قلب الجحيم
بدأت شمس روما تميل ببطء نحو الغروب.
تلونت السماء بخيوط برتقالية انعكست على نوافذ المباني القديمة، بينما خفتت حركة المارة تدريجيًا مع اقتراب نهاية اليوم.
داخل مقهى "بسمة حلوة"...
كان الهدوء قد عاد أخيرًا.
غادر آخر الزبائن قبل دقائق.
تنهدت جوليا وهي تخلع المئزر.
"انتهى يوم آخر."
ابتسمت سيلين وهي تجمع الأكواب الفارغة.
"وكان يومًا جيدًا."
تمطت جوليا بتعب.
"سأمر على المتجر قبل أن يغلق لأشتري بعض الأغراض."
أومأت سيلين.
"لا تتأخري."
لوحت لها بيدها وهي تتجه نحو الباب.
"وأنتِ لا تبقي هنا طويلًا."
رن جرس الباب مع خروجها.
وعاد الهدوء من جديد.
أمسكت سيلين قطعة قماش مبللة.
وبدأت تمسح الطاولات واحدة تلو الأخرى.
كانت الموسيقى الهادئة تنساب من المذياع بصوت منخفض.
ورائحة القهوة ما تزال عالقة في المكان.
بعد أن انتهت من آخر طاولة...
توجهت إلى المنضدة.
رتبت آلة القهوة.
وأغلقت صندوق النقود.
ثم مدت يدها لتطفئ أحد الأنوار.
فجأة...
اهتز الهاتف الأسود الموضوع على الرف.
توقفت يدها في الهواء.
واستدارت نحوه.
أضاءت الشاشة للحظات.
هذه المرة...
لم يكن مجرد إشعار عادي.
ظهر على الشاشة المقفلة إشعار من تطبيق للمراسلة.
"تم تحديث نقطة الالتقاء."
وتحته...
ظهرت معاينة صغيرة لخريطة، مع دبوس أحمر يحدد موقعًا داخل المدينة.
اقتربت سيلين ببطء.
تأملت الشاشة دون أن تلمس الهاتف.
همست:
"نقطة... التقاء؟"
عقدت حاجبيها.
ربما...
ربما كانت صاحبة الهاتف هناك.
ربما تنتظر من يساعدها.
أغمضت عينيها للحظة.
ثم هزت رأسها.
"لا..."
قالتها لنفسها.
"قد يكون الأمر خطيرًا."
ابتعدت خطوة.
لكنها عادت تنظر إلى الهاتف.
تذكرت الفتاة المذعورة...
وجهها الشاحب...
يديها المرتجفتين...
ونظرتها الأخيرة قبل أن تختفي.
تنهدت ببطء.
"سأذهب فقط لأرى المكان."
صمتت لحظة.
"إن لم أجد شيئًا... سأعود مباشرة."
أخذت الهاتف من فوق الرف لأول مرة.
أطفأت الأنوار.
أغلقت باب المقهى بالمفتاح.
ثم انطلقت نحو العنوان الذي ظهر في الإشعار...
دون أن تدري...
أن كل خطوة تبعدها عن المقهى...
تقربها من الخطر.
في الجهة الأخرى من المدينة...
جلس داميان داخل السيارة، يتابع شاشة جهاز التتبع بصمت.
كان ماركو يقلب هاتفه بلا اهتمام.
وفجأة...
صدر صوت تنبيه إلكتروني قصير.
رفع داميان رأسه فورًا.
تحركت النقطة الحمراء على الشاشة.
لأول مرة...
غادر الهاتف مكانه.
قال ماركو بسرعة:
"تحرك."
لم يجب داميان.
أدار المحرك في اللحظة نفسها.
وانطلقت السيارة بقوة.
ثبت نظره على الشاشة.
الهاتف يسير بسرعة ثابتة.
"إلى أين تتجه؟"
تمتم ماركو وهو يتابع الخريطة.
وقبل أن يجيب داميان...
رن جهاز الاتصال المشفر المثبت داخل السيارة.
ضغط داميان زر الاستقبال.
جاء صوت أحد أفراد الفريق حازمًا:
"لدينا مستجد."
