وضع القراءة:

الفصل الثالث: بداية شك

تسللت أشعة شمس الصباح عبر زجاج المقهى، لترسم خطوطًا ذهبية فوق الطاولات الخشبية.
كان المقهى أكثر هدوءًا من اليوم السابق.
انتهى حماس الافتتاح، لكن الزبائن بدأوا يعرفون المكان بالفعل.
كانت رائحة القهوة تمتزج برائحة القرفة والفانيلا، حتى بدا الهواء نفسه وكأنه يحمل شيئًا من الدفء.
وقفت سيلين خلف المنضدة تزين قطعة تشيزكيك بالفراولة بعناية.
ثم ابتعدت خطوة.
تأملتها لثوانٍ.
ابتسمت.
"مثالية."
من خلفها جاء صوت جوليا.
"هل قلتِ ذلك عن الكعكة أم عن نفسك؟"
ضحكت سيلين وهي تهز رأسها.
"عن الكعكة."
وضعت جوليا يدًا على صدرها متظاهرة بالصدمة.
"إذن ما زلتِ لا تعترفين أنني الأجمل هنا."
"هذا لأن الزبائن يأتون من أجل الحلويات."
"وقريبًا سيأتون من أجلي."
ضحكت سيلين وهي تقدم أول طلب لذلك الصباح.
مر الوقت بهدوء.
دخلت امرأة مسنة تطلب قهوة وكعكة ليمون.
ثم طالبان جامعيان جلسا قرب النافذة يراجعان دروسهما.
ثم طفل صغير ظل يحدق في واجهة الحلويات حتى اشترت له والدته قطعة شوكولاتة.
راقبتهم سيلين بابتسامة.
كانت تحب هذه التفاصيل.
الأحاديث الهادئة.
ضحكات الأطفال.
رائحة القهوة.
كل شيء جعلها تشعر أن حلمها أصبح حقيقة.
رن هاتفها.
ظهر اسم والدتها.
ابتسمت فورًا.
أجابت بسرعة.
"السلام عليكم يا أمي."
جاءها صوت دافئ من الطرف الآخر.
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا سيلين."
تحدثتا دقائق طويلة.
سألتها والدتها عن المقهى.
عن الزبائن.
عن روما.
وعن الطعام.
ثم قالت بنبرة مليئة بالحنان:
"لا تنسي صلاتك وسط انشغالك."
ابتسمت سيلين.
"لن أنساها يا أمي."
"وأكثري من الدعاء، أسأل الله أن يبارك لك رزقك."
أغمضت سيلين عينيها للحظة.
"آمين."
أنهت المكالمة وهي تشعر براحة غريبة.
لاحظت جوليا ابتسامتها.
"والدتك؟"
أومأت سيلين.
"توصيني كل يوم بالأكل والصلاة."
ضحكت جوليا.
"وهل تنجح؟"
"دائمًا."
اقتربت الساعة من الثالثة عصرًا.
بدأ الزحام يخف.
خلعت سيلين المريلة بهدوء.
ثم التفتت إلى جوليا.
"سأعود بعد دقائق."
ابتسمت جوليا وهي تمسك إبريق القهوة.
"الصلاة؟"
أومأت سيلين.
"اذهبي، سأعتني بالمكان."
اتجهت سيلين إلى الغرفة الصغيرة خلف المقهى.
أغلقت الباب بهدوء.
فرشت سجادة الصلاة.
ثم وقفت.
كبرت.
واختفى ضجيج العالم كله.
كانت دقائق قليلة فقط.
لكنها كانت كافية لتشعر أن قلبها أصبح أخف.
وعندما انتهت...
رفعت يديها تدعو.
أن يبارك الله عملها.
وأن يحفظ والديها.
وأن يرزقها الخير حيث كان.
ثم...
تذكرت الفتاة التي هربت بالأمس.
فقالت بصوت خافت:
"اللهم احفظها أينما كانت."
في مكان آخر...
كان داميان يجلس داخل سيارة سوداء متوقفة على بعد شارع واحد من المقهى.
جلس ماركو إلى جانبه يحمل كوب قهوة.
قال وهو يرتشف منها:
"أتعرف؟"
لم يجبه داميان.
أكمل ماركو.
"أنا حزين."
"لماذا؟"
"لأننا هنا منذ نصف ساعة... ولم تشترِ لي كوكيز."
تنهد داميان.
"تركيزك مخيف."
ابتسم ماركو.
"وتركيزك ممل."
لم يرد داميان.
كان ينظر إلى شاشة حاسوبه اللوحي.
صور.
خرائط.
وأسماء.
كلها مرتبطة بالقضية.
لكن شيئًا واحدًا كان يشغله.
الهاتف.
كيف وصل إلى ذلك المقهى؟
وأين اختفت صاحبته؟
رفع رأسه.
نظر عبر الزجاج.
فرأى باب المقهى يُفتح.
خرجت سيلين تحمل كيسًا صغيرًا من النفايات.
اتجهت إلى الحاوية القريبة.
أنهت ما بيدها.
ثم عادت.
لكن قبل أن تدخل...
توقفت.
نظرت نحوه للحظة.
كانت السيارة بعيدة.
ولم تستطع رؤية من بداخلها.
أما داميان...
فأدار وجهه بهدوء.
"هل رأتنا؟"
سأل ماركو.
"لا أظن."
في المساء...
أغلق المقهى أبوابه.
