ما بين الهدوء و الخطر
استيقظت سيلين قبل أن يعلن الفجر حضوره بدقائق.
فتحت عينيها ببطء، ولم تدرك في اللحظة الأولى أين هي.
حدقت في السقف الأبيض بصمت، ثم جالت عيناها في أرجاء الغرفة.
الستائر الرمادية...
الخزانة الخشبية...
المكتب الصغير...
ليست غرفتها.
عادت إليها أحداث الليلة الماضية دفعة واحدة.
الصندوق.
الرسالة.
الانتقال المفاجئ.
أغمضت عينيها للحظة، ثم همست في نفسها:
"الحمد لله على كل حال."
جلست بهدوء حتى لا تُحدث أي صوت، ومدت يدها إلى هاتفها.
كانت الساعة تشير إلى ما قبل أذان الفجر بقليل.
نهضت، وتناولت سجادة الصلاة التي وضعتها في زاوية الغرفة، ثم خرجت بخطوات هادئة متجهة إلى الحمام.
كان الممر ساكنًا تمامًا.
لا يُسمع فيه سوى صوت عقارب الساعة المعلقة في غرفة الجلوس.
بعد أن توضأت، عادت إلى غرفتها، وأغلقت الباب برفق.
فرشت سجادة الصلاة.
واستقبلت القبلة.
وما إن انتهى أذان الفجر من أحد مساجد روما القريبة، حتى رفعت يديها مكبرة.
غاصت الغرفة في سكونٍ مختلف.
سكون لم يكن سببه الليل...
بل الطمأنينة.
...
بعد أن أنهت صلاتها، بقيت جالسة فوق السجادة دقائق طويلة.
رفعت يديها بالدعاء.
كانت كلماتها تخرج هامسة، لا يسمعها إلا الله.
دعت لوالدتها.
والدها المتوفي
ودعت جوليا.
ودعت لكل من فتح لها بابه في هذه المحنة.
ثم توقفت لحظة.
وتذكرت داميان...
وماركو...
وصوفيا.
أولئك الذين غيّرت حياتهم بسبب وجودها بينهم.
أطرقت رأسها وقالت بصوت خافت:
"اللهم احفظهم كما يحاولون أن يحفظوني."
مسحت وجهها بكفيها.
ثم نهضت بهدوء.
طوت سجادة الصلاة بعناية، وأعادتها إلى مكانها.
وقبل أن تجلس، وقع بصرها على الساعة مرة أخرى.
ما زال الجميع نائمين.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقالت في نفسها:
"ربما أستطيع أن أفعل شيئًا..."
فتحت حقيبتها.
أخرجت مئزرها الأبيض الذي كانت قد وضعته بين ملابسها.
ارتدته فوق ملابسها المنزلية.
ثم خرجت من الغرفة بخطوات خفيفة، متجهة نحو المطبخ.
كان المطبخ مرتبًا كما تركه الجميع الليلة الماضية.
فتحت الثلاجة بهدوء.
بدأت تتفقد ما بداخلها.
بيض...
حليب...
زبدة...
جبن...
وخضروات طازجة.
ابتسمت.
"يكفي لإعداد فطور جميل."
أغلقت الثلاجة برفق.
ثم غسلت يديها.
وربطت أكمامها.
وبدأت يومها... بالطريقة الوحيدة التي كانت تعرفها دائمًا.
بالطهي.
بدأ صوت خفق البيض يمتزج بهدوء الفجر.
كانت سيلين تتحرك داخل المطبخ بخفة، وكأنها تعرف المكان منذ زمن، تحرص في كل حركة على ألا تُصدر صوتًا يوقظ أحدًا.
أشعلت الموقد على أقل درجة.
وضعت مقلاة صغيرة فوقه.
ذاب مكعب الزبدة ببطء، وما إن لامس سطحها الساخن حتى انتشرت رائحته الدافئة في أنحاء المطبخ.
ابتسمت دون أن تشعر.
لطالما كانت تؤمن أن رائحة الزبدة في الصباح قادرة على تغيير مزاج الإنسان.
بدأت تقطع بعض الخضروات، ثم أعدت خليط البيض، بينما وضعت إبريق الماء ليغلي من أجل الشاي والقهوة.
لم تكن تريد إعداد شيء معقد.
فقط...
فطورًا منزليًا هادئًا.
شيئًا يقول لكل من في هذا المنزل:
"صباح الخير."
...
في الجهة الأخرى من الشقة...
رن منبه داميان في تمام السادسة.
فتح عينيه مباشرة.
أغلقه قبل أن يُصدر رنينًا ثانيًا.
اعتاد أن يستيقظ فورًا.
جلس على حافة السرير، وأخذ نفسًا عميقًا.
لكن...
توقف.
قطب حاجبيه قليلًا.
هناك رائحة.
رائحة لم تكن موجودة في شقته يومًا.
زبدة...
وخبز محمص...
وشيء يشبه القرفة.
نظر نحو الباب لحظة.
ثم نهض.
ارتدى قميصًا أسود بسيطًا، وغسل وجهه سريعًا، قبل أن يخرج إلى الممر.
كان المطبخ مضاءً.
اقترب بخطوات هادئة.
وما إن وصل إلى الباب...
