لم أرى خافي بهذه الراحة منذ سنوات."
وفي تلك اللحظة، تحرك الباب الداخلي للغرفة، وظهر خافي واقفاً عند العتبة.
رغم أنه كان يرتدي قميصاً أسود بسيطاً ويبدو عليه أثر التعب، إلا أن نظرة عينيه المظلمتين كانت ثاقبة وحية. وقعت عيناه فوراً على ألبا الواقفة بالكوب في يدها، وساد صمت قصير ومحمل بالرسائل بينهما، قبل أن يبتسم ابتسامة خفيفة شبه معدومة ويمشي بخطوات ثابتة نحو المطبخ...و في تلك اللحظة بالذات، انفتح باب الحمام بحدّة، وخرجت كلوي بملامح متجهمة وشعر وردي فوضوي، تبدو وكأنها لم تنم طوال الليل من شدة الغيظ والغيرة.
توقفت خطوات خافي، والتفتت كلوي بنظرات نارية نحو ألبا التي كانت ترشف من كوب القهوة ببرود تام ووقار لا يتزعزع.
تجاوزت كلوي سوفيا بخطوات مسرعة، ووقفت أمام خافي مباشرة، ممسكة بذراعه بأسلوب متملك وقالت بصوت حاد و مسموع للجميع:
"خافي! أخيرًا استيقظت... هل أنت بخير؟ لقد قضيت الليل بطوله أقلق عليك بينما هؤلاء جميعًا يتصرفون وكأنهم يملكون المكان!خاصة حضرت المحامية لقد ازعجني وجودها معنا … عزيزي "
رمقتها ألبا بنظرة هادئة من فوق كوب القهوة، ورفعت حاجبًا واحدًا بسخرية لا تخفى، دون أن تكلف نفسها عناء الرد.
التفت خافي نحو كلوي، وسحب ذراعه من بين يديها ببطء ولكن بصرامة جافة جعلت كلوي تتراجع خطوة للخلف. قال بنبرة باردة وحاسمة:
"كلوي... قلت لكِ البارحة، هذا ليس المكان ولا الوقت المناسب لك و لدلالك."
احمرّ وجه كلوي غضبًا وصدمة من جفافه، ونظرت إلى ألبا ثم إلى خافي وقالت بنبرة حاقدة:
"هل تطردني من أجل هذه المحامية؟ نسيت من أكون يا خافي؟ نسيت من كان معك في الشوارع قبل أن تظهر هي ببدلتها الأنيقة؟"
استيقظ ماركوس من على الأريكة أثر صراخها، وهو يفرك عينيه بانزعاج:
"يا إلهي...اوه ابدأوا الصباح بالهدوء، أرجوكم."
خطت ألبا خطوة إلى الأمام، ووضعت كوب القهوة على الطاولة ببطء، ثم نظرت إلى كلوي بعينين حادتين وقالت بثبات وبصوت خفيض يقطر ثقة:
"الماضي يخصكِ أنتِ وهو يا كلوي... لكن حمايته وحياته الآن هي مسؤوليّتي. وإن كان لديكِ ذرة عقل، ستخرجين فورًا قبل أن تصبحي عبئًا إضافيًا على المكان."
لكن كلوي كانت اخبث مما يتوقع الجميع إذ اتسعت عينها بابتسامة خبيثة ومستفزة، ورفعت رأسها بغرور قاتل وهي تتفحص ملامح ألبا ، تجاوزت خافي بخطوات بطيئة واثقة، ووقفت أمام ألبا مباشرة، ثم وضعت يدها على بطنها بنوع من التملك، وقالت بنبرة حادة وسامة تجمدت معها الدماء في الغرفة:
" أوه عزيزتي المحامية... يبدو أنكِ نسيتِ حجمكِ هنا. خافي ليس مجرد حبيب من ماضي لي ، أنا حامل منه! لذا وفرّي تمثيليات البطولة وحمايتكِ هذه، واكتفي بدوركِ القانوني الصغير وارحلي عن حياتنا."
سقطت الكلمة كالقنبلة في أوسط الغرفة.
ساد صمت مرعب وقاتل. رفع ماركوس رأسه بصدمة ، وتجمدت سوفيا والكوب في يدها، بينما شعرت ألبا وكأن الأرض تهتز تحت قدميها. شعرت بسكين من جمر تطعن قلبها، وانحسرت الدماء تماماً من وجهها الناعم.
التفتت ألبا ببطء شديد، وعيناها اللتان ملأهما الذهول والانكسار تتجهان نحو خافي.
الذي بدوره شحبت ملامحه كالجثة، واتسعت عيناه برعب وصدمة غير مسبوقة. نظر إلى كلوي وكأنه يرى شيطاناً، ثم صرخ بصوت بحّار وهستيري هزّ أركان الشقة:
"ماذا تخرفين يا كلوي؟! ما هذا الكذب اللعين?!"