"تحدث."
"وردتنا معلومات مؤكدة عن تحرك مجموعة من الشبكة."
ساد الصمت داخل السيارة.
ثم أكمل الصوت:
"يُرجح أنهم يستعدون لاستقبال دفعة جديدة من الفتيات المختطفات."
ظهرت إحداثيات جديدة على شاشة الجهاز.
ألقى ماركو نظرة سريعة عليها...
ثم اتسعت عيناه.
"داميان..."
لم يرفع الأخير نظره عن الطريق.
"ماذا؟"
قال ماركو ببطء:
"انظر إلى الإحداثيات."
نقل داميان بصره إلى الشاشة.
ثم إلى جهاز التتبع.
ثم عاد إلى الإحداثيات مرة أخرى.
تطابق المكانان.
ساد صمت ثقيل.
همس ماركو:
"الهاتف..."
ابتلع ريقه.
"...يتجه إلى الموقع نفسه."
اشتدت قبضة داميان على المقود.
ولأول مرة منذ بداية المهمة...
ظهر القلق واضحًا في عينيه.
قال بصوت منخفض لكنه حازم:
"زد الاتصال بجميع الفرق."
نظر إليه ماركو.
"تظن أن أحد أفراد العصابة استعاد الهاتف؟"
هز داميان رأسه ببطء.
"لا أعلم من يحمله..."
ثم ضغط بقوة أكبر على دواسة الوقود.
"...لكن أيًّا كان... فهو يتجه مباشرة إلى قلب الجحيم."
كانت شوارع روما تزداد هدوءًا مع اقتراب الليل.
انعكست أضواء السيارات على الإسفلت المبتل، بينما كانت سيلين تسير بخطوات مترددة، تمسك الهاتف داخل حقيبتها بإحكام.
لم تكن تعرف لماذا تشعر بذلك الانقباض في صدرها.
كلما اقتربت من الموقع...
ازدادت المباني قدمًا.
واختفت المقاهي المزدحمة.
وحلت محلها مستودعات قديمة وشوارع شبه خالية.
توقفت أمام لوحة صغيرة تحمل اسم الشارع.
نظرت إلى شاشة الهاتف.
الموقع...
لم يعد يبعد سوى عشرات الأمتار.
ابتلعت ريقها.
"سأنظر فقط..."
همست بها لنفسها.
"ثم أعود."
واصلت السير ببطء.
حتى بدأت ترى مبنى صناعيًا ضخمًا تحيط به أسوار مرتفعة.
كانت البوابة الحديدية مفتوحة.
وخارجها...
وقفت عدة سيارات سوداء.
ورجال ينتشرون في المكان.
بعضهم يدخن.
وآخرون يتحدثون بصوت منخفض.
توقفت سيلين فورًا.
اتسعت عيناها.
"لا..."
تراجعت خطوة إلى الخلف.
"هذا ليس مكانًا عاديًا."
لم تستطع رؤية ما يحدث داخل المستودع.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا...
هؤلاء الرجال لا يشبهون من يمكن الاقتراب منهم.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
استدارت ببطء.
"يجب أن أرحل..."
وفي اللحظة نفسها...
انطلقت ضحكة خشنة من جهة البوابة.
تجمدت في مكانها.
لم تلتفت.
بل أسرعت خطواتها.
ثم تحولت خطواتها إلى ركض خفيف.
كان قلبها يخفق بقوة.
كل ما أرادته...
أن تبتعد.
ابتعدت عدة أمتار عن الطريق الرئيسي، ودخلت ممرًا ضيقًا بين مستودعين قديمين.
كانت تلتفت خلفها كل بضع ثوانٍ.
لا أحد...
لكن شعورها بالخطر لم يغادرها.
وفجأة...
اصطدمت قدمها بشيء ثقيل.
اختل توازنها.
وسقطت على الأرض.
تأوهت وهي تسند نفسها بكفيها.
التفتت بغضب إلى الشيء الذي تعثرت به.
وفي اللحظة التالية...
تجمد الدم في عروقها.
لم يكن صندوقًا.
ولم يكن كيسًا.
كان...