توقف.
كانت سيلين تقف أمام الموقد، ظهرها إليه.
حجابها الوردي مرتب بعناية.
والمئزر الأبيض يغطي ملابسها المنزلية.
كانت منهمكة في تقليب البيض، بينما أخذت تغني بصوت خافت جدًا لحنًا بلا كلمات.
ابتسامة صغيرة ارتسمت على وجهها وهي ترتب الأطباق.
لم تشعر بوجوده.
ظل داميان واقفًا لثوانٍ دون أن يتكلم.
كان المشهد... غريبًا عليه.
منذ سنوات طويلة...
لم يستيقظ على صوت الطبخ.
ولا على رائحة الفطور.
ولا على وجود شخص آخر في مطبخه.
رفع يده بخفة.
ثم طرق بإصبعه على إطار الباب حتى لا يفاجئها.
استدارت سيلين بسرعة.
اتسعت عيناها قليلًا.
ثم ابتسمت بخجل.
"صباح الخير."
أجاب بهدوئه المعتاد:
"صباح الخير."
ألقت نظرة إلى الساعة المعلقة على الحائط.
"آسفة..."
نظر إليها باستغراب.
"على ماذا؟"
قالت وهي تشير إلى الموقد:
"خشيت أن أكون قد أيقظتكم."
هز رأسه بهدوء.
"لم توقظيني."
ثم أضاف بعد لحظة:
"الرائحة فعلت."
نظرت إليه ثانية.
ولم تستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور.
قالت بخجل:
"أتمنى ألا تكون قد أزعجتك."
ألقى نظرة على الأطباق التي بدأت تمتلئ فوق الطاولة.
ثم قال:
"على العكس."
ساد صمت قصير.
ثم سألها:
"منذ متى وأنت مستيقظة؟"
أجابت وهي تعيد نظرها إلى المقلاة:
"منذ الفجر."
"استيقظت للصلاة..."
ثم لم أستطع النوم مجددًا.
أومأ برأسه.
لم يعلّق.
لكنه تذكر ما قرأه الليلة الماضية عن أوقات الصلاة.
للحظة...
ابتسم في داخله لأنه أصبح يفهم سبب استيقاظها المبكر.
اقترب خطوة من الطاولة.
نظر إلى ما أعدته.
بيض مخفوق.
خبز محمص.
جبن.
خضروات مقطعة بعناية.
وشاي بدأ بخاره يتصاعد.
قال بهدوء:
"أعددتِ هذا كله؟"
هزت رأسها بخفة.
"لم يكن لدي شيء أفعله..."
ثم ابتسمت.
"والطهي يساعدني على التفكير بهدوء."
نظر إليها لحظة.
ثم قال بصوت منخفض:
"شكرًا."
رفعت رأسها إليه باستغراب.
"على الفطور."
ساد صمت قصير.
ثم ابتسمت ابتسامة صادقة هذه المرة.
"على الرحب والسعة."
وفي تلك اللحظة...
انقطع هدوء الصباح بصوت متثاقل خرج من آخر الممر:
"إذا كانت هذه الرائحة حلمًا..."
"...فأرجو ألا يوقظني أحد."
التفت الاثنان في الوقت نفسه.
كان ماركو يسير نحو المطبخ بعينين نصف مغمضتين، وشعره مبعثرًا، يتبع الرائحة أكثر مما يتبع الطريق.
توقف عند الباب.
أخذ نفسًا عميقًا.
ثم وضع يده على صدره وقال بتأثر مصطنع:
"أخيرًا..."
"...عاد الأمل إلى هذه الشقة."
ابتسمت سيلين وهي تخفض رأسها خجلًا.
أما داميان...
فاكتفى بالنظر إلى ماركو نظرة هادئة يعرفها جيدًا.
قال ماركو وهو يقترب من الطاولة:
"أقسم أنني لم أستيقظ..."
"...بل الرائحة هي التي أيقظتني."
رد داميان ببرود:
"قلت الشيء نفسه قبل دقيقة."
توقف ماركو لحظة.
ثم نظر إليه باستغراب.
"حقًا؟"
أومأ داميان.
ابتسم ماركو ابتسامة واسعة.
"إذن لأول مرة في التاريخ..."
"...نتفق على شيء يتعلق بالطعام."
ضحكت سيلين بخفة.
وكانت ضحكتها قصيرة، لكنها صادقة.
اقترب ماركو من المقلاة.
مد يده نحو قطعة خبز محمصة.
لكن قبل أن يلمسها...
ضربت سيلين ظاهر يده بخفة بواسطة الملعقة الخشبية.
"آه!"
سحب يده بسرعة وهو ينظر إليها بصدمة مصطنعة.
"اعتداء!"
ابتسمت وهي تهز رأسها.
"لم ينتهِ الفطور بعد."
وضع ماركو يده على صدره وقال بأسى:
"كنت أظن أننا أصبحنا عائلة."
أجابته وهي تكتم ضحكتها:
"العائلة أيضًا تنتظر."
نظر إلى داميان مستنجدًا.
"قل لها شيئًا."
أجابه داميان دون أن تتغير ملامحه:
"انتظر."
فتح ماركو فمه بدهشة.
ثم رفع يديه مستسلمًا.
