وضع القراءة:

اقتراب الظلال

حل الليل فوق روما.
هدأت ضوضاء الشوارع التي كانت تضج بالحياة منذ الصباح.
أضاءت المصابيح القديمة الأرصفة بحزمٍ صفراء دافئة، بينما انعكست ألوان المطاعم والمقاهي على الطرقات المبللة بمطرٍ خفيف هطل قبل ساعات.
في أحد الأحياء...
كانت العائلات تجتمع حول موائد العشاء.
وعلى ضفة نهر التيبر، سار بعض العشاق جنبًا إلى جنب يتبادلون الأحاديث والضحكات.
وفي أماكن أخرى...
كانت هناك صفقات تُعقد في الظلال، بعيدًا عن أعين الناس.
لكل شخص في هذه المدينة...
ليله الخاص.
أما داخل الشقة الصغيرة التي تتقاسمها سيلين وجوليا...
فكان كل شيء هادئًا على نحوٍ مختلف.
كانت سيلين قد انتهت لتوها من الاستحمام.
جففت شعرها بعناية، ثم ارتدت حجابًا منزليًا خفيفًا، وتجدد وضوؤها قبل أن تؤدي صلاة العشاء.
وقفت على سجادة الصلاة.
كبرت.
ولم يعد في قلبها سوى السكينة.
بعد أن أنهت صلاتها...
رفعت يديها تدعو بصوت خافت.
أن يبارك الله عملها.
وأن يحفظ والديها.
وأن يوفقها في غربتها.
ثم تذكرت الفتاة المجهولة.
فهمست:
"اللهم احفظها، وفرّج كربها، وأعدها إلى أهلها سالمة."
مسحت وجهها بكفيها.
ثم نهضت بهدوء.
في الجهة الأخرى من الشقة...
كانت جوليا تتحرك داخل المطبخ بخفة.
وضعت هاتفها فوق الرخامة، وانطلقت منه موسيقى هادئة، بينما كانت تشاهد مقطعًا لتجربة وصفة جديدة.
كانت رائحة الثوم والزبدة تملأ المكان.
دخلت سيلين وهي تبتسم.
"هل تحتاجين إلى مساعدة؟"
أشارت جوليا إلى لوح تقطيع الخضار.
"إذا أردتِ أن تنقذي هذا العشاء، فنعم."
ضحكت سيلين.
أمسكت السكين.
وبدأت بتقطيع الخضروات.
ساد الصمت لدقائق، لم يقطعه سوى صوت الموسيقى الخافتة واحتكاك السكين بلوح التقطيع.
وفجأة...
قالت جوليا دون أن ترفع نظرها:
"أتعلمين يا سيلي؟"
أجابت سيلين بهمهمة قصيرة.
"ممم؟"
ابتسمت جوليا.
"لو لم تكوني محجبة... لأصبتِ نصف شباب روما بالجنون."
تنهدت سيلين وهي تواصل تقطيع الجزر.
"ها قد بدأنا."
"أنا جادة."
التفتت إليها جوليا.
"في أول مرة رأيتك فيها دون حجاب... انبهرت."
ابتسمت بخفة.
"شعرك جميل جدًا."
رفعت سيلين حاجبها.
"وهل أفهم من كلامك أنني لست جميلة وأنا أرتدي الحجاب؟"
وضعت جوليا الملعقة على الطاولة بسرعة.
"مستحيل."
ثم أشارت إليها بإصبعها.
"أنت جميلة بالحجاب... وجميلة بدونه."
ابتسمت بمكر.
"لكنني أتحدث عن صدمة الاكتشاف فقط."
ضحكت سيلين وهي تهز رأسها.
"أنتِ تبالغين دائمًا."
"وهذه موهبتي."
قالتها جوليا بفخر.
ثم أضافت:
"بصراحة... أحيانًا أغار منك."
اتسعت عينا سيلين.
"تغارين مني؟"
"طبعًا."
أشارت إلى وجهها.
"لديك بشرة صافية، وابتسامة لطيفة، والناس يحبونك بسرعة."
ابتسمت سيلين بخجل.
"وأنتِ اجتماعية أكثر مني."
"لذلك نحن فريق ممتاز."
هزت سيلين رأسها ضاحكة.
"أنتِ حقًا تقدسين الجمال."
"وماذا أفعل؟"
قالت جوليا وهي تضحك.
"في نظري... كل فتاة جميلة بطريقتها."
ابتسمت سيلين بخبث.
