الشاهدة الوحيدة
اتسعت ابتسامة ماركو بخبث.
"مستحيل..."
رفع داميان رأسه ببطء.
"...ماذا؟"
قال ماركو وهو يشير إلى الطبق:
"الرجل الذي يكره الحلوى..."
اقترب خطوة أخرى.
"...يأكل كعكة."
نظر داميان إلى القطعة في يده، ثم أعاد نظره إلى ماركو.
"إنها ليست حلوة."
رفع ماركو حاجبيه.
"حقًا؟"
مد يده نحو العلبة.
"دعني أتأكد."
لكن داميان أغلق الغطاء قبل أن تصل يد ماركو إليها.
"هذه لي."
تجمد ماركو لثانية.
ثم انفجر ضاحكًا.
"أقسم أنني لأول مرة أسمعك تقول عن قطعة حلوى: هذه لي!"
زفر داميان بضيق.
"توقف عن المبالغة."
جلس ماركو على طرف المكتب، وما زالت الابتسامة لا تفارق وجهه.
"إذن..."
مال برأسه قليلًا.
"الكعكة من سيلين، أليس كذلك؟"
لم يجب داميان.
فتح الملف الذي أحضرته صوفيا، وبدأ يقلب صفحاته وكأن السؤال لم يُطرح أصلًا.
ابتسم ماركو أكثر.
"هذا صمت اعتراف."
رفع داميان عينيه نحوه.
"التقرير."
تغيرت ملامح ماركو فورًا، فعاد إلى جديته.
"لدينا أمر أهم."
وضع ملفًا سميكًا على المكتب.
فتح داميان الصفحة الأولى.
صور التقطت بعد المداهمة.
تقارير الطب الشرعي.
قائمة بأسماء المقبوض عليهم.
ثم صورة للهاتف الأسود.
قال ماركو:
"استخرج قسم التقنية جزءًا من البيانات."
قلب داميان الصفحة.
"النتيجة؟"
أجاب ماركو:
"معظم الملفات كانت مشفرة."
توقف لحظة.
"لكنهم وجدوا شيئًا غريبًا."
رفع داميان نظره.
"ما هو؟"
أخرج ماركو صورة مطبوعة ووضعها أمامه.
كانت خريطة لمدينة روما.
لكن عليها عشرات الدوائر الحمراء.
بعضها حول موانئ.
وبعضها حول مستودعات.
وأخرى...
حول أماكن لا تبدو ذات أهمية.
قال ماركو:
"لا نعرف ماذا تمثل."
ظل داميان يحدق في الخريطة.
ثم توقف عند دائرة صغيرة...
كانت تحيط بشارع يعرفه جيدًا.
شارع بسمة حلوة.
ضاقت عيناه.
"هل هذه البيانات قديمة؟"
هز ماركو رأسه.
"لا."
"آخر تحديث كان قبل ثلاثة أيام فقط."
ساد صمت ثقيل.
ثم قال داميان بهدوء:
"إذن..."
أغلق الملف ببطء.
"...المقهى لم يكن مجرد مكان صادفته سيلين بالصدفة."
نظر إليه ماركو باستغراب.
"هل تعتقد أنهم كانوا يراقبون المنطقة؟"
أجاب داميان دون أن يرفع عينيه عن الخريطة:
"لا أعلم."
ثم أضاف بصوت منخفض:
"لكنني لا أحب المصادفات."
وفي اللحظة نفسها...
صدر صوت طرقات خفيفة على باب المكتب.
دخل أحد العملاء على عجل.
"سيدي."
رفع داميان رأسه.
"ماذا هناك؟"
قال العميل:
"الرئيس يطلب حضورك أنت وماركو فورًا."
تبادل الاثنان نظرة سريعة.
كان واضحًا...
أن الليلة لم تنته بعد.
أغلق داميان الملف.
التقط الخريطة ووضعها داخل الحافظة السوداء.
ثم نهض.
ألقى نظرة أخيرة إلى قطعة الكعك التي بقي نصفها فوق الطبق.
ابتسم ماركو ابتسامة جانبية.
"ألن تكملها؟"
رفع داميان نظره إليه.
"لدينا عمل."
زفر ماركو وهو يلتقط الطبق.
