فراولة وبارود
فراولة وبارود
جزء 8 من 15
وضع القراءة:

رفيقة الظل

تسللت أولى خيوط الشمس عبر الستائر البيضاء، لترسم خطوطًا ذهبية على أرضية الغرفة الهادئة.
فتحت سيلين عينيها ببطء.
لبضع ثوانٍ...
لم تعرف أين هي.
حدقت في السقف الأبيض.
ثم جلست ببطء فوق السرير.
الغرفة...
ليست غرفتها.
والنافذة...
ليست نافذة الشقة التي تتقاسمها مع جوليا.
وبمجرد أن استعادت وعيها...
عادت إليها ذكريات الليلة الماضية دفعة واحدة.
المستودع.
إطلاق النار.
الجثة.
اللهب.
وداميان...
وهو يقف وسط الرصاص وكأنه اعتاد سماعه.
أغمضت عينيها لثوانٍ.
وأخذت نفسًا عميقًا.
ثم همست بصوت خافت:
"الحمد لله..."
أنزلت قدميها إلى الأرض.
ألقت نظرة على الساعة الصغيرة الموضوعة فوق المكتب.
كان الوقت ما يزال مبكرًا.
نهضت بهدوء.
ثم فتحت حقيبتها وأخرجت وشاحًا خفيفًا كانت تحتفظ به.
دخلت الحمام.
وبعد دقائق...
خرجت وقد توضأت.
أخذت السجادة الصغيرة التي أحضرتها لها صوفيا في الليلة الماضية.
فرشتها في زاوية الغرفة، متجهة نحو القبلة التي حددتها في الليلة السابقة.
وقفت فوقها.
ثم رفعت يديها.
"الله أكبر."
خارج الغرفة...
كانت صوفيا تقف في الممر تحمل كوبًا من القهوة.
كانت قد جاءت لتطمئن على ضيفتها قبل أن تستيقظ.
لكنها توقفت عندما رأت باب الغرفة مواربًا قليلًا.
وصلها صوت خافت...
هادئ...
متزن.
لم تحاول النظر إلى الداخل.
اكتفت بالوقوف في مكانها.
انتظرت بصمت.
وبقيت كذلك حتى انتهت سيلين من صلاتها.
بعد دقائق...
فُتح الباب.
خرجت سيلين وهي تحمل السجادة المطوية بين يديها.
تفاجأت بوجود صوفيا.
ابتسمت لها بخجل.
"آسفة... هل انتظرتِ طويلًا؟"
هزت صوفيا رأسها.
"لا."
ساد صمت قصير.
ثم قالت بهدوء:
"هل نمتِ جيدًا؟"
ابتسمت سيلين ابتسامة باهتة.
"أفضل مما توقعت."
نظرت صوفيا إلى وجهها للحظة.
رغم الإرهاق...
كان الهدوء قد عاد إلى ملامحها.
وكأن الصلاة سحبت منها شيئًا من الخوف الذي رافقها طوال الليل.
قالت صوفيا:
"الإفطار جاهز."
أومأت سيلين.
"شكرًا."
ثم سارتا معًا في الممر الطويل...
في صمت.
صمت لم يكن ثقيلًا هذه المرة.
بل كان بداية تعارف بطيئة بين امرأتين جمعتهما ليلة لم تكن أي منهما تتوقعها.
في الطابق العلوي...
أُغلقت أبواب غرفة الاجتماعات بإحكام.
جلس الرئيس في رأس الطاولة، بينما جلس داميان إلى يمينه، وماركو إلى يساره، وإلى جوارهما عدد من العملاء، من بينهم صوفيا.
ظهرت على الشاشة صورة لسيلين، يتبعها خط زمني لتحركاتها خلال الأيام الماضية.
قال الرئيس بهدوء:
"قبل أن نناقش الخطوة التالية... أريد تقرير الحماية."
أومأت صوفيا.
فتحت ملفًا إلكترونيًا أمامها.