"حسنًا..."
"...اثنان ضدي."
عاد الجميع إلى ما كانوا يفعلونه.
أخرج داميان الأكواب من الخزانة، بينما بدأت سيلين تصب الشاي في إبريق زجاجي.
لاحظت حركته.
وقالت بسرعة:
"سأفعل أنا."
أجاب بهدوء:
"لا بأس."
ثم وضع الأكواب على الطاولة واحدًا تلو الآخر.
راقبته للحظة.
كان يفعل كل شيء بدقة شديدة.
حتى ترتيب الأكواب كان مستقيمًا تمامًا.
ابتسمت دون أن تشعر.
تمتمت بصوت منخفض:
"حتى الأكواب عندك تقف بانتباه."
رفع داميان عينيه إليها.
"ماذا؟"
احمر وجهها قليلًا.
"لا شيء."
لكن ماركو سمعها.
وانفجر ضاحكًا.
"لا، لا..."
"...معها حق."
وأشار إلى داميان.
"لو استطاع..."
"...لرتب حبات السكر حسب الطول."
نظر إليه داميان ببرود.
"جرّب."
"وسأجعلك ترتبها بنفسك."
ضحك ماركو أكثر.
"ها هو داميان الذي أعرفه."
وفي تلك اللحظة...
انفتح باب إحدى الغرف.
خرجت صوفيا وهي تربط شعرها إلى الخلف.
توقفت عند الممر.
ثم نظرت إلى الجميع.
إلى الطاولة.
إلى الطعام.
ثم قالت بهدوء:
"يبدو أنني استيقظت في المكان الصحيح."
ابتسمت سيلين.
"صباح الخير."
بادلتها صوفيا الابتسامة.
"صباح الخير."
اقتربت من الطاولة.
ثم التفتت إلى سيلين.
"هل أساعدك؟"
هزت سيلين رأسها.
"كل شيء جاهز تقريبًا."
وقبل أن تكمل جملتها...
انفتح باب غرفة جوليا بعنف.
خرجت وهي تفرك عينيها.
وقالت بصوت ناعس:
"من الذي..."
توقفت فجأة.
استنشقت الهواء.
اتسعت عيناها.
ثم قالت بحماس:
"سيلين!"
ابتسمت سيلين.
"صباح الخير."
اقتربت جوليا بسرعة حتى وصلت إليها.
ثم نظرت إلى الطاولة الممتلئة.
وأطلقت صفيرًا خافتًا.
"كل هذا في الصباح؟"
ضحكت سيلين.
"استيقظت مبكرًا."
وضعت جوليا يدها على كتفها.
"كنت أعرف..."
"...أنك لن تتحملي الجلوس دون أن تفعلي شيئًا."
ابتسمت سيلين بصمت.
كان ذلك صحيحًا.
فالطهي...
لم يكن مجرد هواية بالنسبة لها.
بل كان طريقتها في ترتيب أفكارها كلما اضطرب قلبها.
وبعد دقائق قليلة...
كان الخمسة يجلسون حول طاولة الفطور.
ولأول مرة...
بدت شقة داميان أقل برودة مما كانت عليه يومًا.
جلس الجميع حول الطاولة.
لم يكن أحد منهم قد اعتاد بعد وجود هذا العدد من الأشخاص في الشقة.
لكن الغريب...
أن الأمر لم يكن مزعجًا.
بل بدا طبيعيًا على نحو يصعب تفسيره.
وضعت سيلين آخر سلة خبز في منتصف الطاولة.
ثم جلست بهدوء.
نظر ماركو إلى المائدة بإعجاب.
بيض مخفوق.
خبز محمص.
جبن.
خيار وطماطم مقطعة بعناية.
مربى.
وعسل.
إلى جانب إبريق الشاي وإبريق القهوة.
صفق مرة واحدة.
"أعلن رسميًا..."
"...أن هذا أفضل صباح مر على هذه الشقة منذ أن سكنّاها."
نظرت إليه صوفيا مبتسمة.
"كم مرة أعددت أنت الفطور هنا؟"
أجاب بثقة:
"ولا مرة."
ساد الصمت لثانية.
ثم انفجر الجميع ضاحكين.
حتى داميان...
خفض رأسه قليلًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة بالكاد تُرى.
التقطها ماركو فورًا.
وأشار إليه بإصبعه.
"انتظروا..."
"...لقد ابتسم!"
رفع داميان نظره إليه.
"تناول فطورك."
ضحك ماركو.
"أنكر كما تشاء."
أخذ قطعة خبز.
ثم نظر إلى سيلين.
"إذا بقيتِ هنا أسبوعًا واحدًا..."
"...فسأزيد خمسة كيلوغرامات."
ابتسمت بخجل.
"لن يحدث ذلك."
ردت صوفيا وهي تدهن قطعة خبز بالمربى:
"بل سيحدث."
"أنت لا تعرفين ماركو."
رفع ماركو يده معترضًا.
"أشعر أن هناك حملة تشويه منظمة ضدي."
قالت صوفيا بهدوء وهي ترتشف قهوتها:
"لأنها الحقيقة."
تنهد ماركو باستسلام.
أما داميان...
فكان يأكل بصمت.
