ما قبل العاصفة
لم يتغير شيء في مقهى بسمة حلوة...
أو هكذا بدا للزبائن.
كانت رائحة القهوة تعبق في المكان كعادتها، والكرواسون الطازج يخرج تباعًا من الفرن، بينما تتردد ضحكات جوليا بين الطاولات وهي تستقبل الزبائن بابتسامتها المعتادة.
لكن بالنسبة إلى العاملين في المقهى...
كان هناك شيء جديد.
كاميرات صغيرة سوداء استقرت بهدوء فوق المدخل، وعند الواجهة الزجاجية، وفي إحدى زوايا الداخل.
كانت صغيرة بما يكفي كي لا يلتفت إليها معظم الناس.
لكن سيلين كانت ترفع رأسها إليها كلما مرت أسفلها.
ابتسمت وهي تضع صينية مليئة بأكواب القهوة على الطاولة.
وقالت ممازحة:
"أشعر وكأنني أصبحت ممثلة."
ضحكت جوليا.
"بل نجمة."
وأضافت وهي تشير إلى إحدى الكاميرات:
"احذري... ربما تصورك وأنت تسرقين قطعة كعك."
وضعت سيلين يدها على صدرها بتمثيل الصدمة.
"أنا؟ أسرق من مقهاي؟"
ضحكت جوليا.
"بل تأكلين من دون أن تحسبيها."
تدخلت صوفيا وهي ترتب بعض الأكواب.
"لقد رأيتها تفعل ذلك."
استدارت سيلين نحوها بسرعة.
"حتى أنتِ؟"
أجابت صوفيا ببرودها المعتاد:
"مرتين."
انفجرت جوليا ضاحكة.
أما سيلين، فرفعت يديها باستسلام.
"حسنًا... يبدو أنني محاصرة بالشهود."
امتلأ المقهى بالضحكات من جديد.
...
خارج المقهى...
كانت إحدى الكاميرات الجديدة تنقل صورة المقهى مباشرة إلى حاسوب داميان المحمول
جلس داميان أمام الشاشة، يتابع حركة الداخل والخارج بصمت.
يدخل رجل خمسيني...
ثم تخرج امرأة تحمل صندوقًا صغيرًا...
شابان جامعيان...
طفل يركض خلف والدته...
كل شيء بدا طبيعيًا.
طبيعيًا إلى حدٍ يدعو للحذر.
دخل ماركو السيارة يحمل كوبًا من القهوة.
"أتعلم؟"
لم يرد داميان.
ابتسم ماركو.
"لو لم أعرف أن هذه قضية خطيرة، لظننت أنك تشاهد برنامجًا عن أفضل المقاهي في روما."
لم يلتفت إليه داميان.
بل واصل مراقبة الشاشة.
ظهرت سيلين وهي تضحك مع إحدى الزبونات، ثم عادت خلف المنضدة.
قال بهدوء:
"راقب الأشخاص..."
"...لا المكان."
ابتسم ماركو.
"أعرف."
ثم سكت هو الآخر، وبدأ يراقب الشاشة معه.
مرت الدقائق...
دون أن يحدث شيء غير طبيعي.
لكن بالنسبة إلى داميان...
كان الهدوء نفسه سببًا كافيًا ليستمر في المراقبة.
فالخبرة علمته أن أخطر اللحظات...
هي تلك التي يبدو فيها كل شيء طبيعيًا تمامًا.
في تلك الأثناء...
رفعت سيلين نظرها إلى الساعة المعلقة على الحائط.
توقفت لثانية.
ثم التفتت إلى جوليا.
"سأغيب بضع دقائق."
أومأت جوليا وهي تحمل صينية فارغة.
"اذهبي، سأهتم هنا."
نزعت سيلين مئزرها الأبيض وعلّقته خلف الباب، ثم اتجهت إلى الغرفة الصغيرة في آخر الممر.
تابعتها الكاميرا للحظات...
قبل أن تختفي عن مجال رؤيتها.
لاحظ داميان اختفاءها من الشاشة.
سأل دون أن يرفع عينيه:
"إلى أين ذهبت؟"
أجاب ماركو بعد أن ألقى نظرة على الشاشة الأخرى:
"ربما إلى المخزن."
لكن بعد لحظات...
خرج أحد الفنيين من المقهى بعدما انتهى من ضبط جهاز التسجيل.
اقترب من سيارة داميان وقال:
"سيدي، بقي اختبار الكاميرا الأخيرة."
نهض داميان.
"سأراه بنفسي."
...
عاد إلى المقهى بعد دقائق.
كان الفني ينتظره قرب الباب الخلفي.
"الكاميرا تعمل، لكن نريد التأكد من زاوية التصوير."
أومأ داميان.
واتجه معه نحو الممر المؤدي إلى الغرفة الخلفية.
كان الباب نصف مفتوح.
وقبل أن يطرقه...
وقع بصره إلى الداخل.
فتوقف.
كانت سيلين واقفة على سجادة صغيرة.