وقالت بنبرة عملية خالية من أي انفعال:
"المدنية بحالة نفسية مستقرة نسبيًا، رغم الصدمة التي تعرضت لها."
توقفت لحظة.
ثم أضافت:
"لا تظهر أي سلوك عدائي أو مريب."
هز الرئيس رأسه.
"أكملي."
قالت:
"التزمت بجميع التعليمات داخل المقر."
"تناولت قدرًا بسيطًا من الطعام."
"ثم حصلت على قسط من الراحة."
توقف الجميع عن الكلام.
أضافت بهدوء:
"كما طلبت سجادة صغيرة."
رفع ماركو حاجبه باستغراب.
"سجادة؟"
أومأت.
"نعم."
ساد الصمت.
فسأل ماركو مبتسمًا:
"للنوم عليها؟"
أجابت صوفيا بكل جدية:
"لا."
ثم أردفت:
"بعد أن أحضرتها... دخلت الحمام."
"وحين عدت..."
توقفت لحظة.
"...وجدتها تصلي."
ساد صمت قصير داخل الغرفة.
لم يعلّق أحد.
لكن ماركو قال باستغراب:
"حتى بعد كل ما حدث؟"
أجابت صوفيا:
"نعم."
"بدت هادئة جدًا أثناء الصلاة."
ثم أغلقت الملف أمامها.
"كان ذلك كل شيء."
ساد الصمت مرة أخرى.
قطع ماركو السكون وهو ينظر إليها.
"إذن هي مسلمة "
أجابت صوفيا:
"يبدو ذلك."
ثم أضافت:
"ولا أعرف الكثير غير هذا."
رفع الرئيس نظره إليها.
"ستعرفين."
استغربت قليلًا.
فأكمل:
"ابتداءً من اليوم..."
"لن تبقي في المقر."
التفت الجميع نحوه.
قال بهدوء:
"ستنتقلين للعيش معها."
صمتت صوفيا.
أما ماركو...
فابتسم ابتسامة صغيرة.
"هذا سيكون ممتعًا."
رمقته صوفيا بنظرة باردة.
"لا أظن."
ضحك بعض العملاء بخفة.
أما داميان...
فبقي صامتًا كالعادة.
أكمل الرئيس:
"وجود حارسة ترافقها في كل مكان سيجذب الانتباه."
"لهذا..."
ظهرت صورة لمقهى بسمة حلوة على الشاشة.
"ستعملين هناك."
رفعت صوفيا رأسها.
"في المقهى؟"
"نعم."
"كنادلة؟"
قال الرئيس:
"أو مساعدة في المطبخ."
"أي دور يجعلك جزءًا طبيعيًا من المكان."
أومأت صوفيا.
"مفهوم."
ثم تابع الرئيس:
"ستسكنين معها ومع شريكتها في السكن."
رفع ماركو يده ضاحكًا.
"إذن انتهت حياتك الهادئة."
أجابته صوفيا ببرود:
"لم تكن هادئة أصلًا."
ابتسم ماركو.
"أراهن أنك بعد شهر ستتعلمين صنع الكرواسون."
لم تستطع إحدى العميلات كتم ضحكتها.
حتى الرئيس ابتسم ابتسامة خفيفة قبل أن يستعيد جديته.
أما داميان...
فكان ما يزال ينظر إلى صورة سيلين على الشاشة.
ثم قال أخيرًا:
"هل عرفنا شيئًا عن خلفيتها؟"
هزت صوفيا رأسها.
"ليس بعد."
رد الرئيس:
"ستعرفين مع الوقت."
"لكن لا تضغطي عليها."
"دعيها تشعر أن وجودك طبيعي."
أومأت صوفيا مرة أخرى.
"مفهوم."
ثم نهض الرئيس.
"إذن انتهى الاجتماع."
بدأ الجميع بجمع ملفاتهم.
خرج ماركو وهو يتمتم مبتسمًا:
"أشعر أن هذه المهمة ستكون مختلفة تمامًا."
أما داميان...
