الجائزة الكبرى
بدأت الشمس تميل نحو الغروب، وانعكست أشعتها البرتقالية على الواجهة الزجاجية لمقهى بسمة حلوة.
خفّت حركة الزبائن شيئًا فشيئًا، حتى غادر آخرهم وهو يحمل كوب قهوته بابتسامة.
لوّحت له سيلين قائلة:
"إلى اللقاء... نراك غدًا."
ابتسم الرجل وأغلق الباب خلفه.
رن الجرس الصغير المعلق فوق الباب للمرة الأخيرة ذلك اليوم.
تنهدت جوليا وهي تمد ذراعيها.
"وأخيرًا..."
"قدماي أعلنتا الإضراب."
ضحكت سيلين وهي تجمع الأكواب الفارغة.
"رغم ذلك كنتِ أكثرنا حركة."
أجابت جوليا وهي تشير إليها:
"لأن هناك من ينسى الجلوس أصلًا."
كانت صوفيا تمسح آخر طاولة بهدوء، ثم قالت:
"المكان أصبح جاهزًا للغد."
ابتسمت سيلين برضا.
ألقت نظرة أخيرة على المقهى.
الكراسي في أماكنها.
الطاولات نظيفة.
آلة القهوة أُغلقت.
ورائحة الفانيليا ما تزال تملأ المكان.
قالت وهي تصفق بخفة:
"عمل رائع."
ابتسمت جوليا.
"هل يحق لنا الآن أن نفكر في الطعام؟"
ضحكت سيلين.
"بل يجب."
أطفأت الأنوار واحدة تلو الأخرى، ولم يبقَ سوى ضوء الواجهة الخارجية.
أدارت المفتاح في القفل.
رن صوت القفل المعدني معلنًا نهاية يوم عمل آخر.
...
صعدت الفتيات درجات السلم المؤدي إلى الشقة.
وبينما كانت سيلين تبحث عن المفتاح داخل حقيبتها، وقعت عيناها على صندوق كرتوني متوسط الحجم موضوع أمام الباب.
توقفت.
"غريب..."
انحنت وحملته بين يديها.
كان خفيفًا نسبيًا.
نظرت إلى البطاقة المثبتة عليه.
ابتسمت فورًا.
"إنه باسمي."
اقتربت جوليا بفضول.
"من المرسل؟"
قلبت سيلين الصندوق بين يديها.
"لا يوجد اسم."
ثم ضحكت بخفة.
"لابد أنه من أمي."
قالت جوليا بحماس:
"هل أرسلت لك الحلويات التي حدثتني عنها؟"
ابتسمت سيلين.
"ربما."
فتحت باب الشقة.
دخلت الفتيات إلى الداخل.
وضعت سيلين الطرد فوق سريرها قبل أن تخرج من الغرفة.
قالت جوليا وهي تتجه نحو المطبخ:
"اذهبي وبدلي ملابسك، وأنا سأبدأ بإعداد العشاء."
وأضافت وهي تنظر إلى صوفيا:
"تعالي ساعديني بدل الوقوف كتمثال."
أجابت صوفيا بابتسامة خفيفة:
"حسنًا."
...
دخلت كل واحدة غرفتها.
نزعت سيلين حجابها وارتدت ملابس منزلية مريحة.
وفي تلك الأثناء...
كانت جوليا تخرج الخضروات من الثلاجة.
بينما بدأت صوفيا ترتب الصحون فوق الطاولة.
ارتفع أذان المغرب من المسجد القريب.
توقفت سيلين للحظة.
ابتسمت بهدوء.
توضأت.
ثم فردت سجادة الصلاة في زاوية غرفتها.
ساد المكان سكون جميل.
أدت صلاة المغرب بخشوع.
وبعد أن انتهت...
جلست على السجادة، ورفعت يديها تدعو ربها طويلًا.
كانت ملامحها هادئة...
وكأن كل ما حملته طوال اليوم بدأ يذوب مع الدعاء.
أنهت دعاءها.
ومسحت وجهها برفق.
ثم نهضت.
وقع بصرها على الطرد فوق السرير.
ابتسمت مرة أخرى.
"لنرَ ماذا أرسلت أمي..."
جلست على طرف السرير.
وسحبت الصندوق إليها.