هادئة تمامًا.
ورأسها منحنٍ في خشوع.
لم يصدر منها صوت.
لم تكن تعلم بوجود أحد.
ظل داميان ينظر للحظة...
ثم أبعد نظره مباشرة.
وتراجع خطوة إلى الخلف.
انتظر بصمت خارج الغرفة.
بعد دقائق...
انفتح الباب بهدوء.
خرجت سيلين وهي ترتب حجابها.
ثم وقفت قرب الباب.
رفعت كفيها إلى السماء.
أغمضت عينيها.
وبدت وكأنها تهمس بكلمات لا يسمعها سواها.
طال دعاؤها قليلًا...
ثم مررت كفيها على وجهها برفق.
عندها فقط رفعت رأسها.
لتجد داميان واقفًا غير بعيد عنها.
بدت عليها المفاجأة.
"آسفة..."
قالتها بخجل.
"هل كنت تنتظر؟"
أجاب بهدوء:
"انتهيتِ؟"
أومأت.
"نعم."
أشار إلى الفني.
"سنختبر الكاميرا الأخيرة فقط."
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
"حسنًا... لن أعطلكم."
ثم عادت بخطوات هادئة إلى صالة المقهى.
أما داميان...
فظل واقفًا للحظة.
لم يفكر في الصلاة نفسها...
بل في ما رآه بعدها.
رفع اليدين...
ثم ذلك الاطمئنان الذي ارتسم على وجهها بعد أن انتهت.
لم يفهم السبب...
لكن بدا له أنها خرجت من تلك الغرفة أخف حملًا مما دخلتها.
فأبعد الفكرة عن رأسه، والتفت إلى الفني قائلاً بلهجته العملية المعتادة:
"أرني زاوية التصوير."
انحنى الفني أمام جهاز التسجيل، ثم أدار الشاشة قليلًا.
"الكاميرا الداخلية تغطي أغلب المقهى."
ظهرت الطاولات تباعًا على الشاشة.
المنضدة.
آلة القهوة.
المدخل.
ثم انتقل إلى الكاميرا المثبتة فوق الباب الرئيسي.
ظهرت حركة المارة في الرصيف المقابل بوضوح.
قال الفني بثقة:
"أي شخص يدخل أو يخرج سيكون ظاهرًا هنا."
أومأ داميان.
"جيد."
ثم أشار إلى زاوية صغيرة قرب الواجهة.
"وهذه؟"
أجاب الفني:
"لا توجد نقطة عمياء تقريبًا."
ظل داميان يتأمل الصورة للحظات.
كان كل شيء يعمل كما أراد.
أغلق الجهاز اللوحي، ثم قال:
"أحسنتم."
ابتسم الفني.
"إذا احتجتم أي تعديل لاحقًا، يمكننا العودة."
"لن يكون ذلك ضروريًا."
جمع الفنيون معداتهم بسرعة، ثم حملوا السلالم والصناديق إلى الخارج.
وقبل أن يغادروا...
مرت سيلين بجوارهم وهي تحمل صينية فارغة.
ابتسم أحد الفنيين وقال:
"أتمنى ألا نكون قد سببنا لكم الإزعاج."
ابتسمت سيلين بلطف.
"على العكس."
"إذا كانت هذه الكاميرات ستجعل المكان أكثر أمانًا، فأهلًا بها."
التفتت إلى داميان.
"شكرًا."
نظر إليها بهدوء.
"هذا جزء من عملنا."
هزت رأسها مبتسمة.
ثم عادت لاستقبال أحد الزبائن الذين دخلوا لتوهم.
رن الجرس الصغير فوق الباب.
دخل رجل مسن، فأسرعت نحوه بابتسامتها المعتادة.
"مرحبًا بك."
"كالعادة؟"
ابتسم الرجل.
"وكأنك تقرئين أفكاري."
ضحكت وهي تتجه نحو آلة القهوة.
وقف داميان يراقب المشهد لثوانٍ.
كان المقهى قد عاد إلى طبيعته.
أصوات الأكواب.
رائحة القهوة.
ضحكات جوليا.
وهدوء صوفيا وهي ترتب الطاولات.
كل شيء بدا بسيطًا...
وبعيدًا تمامًا عن عالم التحقيقات.
لكن خبرته كانت تخبره أن أخطر الأسرار...
قد تختبئ أحيانًا في أكثر الأماكن دفئًا.
استدار متجهًا نحو الباب.
كان ماركو ينتظره في الخارج، مستندًا إلى السيارة.
"انتهينا؟"
أجاب داميان وهو يلقي نظرة أخيرة على واجهة بسمة حلوة.
"انتهينا هنا..."
ثم أضاف بنبرة هادئة:
"والآن..."
"...ننتظر من سيقوم بالخطوة التالية."
تحركت السيارة ببطء مبتعدة عن المقهى...
بينما بقيت الكاميرات الجديدة تراقب المكان بصمت...
في انتظار أول خيط جديد يقود إلى كيميرا.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!