لكن عينيه كانتا تراقبان سيلين بين الحين والآخر.
لاحظ أنها لم تبدأ بالأكل مباشرة.
بل كانت تملأ أكواب الجميع أولًا.
وتسأل إن كان أحد يحتاج شيئًا.
ثم جلست أخيرًا.
قال بهدوء:
"سيلين."
رفعت رأسها.
"نعم؟"
"أنتِ لم تأكلي بعد."
نظرت إلى طبقها.
ثم ابتسمت.
"سآكل الآن."
أومأ برأسه.
وعاد إلى فطوره.
لاحظت جوليا الموقف.
فابتسمت في صمت.
كانت تعرف سيلين جيدًا.
تعرف أنها منذ طفولتها اعتادت أن تطمئن على الجميع قبل أن تفكر بنفسها.
...
بعد دقائق...
قطع داميان الهدوء وهو يضع كوب القهوة على الطاولة.
"بعد الفطور..."
"...أريد أن نتحدث."
ساد الصمت.
تبادل الجميع النظرات.
قال ماركو مازحًا:
"بهذه النبرة..."
"...أشعر أننا سندخل اجتماعًا عسكريًا."
أجابه داميان بهدوء:
"لأنه كذلك."
اختفت ابتسامة ماركو قليلًا.
وأصبح أكثر جدية.
أكمل داميان:
"سنراجع خطة الأيام القادمة."
"وسأحدد ما يمكن فعله..."
"...وما لا يمكن."
خفضت سيلين عينيها.
كانت تعرف ما سيأتي.
وقبل أن يتكلم...
قالت بهدوء:
"أعرف أنك ستطلب مني عدم الذهاب إلى المقهى."
نظر إليها مباشرة.
"صحيح."
رفعت رأسها.
"لكن المقهى يحتاجني."
قال دون تردد:
"لا."
ساد الصمت.
أكملت بنبرة هادئة، لكنها تحمل شيئًا من الإصرار:
"هناك طلبات..."
"وزبائن..."
"ولا أريد أن أترك جوليا وحدها."
أجابها بنبرة ثابتة:
"لن تكون وحدها."
وأشار إلى صوفيا.
"صوفيا سترافقها."
ثم نظر إلى ماركو.
"وأنت ستكون قريبًا من المقهى طوال الوقت."
عقدت سيلين حاجبيها.
"لكن..."
قاطعها هذه المرة.
"سيلين."
كانت نبرته هادئة...
لكنها لا تقبل النقاش.
"أنتِ الهدف."
"وليس المقهى."
"ومن المستحيل أن أسمح لك بالخروج الآن."
خفضت رأسها مرة أخرى.
لم يعجبها القرار.
لكنها كانت ترى في عينيه شيئًا واضحًا.
لم يكن يحاول فرض سلطته.
بل كان يحاول حمايتها.
لذلك...
تنهدت بهدوء.
ثم قالت:
"حسنًا."
ارتخت ملامح داميان قليلًا.
وقال:
"هذا مؤقت."
"بمجرد أن نتأكد أن الوضع أصبح آمنًا..."
"...ستعودين إلى حياتك الطبيعية."
أومأت بصمت.
بينما تبادل ماركو وجوليا نظرة سريعة.
كانا يعلمان...
أن الأيام القادمة لن تكون سهلة على سيلين، التي اعتادت أن تبدأ كل صباح في مقهاها، بين رائحة القهوة والكعك، لا بين أربعة جدران تنتظر انتهاء الخطر.
خفضت سيلين بصرها إلى كوب الشاي بين يديها.
مررت إصبعها على حافته الزجاجية بصمت.
ثم سألت بهدوء:
"وكم سيستمر هذا؟"
أجاب داميان بصراحة:
"لا أعرف."
"قد يكون يومين..."
"وقد يكون أكثر."
ساد الصمت مجددًا.
قالت جوليا محاولة تخفيف الأجواء:
"لا تقلقي."
"سأتولى المقهى."
ابتسمت سيلين ابتسامة خفيفة.
"أعرف."
ثم نظرت إليها بجدية.
"لكن انتبهي لنفسك."
ضحكت جوليا.
"المفترض أنني أنا من يقول ذلك لك."
تدخلت صوفيا لأول مرة.
"سنذهب أنا وجوليا معًا."
"وسأبقى في المقهى طوال فترة الدوام."
ثم نظرت إلى داميان.
"وسأبقي جهاز الاتصال مفتوحًا."
أومأ داميان.
"جيد."
التفت إلى ماركو.
"أما أنت..."
"فستكون خارج المقهى."
رفع ماركو حاجبه.
"في السيارة؟"
"نعم."
"راقب الشارع."
"أي شخص يثير الشك..."
"...أبلغني فورًا."
أومأ ماركو هذه المرة دون مزاح.
"مفهوم."
...
انتهى الجميع من تناول الفطور.
بدأوا يجمعون الأطباق.
لكن داميان قال بهدوء:
"اتركوها."
نظروا إليه باستغراب.
أكمل:
"لدي تعليمات أخرى."
عاد الجميع إلى أماكنهم.
أخرج داميان هاتفه.
فتح خريطة صغيرة لوسط روما.
ووضعها أمامهم على الطاولة.
