وضع القراءة:

الفصل الثاني: خيط اول..

ارتطمت قطرات المطر الخفيفة بزجاج النافذة الكبيرة.
جلس داميان روسي أمام الطاولة الطويلة واضعًا ملفًا سميكًا أمامه.
ساد الصمت داخل غرفة الاجتماعات.
صمت لم يقطعه سوى صوت الأوراق التي قلبها الرجل الجالس في الطرف الآخر من الطاولة.
رفع داميان عينيه نحو الشاشة المعلقة على الجدار.
ظهرت صور متتالية لفتيات شابات.
وجوه مختلفة.
أعمار مختلفة.
لكن النهاية كانت واحدة.
اختفاء.
تنهد المسؤول عن الفريق وأغلق الملف.
"ثماني فتيات خلال أربعة أشهر."
قالها بصوت متجهم.
"ولا نملك حتى الآن سوى إشاعات."
ظهرت صورة جديدة على الشاشة.
شعار غريب.
رأس مخلوق أسطوري بعدة وجوه.
تحته كلمة واحدة.
كيميرا.
تبادل الحاضرون النظرات.
أما داميان فبقي صامتًا.
"كل مرة نقترب منهم يختفون."
أكمل الرجل.
"وكل شاهد يختفي أو يغير أقواله."
رفع ماركو يده.
"إذن نحن نطارد أشباحًا؟"
"أشباح تدر ملايين اليوروهات."
ساد الصمت مجددًا.
ثم ظهرت صورة مشوشة التقطتها إحدى كاميرات المراقبة.
فتاة تركض في شارع ليلي.
وتلتفت خلفها بخوف.
قال المسؤول:
"هذه آخر فتاة تم رصدها."
اقترب داميان من الشاشة.
كانت الصورة غير واضحة.
لكن شيئًا فيها لفت انتباهه.
"هل عرفتم هويتها؟"
هز الرجل رأسه.
"لا."
ثم أضاف:
"لكن لدينا معلومة جديدة."
ضغط على جهاز التحكم.
فظهرت خريطة لوسط روما.
ودائرة حمراء حول أحد الأحياء.
"شوهدت هناك قبل يومين."
عقد داميان حاجبيه.
كان الحي نفسه الذي يقع فيه مقهى بسمة حلوة.
لكن ذلك لم يكن يعني شيئًا بعد.
على الأقل في نظره.
في مكان آخر من المدينة...
كانت سيلين تضع آخر قطعة كعك داخل واجهة العرض.
ثم تراجعت خطوة للخلف متأملة عملها.
ابتسمت برضا.
"جميلة."
قالتها لنفسها.
"أعرف."
جاءها صوت جوليا من الخلف.
"أنا أيضًا جميلة."
استدارت سيلين وضحكت.
"كنت أتحدث عن الكعكة."
وضعت جوليا يدها على قلبها.
"جرحتي مشاعري."
قبل أن تتمكن سيلين من الرد...
رن جرس الباب.
دخل زبون جديد.
ثم آخر.
ثم فتاة شابة.
توقفت الفتاة عند المدخل للحظة.
وكأنها غير متأكدة إن كان عليها الدخول أم لا.
لاحظت سيلين ذلك فورًا.
كانت الفتاة شاحبة الوجه.
وترمق الشارع خلفها كل بضع ثوانٍ.
كما لو أنها تخشى أن يلحق بها أحد.
لم تكن تعلم...
أن هذه الفتاة ستكون أول خيط يربط بين عالم الكعك الذي تحبه...
والعالم المظلم الذي يطارده داميان روسي.
تقدمت الفتاة بخطوات مترددة نحو إحدى الطاولات القريبة من النافذة.
كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بقوة.
وكأنها تحمل شيئًا ثمينًا.
أو شيئًا تخشى فقدانه.
اقتربت منها سيلين بابتسامتها المعتادة.
"مرحبًا، ماذا يمكنني أن أحضر لكِ؟"
انتفضت الفتاة قليلًا.
ثم أجابت بسرعة:
"قهوة."
"أي نوع؟"
ترددت.
وكأنها لم تسمع السؤال أصلًا.
ثم قالت:
"أي شيء."
رفعت سيلين حاجبًا باستغراب.
لكنها لم تعلق.
"حسنًا."
عادت إلى المنضدة.
ومن خلفها همست جوليا:
"هذه الفتاة تبدو وكأنها هربت من فيلم جريمة."
ألقت سيلين نظرة خاطفة نحوها.
كانت الفتاة تنظر من النافذة للمرة الخامسة خلال أقل من دقيقة.
"لاحظت ذلك."
"لا تنظري إليها هكذا."
قالت جوليا وهي تضع كوبًا فوق الصينية.
"أعرف هذه النظرة."
"أي نظرة؟"
"نظرة سيلين الخطيب عندما يبدأ فضولها بالاستيقاظ."
تنهدت سيلين.
"أنا فقط قلقة."
"وأنا فقط أحذرك."
ضحكتا بخفة.
لكن سيلين استمرت بمراقبة الفتاة بين الحين والآخر.
بعد دقائق...
وضعت القهوة أمامها.
"تفضلي."
رفعت الفتاة رأسها.
ولأول مرة ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها.
"شكرًا."
كانت عيناها متعبتين.