"توقفي عن مدح الفتيات هكذا، سيُسيء الناس فهمك."
انفجرت جوليا ضاحكة.
"اطمئني."
ثم رفعت يدها وكأنها تؤدي قسمًا.
"أنا أعشق الرجال الوسيمين."
توقفت لحظة...
ثم أضافت بابتسامة واسعة:
"خصوصًا أولئك الذين يأتون إلى المقهى."
رمقتها سيلين بنظرة طويلة.
"تقصدين الرجل الذي أكل نصف كمية الكوكيز؟"
أومأت.
"إنه مضحك."
ابتسمت جوليا.
"ولطيف أيضًا."
جلست سيلين على الكرسي المقابل.
"أما صديقه..."
اختفت ابتسامتها قليلًا.
"...فما زلت لا أفهمه."
رفعت جوليا حاجبها.
"الرجل الذي يكره الحلويات؟"
"نعم."
تذكرت سيلين نظراته الهادئة.
الطريقة التي كان يراقب بها المكان.
والظرف البني الذي رأتْه في المساء.
همست دون أن تشعر:
"هناك شيء غريب فيه."
ابتسمت جوليا ابتسامة تعرفها جيدًا.
"ها هو فضولك يعود من جديد."
احتجت سيلين فورًا.
"أنا لست فضولية."
"بلى."
"لست كذلك."
"بل أنتِ كذلك."
ضحكتا معًا.
لكن بينما عاد الحديث بينهما إلى وصفة العشاء...
ظل شخص واحد يدور داخل رأس سيلين...
داميان.
ولم تكن تعلم...
أن الرجل الذي يشغل فضولها في هذه اللحظة...
كان يستعد لاستعادة الهاتف، مهما كلفه الأمر.
في الجهة الأخرى من المدينة...
أوقف داميان سيارته أمام مبنى قديم لا يلفت الانتباه.
أطفأ المحرك.
وبقي ممسكًا بالمقود للحظات.
كان الشارع هادئًا.
لكن عقله لم يكن كذلك.
أخرج هاتفه.
ظهرت أمامه صورة شاشة تحمل آخر إحداثيات الهاتف.
ما زالت الإشارة تنبعث من المكان نفسه.
مقهى "بسمة حلوة".
زفر ببطء.
همس لنفسه:
"ما الذي يدفعها للاحتفاظ به؟"
طرق ماركو زجاج النافذة من الخارج.
فتح داميان الباب دون أن ينظر إليه.
جلس ماركو في المقعد المجاور وهو يحمل كيسًا ورقيًا.
"أحضرت العشاء."
نظر إليه داميان أخيرًا.
"من أين؟"
ابتسم ماركو ابتسامة واسعة.
"ليس من مقهى بسمةحلوة للأسف."
فتح الكيس وأخرج شطيرة.
"لكنني ما زلت أقول إن كوكيزها أفضل."
أدار داميان السيارة.
"أنت لا تفكر إلا بالطعام."
"وأنت لا تفكر إلا بالعمل."
ساد الصمت لحظة.
ثم قال ماركو وهو يلتهم أول قضمة:
"ما الخطة؟"
أجاب داميان دون تردد:
"نراقب."
"فقط؟"
"حتى نفهم ما يحدث."
نظر إليه ماركو باستغراب.
"ألن تستعيد الهاتف؟"
تشددت ملامح داميان.
"إذا دخلت المقهى الآن وطلبت الهاتف..."
صمت لحظة.
"...فسأضطر إلى تبرير سبب اهتمامي به."
أومأ ماركو.
كان يعلم أن أي تصرف متسرع قد يهدم أشهرًا من العمل السري.
لذلك قال:
"إذن سننتظر."
"سننتظر."
مع إشراقة صباح جديد...
فتحت سيلين باب "بسمة حلوة" كعادتها.
دخل نسيم الصباح البارد إلى المكان، واختلطت رائحته برائحة القهوة الطازجة التي بدأت تنتشر في الأرجاء.
كانت جوليا ترتب الكؤوس وهي تتمتم:
"إذا استمر الزبائن بالتوافد هكذا... فسأطالب بعلاوة."
ضحكت سيلين.
"سنحقق أرباحًا أولًا، ثم نتحدث عن العلاوات."
رن جرس الباب.
دخل رجل في أوائل الخمسينيات.
يرتدي بدلة رمادية أنيقة، ومعطفًا داكنًا فوقها.
كان شعره يميل إلى الشيب، وابتسامته هادئة تبعث على الارتياح.