"إذن سأعتبرها غنيمة."
لكن قبل أن تصل يده إليها...
سحب داميان الطبق بهدوء ووضعه داخل درج مكتبه.
تجمد ماركو.
ثم قال بذهول مصطنع:
"حتى البقايا أصبحت سرية؟"
أغلق داميان الدرج.
"اخرج."
ضحك ماركو وهو يرفع يديه مستسلمًا.
"حسنًا... فزت."
───
بعد دقائق...
دخل الاثنان قاعة الاجتماعات.
جلس الرئيس في مكانه المعتاد.
كانت الإضاءة خافتة.
وعلى الشاشة الكبيرة ظهرت خريطة روما.
لكن هذه المرة...
لم تكن مليئة بالنقاط الحمراء فقط.
بل ظهرت عليها خطوط زرقاء تتحرك بين الأحياء، وأوقات مكتوبة بجانبها.
قال الرئيس دون مقدمات:
"حللنا البيانات التي استُخرجت من الهاتف."
ضغط أحد المحللين زرًا.
تغيرت الشاشة.
ظهرت قائمة طويلة من الإحداثيات.
قال المحلل:
"في البداية اعتقدنا أنها مواقع لتسليم الفتيات."
ثم هز رأسه.
"لكننا كنا مخطئين."
عقد داميان حاجبيه.
"ماذا إذًا؟"
أجاب المحلل:
"كل هذه النقاط..."
وأشار إلى الشاشة.
"...أماكن مراقبة."
ساد الصمت.
قال ماركو:
"مراقبة لمن؟"
ضغط المحلل زرًا آخر.
اختفت معظم النقاط.
وبقيت خمس فقط.
قال:
"هذه المواقع كانت تُراقَب باستمرار خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة."
ظهرت أسماء المواقع.
ميناء.
مستودع.
فندق.
مبنى حكومي.
ثم...
مقهى بسمة حلوة.
ساد الصمت داخل القاعة.
ثبت داميان نظره على الاسم.
"هل نحن متأكدون؟"
أجاب المحلل:
"مئة بالمئة."
نظر الرئيس إلى الجميع.
"السؤال ليس لماذا كانت العصابة تراقب المقهى."
توقف قليلًا.
"السؤال..."
ثم نظر مباشرة إلى داميان.
"...من الذي كانوا ينتظرونه هناك؟"
لم يجب أحد.
حتى ماركو...
اختفت ابتسامته.
───
قال الرئيس بعد لحظات:
"لدينا احتمالان."
رفع إصبعًا واحدًا.
"إما أن المقهى مجرد نقطة مراقبة."
ثم رفع الإصبع الثاني.
"أو أن شخصًا يتردد عليه كان هدفًا لهم."
التفتت الأنظار نحو داميان.
قال بهدوء:
"راقبنا المكان أشهرًا."
"لم نلاحظ شيئًا غير طبيعي."
رد الرئيس:
"وهذا ما يقلقني."
اقترب أحد المحللين من الشاشة.
ظهرت صور ملتقطة بكاميرات بعيدة.
زبائن يدخلون ويخرجون.
سيارات تمر.
موظفون.
ثم صورة لسيلين وهي تفتح المقهى صباحًا.
قال المحلل:
"هذه الصور التُقطت قبل شهر."
ثم ظهرت صورة أخرى.
بعدها بأسبوع.
ثم ثالثة.
ورابعة.
كانت سيلين تظهر في كل صورة.
لكن شيئًا آخر لفت انتباه داميان.
اقترب من الشاشة.
وأشار إلى سيارة فضية كانت تظهر في ثلاث صور مختلفة.
"أوقف الصورة."
توقف العرض.
قال داميان:
"هذه السيارة."
نظر المحلل إليها.
"ماذا عنها؟"
أجاب داميان:
"ظهرت أكثر من مرة."
بدأ المحلل يقلب الصور.
وبعد دقيقة...
رفع رأسه بدهشة.
"أنت محق."
ثم ضغط عدة أزرار.
ظهرت الصور الأربع بجانب بعضها.
السيارة نفسها.
في اليوم الأول.
ثم بعد أسبوع.
ثم بعد أسبوعين.
