وضع القراءة:

19

في لحظة استيعاب مفاجئة، صمتت "كريمة" وشخصت بصرها نحو "قصي"، وقد انتابتها قشعريرة جمدت الدماء في عروقها، قبل أن تتنفس بسرعة وتجفل من مكانها مضطربة.
تمتمت بذعر وهي تجلد ذاتها: "يا للهول! يا لغفلتي! سأذوق اليوم الأمرين.. يا رب، ماذا أفعل؟ أنت السبب في هذا كلّه، أنت!"
ردّ "قصي" مستنكراً: "أنا؟"
أجابت بصوت متوتر: "نعم، أنت! لقد تأخرتَ في العودة البارحة، وظللتُ أنتظرك حتى أعياني الانتظار."
رمقها "قصي" بابتسامة تهكمية ساخرة، وقال: "أتتحدثين وكأنك لا تنامين مع طيور الدجاج عند الغروب؟"
انتعضت "كريمة" وقالت بحدة وهي تحاول الدفاع عن كبريائها: "حاشا لله! أتقارن حسني وبنيتي بالدجاج؟"
ردّ مستهزئاً بأطراف حديثها: "حاشا وكلا.. بل تحملين فوق طاقتك يا ابنة ’مصطفى’."
ما إن وقع اسم والدها على مسامعها حتى سرت رعدة باردة في جسدها، وهي ردة فعل لم تفلت من نظرات "قصي" الدقيقة التي تشبعت بالاستغراب.
سألته بصوت متهدج: "أبـ.. أبي؟ كيف عرفت اسمه؟"
تجاهل سؤالها وقال ببرود: "ألم تعودي مستعجلة كما يدعي حالك؟"
شهقت مرتبكة: "آه.. نعم! أعطني إذن."
تساءل مستفهماً: "ماذا أعطيك؟"
قالت بحدة: "نقودي!"
أجابها بثقة: "لقد أودعتها لدى الخادمة منذ الأمس، ألم تسلمك إياها؟"
اتسعت عيناها بذهول طريف خفّف من جديّة الموقف، وكاد أن يبتسم له "قصي" لولا أنه ضبط ملامحه سريعاً كي لا تلاحظ، بينما همست لنفسها بمرارة: "أمعنى هذا أنني قضيت النهار بأكمله في انتظارك، وفي النهاية كانت النقود على مقربة مني؟"
هزّ "قصي" كتفيه بلا أبالية متعمداً استفزازها: "ذاك لأن عقلك فارغ."
ثم خطى للداخل تاركاً إياها تتآكل غيظاً، وتوجه نحو الحمام، قبل أن يلقي عليها بدعوة ساخرة: "إن أردتِ، يمكنكِ الانضمام إليّ في الاستحمام.. فأنا بحاجة لمن يعينني."
لم تنتظر "كريمة" لسماع المزيد، بل انطلقت كالسهم نحو غرفة الخادمة وتسلمت منها المبلغ، ثم غادرت الفيلة بخطوات متسارعة ونبضات قلب متسارعة كادت تقتلع صدرها. كانت شتاتاً بين مشاعر فياضة ومبهمة أججها ذلك التلامس الجسدي بينها وبين "قصي"، وبين خوف جاثم يترقب ما يحمله لها القدر.
استقلت الحافلة متجهة نحو الحديقة العشوائية ("الكاريان")، وجسدها يرتعد هلعاً. وما إن اقتربت من البيت حتى تناهى إلى مسامعها صراخ صاخب. استجمعت شتات أنفاسها ودخلت، لتتلقى فور عبورها العتبة صفعة مدوية ثلاثية الأبعاد، جعلت الدماء تتفجر من أنفها.
انهالت عليها الأم بالتقريع والسب: "أين قضيتِ ليلتكِ أيتها الساقطة؟ تتسكعين وتبيعين جسدكِ وتتركيننا نطوى جوعاً؟ يدّعين العفة وهنّ غارقات في الخناء!"