أشار إلى المقهى.
"هنا."
ثم حرك إصبعه إلى الشوارع المحيطة.
"وهنا."
"وهنا."
قال وهو ينظر إلى صوفيا:
"لا تسلكا الطريق نفسه ذهابًا وعودة."
أومأت.
"حسنًا."
ثم نظر إلى جوليا.
"إذا سألك أحد عن سيلين..."
أجابته قبل أن يكمل:
"سأقول إنها مريضة."
أومأ.
"ولا تضيفي أي تفاصيل."
"ولا تخبري أحدًا أنها انتقلت من الشقة."
"ولا أنها كانت مهددة."
قالت جوليا بجدية:
"مفهوم."
أضاف:
"حتى لو كان الشخص الذي يسأل يبدو ودودًا."
تبادل الجميع النظرات.
ثم قال ماركو:
"وأنا؟"
نظر إليه داميان.
"لا تدخل المقهى إلا إذا اضطررت."
"وجودك في الخارج أفضل."
ابتسم ماركو.
"أشعر أنني سأقضي اليوم أراقب الناس يشربون القهوة."
قال داميان دون أن يبتسم:
"بالضبط."
تنهد ماركو.
"حياة مثيرة."
...
أما سيلين...
فكانت تستمع بصمت.
لم تكن معتادة على أن تُستبعد من كل ما يتعلق بمقهاها.
كان شعور العجز يزعجها أكثر من الخوف نفسه.
لاحظ داميان نظرتها.
فقال بنبرة أخف قليلًا:
"سيلين."
رفعت رأسها.
"أعرف أن الأمر صعب."
"لكنني أطلب منك أن تثقي بي."
سكت لحظة.
ثم أضاف:
"هذه المرة فقط."
التقت عيناهما.
ورأت في نظرته شيئًا لم تره من قبل.
لم يكن أمرًا عسكريًا...
ولا برودًا.
بل كان قلقًا حقيقيًا.
تنهدت بهدوء.
ثم قالت:
"سأحاول."
اكتفى بإيماءة صغيرة.
وفي داخله...
اعتبر ذلك موافقة.
...
بعد أقل من ساعة...
كانت جوليا قد ارتدت زي المقهى.
أما صوفيا، فاختارت ملابس بسيطة لا تلفت الانتباه.
وقف داميان عند الباب يراجع معهما آخر التعليمات.
بينما بقيت سيلين في الخلف...
تراقبهما وهما تستعدان للمغادرة.
كان هذا أول صباح منذ افتتاح "بسمة حلوة"...
لا تكون هي من يفتح باب المقهى.
وقفت سيلين عند مدخل الشقة.
عيناها معلقتان بجوليا.
اعتادت طوال الأشهر الماضية أن تخرجا معًا كل صباح.
إحداهما تحمل مفاتيح المقهى...
والأخرى تحمل علبة المعجنات التي تُحضَّر في المنزل أحيانًا.
أما اليوم...
فستخرج جوليا وحدها.
اقتربت منها بهدوء.
ثم مدت يدها إليها بمفاتيح المقهى.
"خذي."
أخذتها جوليا برفق.
ابتسمت محاولة أن تبدو طبيعية.
"لا تقلقي."
"سأهتم بكل شيء."
هزت سيلين رأسها.
"أعرف."
سكتت لحظة.
ثم قالت بصوت خافت:
"إذا جاء الزبائن الدائمون..."
"...اعتذري لهم."
ابتسمت جوليا.
"سأخبرهم أن أفضل صانعة حلويات في روما تحتاج إلى إجازة قصيرة."
ابتسمت سيلين رغم حزنها.
"لا تبالغي."
اقتربت صوفيا هي الأخرى.
قالت بهدوء:
"جاهزة؟"
أومأت جوليا.
التفت داميان إليهما.
"سأتواصل معكما كل ساعة."
أجابت صوفيا:
"مفهوم."
ثم نظر إلى جوليا.
"وأنتِ."
"إذا شعرتِ أن هناك شيئًا غير طبيعي..."
"...أغلقي المقهى فورًا."
قالت بثقة:
"لن أتردد."
فتح داميان الباب.
خرجت صوفيا أولًا.
ثم تبعتها جوليا.
وقبل أن تغادر...
التفتت إلى سيلين.
لوحت لها بالمفتاح وهي تبتسم.
"اعتبريه إعارة."
"سأعيده إليك قريبًا."
ابتسمت سيلين.
"بانتظار ذلك."
أغلق الباب.
...
ساد الهدوء داخل الشقة من جديد.
هذه المرة...
كان مختلفًا.
لم يعد هناك أصوات إعداد الفطور.
ولا حديث ماركو المتواصل.
ولا حركة الجميع.
أصبحت الشقة واسعة أكثر مما ينبغي.
وقفت سيلين للحظات تحدق في الباب المغلق.
ثم تنهدت بهدوء.
قال ماركو وهو يلتقط مفاتيح سيارته:
"دوري أنا أيضًا."
نظر إلى داميان.
"سأنطلق."
أومأ داميان.
"ابقَ على اتصال."
رفع جهاز الاتصال الصغير.
"دائمًا."
التفت إلى سيلين قبل أن يخرج.
