وضع القراءة:

الهاتف الاسود

أشرقت شمس جديدة فوق روما.
كانت المدينة تستيقظ ببطء، بينما بدأت السيارات تملأ الطرق المؤدية إلى وسطها.
داخل سيارة سوداء...
جلس داميان خلف المقود بصمت
.
كانت يداه تستندان إلى عجلة القيادة، بينما بقيت عيناه مثبتتين على الطريق.
أما ماركو...
فكان يحتسي قهوته وكأن العالم لا يحمل أي هموم.
كسر الصمت قائلًا:
"هل تعلم ما أكثر شيء يزعجني؟"
لم يلتفت إليه داميان.
"لست مستعدًا لسماع فلسفة الصباح."
"ليست فلسفة."
أخذ رشفة أخرى.
"إنها حقيقة."
تنهد داميان.
"قل."
نظر إليه ماركو بجدية مصطنعة.
"من الظلم أن يبدأ الإنسان يومه دون كوكيز."
أغمض داميان عينيه لثانية.
"كنت أعلم أن الأمر يتعلق بالطعام."
ابتسم ماركو.
"لأنك تعرفني جيدًا."
ساد الصمت للحظة.
ثم عاد داميان إلى شاشة جهازه اللوحي المثبت بجانبه.
كانت خريطة الحي معروضة أمامه.
ونقطة حمراء صغيرة لا تزال ثابتة في المكان نفسه.
الهاتف...
لم يتحرك منذ الأمس.
قال ماركو هذه المرة بجدية:
"هل تظن أن صاحبة المقهى فتحته؟"
أجاب داميان بعد لحظة تفكير:
"لا."
"كيف أنت واثق؟"
"لو فعلت... لتغير كل شيء."
رفع ماركو حاجبه.
"إذن؟"
"هي تنتظر أن تعود صاحبته."
ابتسم ماركو بخفة.
"طيبة أكثر مما ينبغي."
أدار داميان السيارة نحو الشارع المؤدي إلى المقهى.
ثم قال بصوت منخفض:
"وهذا ما يقلقني."
نظر إليه ماركو.
"ألن نخبرها بالحقيقة؟"
أجاب داميان دون تردد:
"لا."
"حتى لو كانت تحتفظ بشيء قد يغير مجرى القضية؟"
قبض داميان يده قليلًا على المقود.
"كلما عرفت أقل..."
صمت لحظة.
"...كانت أكثر أمانًا."
ابتسم ماركو ابتسامة جانبية.
"تبدو مهتمًا بأمرها."
ألقى داميان عليه نظرة باردة.
"أنا مهتم بالمهمة."
رفع ماركو يديه مستسلمًا.
"كما تشاء."
ثم نظر من النافذة.
بدأت معالم الحي تظهر أمامهما.
المخبز.
محل الزهور.
الصيدلية الصغيرة.
وأخيرًا...
اللافتة البيضاء التي كُتب عليها بخط أنيق:
"بسمة حلوة."
خفض داميان سرعة السيارة.
لم يتوقف أمام المقهى.
بل أكمل سيره حتى نهاية الشارع.
ثم ركن السيارة في مكان يسمح له برؤية الواجهة دون أن يلفت الانتباه.
قال ماركو وهو ينظر إلى المقهى من بعيد:
"ألن ندخل؟"
هز داميان رأسه.
"ليس الآن."
"إذن ماذا سنفعل؟"
أجاب وهو يراقب الباب الزجاجي:
"سنراقب."
في تلك اللحظة...
كانت سيلين ترفع الستار الحديدي للمقهى، غير مدركة أن عينين تراقبان المكان منذ اللحظة الأولى لافتتاحه.
دخلت سيلين أولًا.
خلعت معطفها وعلّقته على المشجب القريب من الباب.
ثم أشعلت الأنوار واحدًا تلو الآخر.
امتلأ المقهى بضوء دافئ انعكس على الطاولات الخشبية وواجهة الحلويات الزجاجية.
بعد دقائق...
وصلت جوليا وهي تحمل كوب قهوتها المعتاد.
دفعت الباب بكتفها وهي تتمتم:
"صباح الخير... أو ما يفترض أنه صباح."
ضحكت سيلين.
"لم تستيقظي بعد؟"
وضعت جوليا كوبها فوق المنضدة.
"لن أستيقظ قبل الكوب الثاني."