جسد رجل.
استلقى على الأرض بلا حراك.
وجهه...
مشوه بصورة مرعبة، حتى كادت ملامحه تختفي.
اتسعت عيناها إلى أقصى حد.
ارتجفت شفتاها.
ارتفع الهواء في صدرها استعدادًا لصرخة خرجت دون إرادتها...
لكن...
امتدت يد بسرعة البرق.
وأطبقت على فمها بقوة.
شهقت سيلين مذعورة.
حاولت الالتفات.
فسمعت همسًا حادًا جدًا بجانب أذنها:
"إذا أردتِ أن تعيشي..."
صمتت المرأة لحظة وهي تراقب المكان.
"...فلا تصدري أي صوت."
تسارعت أنفاس سيلين.
كانت ترتجف بالكامل.
شعرت باليد التي تغطي فمها تخفف ضغطها قليلًا.
همست المرأة من جديد:
"إذا هززتِ رأسكِ بأنكِ فهمتِ... سأتركك."
أغمضت سيلين عينيها للحظة.
ثم هزت رأسها بسرعة.
رفعت المرأة يدها ببطء.
استدارت سيلين نحوها.
وجدت أمامها امرأة في أوائل الثلاثينيات.
ترتدي ملابس سوداء عملية.
وشعرها مربوط بإحكام.
وفي أذنها سماعة اتصال صغيرة بالكاد تُرى.
كانت عيناها تمسحان المكان باستمرار، لا سيلين.
همست المرأة بنبرة صارمة:
"ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟"
حاولت سيلين أن تستعيد أنفاسها.
لكن الكلمات خرجت متقطعة:
"أنا... أنا..."
قاطعتها المرأة وهي ترفع إصبعها.
"ليس الآن."
وفي اللحظة نفسها...
دوى صوت باب معدني يُفتح داخل المستودع.
وتبعه صوت خطوات رجال يقتربون.
تغيرت ملامح المرأة فورًا.
أمسكت معصم سيلين.
وسحبتها بسرعة خلف حاوية معدنية كبيرة.
ثم وضعت يدها على كتفها وهمست:
"من هذه اللحظة..."
ثبتت نظرها في عينيها.
"...افعلي كل ما أقوله، ولا تسألي أي سؤال."
وبينما كانت سيلين تحاول استيعاب ما يحدث...
كانت على بعد أمتار قليلة فقط...
سيارة داميان تشق الطريق بأقصى سرعتها نحو الموقع.
في الجهة الأخرى من المستودع...
كانت أصوات المحركات تقترب.
توقفت عدة سيارات سوداء على مسافة من البوابة.
أطفئت أنوارها في اللحظة نفسها.
فتح داميان الباب قبل أن تتوقف السيارة تمامًا.
نزل بخفة.
تبعه ماركو مباشرة.
اقترب منهما رجل يرتدي سترة تكتيكية سوداء.
خفض صوته قائلًا:
"الفريق الأول في موقعه."
أومأ داميان.
"والثاني؟"
"يطوق الجهة الخلفية."
سأل دون أن يرفع عينيه عن المبنى:
"أي حركة؟"
"دخلت شاحنة قبل خمس دقائق."
ساد الصمت.
رفع داميان منظاره الصغير.
بدأ يمسح محيط المستودع.
رجال عند البوابة...
حارس فوق السطح...
إضاءة خافتة داخل المبنى.
كل شيء يوحي بأن الليلة ليست عادية.
وفي تلك اللحظة...
صدر صوت مشوش من جهاز الاتصال.
"هنا العنصر ثلاثة."
أجاب داميان فورًا:
"تحدث."
جاء الصوت متقطعًا.
"...لدينا... مشكلة..."
تجمد الجميع.
أعاد داميان الجهاز إلى أذنه.
"أعد."
"هناك... فتاة مدنية داخل محيط العملية."
تبادل ماركو وداميان النظرات.
قال داميان بحدة:
"كيف وصلت إلى هناك؟"
"لا نعلم."
صمت العميل لحظة.
ثم أضاف:
"إحدى العميلات الميدانيات عثرت عليها قبل أن يلاحظها رجال كيميرا."
اشتدت ملامح داميان.
"هل كُشف أمرها؟"
"ليس بعد."
تنفس ببطء.
"حافظوا على مواقعكم."
"مفهوم."
انقطع الاتصال.
نظر ماركو إليه.
"مدنية؟"
لم يجب داميان.
بل بدأ يتحرك بسرعة نحو الجهة التي حددها العميل.
قال وهو يسير:
"إذا اكتشفوها..."
لم يكمل الجملة.
فهو يعرف جيدًا...
أن العصابة لا تترك الشهود أحياء.
خلف الحاوية المعدنية...
كانت سيلين تحاول السيطرة على ارتجاف يديها.
همست بصوت يكاد لا يسمع:
"ذلك الرجل..."
نظرت نحو الجثة.
"...هل هو ميت؟"
أجابت المرأة دون أن تنظر إليها:
"نعم."
اتسعت عينا سيلين.
شعرت بالغثيان.
أغمضت عينيها بقوة.
لكن صورة الوجه المشوه لم تغادر ذهنها.
لاحظت المرأة ذلك.
خفضت صوتها قليلًا.
"لا تنظري إليه."
ابتلعت سيلين ريقها.
"من... من أنتِ؟"
نظرت إليها المرأة أخيرًا.
كانت نظرتها ثابتة وحادة.
لكنها لم تجب.
وفجأة...
صدر صوت خطوات.
اقترب أكثر.
ثم أكثر.
تجمدت المرأتان في مكانهما.
مر ظل رجل على الأرض أمام الحاوية.
كان يسير ببطء...
وكأنه يبحث عن شيء.
سمعت سيلين صوت رجل آخر يقول من بعيد:
"هل سمعت صوتًا هنا؟"
أجاب الأول:
"ظننت أنني سمعت حركة."
حبست سيلين أنفاسها.
كانت تشعر أن دقات قلبها أصبحت أعلى من أن تُخفى.
وضعت المرأة يدها بهدوء على كتفها...
في إشارة واضحة:
لا تتحركي.
توقف الرجل على بعد خطوات قليلة جدًا.
ساد صمت ثقيل.
رفع مصباحًا يدويًا.
بدأ الضوء يتحرك ببطء فوق الأرض...
ثم اقترب شيئًا فشيئًا من الحاوية.
انعكس الضوء على الحافة المعدنية.
ثم...
اقترب أكثر.
أغمضت سيلين عينيها...
وظنت أن كل شيء انتهى.
وفي اللحظة الأخيرة...
انعطف شعاع المصباح مباشرة نحو حافة الحاوية.
ابتسم الرجل ابتسامة خبيثة.
"هناك أحد..."
رفع سلاحه ببطء.
وفي اللحظة نفسها...
دوى صوت طلقة حادة مزقت سكون الليل.
تبعها صوت طلقة ثانية.
اتسعت عينا الرجل.
سقط السلاح من يده.
ثم هوى جسده بقوة على الأرض.
أما الرجل الآخر الذي اندفع من خلفه...
فلم يتمكن حتى من رفع مسدسه.
استقرت الرصاصة في كتفه، فسقط وهو يصرخ من شدة الألم.
شهقت سيلين.
وضعت يديها على أذنيها دون وعي.
لم تسمع في حياتها صوت إطلاق نار بهذه المسافة.
التفتت المرأة العميلة بسرعة نحو مصدر الطلقات.
ثم قالت في جهازها بصوت منخفض:
"إصابة مؤكدة."
خرج رجل من بين الظلال بخطوات ثابتة.
كان يمسك مسدسًا مزودًا بكاتم صوت بكلتا يديه.
عيناه تتحركان بين الزوايا بسرعة خاطفة.
يتأكد من عدم وجود تهديد آخر.
اقترب أكثر...
حتى انعكس ضوء المصابيح الخافتة على وجهه.
تجمدت سيلين.
اتسعت عيناها بصدمة.
همست دون أن تشعر:
"...أنت؟"
كان داميان.
لكن...
ليس الرجل الهادئ الذي يجلس كل صباح في مقهاها.
اختفت ملامحه الهادئة تمامًا.