قفزت كلوي للخلف متصنعة الخوف والدموع، وقالت بنبرة باكية ومستفزة:
"هل تتنكر لطفك يا خافي؟ قبل شهرين... في تلك الليلة التي كنت فيها ثقلاً من السموم، ألم تكن معي؟!"
تراجعت ألبا خطوة إلى الخلف. شعرت بالخنق يلتف حول عنقها، وكبرياؤها يصرخ بضرورة الهرب قبل أن تنهار أمامه. سحبت معطفها وحقيبتها بسرعة بحديث مرتجف، دون أن تنطق بحرف واحد، واستدارت و رفعة يدها لتهوي على وجه خافي ثم اتجهت نحو الباب الخارجي للشقة بكل ما تبقى لديها من قوة وشجاعة.
قبل أن تصل يدها المرتجفة إلى مقبض الباب الخارجي، كان ماركوس قد سدّ طريقها ببدنه الضخم، بينما أسرعت سوفيا وأمسكت بذراعها برفق ولكن بإصرار شديد تمنعها من الخروج.
كانت ألبا تحاول الفلات منهما وعيناها تلمعان بدموع الخيبة والحرقة، وصوتها يرتجف بكبرياء مجروح:
"دعاني أرحل! لا شأن لي بهذا القرف... دعاني أخرج!"
لم يمنحها فرصة للانهيار أمام كلوي وخافي. تبادل ماركوس وسوفيا نظرة خاطفة حاسمة، وبحركة سريعة ومتقنة، رفعة سوفيا ذراع ألبا بينما احتضنها ماركوس من خصرها، وحملاها معاً بين أيديهما رفيعةً عن الأرض كلياً، ليتجاوزا بها الصالون بخطوات مسرعة وسط ذهول وصدمة الجميع!
صرخ خافي بحدّة وهو يحاول الصمود:
"ماركوس! سوفيا! اتركاها!"
لكن ماركوس دفعه بيده الأخرى إلى الخلف وهو يزمجر:
"اهدأ أنت واصلح قاذوراتك في الداخل أولاً!"
فتحا باب الشرفة الزجاجي بقوة، وادخلا ألبا إلى الهواء البارد ثم أغلقا الباب وقفلاه من الداخل فوراً، ليعزلاها تماماً عن صراخ خافي وتوسلاته وعن نبرة كلوي المستفزة.
أنزل ماركوس ألبا برفق على الكرسي الخشبي. كانت ألبا تتنفس بصعوبة، وصدرها يعلو ويهبط بحرقة، بينما وقفت سوفيا أمامهما لتسدّ رؤية الداخل، وجلست على ركبتيها أمام ألبا ودفعت شعرها عن وجهها بحنان، هاتفاتٍ بصرامة واثقة:
"ألبا... اسمعيني جيداً ولتنظري في عيني! تلك الأفعى تكذب! إنه فخ لتطردكِ من هنا، ولن ندعكِ تقعين فيه بهذه السهولة!"
انهارت حصون ألبا كلياً في تلك اللحظة. لم تعد قادرة على تمثيل دور المحامية الصلبة أو المرأة القوية التي لا تُهزم.
دفنت وجهها بين كفيها المرتجفتين، وانهمرت دموعها بحرقة يتبعها صوت شهقاتها المكتومة الذي مزق هدوء الشرفة الباردة. كانت تبكي كبرياءها المهدور، وقلبها الذي فتحت أبوابه لرجل ينتمي لعالم مليء بالفوضى والأكاذيب، وخيبتها القاتلة في خافي .
انحنت سوفيا فوراً وضمتها إلى صدرها بحنان أمومي دافئ، وهي تمسد على شعرها وتهدي من روعها بكلمات خفيفة:
"ابكي يا ألبا... أخرجي هذه النار من صدركِ، لكن لا تصدقي حيلة رخيصة كهذه."
أما ماركوس، فقد وقف مسنداً ظهره إلى الباب الزجاجي المقفل، يمنع خافي الذي كان يضرب الزجاج بقبضته بجنون ويصيح بكلمات مكتومة لا تُسمع من خلف العزل، وعيناه المظلمتان تتوسلان لرؤيتها.
رفعت ألبا رأسها ببطء، وعيناها محمرتان والدموع تغرق وجنتيها الناعمتين، وقالت بصوت مكسور يملؤه الأسى والحرقة:
"أنا محامية يا سوفيا... أنا أعيش في عالم الأدلة والحقائق، لا الأوهام. كيف سمحتُ لنفسي أن أصدق أنه قد يتغير؟ كيف أكون مغفلة هكذا ؟"
مسحت سوفيا دموع ألبا بأصابعها برفق شديد، ونظرت في عينيها بثبات قاطع:
"لستِ مغفلة... أنتِ فقط أحببتِ رجلاً يحارب شياطينه كل يوم. وخافي، رغم كل عيوبه، ليس خائناً. كلوي تعرف نقطة ضعفه الوحيدة، وتعرف أن ذنبه القديم تجاهها هو السلاح الوحيد الذي سيقتلكِ أنتِ ويعدمه هو."