ابتسمت سيلين وهي تشغل آلة القهوة.
"إذن سأعتبركِ غير مسؤولة عن أي كلام تقولينه حتى ذلك الحين."
"اتفاق."
بدأتا ترتبان الطاولات.
وضعت سيلين باقة زهور صغيرة في منتصف كل طاولة، ثم عدلت إحدى الكراسي التي كانت مائلة قليلًا.
أما جوليا...
فكانت ترتب الأكواب وهي تغني مع الموسيقى الخافتة المنبعثة من المذياع.
بعد دقائق...
رن جرس الباب.
دخل أول زبون لذلك الصباح.
رحبت به سيلين بابتسامتها المعتادة.
"صباح الخير."
بادلها الرجل التحية، ثم جلس إلى طاولته المعتادة قرب النافذة.
سرعان ما بدأ المقهى يستعيد حيويته.
أصوات آلة القهوة.
رنين الأكواب.
ضحكات الزبائن.
ورائحة المعجنات الخارجة لتوها من الفرن.
في الخارج...
كان ماركو يراقب المشهد من داخل السيارة.
تنهد بحسرة.
"هذا التعذيب غير قانوني."
لم يحول داميان نظره عن المقهى.
"ماذا الآن؟"
"أن ترى كل تلك الحلويات ولا تأكلها."
قالها ماركو وهو يشير إلى الواجهة الزجاجية.
أجابه داميان ببرود:
"يمكنك الدخول."
التفت إليه ماركو بسرعة.
"حقًا؟"
"لكن لا تنسَ لماذا أنت هناك."
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه ماركو.
"اطمئن."
فتح الباب ونزل من السيارة.
وقبل أن يغلقه قال:
"سأضحي من أجل الوطن."
زفر داميان بهدوء وهو يهز رأسه.
"أحيانًا أشك أنك تعمل معي."
أما ماركو...
فقد كان قد وصل بالفعل إلى باب المقهى.
رن الجرس مع دخوله.
رفعت جوليا رأسها.
وما إن رأته حتى ابتسمت تلقائيًا.
"أهلًا بعاشق الكوكيز."
وضع ماركو يده على صدره.
"يسعدني أنني أصبحت أملك لقبًا رسميًا."
قالت وهي تعقد ذراعيها:
"بل أصبحت زبونًا رسميًا."
اقترب من واجهة الحلويات، وأخذ يتأملها كما لو كان في معرض فني.
"كل يوم تصبح المهمة أصعب."
سألته سيلين وهي تبتسم:
"أي مهمة؟"
"اختيار نوع واحد فقط."
ضحكت.
"وهل نجحت يومًا؟"
هز رأسه بأسى.
"للأسف... لا."
تدخلت جوليا قائلة:
"كم قطعة اليوم؟"
رفع ثلاثة أصابع.
"ثلاث كوكيز."
اتسعت عيناها بدهشة.
"ثلاث فقط؟"
خفض صوته وكأنه يكشف سرًا خطيرًا.
"طبيبي قال إن عليّ أن أخفف."
صمت لحظة...
ثم أضاف مبتسمًا:
"...لذلك سأشتري ثلاثًا الآن، وثلاثًا بعد الظهر."
ضحكت جوليا حتى اضطرت إلى الاتكاء على المنضدة.
أما سيلين فاكتفت بهز رأسها وهي تضع الكوكيز داخل علبة ورقية.
وفي أثناء ذلك...
تحركت عين ماركو بهدوء داخل المكان.
مرّ نظره على الطاولات...
ثم على الرف الخشبي خلف المنضدة.
هناك...
كان الهاتف الأسود ما يزال في مكانه.
تمامًا كما أخبرته الإشارة.
لم يثبت نظره عليه أكثر من ثانية.
ثم عاد إلى ابتسامته المعتادة.
أخرج ثمن الطلب ووضعه فوق الطاولة.
"أظن أنني سأعود لاحقًا."
قالت جوليا ضاحكة:
"أنا متأكدة من ذلك."
غادر ماركو المقهى، بينما بقيت سيلين تراقبه مبتسمة.
"إنه شخص طريف."
قالت ذلك وهي ترتب النقود.
أجابت جوليا:
"ويحب الحلويات أكثر مما يحب نفسه."
ابتسمت سيلين.