"لا تقلقي."
"لن أدع أحدًا يسرق كعكات المقهى."
ضحكت بخفة.
"هذا أكثر ما يقلقني فعلًا."
ابتسم ماركو.
"كنت أعلم."
ثم غادر وأغلق الباب خلفه.
...
لم يبق في الشقة سوى...
داميان.
وسيلين.
ساد صمت قصير.
نظر داميان إلى ساعته.
ثم قال:
"سأكون في غرفة المكتب."
وأشار إلى غرفة صغيرة قرب غرفة الجلوس.
"لدي بعض التقارير."
ثم أضاف:
"إذا احتجتِ شيئًا..."
"...ناديني."
أومأت.
"حسنًا."
دخل الغرفة وأغلق الباب دون أن يقفله.
أما سيلين...
فبقيت واقفة في مكانها.
لم تكن تعرف ماذا تفعل.
لأول مرة منذ سنوات...
لا يوجد مقهى.
ولا عجين تنتظر تخميره.
ولا زبائن.
ولا طلبات.
فقط...
وقت طويل.
ووحدة لا تشبهها.
نظرت حولها.
ثم وقع بصرها على المطبخ.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وهمست لنفسها:
"حسنًا..."
"...لن أجلس بلا عمل."
واتجهت بخطوات هادئة نحوه.
دخلت سيلين المطبخ.
وقفت أمام الثلاجة للحظة، ثم فتحتها ببطء.
تفقدت المكونات واحدة تلو الأخرى.
دقيق...
بيض...
زبدة...
قليل من الشوكولاتة...
وفواكه طازجة.
ابتسمت.
"يكفي."
أخرجت وعاءً زجاجيًا كبيرًا، ثم بدأت ترتب المكونات فوق الرخامة كما اعتادت دائمًا.
كان المطبخ هادئًا، لا يقطعه سوى صوت ارتطام الأدوات الخفيف.
سكبت الدقيق.
ثم أضافت البيض والزبدة والحليب.
وبدأت تخفق الخليط بإيقاع منتظم.
كلما تحركت الملعقة داخل الوعاء...
شعرت بأن شيئًا من التوتر يغادر صدرها.
كانت هذه طريقتها في استعادة هدوئها.
...
بعد دقائق...
بدأت رائحة الفانيليا تنتشر في المكان.
ابتسمت وهي تتذكر كلمات ماركو في الصباح.
"إذا بقيتِ هنا أسبوعًا واحدًا... فسأزيد خمسة كيلوغرامات."
ضحكت وحدها.
ثم مدت يدها نحو علبة السكر.
توقفت.
بقيت تحدق فيها ثوانٍ.
ثم تذكرت شيئًا.
داميان...
لا يحب الحلويات.
خفضت يدها ببطء.
وأخذت وعاءً صغيرًا آخر.
سكبت فيه قليلًا من الخليط قبل أن تضيف السكر إلى الوعاء الكبير.
ثم وضعت الوعاء الصغير جانبًا.
ثم اضافت للوعاء الصغير القليل من السكر وبعضا من القهوة التي حضرتها في الصباح
ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تحرك الخليط الصغير ببطء.
"هذا أفضل..."
تذكرت كيف كان داميان في كل مرة يرفض تذوق أي قطعة حلوى تقدمها له.
إما لأنها "حلوة أكثر من اللازم"...
أو لأنه ببساطة لا يحب الحلويات.
رفعت الملعقة، وتأملت الخليط لحظة.
ثم همست لنفسها بابتسامة:
"ربما المشكلة لم تكن في الكعك..."
"...بل في كمية السكر."
أحضرت قالبًا صغيرًا مستديرًا.
سكبت فيه الخليط الذي أعدته خصيصًا له.
أما الخليط الأكبر...
فوزعته في قالب آخر أكبر حجمًا.
وضعت القالبين داخل الفرن.
ثم أغلقت بابه برفق.
بعد دقائق قليلة...
بدأت رائحة القهوة الدافئة تمتزج برائحة الفانيليا والزبدة، فامتلأ المطبخ بعطر هادئ ومريح.
تنفست سيلين بعمق.
وأغمضت عينيها لثانية.
"ما أجمل هذه الرائحة..."
ابتسمت وهي أمسكت بمنشفة المطبخ، ثم بدأت ترتب الأدوات التي استخدمتها.
لم تترك شيئًا في غير مكانه.
غسلت الأوعية.
ومسحت الرخامة.
وأعادت كل شيء إلى الخزائن، حتى بدا المطبخ كأنه لم يُستخدم أصلًا.
وبينما كانت تضع آخر طبق في مكانه...
رن المؤقت معلنًا أن الكعك قد نضج.
ارتدت القفازين السميكين بسرعة.
ثم فتحت باب الفرن.
خرج بخار دافئ يحمل رائحة القهوة والفانيليا معًا.
أخرجت القالب الكبير أولًا.
ثم القالب الصغير.
وضعت الاثنين فوق الشبكة المعدنية ليبردا.
اقتربت من القالب الصغير، وانحنت قليلًا تتأمله.
"ساصنع كريمة خفيفة، وقليلة السكر.."
ثم ضحكت بخفة واضافت:
"ان لم تعجبه هذه ايضا.... سأستسلم"
في الجهة الأخرى من المدينة...