ثم قبل المداهمة بيومين.
قال ماركو ببطء:
"إذن..."
"...كان هناك شخص يراقب المقهى."
قال الرئيس بصوت هادئ:
"اعثروا على مالك السيارة."
رد أحد العملاء بعد ثوانٍ وهو ينظر إلى شاشة حاسوبه:
"لا يوجد مالك."
التفت الجميع إليه.
ابتلع ريقه.
"لوحاتها مزيفة."
ساد صمت ثقيل.
ثم قال الرئيس:
"إذن بدأوا يتحركون قبل أن نجد الهاتف."
نظر إلى داميان.
"وهذا يعني..."
أكمل داميان الجملة بنفسه.
"...أن سيلين لم تدخل القضية صدفة."
انتهت الجملة...
لكن بقي سؤال واحد يخيّم على الغرفة كلها.
إذا لم تكن سيلين هي الهدف... فمن كان؟
وفي اللحظة نفسها...
رن هاتف الرئيس الداخلي.
رفع السماعة.
استمع لثوانٍ.
ثم أغلقها.
ونظر إلى داميان.
"أحضروها."
سأل ماركو:
"من؟"
أجاب الرئيس وهو ينظر إلى صورة سيلين على الشاشة.
"آن الأوان لسماع القصة..."
"...من الشاهدة الوحيدة التي كانت هناك."
ساد الصمت داخل قاعة الاجتماعات.
ظل اسم سيلين الخطيب معلقًا على الشاشة، بينما تبادل الحاضرون النظرات.
أغلق الرئيس الملف أمامه بهدوء.
ثم قال:
"لا أريد أن نوجه لها أسئلة عشوائية."
نظر إلى داميان.
"لقد مرت بصدمة."
أومأ داميان.
"سأقود الاستجواب."
تدخل ماركو مبتسمًا بخفة:
"وأنا سأحاول ألا أخيفها."
نظر إليه الرئيس نظرة قصيرة.
"وأنت..."
"...لن تقاطعها كل خمس دقائق."
رفع ماركو يديه مستسلمًا.
"حسنًا... سأكتفي بثلاث."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه أحد المحللين، لكنها اختفت سريعًا عندما عاد الرئيس إلى جديته.
"أي تفصيل، مهما بدا بسيطًا، قد يقودنا إلى شيء."
ثم أغلق الشاشة.
نهض الجميع.
لكن داميان بقي واقفًا مكانه، وعيناه ما زالتا معلقتين بالخريطة.
تقدم منه ماركو.
"بماذا تفكر؟"
أجاب بعد لحظة:
"إذا كانوا يراقبون المقهى منذ أشهر..."
صمت قليلًا.
"...فهذا يعني أنهم كانوا ينتظرون شيئًا."
عقد ماركو حاجبيه.
"أو شخصًا."
لم يجب داميان.
لكن الفكرة نفسها كانت تدور في رأسه.
في الشقة الواقعة فوق المقهى...
كانت رائحة الطعام تملأ المطبخ الصغير.
جلست جوليا على الطاولة وهي تضع طبق المعكرونة أمام سيلين.
قالت مبتسمة:
"اليوم الأول نجح."
ابتسمت سيلين وهي تتناول أول لقمة.
"بصراحة... لم أتوقع أن تتعلم صوفيا آلة القهوة بهذه السرعة."
نظرتا إلى صوفيا.
كانت تجلس بصمت، تمسك بالشوكة كما لو أنها ما تزال في مهمة رسمية.
قالت جوليا ضاحكة:
"لكنها ما زالت تبتسم وكأنها تعتذر لشخص."
نظرت إليها صوفيا باستغراب.
"هل كانت ابتسامتي سيئة إلى هذه الدرجة؟"
انفجرت جوليا وسيلين بالضحك.
ابتسمت صوفيا بخجل هذه المرة.
"إذن... ما زلت بحاجة إلى التدريب."
قالت سيلين:
"لا... كانت أفضل من الصباح."
وقبل أن تكمل...
اهتز هاتف صوفيا فوق الطاولة.
اختفت الابتسامة عن وجهها فورًا.
نظرت إلى الشاشة.
داميان.
اعتذرت بهدوء.
"لحظة."