لكن ابتسامتها اختفت تدريجيًا...
عندما اهتز الهاتف الأسود الموضوع على الرف.
أضاءت شاشته فجأة.
ظهر إشعار جديد.
رفعت سيلين رأسها ببطء...
ثم اقتربت من الرف.
توقفت سيلين أمام الرف.
نظرت إلى الشاشة التي أضاءت للحظات.
لم يكن اتصالًا...
بل إشعارًا واحدًا فقط.
ظهر اسم تطبيق للمراسلة.
ومعه سطر قصير لم تستطع قراءته كاملًا لأن شاشة الهاتف كانت مقفلة.
عقدت حاجبيها.
"غريب..."
اقتربت جوليا بعدما لاحظت تغير ملامحها.
"ماذا حدث؟"
أشارت سيلين إلى الهاتف.
"وصله إشعار."
ألقت جوليا نظرة سريعة.
"إذن صاحبته ما زالت تستخدمه؟"
هزت سيلين رأسها.
"لا أعلم..."
ثم تنهدت.
"أتمنى أن تكون بخير."
عادت إلى خدمة الزبائن، لكن عينها كانت تعود إلى الهاتف بين الحين والآخر.
───
في الخارج...
فتح ماركو باب السيارة وجلس في مقعده.
وضع علبة الكوكيز على ساقيه.
"تقرير المهمة."
لم ينظر داميان إليه.
"قل."
ابتسم ماركو.
"الكوكيز ممتاز كالعادة."
أغمض داميان عينيه لثانية.
"أتحدث عن الهاتف."
اعتدل ماركو في جلسته.
"ما زال على الرف خلف المنضدة."
رفع داميان رأسه.
"هل لمسته إحداهما؟"
"لا."
ثم أضاف:
"لكن..."
نظر إليه داميان.
"وصله إشعار منذ قليل."
تغيرت ملامح داميان للمرة الأولى.
"متأكد؟"
"رأيته بعيني."
ساد الصمت داخل السيارة.
أخذ داميان هاتفه بسرعة.
بدأ يراجع بيانات التتبع.
تمتم بصوت منخفض:
"هذا مستحيل..."
نظر إليه ماركو باستغراب.
"ما الأمر؟"
أجاب داميان وهو يحدق في الشاشة:
"الهاتف مقفل."
"وأعرف ذلك."
"ولا يفترض أن يحدث ذلك"
رفع ماركو حاجبيه.
"إذن..."
أغلق داميان الشاشة ببطء.
"هناك شخص ما..."
صمت لحظة.
"...يحاول الوصول إلى صاحبته."
───
في الداخل...
انشغلت سيلين بإعداد طلب جديد.
وبينما كانت تضع كوب القهوة فوق الصينية...
رن جرس الباب مرة أخرى.
رفعت رأسها.
دخل داميان.
بخطوات هادئة كعادته.
كان وجهه خاليًا من أي تعبير.
لكن عينيه...
تحركتا سريعًا داخل المقهى.
توقفتا للحظة عند الرف الخشبي.
ثم عادتا إلى سيلين.
ابتسمت له ابتسامة خفيفة.
"صباح الخير."
أجاب بإيماءة بسيطة.
"صباح الخير."
قالت وهي تقترب من المنضدة:
"القهوة السوداء؟"
"كما هي."
بدأت تحضر طلبه.
أما داميان...
فوقف صامتًا ينتظر.
وفي أثناء ذلك...
اهتز الهاتف الأسود مرة أخرى.
رن رنينًا قصيرًا.
التفتت سيلين نحوه تلقائيًا.
وفي اللحظة نفسها...
التفت داميان أيضًا.
التقت عيناهما للحظة خاطفة.
لاحظت سيلين سرعة استدارته نحو الهاتف.
ابتسمت بخفة وقالت مازحة:
"يبدو أنك انتبهت له أيضًا."
تجمد داميان لجزء من الثانية.
ثم أجاب بنبرة هادئة جدًا:
"أي هاتف يصدر صوتًا في مكان هادئ يجذب الانتباه."
هزت سيلين رأسها مقتنعة بالإجابة.
لكن شيئًا في داخلها...
عاد يهمس من جديد.
هذا الرجل... يراقب أكثر مما ينبغي.
وضعت سيلين فنجان القهوة أمامه.
"تفضل."