أحضرت مقصًا صغيرًا.
وقطعت الشريط اللاصق ببطء.
رفعت الغطاء...
وفي اللحظة التالية...
تجمدت في مكانها.
اتسعت عيناها بصورة مرعبة.
واختنق صوتها داخل صدرها.
كانت داخل الصندوق...
قلبًا حيوانيًا غارقًا بالدماء...
وقد غُرست فيه عدة سكاكين صغيرة، بينما كانت بقع الدم تغطي قاع الصندوق وجوانبه.
لثانية كاملة...
لم تستطع حتى التنفس.
ثم...
شق صراخها الحاد أرجاء الشقة.
ارتجت جوليا.
وسقطت الملعقة من يدها.
صرخت:
"سيلين!"
وانطلقت هي وصوفيا تركضان نحو الغرفة.
دفعت جوليا الباب بعنف.
لكنها ما إن رأت محتويات الصندوق...
حتى شهقت بقوة.
وضعت يدها على فمها.
وتراجعت خطوة.
ثم خانتها ساقاها، فسقطت جالسة على الأرض وهي ترتجف.
أما سيلين...
فكانت قد التصقت بالجدار.
وجهها شاحب كليًا.
وجسدها كله يرتعش.
لم تستطع أن تنطق بكلمة.
اقتربت صوفيا بحذر شديد.
لكنها لم تلمس الصندوق.
بدأت عيناها تمسحان كل ما بداخله بعقلية المحققة.
القلب...
السكاكين...
الدم...
ثم...
انتبهت إلى ظرف أسود صغير ملتصق بجانب الصندوق.
قالت بهدوء حازم:
"هناك رسالة."
أحضرت منديلًا ورقيًا.
وأمسكت الظرف من أحد أطرافه دون أن تلامسه مباشرة.
ثم أخرجت الورقة المطوية من داخله...
وفردتها ببطء.
حدقت صوفيا في الكلمات للحظات...
ثم قرأتها بصوت منخفض، لكن واضح:
إلى من كسرت القاعدة... واتبعت فضولها...
لقد أحضرك الحظ إلينا... بفضل خائنة عابرة.
انتبهي...
نحن نراقبك.
لقد أصبحتِ الجائزة الكبرى لهذا الموسم.
ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.
لم تعد تُسمع سوى أنفاس سيلين المتسارعة.
أما جوليا...
فكانت لا تزال تحدق في الصندوق بعينين مرتعبتين.
همست بصوت مرتجف:
"ما... ما هذا؟"
لم تجبها صوفيا.
بل أعادت قراءة الرسالة مرة أخرى.
توقفت عند عبارة:
"بفضل خائنة عابرة."
ضاقت عيناها قليلًا.
ثم طوت الورقة بعناية وأعادتها إلى الظرف.
أخرجت هاتفها مباشرة.
بحثت عن اسم واحد فقط.
داميان.
ضغطت زر الاتصال.
...
في الجهة الأخرى...
كان داميان يجلس في مكتبه يراجع تسجيلات الكاميرات الجديدة.
اهتز هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
صوفيا.
أجاب فورًا.
"تحدثي."
أجابت بصوت هادئ على غير عادتها:
"أحتاجك في شقة سيلين... حالًا."
قطب حاجبيه.
"ماذا حدث؟"
ألقت نظرة إلى الصندوق ثم إلى سيلين التي كانت ترتجف بين ذراعي جوليا.
ثم قالت:
"لن أشرح عبر الهاتف."
ساد صمت قصير.
أضافت بنبرة أكثر حزمًا:
"يجب ان ترى هذا بنفسك، أحضر فريق الأدلة الجنائية معك."
اختفى أي أثر للهدوء من وجه داميان.
نهض فورًا من مقعده.
أغلق داميان الهاتف.
لثانية...
ظل يحدق في الشاشة السوداء.
لم تكن الكلمات التي قالتها صوفيا هي ما أقلقه...
بل ما لم تقله.
نهض بسرعة.
التقط سترته وسلاحه.
قال بصوت حاد:
"ماركو."
رفع ماركو رأسه فورًا.
"استدعِ فريق الأدلة الجنائية."
تجمد مكانه.
"ماذا حدث؟"
أجابه داميان وهو يتجه نحو الباب:
"لا أعلم."