حل محلها وجه صارم، ونظرة باردة تحمل تركيزًا مرعبًا.
لم ينظر إليها حتى.
كانت عيناه تبحثان في المكان.
قال بصوت منخفض وحازم:
"انسحبوا."
جاءه صوت ماركو عبر السماعة:
"الجهة الغربية أصبحت آمنة."
رد داميان دون أن يحول نظره:
"ليس بعد."
ثم ألقى نظرة سريعة على العميلة.
"أخرجيها من هنا."
أومأت العميلة.
لكن سيلين لم تتحرك.
كانت تنظر إلى داميان وكأنها تراه لأول مرة.
لاحظ صمتها.
فالتفت إليها أخيرًا.
التقت عيناهما.
ولم يستغرق الأمر أكثر من ثانية...
حتى دوى من داخل المستودع صوت غاضب:
"هناك إطلاق نار!"
تبعه صوت آخر:
"اعثروا عليهم!"
وفي لحظة واحدة...
اشتعل المكان بأكمله.
دوى صوت خطوات عشرات الرجال فوق الأرض الإسمنتية.
التفتت العميلة إلى داميان.
"لقد كشفوا موقعنا."
أجاب ببرود:
"أعرف."
ثم أشار إليها.
"خذيها واخرجي من الجهة الشمالية."
أمسكت العميلة بذراع سيلين.
"هيا."
لكن سيلين بقيت واقفة مكانها.
كانت تحدق في داميان.
الأسئلة تتزاحم في رأسها.
كيف يحمل سلاحًا؟
من هؤلاء الأشخاص؟
ولماذا يبدو وكأنه يعرف ما يفعله؟
لم يمهلها الوقت للتفكير.
انطلقت رصاصة من جهة المستودع.
ارتطمت بالجدار المعدني فوق رؤوسهم، وتناثرت شظايا الحديد.
انحنى داميان فورًا.
وأشهر مسدسه.
قال بصوت حازم:
"تحركا!"
سحبتها العميلة بقوة.
ركضتا بين الحاويات المعدنية.
بينما بقي داميان في الخلف.
كان يتحرك بخفة، يغطي انسحابهما.
ظهر رجلان مسلحان عند زاوية المستودع.
ما إن شاهدا داميان حتى رفعا سلاحيهما.
لكن...
كان أسرع.
طلقتان متتاليتان.
أصاب الأولى ساق أحدهما، فانهار أرضًا.
أما الثاني، فألقى بنفسه خلف برميل صدئ قبل أن تصله الرصاصة.
سمع ماركو عبر السماعة:
"ثلاثة رجال من جهتك!"
رد داميان وهو يبدل مخزنه بسرعة:
"أراهم."
ثم اندفع إلى أقرب ساتر.
في الجهة الأخرى...
كانت سيلين تركض وهي تلهث.
لم تعد تشعر بساقيها.
كل ما تسمعه هو دوي الطلقات خلفها.
وصدى صرخات الرجال.
وفجأة...
توقفت العميلة.
رفعت يدها.
إشارة للصمت.
اختبأتا خلف جدار إسمنتي منخفض.
ألقت العميلة نظرة سريعة حولها.
ثم همست:
"سنخرج من هنا."
لكن قبل أن تكمل...
خرج رجل ضخم من نهاية الممر.
كان يحمل بندقية.
توقفت عيناه مباشرة على سيلين.
ابتسم ابتسامة مخيفة.
"ها أنتما..."
رفع سلاحه ببطء.
شعرت سيلين بأن الزمن توقف.
لم تستطع الحركة.
ضغط الرجل إصبعه على الزناد...
لكن قبل أن تنطلق الرصاصة...
ظهر ظل أسود من الجانب.
اندفع بسرعة خاطفة.
ضربة قوية بمؤخرة المسدس ارتطمت بوجه الرجل.
ثم تبعتها لكمة عنيفة أسقطته أرضًا.
قبل أن يستعيد وعيه...
ركله داميان بعيدًا عن سلاحه.
التقط البندقية ورماها خلفه.
ثم وجه مسدسه إلى الرجل الملقى على الأرض وقال ببرود:
"لا تتحرك."