تمددت جوليا فوق أحد الكراسي.
"أقسم أن قدمي ستنفصلان عن جسدي."
ضحكت سيلين.
"لكننا بعنا كل التشيزكيك."
جلست جوليا فجأة.
"حقًا؟"
"نعم."
صفقت بحماس.
"إذن النجاح بدأ!"
ابتسمت سيلين.
"الحمد لله."
بدأتا بترتيب المكان استعدادًا لليوم التالي.
لكن...
بينما كانت سيلين تغلق الستارة الأخيرة...
وقع بصرها على الجهة المقابلة من الشارع.
رجل.
يعبر الرصيف بخطوات ثابتة.
تعرفته فورًا.
الشعر الأسود.
القامة الطويلة.
الملامح الهادئة.
الرجل الذي يكره الحلويات.
داميان روسي.
لكنه لم يكن وحده.
كان يتوقف عند زاوية الشارع ليتحدث مع رجل آخر لدقائق معدودة.
لم تستطع سماع شيء.
وبعد لحظة...
سلّمه ظرفًا بني اللون
ثم افترقا في اتجاهين مختلفين
عقدت سيلين حاجبيها
"غريب..."
انتبهت جوليا إليها
"ماذا هناك؟"
هزت سيلين رأسها
"لا شيء."
لكنها لم تستطع إبعاد نظرها عن المكان الذي اختفى فيه داميان
تذكرت كيف كان يراقب كل شيء داخل المقهى
وتذكرت بروده
ثم ذلك الظرف
ابتسمت لنفسها ساخرة.
"ربما يعمل في المحاسبة..."
لكن فضولها...
رفض أن يقتنع بهذه الإجابة.
ظلّت واقفة خلف الزجاج لثوانٍ، تحدق في الزاوية التي اختفى عندها داميان.
كان هناك شيء فيه...
شيء لا يشبه بقية الناس الذين يدخلون المقهى
لا يبتسم
لا ينشغل بالطعام
عيناه لا تتوقفان عن مراقبة كل شيء.
وكأنه يخشى أن يفوته تفصيل واحد.
انتبهت جوليا إلى شرودها، فأغلقت صندوق النقود وهي تقول:
"لا تخبريني أنك ما زلت تفكرين في الرجل الذي يكره الحلويات."
التفتت سيلين إليها بسرعة
"ومن قال إنني أفكر فيه؟"
رفعت جوليا حاجبًا وهي تبتسم بخبث
"لأنك تحدقين من النافذة منذ دقيقة كاملة."
تنهدت سيلين وجلست على أحد الكراسي
"ألا ترين أنه غريب؟"
"من؟"
"ذلك الرجل... اقصد الذي يكره كل شيء حلو"
جلست جوليا أمامها
"حسنًا... نعم، قليلًا."
"قليلًا؟"
"الرجل دخل المقهى وكأنه يفتش المكان بعينيه، ولم يذق قطعة كعك واحدة."
ضحكت جوليا.
"بالنسبة لي، هذه جريمة تستحق السجن."
هزت سيلين رأسها.
"أنا جادة."
اختفت ابتسامة جوليا تدريجيًا.
"وأنا أيضًا."
سكتت لحظة ثم أضافت:
"لكنه ليس أول شخص غريب يدخل المقهى."
"أعرف..."
همست سيلين.
"لكنني أشعر أن هناك شيئًا يخفيه."
ابتسمت جوليا ابتسامة تعرفها جيدًا.
الابتسامة التي تظهر كلما بدأت سيلين تتبع حدسها.
"ها قد بدأنا."
"ماذا؟"
"فضول سيلين الخطيب."
احتجت سيلين فورًا
"أنا لست فضولية."
انفجرت جوليا ضاحكة
"قالتها الفتاة التي كانت في الثانية عشرة من عمرها وفككت مذياع والدها لتعرف كيف يعمل."
احمرّ وجه سيلين.
"وأعدت تركيبه."
"بعد ثلاثة أيام."
"لكنه عاد يعمل."
"بعد أن أصلحه والدك."
ضحكتا معًا، ثم عمّ الصمت من جديد.
لكن داخل رأس سيلين...
لم يكن هناك أي صمت.
كانت صورة داميان تعود إليها مرة بعد أخرى
في الجهة الأخرى من المدينة...
دخل داميان إلى مبنى رمادي قديم لا يحمل أي لافتة
مر عبر عدة ممرات حتى وصل إلى غرفة صغيرة
كان رجل خمسيني ينتظره
ألقى داميان الظرف فوق الطاولة.
"التقرير."
فتح الرجل الظرف بسرعة
تصفح الأوراق
ثم رفع نظره
"أي جديد؟"
هز داميان رأسه
"لا أثر للفتاة."
"والهاتف؟"
"آخر إشارة له كانت في مقهى."
"هل استعدتموه؟"
ساد الصمت.
ثم قال داميان:
"ليس بعد."
نظر إليه الرجل مطولًا
"لا نريد إشراك المدنيين."
"أعرف."
"إذن لا ترتكب أي خطأ."
أومأ داميان بصمت.
ثم غادر الغرفة.
لكن قبل أن يغلق الباب...
قال الرجل:
"داميان."
توقف.
"الهاتف لا يزال في الخارج"
"أعرف"
"استرده.... ولا تلفت انتباه احد"
اومأ داميان بصمت
"ولا تسمح لأي مدني بالتورط "
"مفهوم"
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.