نهضت واتجهت نحو الشرفة.
وضعت الهاتف على أذنها.
"صوفيا."
جاء صوت داميان هادئًا كعادته.
"هل سيلين معك؟"
"نعم."
"كيف حالتها؟"
ألقت صوفيا نظرة عبر الزجاج نحو الداخل.
كانت سيلين تضحك مع جوليا لأول مرة منذ أيام.
أجابت:
"أفضل بكثير."
ساد صمت قصير.
ثم قال:
"أحضريها إلى المقر."
سألت مباشرة:
"الآن؟"
"الرئيس يريد الاستماع إلى شهادتها."
"هل الأمر عاجل؟"
"نعم."
"مفهوم."
انتهى الاتصال.
بقيت صوفيا لثوانٍ تنظر إلى أضواء روما الممتدة أمامها.
ثم عادت إلى الداخل.
رفعت سيلين رأسها فور رؤيتها.
"هل حدث شيء؟"
جلست صوفيا مكانها بهدوء.
ثم قالت:
"سيلين..."
"علينا الذهاب إلى المقر."
توقفت يد سيلين عن الحركة.
"الآن؟"
أومأت صوفيا.
"الرئيس يريد أن يسمع منك بنفسه كل ما تتذكرينه عن تلك الليلة."
ساد الصمت.
قالت جوليا بقلق:
"لكنها متعبة."
أجابت صوفيا بنبرة مطمئنة:
"لن يطول الأمر."
تنهدت سيلين.
ثم وضعت شوكتها جانبًا.
"حسنًا..."
"إذا كان هذا سيساعد في القبض عليهم..."
رفعت نظرها إلى صوفيا.
"...فلنذهب."
نظرت جوليا إليها بقلق، ثم قالت:
"سأنتظرك."
ابتسمت سيلين ابتسامة صغيرة.
"لن أتأخر."
ركبت سيلين مع صوفيا السيارة السوداء التي كانت تنتظرهما أمام المبنى.
كانت شوارع روما أكثر هدوءًا مما كانت عليه نهارًا.
انعكست أضواء المصابيح على زجاج السيارة، بينما بقي الصمت يرافق الرحلة.
بعد دقائق...
قالت سيلين بصوت منخفض:
"هل سأُستجوب؟"
أجابت صوفيا وهي تنظر إلى الطريق:
"لا."
التفتت إليها سيلين.
"إذن لماذا استدعوني؟"
"لأن ذاكرتك قد تحمل شيئًا لم ينتبه إليه أحد."
عقدت سيلين حاجبيها.
"لكنني أخبرتكما بكل ما أتذكره."
هزت صوفيا رأسها.
"العقل لا يستعيد كل شيء دفعة واحدة."
"أحيانًا..."
توقفت لحظة.
"...يتذكر التفاصيل عندما يشعر بالأمان."
بقيت سيلين صامتة.
كانت تحاول بالفعل استرجاع تلك الليلة...
لكنها لم ترَ سوى صور متقطعة.
النار.
الرصاص.
الدخان.
والهاتف الأسود.
بعد نحو عشرين دقيقة...
توقفت السيارة أمام مبنى المقر.
نزلت صوفيا أولًا.
ثم فتحت الباب لسيلين.
دخلتا معًا.
لكن هذه المرة...
لم تشعر سيلين بالخوف نفسه الذي شعرت به في زيارتها الأولى.
أصبحت تعرف بعض الوجوه.
وأصبح المكان أقل غرابة.
استقبلهما أحد العملاء بابتسامة خفيفة.
"مساء الخير."
أجابته صوفيا بإيماءة بسيطة.
قادتهما إلى ممر طويل.
ثم توقف أمام باب خشبي.
طرق الباب.
"تفضل."
فتح الباب.
دخلت صوفيا أولًا.
تبعتها سيلين.
كانت الغرفة مختلفة عن غرفة الاجتماعات.
لا شاشات ضخمة.
ولا خرائط.
مجرد طاولة مستديرة.
وأربعة مقاعد.
وإبريق قهوة.
وأكواب زجاجية.
جلس الرئيس على أحد المقاعد.
أما داميان فكان يقف قرب النافذة.