رفع الرجل يديه ببطء.
التفت داميان إلى سيلين للمرة الأولى منذ بدء الاشتباك.
كانت شاحبة، ترتجف، وعيناها ممتلئتان بالصدمة.
نظر إليها لثانية واحدة فقط، ثم قال بنبرة لا تحتمل النقاش:
"إذا أردتِ النجاة... توقفي عن التصرف وحدك."
وقبل أن تتمكن من الرد...
دوى انفجار عنيف من داخل المستودع، واهتزت الأرض تحت أقدامهم، بينما تصاعدت ألسنة اللهب من إحدى النوافذ، معلنة أن العملية دخلت مرحلة أكثر خطورة.
اهتزت الأرض تحت أقدامهم.
دوى الانفجار داخل المستودع، فتطاير غبار كثيف وشظايا زجاج في الهواء.
ساد المكان ارتباك كامل.
تعالت صرخات الرجال.
"ماذا حدث؟!"
"أطفئوا الحريق!"
"لا تدعوهم يهربون!"
استغل داميان الفوضى.
ضغط زر جهاز الاتصال في كتفه.
"ماركو."
جاءه الرد فورًا.
"معك."
"اسحب الفريق الثاني إلى الجهة الشرقية."
"تم."
ثم نظر إلى العميلة.
"خذيها."
أومأت المرأة.
أمسكت معصم سيلين مجددًا.
"اركضي."
لكن سيلين بقيت تنظر إلى المستودع المشتعل.
همست بصوت مرتجف:
"هناك... أشخاص في الداخل."
أجابها داميان دون أن يلتفت إليها:
"ليس من شأنك."
ثم أضاف بلهجة أكثر حدة:
"الآن... اركضي."
تراجعت خطوة.
ثم بدأت تركض مع العميلة.
لم يكد الثلاثة يبتعدون أمتارًا قليلة...
حتى دوى صوت رصاصة جديدة.
ارتطمت بالأرض قرب أقدامهم.
استدار داميان فورًا.
رجلان خرجا من بين الدخان.
كان أحدهما يحمل بندقية هجومية.
قال عبر أسنانه:
"اذهبا."
لم تناقشه العميلة.
أكملت الركض مع سيلين.
أما داميان...
فثبت قدميه.
رفع مسدسه.
وأطلق طلقة واحدة.
أصاب المصباح المعلق فوق الرجلين.
انفجر الزجاج.
وغرق الممر في الظلام.
توقف الرجلان غريزيًا.
وفي الظلام...
اختفى داميان.
قال أحدهما مذعورًا:
"أين ذهب؟!"
لم يحصل على إجابة.
ظهر داميان فجأة من الجانب.
ضربة سريعة على معصم الأول.
سقط السلاح.
ركلة قوية إلى بطن الثاني.
ثم وجه المسدس إلى كليهما.
"على الأرض."
لكن أحدهما حاول الوصول إلى سكين مخبأة في حزامه.
لم يتردد داميان.
أطلق رصاصة أصابت فخذه.
صرخ الرجل وسقط.
قال داميان ببرود:
"حذرتك."
في هذه الأثناء...
كانت سيلين تركض حتى انقطع نفسها.
قالت وهي تلهث:
"من... من هؤلاء؟"
لم تجبها العميلة.
"من يكون ذلك الرجل؟"
استمرت صوفيا في الركض.
ثم قالت باقتضاب:
"كلما عرفتِ أقل..."
توقفت لحظة وهي تنظر أمامها.
"...كان أفضل لك."
تجمدت فجأة.
رفعت يدها.
إشارة للتوقف.
رفعت سيلين رأسها.
وفي نهاية الزقاق...
وقفت سيارة سوداء.
وبجوارها...
ثلاثة رجال مسلحون.
كانوا يراقبون الطريق بصمت.
همست العميلة:
"...تراجعنا إلى الفخ."
وفي اللحظة نفسها...
خرج أحد الرجال من ظل السيارة.
ابتسم ابتسامة باردة.
وقال:
"كنت أعلم... أن أحدًا سيحاول الهرب."
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!