ابتسمت سيلين فورًا.
"صباح الخير، سيد لورينزو "
ابتسم الرجل ابتسامة ودودة.
"صباح الخير يا آنسة سيلين."
ثم ألقى نظرة سريعة على المكان.
"يبدو أن المقهى أصبح أكثر دفئًا كل يوم."
قالت سيلين بابتسامة:
"بفضلك، فقد منحتنا هذا المكان."
لوحت جوليا بيدها من خلف المنضدة.
"صباح الخير."
بادلها التحية ثم جلس إلى طاولته المعتادة قرب النافذة.
قال مبتسمًا:
"قهوة سوداء كالعادة."
ضحكت سيلين.
"حفظت طلبك."
قال مازحًا:
"وهذا دليل على أنني أصبحت زبونًا دائمًا."
أجابت وهي تتجه نحو آلة القهوة:
"ونحن سعداء بذلك."
جلس الرجل يتأمل المقهى بهدوء.
عيناه تجولان بين الطاولات.
ثم استقرتا للحظة على المنضدة...
قبل أن تعودا إلى النافذة
وضعت سيلين الفنجان أمامه.
"تفضل."
رفع الفنجان قليلًا.
"شكرًا لك."
ارتشف أول رشفة.
ثم ابتسم.
"ما زلت أقول إن أفضل قرار اتخذته هذا العام هو تأجير هذا المكان لكما."
اتسعت ابتسامة جوليا.
"إذن لا ترفع الإيجار علينا."
ضحك الرجل بخفة.
"إذا بقيت القهوة بهذه الجودة... فسأفكر بالأمر."
ضحكت الفتاتان معه.
سأل بعدها بنبرة هادئة:
"وكيف تسير الأمور؟ هل اعتدتما الحياة في هذا الحي؟"
أجابت سيلين:
"الحمد لله، الناس لطفاء، والعمل بدأ يتحسن."
أومأ بإعجاب.
"هذا يسعدني."
ثم نهض بهدوء بعد أن أنهى قهوته.
وضع ثمنها فوق الطاولة.
وقال قبل أن يغادر:
"إذا احتجتما إلى أي شيء يخص المبنى... فلا تترددا في الاتصال بي."
ابتسمت سيلين.
"شكرًا لك، هذا لطف منك."
غادر الرجل بهدوء.
راقبته جوليا حتى اختفى خارج الباب.
ثم همست:
"مالك المبنى هذا... لطيف جدًا."
ابتسمت سيلين.
"أجل... يبدو رجلًا محترمًا."
أومأت جوليا.
"أتمنى أن يبقى هكذا دائمًا."
ألقت سيلين نظرة نحو الباب ثم عادت إلى عملها...
عاد الهدوء إلى المقهى.
بدأ الزبائن يتوافدون تباعًا.
انشغلت جوليا بتحضير الطلبات، بينما كانت سيلين ترتب بعض الصناديق خلف المنضدة.
وفجأة...
قالت جوليا وهي تشير إلى الرف الخشبي:
"بالمناسبة... ماذا سنفعل بذلك الهاتف؟"
توقفت يد سيلين في مكانها.
التفتت إلى الرف.
كان الهاتف الأسود ما يزال موضوعًا في المكان نفسه.
"سأحتفظ به هنا."
قالتها بهدوء.
"ربما تعود صاحبته للبحث عنه."
عقدت جوليا حاجبيها.
"وماذا لو لم تعد؟"
صمتت سيلين لحظة.
ثم قالت:
"سأمنحها بعض الوقت."
ابتسمت جوليا وهي تهز كتفيها.
"أنت طيبة أكثر من اللازم."
ابتسمت سيلين.
"لو كنت مكانها... لتمنيت أن ينتظرني أحد."
لم تعلق جوليا.
وفي الخارج...
كان لورينزو دي سانتيس يسير بخطوات هادئة على الرصيف.
أخرج مفاتيح سيارته من جيبه.
لكن قبل أن يفتح الباب...
التفت نحو واجهة المقهى.
وقع بصره على الرف القريب من المنضدة.
ومن خلف الزجاج...
استطاع أن يلمح الهاتف الأسود في مكانه.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة لا تكاد تُرى.
ثم استدار بهدوء.
وركب سيارته.
وانطلق إلى عمله.
بينما بقيت سيلين في الداخل...
لا تعلم أن الهاتف الذي قررت الاحتفاظ به أيامًا قليلة...
أصبح يجذب إليها أشخاصًا أكثر مما تتخيل.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.