بينما جلس ماركو على الطرف الآخر من الطاولة.
ما إن دخلت سيلين حتى نهض الرئيس.
ابتسم ابتسامة هادئة.
"مساء الخير يا سيلين."
أجابت بخجل:
"مساء الخير."
أشار إلى الكرسي المقابل له.
"اجلسي."
جلست ببطء.
بينما وقفت صوفيا خلفها بقليل.
قال الرئيس بهدوء:
"قبل أن نبدأ..."
أشار إلى إبريق القهوة.
"هل تودين شيئًا؟"
هزت رأسها.
"لا، شكرًا."
ابتسم.
"اطمئني."
"هذه ليست جلسة تحقيق."
نظر إليها مباشرة.
"كل ما نريده..."
"...أن تساعدينا على تذكر ما رأيتِ."
أومأت سيلين.
ضغط داميان زر التسجيل.
ثم قال:
"ابدئي من اللحظة التي وصلك فيها الموقع."
أخذت سيلين نفسًا عميقًا.
ثم قالت:
"كنت في المقهى..."
"انتهينا تقريبًا من العمل."
"وكان الهاتف الأسود ما يزال عندي."
نظر إليها ماركو.
"لماذا احتفظتِ به كل تلك المدة؟"
ابتسمت ابتسامة باهتة.
"كنت أظن أن صاحبته ستعود."
"ثم بعد فترة..."
"بدأت أشعر أن شيئًا سيئًا حدث لها."
ساد الصمت.
أكملت:
"في تلك الليلة..."
"صدر صوت إشعار."
"فتحت الهاتف."
"وجدت رسالة واحدة فقط."
رفع داميان رأسه.
"ماذا كانت؟"
أجابت:
"لم تكن رسالة."
"كان موقعًا."
"لا شيء غير الموقع."
سألها داميان:
"هل كان معه أي نص؟"
"لا."
"فقط نقطة على الخريطة."
قال ماركو:
"ولماذا ذهبتِ؟"
خفضت سيلين رأسها قليلًا.
ثم قالت بصوت خافت:
"ظننت..."
توقفت لحظة.
"...أن الفتاة ما تزال هناك."
ساد الصمت داخل الغرفة.
أكملت:
"قلت لنفسي..."
"ربما استطاعت إرسال موقعها قبل أن ينفد شحن الهاتف."
"وربما كانت تنتظر من ينقذها."
تنهدت.
"لم أستطع تجاهل الأمر."
نظر داميان إليها طويلًا.
كان يعرف أنها ارتكبت خطأً كبيرًا...
لكنه في الوقت نفسه فهم لماذا فعلت ذلك.
سألها:
"هل أخبرتِ أحدًا قبل أن تغادري؟"
هزت رأسها.
"لا."
"حتى جوليا؟"
"لا."
"لم أرد أن أقلقها."
دوّن ماركو الملاحظة.
أومأ داميان ببطء.
ثم قال بهدوء:
"بعد أن وصلتِ... ماذا رأيتِ؟"
أغمضت سيلين عينيها للحظة، وكأنها تعود إلى تلك الليلة من جديد.
ثم بدأت تتحدث ببطء...
"في البداية..."
"ظننت أن المكان مهجور."
"كان مستودعًا قديمًا."
"لا أذكر أنني رأيت أي لافتة أو اسم."
"كانت هناك شاحنات متوقفة في الخارج."
دوّن ماركو الملاحظة.
وسأل:
"كم شاحنة؟"
أغلقت سيلين عينيها محاولة التذكر.
"اثنتان..."
ترددت قليلًا.
"...أو ثلاث."
أومأ داميان.
"لا بأس."
"لا نريد أرقامًا دقيقة."
"أخبِرينا فقط بما تتذكرينه."
تنهدت سيلين بخفة.
"اقتربت من الباب."
"كان مفتوحًا قليلًا."
"سمعت أصوات رجال."
ساد الصمت داخل الغرفة.
ثم تابعت:
"اختبأت خلف صناديق خشبية."
"ومن هناك..."
توقفت.
بدأت أنفاسها تتسارع قليلًا.
لاحظ داميان ذلك.
فقال بصوت أكثر هدوءًا:
"خذي وقتك."
تنفست بعمق.