أومأ داميان شكرًا، ثم أخرج ثمن القهوة ووضعه على المنضدة.
وقبل أن يبتعد...
قالت سيلين فجأة:
"بالمناسبة."
توقف.
رفع نظره إليها.
"أنت وصديقك تأتيان كثيرًا إلى هنا."
أجاب بهدوء:
"القهوة جيدة."
ابتسمت.
"أما هو فيأتي من أجل الحلويات."
لأول مرة...
ارتسمت عند زاوية فم داميان ابتسامة صغيرة جدًا، اختفت قبل أن تكتمل.
قال:
"هذه حقيقة."
راقبت سيلين ذلك التغير الخاطف.
إذن... هو يعرف كيف يبتسم.
جلس داميان إلى الطاولة القريبة من النافذة، ووضع فنجان القهوة أمامه.
لم يكن يشرب.
كان ينتظر.
───
في الخارج...
كان ماركو لا يزال داخل السيارة، يراقب من بعيد.
تمتم وهو يرى داميان يجلس داخل المقهى:
"إذا بقي أكثر من عشر دقائق فسأعتبره استراحة رسمية."
ثم فتح علبة الكوكيز وأخذ قطعة أخرى.
───
داخل المقهى...
انخفض عدد الزبائن قليلًا.
استغلت جوليا الهدوء، فاتجهت إلى سيلين وهمست:
"سأذهب إلى المستودع لأجلب علبة الأكواب."
"حسنًا."
اختفت جوليا خلف الباب الخلفي.
وبقيت سيلين وحدها خلف المنضدة.
كان الهاتف الأسود على الرف على بعد خطوات منها.
رفعت يدها نحوه...
ثم توقفت.
تنهدت.
"أتمنى أن تأتي صاحبته قريبًا."
سمع داميان كلماتها بوضوح.
أخفض نظره إلى فنجان القهوة.
كانت هذه أول مرة يتأكد فيها...
أنها لم تفتح الهاتف فعلًا.
وهذا خفف شيئًا من قلقه.
لكن المشكلة لم تنتهِ.
كل يوم يبقى فيه الهاتف هنا... يزيد احتمال أن يلاحظه الشخص الخطأ.
وفي تلك اللحظة...
دخل رجل جديد إلى المقهى.
كان في أوائل الخمسينيات.
يرتدي بدلة أنيقة، ويحمل حقيبة جلدية سوداء.
ابتسم لسيلين ابتسامة هادئة.
"صباح الخير."
ابتسمت سيلين فورًا.
"صباح الخير، سيد لورينزو."
اقترب لورينزو دي سانتيس بخطوات واثقة.
"مررت بالجوار، فقلت لنفسي إن يومي لن يبدأ جيدًا دون قهوتكم."
ضحكت جوليا، التي خرجت في تلك اللحظة من المستودع وهي تحمل صندوقًا صغيرًا.
"أظن أنك أصبحت مدمنًا على قهوتنا."
ضحك لورينزو بخفة.
"أعترف بذلك."
ثم جلس إلى طاولته المعتادة.
وبينما كانت سيلين تحضر قهوته...
جالت عينا لورينزو بهدوء في المكان.
توقفتا للحظة عند داميان.
رجل هادئ...
يشرب قهوته بصمت.
ثم انتقل بصره إلى الرف خلف المنضدة.
الهاتف...
ما زال في مكانه.
لم تتغير ملامحه.
بل عاد ينظر إلى سيلين بابتسامته الهادئة نفسها.
قال عندما وضعت القهوة أمامه:
"يبدو أن العمل مزدهر."
أجابت وهي تبتسم:
"الحمد لله، أفضل من الأسبوع الماضي."
أومأ بإعجاب.
"يسعدني سماع ذلك."
أما داميان...
فكان يراقب المشهد من طرف عينه.
لم يكن يعرف الرجل.
لكنه لاحظ شيئًا واحدًا.
نظرة خاطفة نحو الرف... ثم عودة سريعة وكأن شيئًا لم يكن.
قد تبدو حركة عادية لأي شخص...
لكن بالنسبة لرجل تدرب سنوات على مراقبة التفاصيل...
لم تكن عادية أبدًا.
رفع فنجانه ببطء، بينما ثبت نظره على لورينزو للحظة قصيرة.
وفي داخله...
تكون أول سؤال حقيقي عنه.
من هذا الرجل؟
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.