ثم قبضت على شعرها بعنف وجذبتها قائلة: "تعالي إلى هنا! ما هذه العلامات على عنقكِ؟ أتبيتين في أحضان الرجال ثم تعودين بوجوه كالحة؟ أين النقود؟ هل عدتِ بشيء لنقتات منه أم أتيتِ بخفي حنين؟"
استعطفتها "كريمة" وهي تبكي بمرارة: "أمي.. أرجوكِ!"
صرخت الأم بقسوة: "لا تدعيني بأمكِ! لو كنتُ أمكِ بحق لأتيتِ بالمال وقضيتِ حوائجي ولم تتركيني معوزة!"
تدخل الأب بصوت جهوري وهو يطوقها بضربات متتالية: "أين النقود؟ اعترفي! رأسي ينفجر ألمًا ولم أتمكن من الشرب البارحة بسبب تقاعسكِ أيها الأمة اللئيمة!"
ولم تكن الأخت الوسطى بأقل قسوة، إذ صاحت بإلحاح: "أين المال؟ أريد حذاءً جديداً، أسرعي بالكلام!"
أما الصغرى فكانت تصيح بدورها: "أريد نصيبي من المال لأشتري الحلوى، أعطني!"
تداعى الجميع عليها كعصبة ضارية، بينما كانت هي تشخص إليهم بذهول وقلب يكاد يخلع من مضلعه. انهالوا عليها ضرباً وتعذيباً حتى وثقوا يدها اليمنى وازرقت عينها اليسرى، متكالبين على جسدها الضعيف كالذئاب المفترسة. كانت تعلم أن عودتها لن تمر بسلام، لكن شيئاً من الأمل كان يراودها في أن تلين قلوبهم ولو قليلاً، أو يسألوها عن حالها.. لكن هيهات؛ فهم لا يرونها سوى آلة لضخ المال.
تنهدت بأسى واستجمعت بقايا قوتها للوقوف، تراقبهم بكسرة وهي تراهم يتصارعون على النقود كالكلاب الجائعة.
صاحت الأم بتهديد: "إياكِ أن تعودي في المرة القادمة بمثل هذا المبلغ الضئيل، وإلا لن أكتفي بإيثاق يدكِ، بل سأهشم رأسكِ!"
أضافت الأخت الوسطى بصلف: "عليكِ أن تحضري لي اليوم تلك الكسوة الجديدة التي رأيتها، فغداً لدينا حفلة."
ردت "كريمة" بصوت خافت: "ولكن لم يعد معي شيء من المال، لقد أخذتموه كله."
اندفع الأب نحوها وصَفَعَها صفعة قوية جعلت الرؤية تتضبب في عينيها، وهو يصرخ: "ماذا قلتِ؟ هذا حقنا لقاء ما أنفقناه عليكِ، فنحن نعمل لا مثلكِ تقضين وقتكِ في الابتذال! وحين تطلب أختكِ شيئاً، عليكِ أن تحضريه فوراً دون جدال.. هل كلامي مفهوم؟"
كان يرفق كلماته تلك بلكمات وجذب لشعرها، فلم تجد بداً من الإذعان: "نعم.. مفهوم يا سيدي."
دفعتها الأم بقسوة: "اذنبتِ عن وجهي الآن!"
هرعت "كريمة" إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، كاتمة أنينها بيديها كي لا يصلهم صوت بكائها فيعاودوا التنكيل بها.
همست لنفسها بمرارة والدفوف تنحب في صدرها: "هل أنا ابنتهم حقاً؟ حتى وإن كنتُ أعدى أعدائهم، فلن يعاملوني بهذه القسوة.. أدنى خطأ يكلّفني وجبة من العذاب."
مسحت دموعها وتوجهت لغسل وجهها علّها تهجع قليلاً، غير أن الآلام التي تنبض في كامل جسدها والصخب الخارجي حظرا عليها النوم. وفجأة، فزعت مذعورة على صوت الباب وهو يُطرق بعنف شديد.
2 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.