وكأنها لم تنم منذ أيام.
عادت سيلين إلى عملها.
لكنها لم تستطع تجاهل ذلك الشعور الغريب الذي بدأ يتسلل إليها.
شيء ما لم يكن طبيعيًا.
في الجهة الأخرى من المدينة...
كان داميان يغادر مقر المخابرات برفقة ماركو.
أغلق باب السيارة وجلس خلف المقود.
بينما استرخى ماركو في المقعد المجاور.
"إذن؟"
سأل ماركو.
"من أين سنبدأ؟"
أدار داميان المحرك.
"من الحي الذي شوهدت فيه الفتاة."
"الحي نفسه الذي توجد فيه الكوكيز اللذيذة؟"
ألقى عليه داميان نظرة جانبية.
"هل تفكر بالطعام طوال الوقت؟"
"تقريبًا."
تنهد داميان وانطلق بالسيارة.
بينما كانت روما تتحرك حولهما كخلية نحل لا تهدأ.
لم يكن يعلم أن الشخص الذي يبحث عنه...
يجلس في تلك اللحظة داخل المقهى نفسه.
أما داخل "بسمة حلوة"...
فقد كانت الفتاة تنظر إلى هاتفها باستمرار.
شاشة.
رسالة.
ثم تمسحها بسرعة.
رسالة أخرى.
ثم تغلق الهاتف.
ازدادت ضربات قلبها مع كل دقيقة تمر.
وفجأة...
اتسعت عيناها.
تجمدت في مكانها.
رفعت رأسها ببطء نحو النافذة.
شعرت سيلين بذلك فورًا.
اتبعت اتجاه نظرها.
في الجانب الآخر من الشارع...
كان رجل طويل القامة يقف قرب عمود إنارة.
يرتدي معطفًا أسود.
ويبدو وكأنه يراقب المبنى.
شحب وجه الفتاة.
نهضت بسرعة حتى كادت تسقط الكرسي.
أمسكت حقيبتها.
ثم اندفعت نحو الباب.
التفتت سيلين نحو النافذة مرة أخرى.
لكن الرجل الذي كان يقف قرب عمود الإنارة اختفى.
وكأنه لم يكن هناك أصلًا
"آنسة!"
نادتها سيلين.
لكن الفتاة لم تتوقف.
خرجت راكضة إلى الشارع.
واختفت بين المارة.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت جوليا:
"حسنًا..."
"هذا كان غريبًا."
"جداً."
تمتمت سيلين.
وبينما كانت تتجه لترتيب الطاولة التي تركتها الفتاة...
توقفت فجأة.
كان هناك شيء فوق الكرسي.
هاتف.
هاتف أسود صغير.
حدقت فيه لثوانٍ.
ثم التقطته ببطء.
"يبدو أنها نسيته."
قالت جوليا.
لكن سيلين لم تجب.
كانت تنظر إلى الشاشة التي أضاءت فجأة.
إشعار جديد.
ثم آخر.
ثم آخر.
عشرات الرسائل المتتالية.
وكلها من مجموعة واحدة.
مجموعة على تطبيق تلغرام.
تجمدت سيلين وهي تقرأ الاسم الظاهر أعلى الشاشة.
اسم غريب.
اسم لم تسمعه من قبل.
"الفراشات الحرّة."
ولم تكن تعلم...
أن فتح ذلك الهاتف سيكون أسوأ قرار اتخذته في حياتها.
وقفت سيلين تحدق في الشاشة المضيئة.
ترددت.
ثم أطفأتها بسرعة.
"لا ينبغي أن أقرأ رسائل الآخرين."
وضعت الهاتف فوق الطاولة محاولة تجاهله.
لكن الشاشة أضاءت مجددًا.
ثم مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
وكأن صاحب الرسائل يرفض أن يترك الهاتف يهدأ.
تنهدت جوليا.
"لا تنظري إليّ هكذا."
"كيف أنظر إليك؟"
"بنظرة الفضول تلك."
أشارت إلى الهاتف.
"سلميه للشرطة أو احتفظي به حتى تعود صاحبته."
أومأت سيلين.
"هذا ما سأفعله."
ثم أضاءت الشاشة مرة أخرى.
ظهرت رسالة جديدة أعلى الإشعارات:
أين أنتِ؟
ثم رسالة اخرى:
لا تذهبي إلى الشرطة.
اختفت ابتسامة سيلين فورًا.
تبادلت هي وجوليا النظرات.
هذه المرة...
لم تبدُ الرسالة عادية.
وفي الجهة الأخرى من المدينة...
كان داميان يقود السيارة عبر شوارع روما.
عندما اهتز هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
رسالة من قسم التحليل.
"تم تفعيل إشارة الهاتف الخاص بالفتاة المجهولة قبل دقائق."
شد داميان المقود.
"أرسلوا الموقع."
وبعد ثوانٍ ظهر العنوان على الشاشة.
تجمد ماركو للحظة.
ثم التفت نحو داميان.
"أليس هذا..."
أجاب داميان وهو يضغط على دواسة الوقود:
"ذلك المقهى..."
ضغط داميان على دواسة الوقود أكثر.
بينما كانت سيلين، على بعد شوارع قليلة منه، تمسك الهاتف بين يديها دون أن تدرك أن حياتها الهادئة بدأت تتصدع بالفعل.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.