فاكتفى بنظرة أخيرة إلى شاشة العرض قبل أن يغادر بصمت، دون أن يدرك أن هذه المهمة لن تغيّر حياة سيلين وحدها... بل ستغيّر حياة الفريق بأكمله.
في الطابق السفلي...
كانت سيلين تقف قرب النافذة الزجاجية الكبيرة، تنظر بصمت إلى السيارات التي تمر خارج المبنى.
كانت تحمل حقيبتها الصغيرة بكلتا يديها.
لم تكن تعرف ماذا ينتظرها بعد الآن.
سمعت وقع خطوات يقترب.
التفتت.
كان داميان.
توقف على بعد خطوات منها.
كعادته...
وقف مستقيمًا، هادئًا، وملامحه لا تكشف شيئًا.
قال باقتضاب:
"حان وقت المغادرة."
اكتفت سيلين بإيماءة صغيرة.
بعد لحظات...
وصلت صوفيا تحمل حقيبة رياضية سوداء على كتفها.
نظرت إلى داميان.
"السيارة جاهزة."
أومأ.
ثم اتجه الثلاثة نحو المخرج.
...
خارج المبنى...
كانت سيارة سوداء تنتظرهم.
جلس السائق خلف المقود.
فتحت صوفيا الباب الخلفي.
"تفضلي."
جلست سيلين بصمت.
وجلست صوفيا بجانبها.
أما داميان...
فجلس في المقعد الأمامي.
تحركت السيارة بهدوء.
...
ساد الصمت طوال الدقائق الأولى.
كانت سيلين تنظر من النافذة.
روما عادت كما تعرفها.
المقاهي ممتلئة.
السياح يلتقطون الصور.
الحياة تسير بصورة طبيعية...
وكأن الليلة الماضية لم تحدث.
همست دون أن تشعر:
"كيف يستطيع العالم أن يستمر بهذه البساطة..."
لم يجبها أحد.
...
بعد دقائق...
قال داميان دون أن يستدير:
"ستعودين إلى عملك."
التفتت إليه باستغراب.
"حقًا؟"
"نعم."
"لكن..."
ترددت.
"أليس هذا خطرًا؟"
أجاب بهدوء:
"الخطر موجود."
ثم أضاف:
"لكن اختفاءك المفاجئ أخطر."
ساد الصمت.
ثم أكمل:
"ستعيشين حياتك بصورة طبيعية."
"ستفتحين المقهى."
"وستذهبين إلى أي مكان اعتدتِ الذهاب إليه."
نظرت إليه باستغراب.
"وكأن شيئًا لم يحدث؟"
"تمامًا."
ثم التفت إليها للمرة الأولى منذ ركوب السيارة.
"لكن..."
أشار بإصبعه نحو صوفيا الجالسة بجانبها.
"...لن تكوني وحدك."
التفتت سيلين إلى صوفيا.
بدت الأخيرة هادئة كعادتها.
قالت باختصار:
"سأكون الموظفة الجديدة في المقهى."
اتسعت عينا سيلين.
"ماذا؟"
"وسأنتقل للعيش معك ومع جوليا."
لم تستطع إخفاء دهشتها.
"في منزلنا؟"
أومأت صوفيا.
"هذه هي الخطة."
بقيت سيلين تنظر إليها لثوانٍ.
ثم تنهدت بخفة.
"جوليا ستصاب بالصدمة."
ولأول مرة...
ارتسمت على وجه صوفيا ابتسامة صغيرة جدًا، كأنها لم تعتد استخدامها.
"أظن ذلك."
لاحظ داميان تلك الابتسامة الخاطفة في المرآة الأمامية.
اختفت بعد ثانية واحدة...
حتى إنه شك في أنه رآها أصلًا.
واصلت السيارة سيرها بين شوارع روما...
بينما كانت سيلين تقترب شيئًا فشيئًا من المنزل الذي خرجت منه بالأمس فتاةً عادية...
بعد نحو نصف ساعة...
توقفت السيارة أمام مقهى بسمة حلوة.
كان الباب مغلقًا، لكن الضوء في الداخل كان مشتعلًا.