ثم أكملت.
"كانوا يحملون صناديق معدنية."
"لكن..."
هزت رأسها.
"لم تكن الصناديق هي ما لفت انتباهي."
نظر إليها داميان باهتمام.
"ماذا كان؟"
ابتلعت ريقها.
"الفتيات."
ساد الصمت.
حتى ماركو توقف عن الكتابة.
قالت بصوت خافت:
"كانت هناك مجموعة من الفتيات."
"كنّ مقيدات."
"وبعضهن يبكين."
"وأخريات..."
خفضت رأسها.
"...كنّ ينظرن إلى الأرض دون أن يتحركن."
شعر الجميع بثقل كلماتها.
قال داميان:
"كم كان عددهن؟"
"لا أعرف."
"ربما ست..."
"أو أكثر."
دوّن ماركو المعلومة.
ثم سأل داميان:
"هل رأيتِ الشخص الذي كان يعطي الأوامر؟"
أومأت سيلين.
"نعم."
"لكن..."
"لم أرَ وجهه جيدًا."
عقد داميان حاجبيه.
"لماذا؟"
أجابت:
"كان يقف وظهره نحوي معظم الوقت."
"وكان يرتدي معطفًا أسود طويلًا."
"وصوته..."
توقفت.
"صوته كان هادئًا جدًا."
نظر ماركو إليها.
"هل قال شيئًا تتذكرينه؟"
أغمضت عينيها مرة أخرى.
وبعد ثوانٍ...
قالت ببطء:
"قال..."
"أسرعوا... الشحنة يجب أن تغادر قبل منتصف الليل."
رفع أحد المحللين خلف الزجاج رأسه فورًا.
وسجل العبارة.
أكملت سيلين:
"ثم جاء رجل آخر."
"وقال إن هناك مشكلة."
"وذكر..."
ضغطت أصابعها فوق بعضها وهي تحاول التذكر.
"...ذكر الهاتف."
تبادل داميان وماركو النظرات.
قال داميان بسرعة:
"ماذا قال عنه؟"
أجابت:
"قال إن الهاتف اختفى."
"وإنهم لم يعثروا عليه."
ساد صمت ثقيل.
ثم همست:
"بعدها..."
"بدأوا يبحثون في المكان."
"كنت خائفة."
"ظننت أنهم سيغادرون."
لكنهم...
وجدوني."
سكتت.
وانخفض صوتها حتى كاد يختفي.
"أحدهم نظر مباشرة نحوي."
"ثم صرخ..."
"هناك أحد هنا!"
شعرت سيلين أن أنفاسها أصبحت أسرع.
فضغط داميان زر إيقاف التسجيل مؤقتًا.
ووضع أمامها كأس ماء.
"يكفي."
"اشربي قليلًا."
تناولت الكأس بيد مرتجفة.
ارتشفت منه رشفة صغيرة.
ثم رفعت عينيها إليه.
"بعدها..."
"سمعت إطلاق النار."
"ثم..."
نظرت إليه مباشرة.
"...رأيتك."
ساد صمت قصير.
ثم أكملت بهدوء:
"كل شيء بعد ذلك أصبح مشوشًا."
"أتذكر النيران..."
"والدخان..."
"وأصوات الصراخ..."
"لكنني لا أتذكر ترتيب الأحداث."
أومأ داميان بتفهم.
"وهذا طبيعي."
"لقد تعرضتِ لصدمة."
ثم أعاد تشغيل جهاز التسجيل.
"آخر سؤال."
"هل هناك أي شخص، أو شيء، بدا غريبًا بالنسبة لك قبل أن يكتشفوك؟"
أغمضت سيلين عينيها.
ساد الصمت داخل الغرفة.
حتى صوت جهاز التسجيل بدا مرتفعًا وسط ذلك الهدوء.
وضعت أصابعها على جبينها وهي تحاول أن تنتزع ذكرى كانت تختبئ في أعماق عقلها.
قالت بصوت خافت:
"أعتقد..."
توقفت.
"لا..."
"أنا متأكدة أنني سمعت شيئًا."
مال داميان قليلًا إلى الأمام.
"ما هو؟"
تنفست ببطء.
ثم قالت:
"قبل أن يكتشفوا وجودي..."
