20
فتحت الأم باب الغرفة بغضب، وهي تصيح بنبرة حادة:
"أتجيئين إليّ في منتصف النهار وتريدين النوم؟ قومي واذهبي إلى العمل كباقي السيدات! افتحي هذا الباب فوراً، إنني أحدثك!"
وما إن فُتح الباب حتى أهوت الأم على وجه "كريمة" بصفعة قوية أدمت شفتها، ثم أردفت بصرامة:
"حين أتحدث إليكِ، عليكِ أن تطيعي أوامري، أفهِمْتِ؟"
مسحت كريمة الدم عن فمها وأجابت بصوت مرتزق:
"نعم.. نعم يا سيدتي، فهمت."
تابعت الأم بنبرة جشعة وآمرة:
"هيا، اذهبي إلى العمل، وإياكِ أن تعودي بمال أقل مما أتيْتِ به المرة الماضية. متّعيهم جيداً، فهذا الجسد لا ينبغي أن يضيع هباءً، وتصبي وجهدي لن يذهبا سدى. أطمح في مال أكثر هذه المرة، وأمر آخر: المؤونة قد نفدت، فلا ترجعي خاوية الوفاض، وأحضري معكِ الرداء الذي طلبته منكِ أختكِ، أسمعتِ؟"
هزت كريمة رأسها موافقة دون أن تنبس بكلمة، فدفعتها الأم بغلّ كادت تفقد معه توازنها لولا أنها أمسكت بالحائط، وصارخت فيها:
"استعملي لسانكِ! ما لكِ صامتة كالبكماء؟"
تعلثمت كريمة:
"نـ.. نعم يا لالة."
في تلك اللحظة، تقدمت أختها الصغرى قائلة:
"أمي..."
التفتت الأم إليها فوراً، ورفعتها بين ذراعيها واحتضنتها بحنان بالغ:
"نعم يا ابنتي.. نعم يا كبدي."
غُرست تلك الكلمات في قلب كريمة كخنجر مسموم؛ إذ لم تسمع كلمة "ابنتي" من فم أمها قط. تنهدت بألم، بينما استطردت الصغيرة بدلال:
"أمي، أريد حذاءً جديداً، فهذا الذي أرتديه لم يعد يعجبني وقد أصبح قديداً."
قاطعتها كريمة بذهول:
"كيف أصبح قديداً وأنا قد اشتريته لكِ منذ يومين فقط؟"
فاجأتها الأم بصفعة أخرى أشد من سابقتها، وقالت بغضب عارم:
"كم مرة أمليتُ عليكِ أنه عندما تتحدث أختكِ الصغرى أو تطلب شيئاً، لا تقولين إلا 'حاضر' و'نعم'؟ من أين تعلمتِ هذه الجرأة؟"
حبست كريمة دموعها وقالت:
"حـ.. نعم أسمعكِ يا لالة، سامحيني."
ردت الأم ببرود:
"حسنٌ، اذهبي الآن."
ترجتها كريمة بصوت خافت:
"ألا يوجد ما أأكله؟ ولو بقايا طعام البارحة؟"
دفعتها الأم بأطراف أسبابها كمَن يبتعد عن فيروس خبيث يخشى عدواه، وقالت باقتضاب وازدراء:
"ابتعدي عن وجهي! لقد أكلنا نحن، ولم يتبقَّ لكِ شيء.. هيا انطلقي."
خرجت كريمة والدموع تخنقها، وكان الجوار كالعادة متجمعين على أثر الشجار والرخام:
قالت السيدة الأولى بأسى:
"إنها تؤلم قلبي مسكينة، فمنذ صغرها وهي تكدح من أجلهم."
ردت السيدة الثانية بنبرة شامتة:
"أولم تسمعي ما قالت عنها أمها؟ إنها تقضي ليلتها بين أحضان الرجال!"
استنكرت السيدة الثالثة:
"عيب عليكِ هذا القول، أنتِ تعرفينها جيداً، وهي مسكينة لا ترفع عينها في أحد."
قاطعتها السيدة الثانية بحدة:
"بل رأيتها بهاتين العينين اللتين سيأكلهما الدود، وهي تنزل من سيارة فاخرة بعيداً عن الحيّ منذ فترة قصيرة!"
شهقت السيدة الثالثة بذهول:
"يا إلهي! لقد صدمتني، فوجهها البريء لا يوحي بذلك أبداً!"
أردفت السيدة الأولى بحذر:
"بنات هذا الزمان لم يعد يُوثق بهن، وعلينا أن نُبعد بناتنا عنها. فابنتي تتردد عليها كثيراً، وأخشى أن تُعلمها حرفتها وتجرها إلى طريق الغواية."
علقت السيدة الثالثة:
"حتى والداها لا يطيقانها، ويبدو أنهما أعلم بحقيقتها وبما تساويه."
وأضافت السيدة الثانية:
"هذا الصنف من الفتيات سيُفسد بناتنا لا محالة."
وفجأة صاحت السيدة الأولى مشيرة نحوها:
"انظرن! انظرن! كلام أمها صحيح، انظرن إلى عنقها المليء بالكدمات والآثار الأزرق!"
حاولت كريمة التستر بوشاحها جاهدة، لكن نظراتهم السامة كانت أسرع إليها. صرخت فيها السيدة الأولى بقسوة:
"يا لكِ من مخادعة! كنا نظنكِ مرباة وعفيفة، فإذا بكِ امرأة ساقطة تريدين إفساد بناتنا الشريفات!"
تجمهرن حولها يُمطرنها بالشتائم والاتهامات، ليُكملن ما بدأه أهلها. وبصعوبة بالغة استطاعت النفاذ منهن والهرب، والدموع تحجب عنها الرؤية.
وصلت كريمة إلى حدها الأقصى؛ لم تعد قادرة على الاحتمال، وشعرت بأن قلبها على وشك الانفجار. خانتها أنفاسها، وبدأت تداهمها نوبة هستيرية حادة: ضاق صدرها، وازرقّت شفتاها، وشحب وجهها حتى غادره كل قطرة دم. كان ألم قلبها ينبض بوجع أعظم من أي ألم جسدي، وتمنت في تلك اللحظة ألا تستفيق أبداً أو تعود لمواجهة هذه المعاناة.
قبل أن تسقط أرضاً ويغيب وعيها تماماً، امتدت يد قوية متماسكة، فأمسكت بها بقوة ومطرتها من السقوط على الأسفلت
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!