ثم أردف:
"لكن صوفيا طلبتهم."
كان ذلك وحده كافيًا.
ركض ماركو لتنفيذ الأمر.
...
في الطريق...
انطلقت السيارة بسرعة عبر شوارع روما.
كان ماركو يقود.
أما داميان...
فكان يحدق عبر النافذة بصمت.
تتردد في رأسه جملة واحدة...
"أحضر فريق الأدلة الجنائية."
لم تطلب صوفيا الإسعاف...
ولم تطلب دورية إضافية...
طلبت فريق الأدلة.
وهذا لا يحدث...
إلا عندما يكون هناك مسرح جريمة.
ضغط فكه بقوة.
وسرعان ما اقتحمت رأسه فكرة لم يرغب حتى في التفكير بها.
سيلين...
لا...
هز رأسه بخفة.
مستحيل.
صوفيا كانت ستخبره لو أصابها مكروه.
أعاد نظره إلى الطريق.
لكنه لم يستطع طرد الفكرة.
ماذا لو كانت هي الضحية؟
ماذا لو تأخر؟
قبض يده دون أن ينتبه.
قال بصوت منخفض:
"أسرع."
ضغط ماركو على دواسة الوقود أكثر.
لم يسأل شيئًا.
فقد أدرك من نبرة داميان...
أن الأمر أخطر مما توقع.
...
توقفت السيارة أخيرًا أمام المبنى.
صعد داميان الدرج بسرعة.
فتح الباب...
وبحثت عيناه عنها فورًا.
كانت هناك...
جالسة على الأريكة.
تبكي.
وصوفيا إلى جانبها تحاول تهدئتها.
بينما كانت جوليا تقدم لها كأس ماء بيدين مرتجفتين.
توقفت خطواته للحظة.
وانطلق من صدره زفير طويل...
لم يدرك أصلًا أنه كان يحبسه طوال الطريق.
إنها بخير...
على الأقل...
لم يمسها أحد.
لكن ما إن اقترب أكثر...
ورأى وجهها الشاحب، ويديها المرتجفتين...
حتى أدرك حقيقة أخرى.
ربما لم يمسها أحد...
لكنهم نجحوا في إيذائها.
وهذا...
كان كافيًا ليعتبر ما حدث هجومًا عليها.
اقتربت منه صوفيا مباشرة.
لم تصافحه، ولم تضيع وقتًا في الشرح.
قالت بصوت منخفض وجاد:
"تعال."
نظر إليها، ثم إلى سيلين مرة أخرى.
كانت تحدق في الفراغ، وكأنها لم تنتبه حتى لوصوله.
استدار مع صوفيا واتجه إلى غرفة سيلين.
ما إن دخل الغرفة...
حتى توقفت خطواته.
استقر بصره على الصندوق المفتوح فوق السرير.
القلب الحيواني...
السكاكين المغروسة فيه...
وبقع الدم التي لوثت قاع الصندوق.
ثم تناولت صوفيا الظرف المحفوظ داخل كيس الأدلة، وسلمته إليه.
قرأ الرسالة بصمت.
ومع كل سطر...
ازدادت ملامحه قسوة.
عندما انتهى...
خفض الورقة ببطء.
وقال بصوت خافت:
"إذن... وجدونا."
أجابت صوفيا:
"بل وجدوا سيلين."
ساد صمت ثقيل.
دخل في تلك اللحظة أحد أفراد فريق الأدلة الجنائية، وبدأ بتصوير محتويات الغرفة.
أما داميان...
فألقى نظرة أخيرة على الصندوق.
ثم استدار وغادر الغرفة.
فاتجه نحو سيلين.
جثا أمامها حتى أصبح في مستوى نظرها.
كان وجهها شاحبًا، وعيناها حمراوين من البكاء.
لم يستطع أن يتجاهل ارتجاف يديها.
قال بصوت هادئ على غير عادته:
"سيلين."
رفعت رأسها ببطء.
لم تستطع أن تنطق.
اكتفت بالنظر إليه بعينين امتلأتا بالخوف.
سألها بهدوء:
"هل لمستِ محتويات الصندوق؟"
هزت رأسها بسرعة.
"لا..."
خرج صوتها متقطعًا.
"فتحته فقط..."