"كان رجل يتحدث بعصبية."
"ويقول إن هناك مشكلة."
رفع ماركو قلمه.
"أي مشكلة؟"
أجابت وهي تحدق في الطاولة:
"كان يقول إن... الفتاة الشقراء خدعتهم."
ساد الصمت.
تبادل داميان والرئيس نظرة خاطفة.
وسأل داميان بهدوء:
"هل تتذكرين الكلمات بالضبط؟"
أغمضت سيلين عينيها مرة أخرى.
ثم بدأت تسترجع المشهد.
"كان أحد الرجال يصرخ..."
"لقد هربت!"
"الفتاة الشقراء هربت!"
ثم جاء صوت الرجل الذي كان يعطي الأوامر...
كان هادئًا...
باردًا...
لكنه جعل الجميع يصمتون.
قال...
"لا يهم."
"أعيدوا البحث عنها."
"لقد كانت هي من تجلب لنا الفتيات."
ارتفعت رؤوس الجميع في اللحظة نفسها.
واصلت سيلين بصوت يكاد يُسمع:
"ثم قال رجل آخر..."
"لكنها أخذت الهاتف."
قبض داميان على قلمه بقوة.
أكملت سيلين:
"وردّ الرجل الذي كان يقودهم..."
"اعثروا عليها..."
"قبل أن تتحدث."
توقف الزمن داخل الغرفة.
حتى ماركو نسي أن يكتب.
قالت سيلين بعد لحظة:
"بعدها مباشرة..."
"سمعت أحدهم يقول..."
"الهاتف ليس معها."
"آخر إشارة له كانت..."
توقفت.
وضعت يدها على رأسها.
ثم فتحت عينيها فجأة.
"...في مقهى."
اتسعت عينا داميان.
"هل أنت متأكدة؟"
أومأت بسرعة.
"نعم."
"أتذكرها الآن."
"قال..."
"الهاتف اختفى بعد أن دخلت ذلك المقهى."
ساد صمت ثقيل.
ثم همست سيلين:
"وبعدها بلحظات..."
"بدأوا يبحثون في المكان."
"وعندها..."
ابتلعت ريقها.
"...رآني أحدهم."
...
أوقف داميان جهاز التسجيل ببطء.
ونظر إلى الرئيس.
لم يتكلم أحد.
كان كل شخص داخل الغرفة قد وصل إلى الاستنتاج نفسه.
قطع الرئيس الصمت أخيرًا.
"إذن..."
"الهاتف الأسود لم يكن يعود لواحدة من الضحايا."
رفع داميان رأسه.
"بل كان يعود إلى الفتاة الشقراء."
أومأ الرئيس.
"والفتاة الشقراء..."
"...كانت تعمل معهم."
أكمل ماركو الجملة وهو ينظر إلى صورة الهاتف على الطاولة:
"ثم خانتهم."
"وهربت."
وأضاف داميان بصوت منخفض:
"وتركت الهاتف داخل المقهى..."
"...إما عمدًا."
"أو أثناء هروبها."
ساد صمت جديد.
ثم قال الرئيس:
"وهذا يفسر كل شيء."
نظر الجميع إليه.
"لم يكونوا يراقبون سيلين."
"كانوا يراقبون المقهى..."
"لأنهم كانوا يعتقدون أن الفتاة الشقراء ستعود لاستعادة هاتفها."
انخفضت أنفاس سيلين ببطء.
كانت تنظر إليهم بعدم استيعاب.
"إذن..."
"كل ما حدث..."
نظر إليها داميان بهدوء.
"كان لأنك احتفظتِ بالهاتف."
وأضاف:
"ولو وجدوه قبل أن يصل إلينا..."
"لربما ضاع أهم دليل في القضية."
نظر الرئيس إلى داميان ثم قال بحزم:
"من هذه اللحظة..."
"لم تعد القضية مجرد قضية اتجار بالبشر."
ثم وضع يده على الملف الأسود.
"نحن الآن نبحث عن شخصين."
"زعيم المنظمة..."
وتوقف لحظة.
"...والفتاة الشقراء التي اختفت، والتي قد تكون المفتاح الوحيد لإسقاط كيميرا."
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!