كانت شمس الصباح قد بدأت تنعكس على الواجهة الزجاجية لمقهى "بسمة حلوة".
فتحت جوليا الباب بالمفتاح الذي سلمته لها سيلين قبل قليل.
رن الجرس الصغير المعلق أعلى الباب، فبدت النغمة مألوفة... لكنها خالية من صاحبتها.
دخلت جوليا أولًا، وتبعتها صوفيا بخطوات هادئة.
ألقت جوليا نظرة سريعة على المكان.
كل شيء كما تركته سيلين بالأمس.
الطاولات مرتبة.
آلة القهوة في مكانها.
ورائحة الخبز الطازج ما زالت عالقة في الأجواء.
تنهدت بخفة.
ثم همست:
"أشعر وكأنها ستخرج من المطبخ بعد لحظة."
ابتسمت صوفيا ابتسامة صغيرة.
"ستعود قريبًا."
لم تجب جوليا.
اتجهت مباشرة إلى آلة القهوة، وبدأت تشغيلها كما كانت تفعل كل صباح مع سيلين.
أما صوفيا، فوقفت بالقرب من النافذة، تتفحص الشارع بهدوء.
كانت نظراتها تتحرك بين السيارات والمارة دون أن يبدو عليها أنها تراقب أحدًا.
لكنها كانت تراقب كل شيء.
...
في الخارج...
كانت سيارة ماركو تقف على بعد عشرات الأمتار من المقهى.
ارتشف رشفة من قهوته وهو يراقب المدخل.
ضغط زر جهاز الاتصال.
"الموقع آمن."
جاءه صوت داميان مباشرة:
"استمر بالمراقبة."
"مفهوم."
أعاد الجهاز إلى مكانه.
ثم تنهد.
"أتمنى فقط ألا يمر هذا اليوم ببطء."
...
داخل المقهى...
بدأ الزبائن الأوائل بالدخول.
ألقت جوليا ابتسامتها المعتادة.
ورغم أنها كانت تجيد التعامل مع الناس...
إلا أن غياب سيلين كان واضحًا.
لاحظ أحد الزبائن الدائمين ذلك.
ابتسم وهو يقترب من المنضدة.
"صباح الخير."
"صباح النور."
نظر حوله ثم سأل:
"أين الآنسة سيلين؟"
تبادلت جوليا وصوفيا نظرة خاطفة.
ثم أجابت بابتسامة هادئة:
"تشعر ببعض الإرهاق، لذا أخذت يومًا للراحة."
هز الرجل رأسه بتفهم.
"بلغيها تمنياتي بالشفاء."
"سأفعل."
ابتعد وهو يحمل قهوته.
تنفست جوليا بهدوء.
كان أول سؤال...
وقد أجابت كما اتفقوا.
...
بعد نصف ساعة تقريبا...
رن جرس الباب المعلق أعلى المدخل.
رفعت جوليا رأسها تلقائيًا.
وما إن وقع بصرها على الداخل حتى ابتسمت ابتسامة معتادة.
"صباح الخير، سيد لورينزو."
دخل لورينزو بخطوات هادئة، وهو يخلع قفازه الجلدي ويضعه في جيب معطفه.
ابتسم ابتسامته الهادئة المعتادة.
"صباح الخير يا جوليا."
ثم أومأ برأسه نحو صوفيا.
"صباح الخير."
بادلته صوفيا التحية باحترام.
كان حضوره في المقهى أمرًا اعتياديًا.
فمنذ افتتاح "بسمة حلوة"، اعتاد أن يمر كل صباح تقريبًا.
يجلس في الطاولة القريبة من النافذة.
يشرب فنجان قهوته بهدوء.
ويتبادل بضع كلمات مع العاملين، ثم يغادر.
كان يقول دائمًا إن صاحب المكان يجب أن يطمئن على مشروعه بنفسه.
لهذا...
لم يثر دخوله أي ريبة.
اقترب من الطاولة المعتادة، ثم جلس وهو يخلع معطفه.
قال مبتسمًا:
"قهوة سوداء... كالعادة."
ضحكت جوليا.
"أعرف."
اتجهت نحو آلة القهوة لتعدها.
لكن قبل أن تبدأ...
لاحظ لورينزو شيئًا.
جال ببصره في أنحاء المقهى مرة أخرى.
المطبخ.
منضدة الحلويات.
الطاولات.
ثم عاد ينظر إلى جوليا.
عقد حاجبيه قليلًا.
وقال بنبرة هادئة، وكأن السؤال خطر في باله للتو:
"أين سيلين؟"
توقفت يد جوليا للحظة قصيرة.
لحظة لم تستغرق سوى ثانية.
لكن صوفيا انتبهت إليها.
سرعان ما استعادت جوليا ابتسامتها.
وقالت وهي تواصل إعداد القهوة:
"تشعر ببعض الإرهاق منذ أمس."
"لذلك أخذت يومًا أو يومين لترتاح."
ظل لورينزو ينظر إليها لثوانٍ.
ثم أومأ برأسه ببطء.
"هذا مؤسف."
أضاف بنبرة ودودة:
"هي لا تكاد تغيب عن المقهى."