"...ثم رأيته."
أومأ داميان برضا خفيف.
"جيد."
أعاد نظره إلى يديها المرتجفتين.
ثم قال بهدوء:
"وهل فتحتِ الرسالة؟"
هزت رأسها بالنفي.
"لا..."
"صوفيا هي من قرأتها."
وقف ببطء.
ثم التفت إلى أحد أفراد الأدلة الجنائية.
"سجّل ذلك."
دوّن الرجل الملاحظة فورًا.
في تلك اللحظة...
دخل ماركو بعد أن أنهى حديثًا قصيرًا مع بقية الفريق.
نظر إلى سيلين، ثم إلى جوليا، قبل أن يقترب من داميان.
قال بصوت منخفض:
"كل شيء يُرفع الآن للبصمات وآثار الحمض النووي."
أومأ داميان دون أن يحول نظره عن سيلين.
ثم عاد يسألها:
"هل رأيتِ أحدًا يضع الطرد أمام الباب؟"
أغلقت عينيها تحاول التذكر.
"لا..."
"وجدناه عندما صعدنا فقط."
تدخلت جوليا وهي ما تزال تمسك كأس الماء:
"وأنا أيضًا لم أرَ أحدًا."
"كان الصندوق موجودًا عندما وصلنا."
سأل داميان:
"هل لاحظ أحد منكما شخصًا غريبًا حول المبنى اليوم؟"
نظرت جوليا إلى صوفيا.
ثم هزتا رأسيهما.
"لا."
ساد الصمت للحظات.
كان أحد المصورين يلتقط صورًا لمحتويات الغرفة، بينما أخذ خبير آخر عينات من الصندوق.
أما داميان...
فكان ينظر إلى سيلين.
لم تعد تلك الفتاة التي كانت تبتسم صباحًا وهي تقدم القهوة.
كانت تجلس منكفئة على نفسها...
تضم يديها وكأنها تحاول أن تمنع ارتجافهما.
اقترب خطوة أخرى.
وقال بنبرة ثابتة:
"اسمعيني جيدًا."
رفعت عينيها إليه بصعوبة.
"من فعل هذا..."
"أراد أن يخيفك."
صمت لحظة.
ثم أكمل:
"وهذا يعني شيئًا واحدًا."
انتظرت كلماته وهي تحاول التقاط أنفاسها.
"إنهم لم يحصلوا على ما يريدون بعد."
انعقد حاجباها.
"ماذا يريدون مني؟"
نظر إليها للحظة.
ثم قال بصراحة:
" سأكتشف ذلك."
أطرق برأسه قليلًا.
وأضاف بنبرة حملت حزمًا واضحًا:
"وقبل أن يحدث ذلك..."
"...لن أسمح لأحد بأن يقترب منك."
ساد الصمت.
لم تكن تلك الكلمات وعدًا عاطفيًا...
بل قرارًا اتخذه ضابط تحقيق.
ومع ذلك...
شعرت سيلين بشيء من الطمأنينة وهي تسمعه.
في هذه الأثناء، اقترب أحد خبراء الأدلة الجنائية من داميان.
"سيدي."
التفت إليه.
"لقد وجدنا شيئا في الشريط اللاسق للصندوق"
تغيرت ملامح داميان فورًا.
"ماذا؟"
رفع الخبير كيسًا شفافًا صغيرًا.
"داخل الصندوق..."
كان في الكيس خصلة صغيرة
نظر داميان إليها باهتمام.
"هل يمكن استخراج حمض نووي منها؟"
أجاب الخبير:
"إذا كانت البصيلة سليمة، فهناك احتمال جيد."
أخذ داميان نفسًا عميقًا.
ثم قال:
"أرسلوها إلى المختبر فورًا."
"أريد النتائج بأسرع وقت."
"حاضر."
ابتعد الخبير مسرعًا.
أما داميان...
فعاد ببصره إلى الرسالة السوداء الموضوعة داخل كيس الأدلة.
وتوقفت عيناه مرة أخرى عند العبارة:
"لقد أصبحتِ الجائزة الكبرى لهذا الموسم."
لم يكن في الرسالة تهديد عشوائي...
بل إعلان صريح.
وهذا يعني أن القضية...
انتقلت إلى مرحلة أخطر بكثير.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!