تنهدت سيلين.
"جوليا وصلت قبلي..."
نزلت من السيارة، ثم وقفت للحظة تنظر إلى المقهى الذي بدا كما تركته بالأمس.
كل شيء فيه مألوف...
إلا أنها لم تعد تشعر بأنها الشخص نفسه.
دخلت.
وما إن رأت جوليا حتى اندفعت نحوها.
"سيلين!"
عانقتها بقوة حتى كادت تفقد توازنها.
"لقد أقلقتِني كثيرًا!"
ابتسمت سيلين بتعب.
"أنا بخير."
ابتعدت جوليا عنها قليلًا، ثم بدأت تتفحص وجهها.
"هل أنتِ متأكدة؟ تبدين مرهقة جدًا."
قبل أن تجيب...
دخل داميان وصوفيا خلفها.
توقفت جوليا عن الكلام.
نظرت إليهما باستغراب.
ثم إلى سيلين.
"ما الذي يحدث؟"
ساد الصمت.
تقدم داميان خطوة.
"هل يمكننا التحدث في مكان هادئ؟"
عقدت جوليا حاجبيها.
"عن ماذا؟"
أجاب بهدوء:
"عن سيلين."
تبادلت جوليا وسيلين النظرات.
ثم أشارت إلى الباب المؤدي إلى المكتب الصغير خلف المطبخ.
"تفضلوا."
...
بعد دقائق...
جلس الأربعة داخل المكتب.
أغلق داميان الباب.
وبقي واقفًا.
قال بهدوء:
"اسمي داميان روسي."
"وأعمل في وحدة أمنية خاصة تابعة للدولة."
اتسعت عينا جوليا.
نظرت إلى سيلين.
ثم عادت إليه.
"شرطة؟"
أومأ مرة واحدة.
"يمكنك اعتبار الأمر كذلك."
ساد الصمت.
ثم تابع:
"ما سأقوله يجب أن يبقى داخل هذه الغرفة."
أومأت جوليا ببطء.
قال:
"سيلين لم تختفِ بالأمس بإرادتها."
"لقد وجدت نفسها في مكان شهد عملية مرتبطة بعصابة خطيرة."
شحب وجه جوليا.
التفتت بسرعة إلى سيلين.
"ماذا؟"
خفضت سيلين رأسها.
تابع داميان:
"لم تُصب بأذى."
"لكن أفراد العصابة رأوها."
"ولهذا أصبحت سلامتها مهددة."
وضعت جوليا يدها على فمها.
"يا إلهي..."
اقتربت من سيلين.
"لماذا لم تخبريني؟"
همست سيلين:
"لم يسمحوا لي... وأنا نفسي لم أكن أعرف ماذا أقول."
نظر داميان إلى جوليا.
"هناك تفاصيل أخرى."
"لكنها سرية، ولا أستطيع الكشف عنها."
"كل ما يهمك معرفته..."
وأشار إلى صوفيا.
"...أنها ستنتقل للعيش معكما."
ثم أكمل:
"وستعمل في المقهى."
"وجودها ضروري لحماية سيلين."
ساد صمت طويل.
كانت جوليا تنظر إلى صديقتها بعينين دامعتين.
ثم قالت بصوت منخفض:
"إذن... كانت في خطر حقيقي."
أومأ داميان.
"نعم."
اقتربت جوليا من سيلين مرة أخرى.
ثم احتضنتها بقوة.
"لما لم تخبريني... كنت ساشعر بالذنب لو فقدتك حقا"
أغلقت سيلين عينيها.
وردت العناق بصمت.
كانت هذه أول مرة منذ الليلة الماضية...
تشعر فعلًا بأنها عادت إلى بيتها.
أما صوفيا...
فكانت تراقبهما بصمت.
وللمرة الأولى...
بدأت تفهم أن مهمتها لن تكون مجرد حماية شاهدة...
بل حماية حياة كاملة، مليئة بأشخاص سيصبحون، مع مرور الأيام، جزءًا من حياتها هي أيضًا.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.