ابتسمت جوليا ابتسامة صغيرة.
"لهذا أجبرناها على الراحة."
نظر لورينزو نحو الواجهة الزجاجية للحظة.
ثم عاد ببصره إلى المطبخ الفارغ.
لم يقل شيئًا.
لكن عيناه بقيتا تبحثان في المكان، وكأنهما اعتادتا رؤية سيلين تتحرك بين الفرن وآلة القهوة.
وضعت جوليا الفنجان أمامه.
"تفضل."
رفع الفنجان برفق.
"شكرًا."
ارتشف أول رشفة من القهوة، بينما ارتسمت على وجهه ملامح هادئة لا تكشف ما يدور في ذهنه.
أما صوفيا...
فكانت تراقبه من طرف عينها في صمت.
تتذكر تمامًا وصية داميان:
"حتى لو بدا الشخص ودودًا..."
"...لا تثقي بأحد."
كان لورينزو يشرب قهوته باعتيادية ويراقب المكان ثم ينظر الى الخارج بهدوء
فجأة لمحت صوفيا انه اظهر هاتفه وتفقده ثم ارسل رسالة نصية قصيرة ثم وضع المال على الطاولة وقام بتوديعهم ثم خرج
كان منظرا عاديا كأي شخص يشرب قهوته صباحا ويذهب
لكن شيء ما في صوفيا يخبرها انه ليس طبيعيا
ظل جرس الباب يهتز بخفة بعد خروجه، ثم عاد المقهى إلى هدوئه المعتاد.
واصلت جوليا إعداد طلبات الزبائن، وكأن شيئًا لم يحدث.
أما صوفيا...
فلم ترفع عينيها عن الواجهة الزجاجية.
رأت لورينزو يقف على الرصيف للحظة.
نظر إلى الشارع يمينًا ويسارًا كما يفعل أي شخص قبل أن يعبر.
ثم وضع هاتفه في جيب معطفه، وأكمل طريقه بهدوء حتى اختفى بين المارة.
تنهدت جوليا وهي تحمل فنجانًا إلى إحدى الطاولات.
وقالت مبتسمة:
"لطيف كعادته."
لم تُجبها صوفيا.
ظلت تنظر إلى الباب للحظات أخرى.
ثم قالت بصوت منخفض:
"هل يفعل ذلك دائمًا؟"
التفتت إليها جوليا باستغراب.
"من؟"
"لورينزو."
"أن يأتي كل صباح."
ابتسمت جوليا.
"تقريبًا."
"منذ افتتحنا المقهى."
"يشرب قهوته، يطمئن على المكان، ثم يغادر."
هزت صوفيا رأسها ببطء.
"...همم."
اقتربت جوليا منها.
"هل هناك شيء؟"
ترددت صوفيا قبل أن تجيب.
"لا."
ثم أضافت بعد لحظة:
"أو ربما... لا أعلم."
عقدت جوليا حاجبيها.
"لم أفهم."
أخذت صوفيا نفسًا هادئًا.
"كل ما فعله كان طبيعيًا."
"جلس."
"شرب قهوته."
"سأل عن سيلين."
"ثم غادر."
توقفت لحظة.
"لكن..."
"قبل أن يخرج، وصلته رسالة الى هاتفه. "
"رد عليها بكتابة رسالة قصيرة جدًا."
"ثم وضع الهاتف مباشرة وغادر."
ابتسمت جوليا بخفة.
"صوفيا..."
"كل الناس يرسلون رسائل."
هزت صوفيا رأسها موافقة.
"أعرف."
"ولهذا لم أقل إنه فعل شيئًا مريبًا."
سكتت قليلًا.
ثم أردفت بنبرة هادئة:
"لكن الحدس الذي أبقاني حية سنوات..."
"...يخبرني ألا أتجاهل الأمر."
ساد الصمت بينهما.
نظرت جوليا إلى الباب، ثم عادت بعينيها إلى صوفيا.
"هل تظنين أنه...؟"
قاطعتها صوفيا بهدوء:
"لا أظن شيئًا."
"أنا فقط لا أحب المصادفات."
أخرجت جهاز الاتصال الصغير من جيبها.
وضغطت الزر.
"داميان."
جاء صوته بعد ثوانٍ:
"أسمعك."
قالت بهدوء وهي تراقب الزبائن حتى لا يلفت حديثها الانتباه:
"مر لورينزو كعادته."
"كل شيء بدا طبيعيًا."
توقفت لحظة.
"لكنه أرسل رسالة قصيرة قبل أن يغادر."
ساد الصمت لثانيتين.
ثم سأل داميان:
"هل رأيتِ إلى من؟"
"لا."
"ومحتوى الرسالة؟"
"مستحيل."
أجاب بعد لحظة:
"حسنًا."
"لا تتصرفي على أساس الشك."
"لكن اعتبريه ملاحظة."
"راقبيه فقط إن عاد."
أجابت:
"مفهوم."
أغلقت الاتصال.
التفتت إليها جوليا.
"ماذا قال؟"
أعادت الجهاز إلى جيبها.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة مطمئنة.
"قال الشيء نفسه الذي كنت سأفعله."
"نراقب..."
"...ولا نستعجل الأحكام."
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!