مسحت ألبا دموعها بظهر يدها بسرعة، و لملمت كبرياءها، وهي تنظر عبر الزجاج لترى خافي يتجادل بشراسة وعنف مع كلوي في الداخل، بينما يحاول الدخول للشرفة بأي طريقة.
استقامت ألبا في وقفتها، وأخذت نفساً عميقاً يرتجف، ثم مسحت أثر الدموع كلياً عن وجهها وأصلحت هندامها بثبات، وقالت بنبرة حادة وجديدة تماماً:
"افتَح الباب يا ماركوس... حان الوقت لننهي هذه المسرحية الهزلية."
ساد الشوم والوجوم أرجاء الغرفة بعد دخول البا لم يتجرأ أحد على تبرير فضيحة كهذه لكن كلوي لم تتوقف حيث أخرجت من حقيبتها الشفافة علبة كرتونية صغيرة، ورمتها على الطاولة بكل ثقة وشماتة، مترافقة مع تقرير طبي رسمي و اختبار حمل منزلي يظهر خطين أحمرين بوضوح قاطع.
شخصت أبصار الجميع نحو الصفحة المطبوعة والخطين... لم يكن هناك مجال للشك، كلوي حامل حقاً.
تراجعت سوفيا خطوة للخلف ويدها على فمها من الصدمة، بينما أطرق ماركوس رأسه إلى الأسفل بنفاذ صبر وغمغم بلعنة خفيضة.
أما خافي... فقد شحب وجهه كلياً كمن يتلقى حكمًا بالإعدام. تجمّدت الدماء في عروقه ونظر إلى الاختبار، ثم إلى ألبا بعينين مكسورتين وعاجزين تماماً عن الكلام. لم تعد لديه أي حجة أو مبرر يدافع به عن نفسه؛ النتيجة أمامه، ورغم أن تلك الليلة قبل شهرين كانت غائمة ومظلمة تحت تأثير السموم، إلا أن الواقع كان أقسى من أي تفسير.
ارتسمت على شفتي كلوي ابتسامة انتصار سامة، وخطت بثقة لتجلس بجانب خافي ، وهي تنظر إلى ألبا بثبات ثم قالت:
"أرأيتِ؟ أنا لا أكذب يا حضرة المحامية... طفل خافي يكبر في أحشائي الآن. والآن، أعتقد أن وجودكِ هنا أصبح بلا أي معنى."
ساد صمت ثقيل ومرهق.ألبا، التي كانت تقف بكبرياء مستعد للمواجهة، شعرت بأن الأكسجين ينسحب فجأة من أرجاء المكان و قلبها يخفق بعنف جراء مرضها اللعينة الذي أخفته عنه بحجة القوة. لم تدمع عينها هذه المرة، بل تحول حزنها إلى جدار من الثلج القاسي. نظرت إلى الشريحة الموضوعة على الطاولة، ثم رفعت عينيها الحادتين نحو خافي، الذي كان ينظر إليها بتوسل صامت ورجاء أخير.
ابتسمت ألبا ابتسامة باردة خالية من أي ألم أو انكسار ظاهري، وشبّكت يديها بثبات أمامها وقالت بصوت هادئ ورزين أرسل قشعريرة في الغرفة:
"مبروك يا خافي... يبدو أنك حصلت على العائلة التي تستحقها."
استدارت ألبا ببطء، وسحبت معطفها وحقيبتها بثبات دون أن يرتجف لها جفن، ثم مشت بخطوات واثقة ومستقيمة نحو باب الشقة الخارجي، تاركة خلفها الفوضى والماضي وخافي الذي يقف مشلولاً كالجثة، دون أن تجرؤ قدمه على أخذ خطوة واحدة خلفها هذه المرة.
لكن ماركوس لم يحتمل هذا الظلم في حقها وخاصة هو يعلم جيدا خطورة وضعها الصحي فانفجر غضبًا، وضغط على أسنانه وهو ينظر إلى خافي وكلوي بملامح يملأها القرف والازدراء.
ضرب الطاولة بقبضته القوية فاهتز كل ما عليها، وصرخ بصوت هادر هز أركان الشقة:
"تبًّا لكم جميعًا! تَبًّا لهذه القذارة وهذا الخراء الذي تغرقون فيه! انها مريضة قلب يا وغد "
رمق كلوي بنظرة حادة كادت تقتلها، ثم التفت إلى خافي الذي كان يقف كالجثة الهامدة، وقال بنبرة يملؤها الخذلان:
"لقد دمرت كل شيء يا خافي... دمرت أملك الوحيد في الحياة ، ادعي ألا تموت بسببك الآن ."
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (1)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخول