الفصل الأخير والأحزن على الأطلاق،ملحوظة للرواية جزء ثاني تم كتابته وسينزل قبله رواية اسمها انفاس الهاوية:
وبعضها يتحرك ببطء. وكأنه حيّ. توقفتُ أمام أحدها. كان عبارة عن دائرة سوداء تتوسطها عينٌ مغلقة. مددتُ يدي نحوها. لكن هشامًا أمسك معصمي بسرعة. "لا تلمسها!" سحبتُ يدي. ونظرتُ إليه. "ما هذه؟" ساد الصمتُ للحظات. ثم قال: "هذه طلسمات الحراس." "الحراس؟" أومأ برأسه. ثم نظر نحو القلعة البعيدة. "حراس عرش الرماد." شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي. لأنني لاحظتُ شيئًا غريبًا. كل شخص مرّ بجوار هذا الطلسم... كان يخفض رأسه. وكأنه يخشاه. أو يعبده. وفجأة... توقف هشام عن السير. تجمد في مكانه. نظرتُ إليه باستغراب. ثم تبعتُ نظراته. وشعرتُ بأنفاسي تتوقف. كان هناك شخص يقف في نهاية الشارع. يرتدي عباءة بيضاء بالكامل. شيء نادر في عالم يغرق في السواد. لم أستطع رؤية وجهه. لكنني رأيتُ شيئًا واحدًا. شيئًا جعل وجه هشام يشحب. كان يحمل سيفًا أسود. وعلى نصل السيف... كان محفورًا اسم واحد. آراد. شعرتُ بأنفاسي تثقل. وظللتُ أحدق في السيف. مستحيل! اسم آراد كان محفورًا بوضوح على النصل الأسود. خطوة واحدة فقط... كانت تفصل بيني وبين الرجل الغامض. لكن هشامًا مدّ ذراعه أمامي. "لا تتحرك!" نظرتُ إليه. ولأول مرة منذ وصولي إلى عالم الظلال... رأيتُ الخوف في عينيه. قلت: "من هذا؟" لم يجب. بل ظلّ يحدق في الرجل بصمت. ثم همس: "كان المفترض أنه مات منذ زمن." مرّت ثوانٍ طويلة. قبل أن يرفع الرجل رأسه ببطء. ورغم أن وجهه كان مخفيًا داخل الظلال... شعرتُ أنه ينظر إليّ مباشرة. إليّ أنا. ليس إلى هشام. ولا إلى أي شخص آخر. ثم حدث شيء غريب. بدأت الطلاسم الموجودة على الجدران تتوهج. واحدة تلو الأخرى. كأن المدينة كلها استيقظت فجأة. وتوقف الناس عن السير. وتحول الأنظار نحو الرجل. ساد صمت ثقيل. ثم انحنى الجميع. الجميع... إلا أنا. وإلا هشام. ابتلع هشام ريقه. وقال بصوت خافت: "اخفض رأسك." عقدتُ حاجبيّ. "لماذا؟" لكن الأوان كان قد فات. لأن الرجل بدأ يتحرك. خطوة... ثم أخرى. وكان يقترب منا. ومع كل خطوة... كانت الأرض ترتجف تحت قدميه. حتى توقف على بعد أمتار قليلة. وساد الصمت. ثم رفع السيف. وأشار به نحوي. وقال: "إذن..." "أنت وريث اللعنة." تجمدتُ في مكاني. لأنني لم أسمع هذا اللقب من قبل. لكن هشامًا... شحب وجهه تمامًا. وكأنه كان يعرف معنى هذه الكلمات أكثر مني. شحب وجه هشام. وتراجع خطوة إلى الخلف. أما أنا... فظللتُ أحدق في الرجل. "وريث اللعنة؟" لم يجبني أحد. كان الصمت أثقل من أي إجابة. خفض الرجل سيفه ببطء. ثم قال: "إذن أنت لا تعرف." شعرتُ بالضيق يتصاعد داخلي. "أعرف ماذا؟" رفع الرجل رأسه قليلًا. ولأول مرة... رأيتُ جزءًا من وجهه. وكانت هناك ندبة طويلة تمتد من عينه حتى عنقه. قال: "كل حاملٍ لِـلعنة نيرزا يظن أنه الضحية." "لكن اللعنة لا تختار ضحايا." "إنها تختار ورثة." ارتجف قلبي. ونظرتُ نحو هشام. لكنه أشاح بوجهه. وكأنه لا يريد أن يلتقي بعينيّ. عندها فقط... فهمتُ أن هناك شيئًا يعرفه. شيئًا أخفاه عني منذ البداية. قلتُ بصوت منخفض: "هشام..." "ما الذي تخفيه عني؟" ساد الصمت. ثم أغمض هشام عينيه. وقال: "لأنك لو عرفت الحقيقة كلها..." "قد تكرهني." وفي اللحظة نفسها... دوى جرس ضخم في أنحاء المدينة. مرة. ثم ثانية. ثم ثالثة. وفجأة... توقفت الحياة في الشوارع. ورفعت جميع الوجوه أنظارها نحو القلعة السوداء. أما الرجل صاحب السيف... فهمس بكلمتين فقط: "لقد استيقظ." اتسعت عينا هشام. وكأن الكلمة لم تُقل فقط… بل صُبّت داخل رأسه كالسيف. "لقد استيقظ." تكررت الجملة في الهواء، لكن هذه المرة لم تكن مجرد صوت… كانت نبضة. نبضة واحدة جعلت الأرض تحت أقدامنا ترتجف. دقة واحدة. ثم ثانية. ثم ثالثة. لكن هذه المرة لم يكن جرسًا. كان أقرب إلى… نبض قلب. نفس الإيقاع الذي توقف عنده العالم منذ لحظات، عاد الآن من مكان آخر. ثم… جاء الصمت بعده مباشرة. صمت غير طبيعي. كأن المدينة كلها حبست أنفاسها في لحظة واحدة. نظرتُ حولي بسرعة. الشوارع التي كانت منذ لحظات تتحرك… تجمدت. رجل كان يركض توقف في منتصف خطوته. طفل كان يبكي سكت فجأة. حتى الريح… "أي دم؟ أنا ليس لي..." لكن كلمتي انقطعت. لأن الأرض اهتزت مرة أخرى. هذه المرة أشدّ. والسماء فوق القلعة… انشقت. شق أسود رفيع ظهر في السماء، كأنه جرح في عالم كامل. ومن داخله… بدأ شيء يتحرك. شيء لم يكن له شكل واضح، لكن مجرد وجوده كان كافيًا ليجعل كل شيء داخلي يصرخ. من القلعة. تراجعتُ خطوة دون وعي. وهشام… كان ثابتًا في مكانه، لكن كتفيه يرتجفان. نظرتُ إليه وقلت: "هشام… أبعد عني هذه الحقيقة الآن." لكن صوته خرج متكسرًا: "لستُ أنا من يخفي عليك…" توقف. كأنه يختار بين الهروب والانهيار. ثم قال: "أنت أصلها." سكتُّ. اختفت. قلتُ بصوت مبحوح: "ما الذي يحدث؟" لكن لا أحد أجاب. الرجل صاحب السيف رفع رأسه ببطء شديد. الندبة على وجهه بدت وكأنها تتحرك مع تعابير وجهه، كأنها ليست مجرد جرح… بل شيء حي. ثم قال بصوت أخفض من السابق، لكنه أثقل: "بدأ التنفس." "القلعة السوداء بدأت تتنفس." شعرتُ ببرودة تسري في عظامي. نظرتُ إلى القلعة البعيدة. لم أفهم. أو ربما فهمتُ ورفضتُ أن أفهم. "ماذا…؟" التفتَ نحوي أخيرًا. وعيناه لم تكونا كما اعتدتهما. لم تكن عينَي صديق. كانت عينَي شخص يرى النهاية قبل أن تأتي. "اللعنة لا تختار ورثة عشوائيًا." "إنها تختار الدم الذي يستطيع فتحها." شعرتُ وكأن الهواء اختفى من صدري. كانت تقف هناك كالعادة… ضخمة، مظلمة، صامتة. لكن الآن… لم تعد صامتة. كان هناك شيء غير واضح. ضباب أسود يتصاعد من حولها ببطء، كأنها تخرجه من أعماقها لا من محيطها. وهنا… سمعتُ الصوت. الرجل ذو السيف قال فجأة: "تأخرنا." ثم التفت إليّ مباشرة. "إن كنتَ حقًا الوريث… إذن يجب أن تفهم بسرعة." رفع سيفه قليلًا. لكن هذه المرة لم يكن موجهًا لي أو لهشام. كان موجهًا للفراغ. "لأن أول علامة للاستيقاظ…" "هي أن الحراس يبدأون بالموت." قبل أن أفهم الجملة… سمعتُ صرخة. ليست من بعيد. من الشارع نفسه. التفتُ بسرعة. رجل كان يقف منذ لحظات… سقط على الأرض فجأة. ثم بدأ جسده… يتلاشى. ليس موتًا. بل اختفاء. كأن شيئًا يمسحه من الوجود. صرخ شخص آخر. ثم آخر. والشارع بدأ ينهار بصمت مرعب. هشام أمسك بذراعي بقوة لأول مرة. "لا تنظر!" لكنني كنت قد رأيت. كل من ينظر إلى القلعة مباشرة… كان يفقد جزءًا من نفسه. جزءًا من وجوده. قلتُ بصوت مرتجف: "هذا ليس موتًا… هذا محو." الرجل أجاب: "هذه بداية الاستيقاظ الحقيقي." ثم… رفع رأسه نحو السماء المنشقة. وفجأة قال: "خرج." لم أفهم الكلمة. لكن في اللحظة نفسها… خرج شيء من الشق في السماء. ليس سقوطًا بل خروجًا بطيئًا… كأن العالم نفسه يلفظه. ظلّ ضخم. بلا ملامح واضحة. لكن له شكل أقرب إلى إنسان… أو فكرة إنسان. عينان فقط… كانتا كافيتين لشلّ الحركة. شعرتُ أنني أُسحب نحوه رغم أنني لم أتحرك. وهنا… سمعتُ هشام يهمس: "أغمض عينيك… بسرعة." لكنني لم أستطع. شيء بداخلي كان يجبرني أن أراه. كأن هناك رابطًا خفيًا بيني وبينه. والصوت داخل رأسي ظهر لأول مرة. ليس صوتًا خارجيًا، بل داخلي تمامًا. "أخيرًا…" تجمدتُ. "أخيرًا عدت." سقطت ركبتي على الأرض. وهشام صرخ باسمي لأول مرة: "ياسين!" لكن الصوت الآخر كان أقوى. "الدم عاد إلى مكانه." "والباب… سيُفتح من جديد." وفجأة… انفجر ضوء أسود من القلعة. ومعه… اختفى كل شيء. المدينة. الأصوات. السماء. حتى الأرض تحتنا. وبقيتُ أنا… واقفًا في فراغ لا نهاية له. أمام ذلك الشيء. وحدي. وهو يقترب...
هشام: وقف في مواجهة الظل، ويده ترتعش وهو يحاول رفع السيف. الضوء الأسود بدأ يلتف حول جسده كأغلال غير مرئية. اقترب ياسين منه وهو يصرخ: "هشام! أغلق الباب!" ابتسم هشام ابتسامة قصيرة، مكسورة. وقال وهو يبتلع آخر نفس: "كنتُ أظن أنني أحميك… اتضح أنني من يفتح الطريق لك منذ البداية." ثم انطفأ وجوده كشمعة في ريح سوداء.
الرجل ذو السيف (الحارس): وقف أمام الكيان بلا تراجع. رفع سيفه للمرة الأخيرة. وقال بصوت ثابت رغم الألم: "أنا حارس البوابة… لن أسمح لها بأن تُفتح وأنت مستيقظ." لكن السيف انكسر في الهواء كأنه لم يكن. التفت نحو ياسين وقال قبل أن يختفي: "لو تأخرتَ أكثر… ستصبح أنت الباب نفسه."
آدم: كان يركض وسط انهيار المدينة، يحاول الوصول إلى ياسين. كل خطوة كانت تسحب منه جزءًا من جسده كأنه يُنمحى. رأى ياسين من بعيد وصاح: "جئتُ لأساعدك!" لكن جسده بدأ يختفي من الأطراف. ضحك ضحكة قصيرة وقال: "غريب… كنتُ أظن النهاية ستكون أبطأ من ذلك." ونظر إليه نظرة أخيرة: "لا تصدق ما بداخلك بأسلوب سهل… حتى أنت لستَ دائمًا أنت." ثم اختفى تمامًا.
رين: ظهرت وسط الفراغ، كأنها قادمة من بُعد آخر. نظرت إلى ياسين بحزن غير مفهوم. وقالت: "كنتُ أظن أنك ستختار النور…" اقترب الظل منها بسرعة. ومدت يدها كأنها تحاول لمسه للمرة الأخيرة. "لكن واضح أنك اخترتَ أن تبدأ الحكاية من جديد… لا أن تنهيها." ثم ابتسمت ابتسامة مكسورة: "أنا آسفة… لأنني لم أستطع إيقافك عن إيذاء نفسك." وتلاشت كأنها حلم انكسر.
ياسين: الفراغ كان يضغط عليّ من كل ناحية. الكيان أمامي… أقرب مما أستطيع تحديده. لستُ أرى له ملامح واضحة، لكن الشعور به كان كافيًا لي his مسح أي فكرة عن النجاة. الصوت الذي بداخلي عاد مجددًا… لكن هذه المرة لم يكن همسًا. كان أمرًا. "افتح الباب." أمسكتُ رأسي وأنا أصرخ: "لستُ بابًا!" لكن جسدي لم يكن يطيعني. علامات سوداء بدأت تظهر على يدي… كأن شيئًا يكتبني من الداخل. الكيان اقترب. والعالم حولنا بدأ يتكسر كزجاج يُسحب منه الهواء. وفجأة… رأيتُهم. هشام… آدم… رين… الرجل الذي كان يحارب. ليس كأجساد… بل كذكريات تحترق أمامي. كل واحد منهم كان يُسحب إلى العدم. وصوتهم يقطعني من الداخل. لكن وسط كل هذا… شيء بداخلي انكسر. ليس خوفًا. لا… بل كان رفضًا. رفضًا كاملًا لأن أكون مجرد طريق لشخص آخر. رفعتُ عينيّ إلى الكيان وقلتُ بصوت مكسور لكنه ثابت: "إن كان الباب يجب أن يُغلق… فأنا من سيغلقه من الداخل." سكت العالم لحظة. حتى الصوت الذي بداخلي تجمد. وبعد ذلك… شعرتُ بالنور الذي داخل العروق ينقلب. ليس نورًا أبيض… نورًا غريبًا… كأنه يأتي من مكان أقدم من اللعنة نفسها. يدي ارتفعت وحدها. والرموز التي كانت تكتبني بدأت تنقلب. الكيان ولأول مرة… تراجع خطوة. كما لو أنه تفاجأ. همس بصوت انكسر لأول مرة: "أنت… المفترض أن تكون لي." ابتسمتُ. ابتسامة لم أكن أفهمها حتى أنا. وقلتُ: "لستُ لك… أنا النهاية التي لم تحسب حسابها." وفجأة… انفجر النور من داخلي. ليس كضوء يكسر الظلام… بل كقرار يكسر وجوده نفسه. الكيان صرخ. صوت لا يُوصف. والفراغ كله بدأ ينهار عليه هو. لستُ أنا من يهزمه… أنا من يسحب منه الحق في أن يكون موجودًا. آخر شيء سمعته منه قبل أن يختفي: "إن كنتَ أنت النهاية… فهذه هي البداية التي سترجعني مجددًا..." وبعد ذلك… سكون. رجعت الأرض تحت قدميّ مجددًا، لكنها ليست الأرض نفسها. ولا السماء نفسها. ولا "أنا" نفسه. بقيتُ واقفًا بمفردي… واللعنة التي كانت تلاحقني… سكتت. لكنني أعرف شيئًا واحدًا فقط: هذا ليس انتصارًا كاملًا... هذا مجرد فصل أُغلق… لكي يبدأ فصلٌ أكثر خطورة. كان الصمت قد عاد من جديد… لكن هذه المرة لم يكن صمت فراغ ولا انهيار عالم، بل صمت نهاية. الهواء حولي صار خفيفًا بشكل غريب، كأن كل شيء انتهى بالفعل ولم يتبقَّ سوى أثر أخير لي أتنفسه. نظرتُ أمامي… ولم أعد أرى القلعة، ولا الفراغ، ولا الكيان. فقط لون أبيض باهت بدأ يتبدل تدريجيًا إلى زرقة هادئة. موج… وصوت بعيد… ورائحة بحر. خطوة واحدة، ثم أخرى… وفجأة وجدتُ نفسي واقفًا على شاطئ هادئ. الرمال دافئة تحت قدمي، والبحر أمامي ساكن بشكل لا يشبه أي شيء مرّ بي من قبل. لا صراخ… لا ظلام… لا لعنة. لحظة واحدة من السلام. أغمضتُ عينيّ، وكأن جسدي أخيرًا سمح لي أن أتنفس دون خوف. همستُ لنفسي: "انتهى الأمر… أم لا؟" لكن قبل أن تكتمل الجملة… شعرتُ بشيء خاطئ. حضور خلفي. قريب جدًا. فتحتُ عينيّ ببطء… لكن الوقت كان أبطأ مني. يد ارتفعت من خلفي. بلا صوت. بلا تردد. وطعنة واحدة اخترقت ظهري. تجمد كل شيء في لحظة. لم أستطع حتى الالتفات بالكامل، لكني عرفت… عرفت هذا الشعور. ليان. حاولتُ أن أتكلم، لكن الصوت خرج متقطعًا، كأنه يتكسر داخلي. "لماذا…؟" الدم بدأ يسقط على الرمال، يختلط بلون البحر البعيد. ركبتاي خانتاني، وبدأ العالم يميل من حولي بهدوء مؤلم. كان الشاطئ يبتعد، أو ربما أنا من كان يقترب من النهاية. همستُ بصوت مكسور، وأنا أحاول أن أبتسم رغم الألم: "سوف آتي إليك… بعد قليل… يا هشام." آخر شيء رأيته… كان البحر يلمع تحت ضوء هادئ، كأنه لا يعلم أن أحدًا انتهى للتو. ثم… سكون.
ظنّ أنه هزم اللعنة… لكن اللعنة لم تكن عدوًا يُهزم، بل طريقًا يُكمل نهايته بصمت. وفي اللحظة التي وصل فيها إلى السلام، كانت الطعنة الأخيرة هي الدليل الوحيد أن بعض النهايات لا تأتي من الحرب… بل من الوجوه التي نحبها.
الفصل العاشر: حين تبكي الرياح
وُلدت ليان في بيت بسيط على أطراف مدينة هادئة، مدينة ليس فيها شيء مميز غير أنها دائمًا ساكتة أكثر من اللازم. أمها ماتت وهي تلدها، وأبوها لم تكن عنده القدرة حتى على النظر إليها أول مرة، وقالوا إنها "جاءت وأخذت معها شيئًا ليس المفروض أن يُؤخذ"، ومن ذلك اليوم أصبح اسمها مرتبطًا بالصمت. كبرت ليان في بيت جدتها وسط صور قديمة وأبواب تصدر صوتًا مع كل حركة، وكانت دائمًا طفلة هادئة لا تبكي كثيرًا، لكن عينيها كانتا تسألان أسئلة أكبر من سنها، وكان هناك شيء غريب وهو أن أي مكان تقعد فيه كان الناس حولها يبدأون بالسكوت تدريجيًا من غير أن ينتبهوا. في المدرسة لم تكن كباقي الأطفال، ليس لأنها أذكى أو أجمل، ولكن لأنها كانت دائمًا "زائدة"، زائدة في الصمت وزائدة في الملاحظة وزائدة في أن ترى تفاصيل الناس التي لا يريدون لأحد أن يراها، والناس بدأت تبتعد عنها من غير سبب واضح وهي لم تكن تفهم لماذا. أول مرة أحست بأنها مختلفة كان في يوم ممطر عندما كانت ماشية مع زميلتها هبة، وفجأة وقفت هبة وقالت لها: "أنا لستُ مرتاحة… أشعر أنكِ ستظلين بمفردكِ دائمًا"، وبعدها بيومين نقلت هبة إلى مدرسة أخرى من غير أي تفسير. بدأت ليان تحاول أن تكون عادية، تضحك بصوت أعلى، تتكلم أكثر، تقترب من الناس، لكن كل محاولة كانت تفشل بطريقة غريبة، ليس لأنها تخطئ ولكن لأن الناس أنفسهم كانوا يبتعدون تلقائيًا كأن هناك شيئًا حولها يدفعهم بعيدًا. في سن الـ 15 حصل موقف كسرها من الداخل، كانت عندها صديقة اسمها نور وهي أقرب شخص إليها، وفي يوم قالت لها نور: "أنا أشعر عندما أكون معكِ أن الدنيا تكون أهدأ"، وبعد أسبوع مرضت نور فجأة ولم يعرف أحد السبب. نور كانت في المستشفى وليان جالس إلى جانبها ممسكة بيدها، فتحت نور عينيها وقالت بصوت ضعيف: "لا تحزني… أنا لستُ حزينة"، سكتت ليان، ابتسمت نور وقالت: "لكن لا تدعي أحدًا يقترب منكِ زيادة… من أجلهم هم"، وبعدها ماتت. الصدمة غيرت ليان، أصبحت أقل كلامًا، وأكثر انعزالاً، وبدأت تكتب بدل أن تتكلم، ولكن حتى الورق لم يكن يكفي. قررت أن تبتعد عن المدينة وركبت المواصلات لأول مرة بمفردها وجلست على البحر، مكان هادئ جداً ليس فيه أحد يعرفها، وقالت لنفسها ربما المشكلة ليست فيها ولكن في المكان، ولكن الهدوء لم يجلب راحة، جلب فراغاً فقط. عملت عملاً بسيطاً وأصبحت الموظفة التي "ليست مرئية"، تنهي عملها من غير كلام ومن غير مشاكل، ولكن كل مرة كان أحد يقترب منها أكثر كان يبتعد بعد فترة قصيرة، ليس كرهاً ولكن كأن هناك مسافة تُخلق لوحدها. في آخر سنة في حياتها العادية قابلت طفلاً صغيراً في الشارع كان تائهاً، سألها: "لماذا أنتِ بمفردكِ؟"، سكتت قليلاً وقالت: "لستُ بمفردي… ولكن لا أحد يكمل معي"، ابتسم الطفل وقال: "إذن أنا سأكمل"، ولكن أمه نادت عليه بسرعة وأخذته ومضيا. وظلت ليان واقفة تنظر في الأثر الذي تركه، ولأول مرة تشعر أن المشكلة ليست في الناس ولا فيها وحدها، ولكن في شيء اسمه "الاقتراب نفسه". وفي يومها الأخير، وقفت أمام البحر مجدداً، المكان نفسه ولكن بعد سنوات، وقالت بصوت هادئ جداً: "أنا لستُ سيئة… أنا مجرد محطة ولستُ طريقاً"، جلست على الرمل ونظرت إلى الناس من بعيد، ضحك وأصوات وحياة ماشية، وهي لأول مرة لم تحاول الدخول فيها، بل ابتسمت وقالت بهدوء: "جيد… هكذا لن يتألم أحد بسببي مجدداً"، وتركت الدنيا تمشي وهي ثابتة في مكانها. في الأيام التي تلت وقفتها على البحر، لم ترجع ليان كما كانت. أصبحت تستيقظ في الصباح من غير هدف واضح، وتروح الأماكن نفسها، الطرق نفسها، ولكن كأنها لا ترى شيئاً جديداً. كل شيء كان ثابتاً إلا إحساسها الذي بدأ يبهت ببطء، مثل لون يُغسل مع المطر. في عملها، لاحظوا أنها أصبحت أهدأ من المعتاد حتى بالنسبة لها. المدير قال مرة لزميلها: "هي موجودة، ولكن لا أشعر أنها موجودة". الجملة هذه ظلت عالقة في الهواء، ولكنها لم تؤثر فيها. ليان كانت قد بدأت تتعود أن وجودها نفسه شيء غير مؤثر في أي شيء. في يوم، وهي ماشية في الشارع، رأت مكاناً قدماً كانت تمر منه وهي صغيرة. دكان صغير كان دائمًا يبيع أشياء رخيصة وألوانه باهتة. وقفت أمامه لحظة طويلة، ليس لكي تشتري شيئاً، ولكن لأنها تذكرت أنها زمان كانت تحلم أن تشتري أشياء بسيطة وتفرح بها. ولكن حتى الذكرى هذه لم تجلب إحساساً واضحاً. كأنها تتفرج على حياة شخص آخر. في اليوم نفسه، قابلت والدة الطفل الذي كان قد كلمها سابقاً. الأم نظرت إليها لحظة طويلة، وبعد ذلك قالت: "ابني كان دائمًا يحكي عنكِ كأنكِ مختلفة… ولكنه نسي بسرعة". ليان ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت: "النسيان أرحم". ومضت. في الليل، جلست بمفردها في شقتها الصغيرة. لا يوجد صوت غير المروحة. ولا توجد أي حركة. لأول مرة، لم تفتح أي نافذة. أحست أن الهواء في الخارج غير فارق، لأن الذي بداخلها أهدأ من الخارج. كتبت في ورقة: "أنا لم أخسر الناس… أنا فقط لم أكن مكاناً لهم من البداية." وقفت تنظر إلى الجملة وقتاً طويلاً. وبعد ذلك مزقتها. في اليوم الذي بعده، قررت أن تمشي من المدينة كلها. ركبت حافلة طويلة، لم تسأل إلى أين هي ذاهبة، ولا كانت مهتمة. كانت فقط تريد مكاناً جديداً لا يعرفها، ليس لأنها تريد أن تبدأ، ولكن لأنها تريد أن تختفي بهدوء. الطريق كان طويلاً، وكلما زادت المسافة، كان إحساسها يقل. ليس حزناً، ليس فرحاً… بل فراغ مستقر. عندما وصلت، نزلت في مدينة صغيرة على أطراف البحر. الهدوء نفسه، ولكنه غريب عليها. مشت في الشوارع من غير أن يلاحظها أحد. وهذا كان مريحاً بطريقة مؤلمة. في الليلة الأولى، جلست على سور قريب من المياه. نظرت إلى البحر وقالت: "أنا لستُ قادمة لأهرب… أنا فقط قادمة لكي لا أكون عبئاً على أحد". ومع الوقت، بدأت تعيش هناك. عمل بسيط، حياة أبسط، وناس لا يعرفون عنها شيئاً. ولكن حتى هنا، الإحساس نفسه كان يرجع: أنها ليست جزءاً من أي شيء، ولكنها شاهدة عليه فقط. في مرة، قابلت امرأة عجوزاً في دكان صغير، قالت لها: "أنتِ يبدو أنكِ لستِ من هنا". ليان ردت بهدوء: "ولا من أي مكان". العجوز ابتسمت ولم تكمل الأسئلة. هذه كانت أول مرة لا يحاول أحد أن يعرف عنها أكثر. وفي الليل، وهي ماشية بمفردها، أحست أن خطواتها أخف. كأنها أصبحت شبيهة بظلها. ليست موجودة أكثر من اللازم، وليست ناقصة. ولكن في عمقها، كانت تعرف شيئاً واحداً: أن الاختفاء ليس راحة… ولكنه عادة. في آخر يوم من حياتها التي كانت شبه مستقرة، وقفت مجدداً أمام البحر. البحر نفسه، ولكن بإحساس مختلف. لم يكن فيه انتظار، ولا أمل، ولا ألم واضح. بل هدوء كامل. وقالت بصوت خافت: "أنا لم أكن أريد أن أعيش حياة كبيرة… أنا فقط كنت أريد أن أكون جزءاً صغيراً من حياة أحد." سكتت. وبعد ذلك ابتسمت. ابتسامة ليس فيها فرح ولا حزن… بل قبول. وجلست على الرمل، وتركت الموج يقترب منها من غير أن تبتعد. وأحياناً… أكثر شيء تؤلم الإنسان، أن يعيش طول عمره من غير أن يترك أثراً، ولا يطلب حتى أن يترك أثراً. أغلقت ليان عينيها. وتركت آخر تنهيدة تخرج منها ببطء. ساد الصمت. لكن... لم يكن صمت البحر. كان صمتًا أعمق. كأن العالم كله توقف عن التنفس. ثم... فتحت عينيها مرة أخرى. شهقت. لم تكن على الشاطئ. ولا في المدينة. ولا في أي مكان تعرفه. كانت تقف فوق أرض سوداء تمتد بلا نهاية. والسماء... لم تكن سماء. كانت دوامات من الدخان تتشابك فوق بعضها. وفي المنتصف... كان هناك قمر أحمر واحد. ينظر إليها. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. التفتت حولها. "أنا... أين؟" لم يجبه أحد. لكنها سمعت خطوات. خطوات ثقيلة. تقترب ببطء. خرج رجل من بين الضباب. ملامحه كانت مخفية. لكن صوته كان واضحًا. "وصلتِ أخيرًا." تراجعت خطوة. "من أنت؟" لم يرد. بل ألقى أمامها شيئًا. ارتطم بالأرض. نظرت إليه. وتجمدت. كان سيفًا مكسورًا. وعلى قبضته... اسم محفور. "ياسين." اتسعت عيناها. لم تكن تعرف هذا الاسم. لكن قلبها انقبض. وكأنها فقدت شخصًا لم تقابله أبدًا. رفع الرجل رأسه ببطء. وقال: "البطل الذي سبقك..." "اختار أن يموت." "لكي يبقى هذا العالم قائمًا." ساد الصمت. ثم أشار إلى الأفق. اتبعت ليان إصبعه. ورأت القلعة السوداء. كانت أكبر مما تخيلت. تخترق الغيوم. وتحيط بها آلاف الطلاسم المتوهجة. لكن شيئًا آخر لفت انتباهها. شخصان كانا يقفان أمام بوابتها. أحدهما يرتدي عباءة سوداء. والآخر... كان يحمل رمحًا طويلًا يشتعل بلهب أزرق. وفجأة... دوى انفجار هائل. واهتزت الأرض. وتشققت السماء. ارتفع عمود من الضوء الأسود من داخل القلعة. ثم خرج صوت غاضب هز أرجاء عالم الظلال. "مأمون..." "لقد انتهى وقت الهروب." قبض الرجل المجهول على سيفه. وقال بصوت خافت: "بدأت الحرب الأخيرة." أما ليان... فلم تكن تعرف بعد... أن اسمها كان مكتوبًا منذ سنوات... داخل أقدم مخطوطة في عرش الرماد. لم تستطع ليان أن تبعد عينيها عن القلعة. كانت تشعر أن شيئًا بداخلها... يناديها. شيئًا لم تعرفه من قبل. لكنها كانت واثقة... أنه يعرفها. وفجأة... شق الهواء صوت انفجار هائل. ثم ظهر ظل أسود فوق أسوار القلعة. ارتفع في السماء. حتى غطى الضوء الأحمر. ساد الصمت. ثم خرج صوت مليء بالغضب. "آزاريل..." ابتسم الظل. وقال: "ظننت أنك ستختبئ إلى الأبد يا مأمون." في اللحظة التالية... اندفع شخص من أعلى القلعة. كانت عباءته البيضاء ممزقة. وسيفه يقطر دمًا أسود. عرفه الرجل الذي يقف بجوار ليان. وهمس: "مأمون." هبط مأمون على الأرض بقوة. وتقابلت عيناه مع آزاريل. لم يتحدثا. لم يحتاجا إلى الكلمات. كان الحقد بينهما أقدم من الزمن. رفع آزاريل يده. فتحركت الظلال كالأفاعي. ورفع مأمون سيفه. فاشتعلت الطلاسم المحفورة على نصله. ثم... اصطدمت القوتان. واهتز عالم الظلال كله. تراجعت ليان خطوة. وسقطت على ركبتيها. لم تستطع تحمل الضغط. شعرت وكأن الهواء نفسه يتمزق. صرخت: "ما الذي يحدث؟!" لكن أحدًا لم يجبها. وسط الانفجارات... ظهر نور ذهبي بعيد. نور مختلف. هادئ. خرجت منه هيئة رجل. طويل القامة. يحمل سيفًا قديمًا. وشعره يتحرك مع الرياح. نظر مأمون إليه. واتسعت عيناه. وقال بصوت لم تعرفه ليان من قبل... صوت مليء بالصدمة. "آراد..." لم يرد آراد. اكتفى بالنظر إلى ساحة المعركة. ثم قال بهدوء: "كفى دماء." ساد الصمت. حتى آزاريل... توقف عن الهجوم. لأن الجميع كان يعلم... أن آخر مرة ظهر فيها آراد... كانت قبل سقوط العالم الأول. لكن هذه المرة... لم يأتِ ليقاتل فقط. بل جاء... ليضحي بكل ما تبقى منه. ساد الصمت. كان صمتًا ثقيلًا. حتى الرياح... توقفت. نظر آراد إلى مأمون. ثم قال: "كنتُ أعرف أن هذه اللحظة ستأتي." قبض مأمون على سيفه بقوة. وقال: "لو كنتَ تدخلتَ منذ البداية... لما حدث كل هذا." ابتسم آراد ابتسامة باهتة. "وأنت لو لم تكن اخترتَ طريقك... لما وصل العالم إلى الحافة." اشتعل الغضب في عيني مأمون. واندفع نحوه. لكن قبل أن يصل إليه... ظهر آزاريل بينهما. ضرب الأرض بقبضته. فتشقق عالم الظلال. وتصاعدت أعمدة سوداء من تحت أقدام الجميع. ضحك آزاريل. وقال: "ما زلتما تختلفان؟" "بعد كل ما خسرته البشرية؟" رفع يده. فتكونت خلفه آلاف السيوف السوداء. كانت معلقة في الهواء. تنتظر أمرًا واحدًا. ثم أشار بإصبعه. وانطلقت كلها دفعة واحدة. صرخت ليان. وأغلقت عينيها. لكن... لم تسمع صوت الاصطدام. فتحت عينيها ببطء. وتجمدت. كان آراد واقفًا أمام مأمون. وقد غُرست عشرات السيوف في جسده. الدم الأسود كان يتساقط ببطء. لكن... لم يتراجع خطوة. نظر مأمون إليه بذهول. وقال: "لماذا...؟" ابتسم آراد. وقال بصوت ضعيف: "لأنك... مهما أخطأت..." "ما زلتَ من أبناء هذا العالم." ثم وضع يده على صدر مأمون. بدأت الطلاسم القديمة تضيء. واحدة... تلو الأخرى. حتى غطت جسديهما بالكامل. صرخ آزاريل. لأنه أدرك الحقيقة. آراد... لم يكن يحاول قتل أحد. كان يفعّل الختم الأخير. الختم الذي أغلقه منذ مئات السنين. والذي لا يعمل... إلا بتضحية صاحبه. بدأ جسد آراد يتحول إلى رماد. تطاير مع الريح. لكن قبل أن يختفي... نظر إلى ليان لأول مرة. وقال: "احمي... الأمل الأخير." ثم اختفى. وفي اللحظة نفسها... اهتزت القلعة السوداء بعنف. وانشق بابها العملاق ببطء. وخرج منه صوت... لم يكن صوت إنسان. ولا وحش. بل شيء أقدم من الزمن نفسه. وقال: "مات الحارس..." "والآن..." "جاء دوري." ارتجفت الأرض. وسقطت أجزاء من القلعة السوداء. بينما ظل ذلك الصوت يتردد في كل مكان. "جاء دوري..." لم تستطع ليان أن تتحرك. كان جسدها كله يرتجف. أما مأمون... فأغلق عينيه للحظة. ثم قال بصوت خافت: "إذن... فشلنا." ابتسم آزاريل. لكنها لم تكن ابتسامة انتصار. كانت ابتسامة شخص انتظر هذه اللحظة طويلًا. قال: "لا..." "هذه البداية." ثم رفع يده. فبدأ الرماد المتناثر في الهواء يتجمع. حول المكان الذي اختفى فيه آراد. شعرت ليان بقشعريرة. وقالت: "ما الذي يحدث؟" نظر إليها مأمون لأول مرة. وقال: "هذا الرماد..." "ليس بقايا جسده." "هذه قوة الختم." وقبل أن يكمل... خرج شعاع أسود من داخل القلعة. واصطدم بالسماء. ثم بدأت الطلاسم التي كانت تحيط بعالم الظلال كله... تتحطم. واحدة. تلو الأخرى. ساد صمت قصير. ثم... بدأت الشقوق تظهر في السماء. وكأن العالم نفسه... ينكسر. ضحك آزاريل. ورفع ذراعيه. وقال بصوت دوى في كل مكان: "انتهى عصر الحراس." "وانتهى عصر الخوف." "مرحبًا..." "بعصر الرماد." لكن فجأة... تغير وجهه. توقفت ضحكته. وشعر بشيء خلفه. استدار ببطء. وتجمد في مكانه. كان هناك شخص يقف وسط الرماد. شاب. ملامحه غير واضحة. لكن عينيه... كانتا تلمعان بلون ذهبي. وفي يده... سيف آراد. ذلك السيف الذي اختفى مع تضحيته. قبض الشاب على مقبضه. ثم قال بهدوء: "ما زالت..." "المعركة لم تنتهِ." وتبادل مأمون وآزاريل النظرات. لأنهما... كانا يعرفان هذا السيف. لكن... لم يعرف أي منهما... من يكون ذلك الشاب. ساد الصمت. اختفى صوت المعركة. ولم يبقَ سوى الرماد. بعيدًا... في مكان لم تطأه قدم منذ سنوات... فُتح باب خشبي قديم. دخل شاب بخطوات هادئة. كانت ملامحه مخفية تحت غطاء أسود. توقف أمام صندوق حجري. أزاح الغبار عنه. ثم فتحه ببطء. في داخله... كانت نوتة قديمة. ومخطوطة ممزقة. وسلسلة معدنية صدئة. ابتسم الشاب. وقال بصوت هادئ: "أخيرًا..." "وجدتها." وفي تلك اللحظة... رفع الغطاء عن وجهه. وتجمد كل شيء. لأنه لم يكن شخصًا جديدًا. بل كان... حسن. ابن عمر. الشخص الذي صدق الجميع... أنه مات. ساد الصمت. لم يبقَ سوى صوت الرياح. تقدم الشاب خطوة. ثم الثانية. حتى وقف أمام المخطوطة. انحنى ببطء. وأمسكها بكلتا يديه. مرر أصابعه فوق الغلاف. وكأنه يعرفها منذ سنوات. أغلق عينيه. ثم تنفس ببطء. فتح المخطوطة. فتطايرت صفحاتها وحدها. وكأنها كانت تنتظره. وفي اللحظة نفسها... بدأت الطلاسم المحفورة على الجدران تضيء. واحدة... تلو الأخرى. واهتزت القلعة. لكن الشاب لم يتحرك. رفع رأسه ببطء. وسحب الغطاء عن وجهه. ظهر وجهه أخيرًا. كان هو... حسن ابن عمر. الشخص الذي ظن الجميع... أنه مات. ابتسم ابتسامة هادئة. ثم نظر إلى السماء. وقال: "انتهت حكاية ياسين..." "لكن الظلام..." "لم ينتهِ بعد." أغلق المخطوطة. وضمها إلى صدره. ثم قال بصوت ثابت: "من اليوم..." "لن أهرب." "ولن أتراجع." "ولن تنتهي هذه الحرب..." "إلا بسقوط آخر ظلام." استدار. وسار نحو البوابة العملاقة. ومع كل خطوة... كانت الطلاسم تشتعل. وكأن عالم الظلال... اعترف ببداية وريث جديد. ثم... ابتلع الضباب جسده. وأُغلقت البوابة ببطء. وساد الصمت. لكن هذه المرة... لم يكن صمت النهاية. بل... صمت البداية. تمت لعنة همس نيرزا يتبع في الجزء الرابع... تحت ستار العوالم 🖤📖
خاتمة: كل من يقرأ هذه الصفحات... يترك شيئًا من نفسه بينها. وأحيانًا... تترك الصفحات شيئًا منها داخلك. فاحذر... فليست كل اللعنات تبدأ بكلمة. إذا كنت قد وصلت إلى هنا... فأنت لم تكن تقرأ حكاية فقط. بل كنت تعبر معها. وإن ظننت أن كل الإجابات قد كُشفت... فربما كنت تنظر إلى الباب الخطأ. فبعض النهايات... ليست سوى بداية عالم آخر. إلى لقاء قريب... تحت ستار العوالم. — ياسين عبد الرؤوف. لا تخف من نهاية الرواية... بل خف من اليوم الذي تشعر فيه... أنها لم تكن خيالًا.
الجزء الرابع : تحت ستار العوالم
الفصل الأخير: الوريث
لم أشعر بالموت. كل ما شعرتُ به... كان السقوط. ثم... الظلام. لا أعرف كم مرّ من الوقت. ثانية؟ سنة؟ ربما أكثر. لكنني عندما فتحتُ عينيّ... لم تكن السماء هي السماء التي أعرفها. كان السقف الحجري فوق رأسي يقطر ماءً، ورائحة الأعشاب تملأ المكان. حاول أتحرك، فاندفع ألم حاد في صدري، جعلني ألهث بصعوبة. سمعتُ صوتًا هادئًا يقول: "لا تتحرك... قلبك لم يتعافَ بعد." التفتُ بصعوبة. كان رجل عجوز يجلس بجوار موقد صغير، يطحن أعشابًا سوداء في إناء نحاسي. لم يرفع رأسه نحوي، وكأنه كان يعلم أنني استيقظتُ قبل أن أفتح عينيّ. قلتُ بصوت متقطع: "أنا... أين؟" ابتسم ابتسامة خفيفة. "في مكان لن يصل إليه من أراد قتلك." توقفت أنفاسي. أردتُ أن أسأله عشرات الأسئلة، لكن سؤالًا واحدًا خرج من فمي. "أنا... هل متّ؟" رفع العجوز عينيه لأول مرة. كانت عيناه غريبتين... كأنهما شهدتا قرونًا من الحروب. وقال بهدوء: "لو كنتَ ميتًا... لما شعرتَ بهذا الألم." أغمضتُ عينيّ للحظة. آخر ما أتذكره... كان جسدي ينهار. وصوت أمي. ثم... لا شيء. سألته بصوت مرتجف: "من جلبني إلى هنا؟" ساد الصمت. ثم أجاب: "رجل... رفض أن يترك طفلًا يموت." "من هو؟" تنهد. "رحل قبل أن تستيقظ." ظللتُ أحدق في الأرض. داخلي شعور غريب. كأن حياتي كلها كانت كذبة. أنا الذي أخبروني أنني ضعيف... أنا الذي قالوا إن قلبي لن يحتمل... أنا الذي دفنوني في ذاكرتهم قبل أن أموت... كنتُ ما زلتُ حيًا. مرّت أيام طويلة. كنتُ أتعلم المشي من جديد. وكان العجوز يعطيني أعشابًا مرّة الطعم، لكنها كانت تخفف الألم الذي يسكن صدري. وذات مساء... وضع أمامي صندوقًا خشبيًا صغيرًا. وقال: "حان الوقت." فتحتُ الصندوق ببطء. وفي داخله... وجدتُ صورة قديمة. أنا... وياسين. كنا نضحك. قبل أن يتحول كل شيء إلى كابوس. ارتجفت يدي. وتحت الصورة... كانت هناك ورقة صفراء. مكتوب عليها بخط أعرفه جيدًا... خط أبي. لكن... أبي كان قد مات منذ سنوات. أمسكتُ الورقة... وأخذتُ نفسًا عميقًا... ثم بدأتُ أقرأ. ارتجفت أصابعي وأنا أفرد الورقة ببطء. كانت الكلمات باهتة، لكنني تعرفتُ إلى الخط فورًا. > "إن كنتَ تقرأ هذه الرسالة... فمعنى ذلك أن كل ما خططوا له قد حدث. لا تثق في كل من يبكي عليك، ولا تكره كل من اختفى من حياتك. هناك من اضطر أن يرحل ليحميك، وهناك من اقترب منك ليقتلك." توقفت عيناي عند السطر الأخير. > "أخوك... ياسين... سيحتاجك أكثر مما تتخيل." سقطت الورقة من يدي. همستُ: "ياسين... هل هو حيّ؟" خفض العجوز رأسه، ثم قال بصوت امتزج فيه الأسى بالحقيقة: "لا أعرف... عندما أنقذتكَ كنتَ مجرد طفل. ومنذ ذلك اليوم، كنتُ أخفيكَ عن أعينٍ كانت تبحث عنك في كل مكان." أخذتُ الصورة القديمة وضممتها إلى صدري. كل الذكريات عادت دفعة واحدة. ضحكة ياسين. صوته وهو يطمئنني. يده التي كانت تمسك يدي كلما خفتُ. شعرتُ بغصة تكاد تخنقني. سألتُ العجوز: "من كانوا؟ ولماذا كانوا يريدون موتي؟" ساد الصمت طويلًا. ثم نهض واتجه نحو رفٍ خشبي قديم، وأخرج صندوقًا أسود صغيرًا، وضعه أمامي دون أن ينطق. فتحتُه بحذر... فتجمد الدم في عروقي. كان بداخله عشرات الملفات. كل ملف يحمل اسم طفل. وبجانب كل اسم... كلمة واحدة. "انتهى." قلبتُ ملفًا آخر. ثم آخر. حتى وقعت عيناي على ملف جعل أنفاسي تتوقف. كان مكتوبًا عليه... حسن. لكن الكلمة التي بجواره لم تكن "انتهى". بل كانت... "هارب." نظرتُ إلى العجوز بصدمة. فقال وهو يحدق في النار: "منذ تلك الليلة... لم تعد مجرد طفل مريض يا حسن." ثم رفع عينيه نحوي. وأكمل بهدوء: "لقد أصبحت... آخر خطأ ارتكبته منظمة ياسيرون." تجمدتُ في مكاني وأنا أحدق في الملف، وكأن الكلمات تحولت إلى سكاكين تغرس نفسها في صدري. لم أستوعب ما أراه. طوال تلك السنوات كنتُ أظن أنني مجرد طفل نجا بمعجزة، لكن الحقيقة كانت أبشع بكثير. لم أكن ناجيًا... كنتُ مطاردًا. أغلقتُ الملف ببطء، ثم نظرتُ إلى العجوز الذي كان يراقبني في صمت. قلتُ بصوت متحشرج: "من منظمة ياسيرون؟" ابتسم ابتسامة حزينة وقال: "سؤال سألتُه لنفسي منذ ثلاثين عامًا، وما زلتُ أكتشف إجابته حتى اليوم. هم لا يقتلون الناس من أجل السلطة... هم يقتلون كل من يعرف الحقيقة." ساد الصمت بيننا للحظات، ثم مد يده إلى صندوق آخر أكبر حجمًا، أخرجه من أسفل الطاولة ووضعه أمامي. كان ثقيلًا بصورة غريبة، وعندما فتحتُه شعرتُ بأن قلبي توقف للحظة. في داخله عشرات الصور، ووثائق قديمة، وخريطة كبيرة مرسوم عليها دوائر حمراء في أماكن متفرقة. لكن أكثر ما جذب انتباهي صورة قديمة باهتة لرجل يقف بجوار أبي. أمسكتُها بسرعة، وقلتُ بذهول: "هذا... أبي." هز العجوز رأسه وقال: "نعم... وهذه الصورة التُقطت قبل أن يقرر الوقوف ضدهم." نظرتُ إلى الرجل الآخر. كان يخفي نصف وجهه بغطاء أسود، لكن عينيه كانتا مألوفتين بشكل أربكني. شعرتُ أنني رأيته من قبل، لكنني لم أتذكر أين. فجأة تغير وجه العجوز، وقال بنبرة جادة: "لا وقت للأسئلة." التفتُّ إليه، فقال: "لقد عرفوا أنك استيقظت." وفي اللحظة نفسها دوى انفجار هائل خارج الكوخ، واهتزت الجدران بعنف، وتساقط الغبار من السقف. نهض العجوز بسرعة وأمسك عصاه، ثم نظر إليّ وقال: "اسمعني جيدًا يا حسن... إن خرجتَ من هذا المكان، فلن تعود طفلًا مرة أخرى... ستبدأ الحرب التي كان أخوك يحاول منعها طوال حياته." لم أفكر. أمسكتُ بالصندوق وضغطته إلى صدري، بينما اندفع العجوز نحو الباب الخشبي وفتحه قليلًا. رأيتُ من الفتحة رجالًا يرتدون عباءات سوداء تتقدم ببطء بين الأشجار، وكأنهم يعرفون الطريق جيدًا. لم تكن خطواتهم تصدر أي صوت، لكن وجودهم وحده كان كافيًا ليملأ المكان رهبة. أغلق العجوز الباب بسرعة، ثم أمسك بكتفي وقال: "اسمعني يا حسن... مهما سمعتَ خلفك، لا تلتفت. ومهما حدث لي، لا ترجع." هززتُ رأسي وأنا أتنفس بسرعة، لكنني رفضتُ أن أتركه وحده. قلتُ بإصرار: "لن أتركك." ابتسم لأول مرة منذ أن عرفته، وربت على رأسي قائلًا: "كنتُ أعرف أن ياسين كان سيصبح هكذا... ولم أكن أعلم أن أخاه يشبهه إلى هذا الحد." قبل أن أرد، انكسر الباب بقوة، وتطايرت شظايا الخشب في كل مكان. دخل أول رجل وهو يحمل سيفًا أسود طويلًا، وخلفه آخرون يحيط بهم دخان قاتم. نظر قائدهم إليّ مباشرة وقال بصوت بارد: "انتهت اللعبة... أحضروا حسن حيًا." تقدموا نحوي، لكن العجوز وقف أمامي ورفع عصاه، فضرب الأرض بها، فانفجر ضوء أبيض أجبرهم جميعًا على التراجع خطوة. صرختُ باسمه، لكنه لم ينظر إليّ، بل قال وهو يثبت قدميه: "اهرب!" تجمدتُ في مكاني للحظة، ثم تذكرتُ كلمات الرسالة... "لا تثق في كل من يبكي عليك، ولا تكره كل من اختفى من حياتك." التقطتُ الصندوق واندفعتُ نحو ممر ضيق خلف الكوخ. كنتُ أسمع صليل السيوف، وصوت انفجارات، وصراخًا مكتومًا يتردد خلفي، لكنني لم ألتفت. ظللتُ أجري حتى وصلتُ إلى نهاية الممر، وهناك وجدتُ بابًا حجريًا قديمًا منقوشًا عليه رمز لم أره من قبل. وما إن اقتربتُ منه حتى بدأ الرمز يضيء بلون أزرق خافت، ثم سُمعت همسة خرجت من داخل الباب نفسه، قالت بصوت لم يكن صوت إنسان: "مرحبًا بك... أيها الوريث الأخير." ترددتُ للحظة، ثم مددتُ يدي نحو الباب الحجري. ما إن لامست أصابعي الرمز حتى اهتزت الأرض تحت قدمي، وبدأ الباب ينفتح ببطء، مصدراً صوتاً عميقاً كأنه لم يُفتح منذ مئات السنين. اندفعتُ إلى الداخل قبل أن يصل إليّ رجال المنظمة، وما إن تجاوزتُ العتبة حتى أُغلق الباب خلفي بعنف، واختفى كل صوت. أصبحتُ في ممر طويل تضيئه بلورات زرقاء مغروسة داخل الجدران، وكان الهواء بارداً على نحو غريب. تقدمتُ بحذر وأنا أضم الصندوق إلى صدري، حتى وصلتُ إلى قاعة دائرية تتوسطها منصة حجرية، وفوقها سيف قديم مغروس في الأرض. لم يكن السيف عادياً، فقد كانت شفرته سوداء بالكامل، بينما ينبض مقبضه بضوء أحمر خافت يشبه نبضات القلب. اقتربتُ منه دون أن أشعر، لكن قبل أن ألمسه سمعتُ صوتاً خلفي يقول: "لا تلمسه... إلا إذا كنتَ مستعداً لمعرفة الحقيقة كاملة." استدرتُ بسرعة، فرأيتُ رجلاً يقف في نهاية القاعة، يرتدي عباءة رمادية يغطي بها نصف وجهه. لم أستطع تمييز ملامحه، لكن صوته كان هادئاً على عكس المكان كله. سألته: "من أنت؟" أجاب بعد صمت قصير: "شخص كان يعرف أباك... وكان ينتظر اليوم الذي تصل فيه إلى هنا." شعرتُ بأن الأسئلة أصبحت أكثر من قدرتي على الاحتمال. كل خطوة أخطوها تفتح عشرات الأبواب المغلقة. قلتُ له وأنا أقترب بحذر: "ما الحقيقة؟" تنهد الرجل، ثم قال: "الحقيقة أن موت أبيك لم يكن بداية المأساة... بل كان آخر محاولة لإنقاذك." وتجمدتُ في مكاني. لم أجد ما أقوله. بقيتُ أحدق فيه، بينما كانت الكلمات تدور في رأسي دون أن أستطيع الإمساك بها. اقترب الرجل ببطء، ثم أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا من المعدن الأسود ووضعه فوق المنصة الحجرية. قال بصوت هادئ: "هذا المفتاح ظل مع أبيك سنوات طويلة. قبل موته بأيام أخفاه، لأنه كان يعلم أن منظمة ياسيرون ستبحث عنه حتى آخر نفس." نظرتُ إلى المفتاح، ثم إلى الرجل. قلتُ: "إذا كان مهمًا بهذا الشكل... لماذا لم تعطه لي منذ زمان؟" ابتسم ابتسامة باهتة وقال: "لأنك لم تكن مستعدًا. كنتَ طفلًا مريضًا بالكاد يقاوم الحياة. أما الآن... فقد أصبحتَ قادرًا على حمل الحقيقة." اقتربتُ من المنصة وأمسكتُ المفتاح. بمجرد أن لامسته شعرتُ بحرارة غريبة تسري في راحة يدي، ثم ظهرت أمام عينيّ صور متلاحقة. رأيتُ أبي واقفًا أمام باب حجري عملاق، وبجواره رجلان يرتديان ملابس سوداء. كانوا يتجادلون بعنف، ثم رفع أبي سيفه وصرخ: "لن يخرج أحد من هناك ما دمتُ حيًا." انتهت الرؤية فجأة، فسقطتُ على ركبتي وأنا أتنفس بصعوبة. أسرع الرجل نحوي وساعدني على الوقوف، ثم قال: "رأيتَ أول ذكرى. وما زال هناك الكثير." سألته وأنا ألهث: "أبي... ماذا كان يحرس؟" نظر إلى الباب الحجري في نهاية القاعة، ثم قال: "كان يحرس شيئًا لو خرج... فلن يبقى عالم البشر كما تعرفه." وقبل أن أسأله سؤالًا آخر، اهتزت القاعة بعنف، وسمعنا صوت ارتطام قوي خلف الباب الذي دخلتُ منه. تبعه صوت آخر... ثم آخر... حتى بدأت الشقوق تظهر في الجدار. قال الرجل بقلق: "وصلوا." قلتُ: "من؟" أجاب وهو يسحب سيفه من على المنصة: "ياسيرون... لكن هذه المرة لم يأتوا للقبض عليك." توقفت أنفاسي. "جاءوا... ليقتلوك." لم أشعر بالخوف... شعرتُ بالغضب. لأول مرة منذ استيقظتُ، لم أعد أريد الهرب. قبضتُ يدي بقوة حتى كاد المفتاح ينغرس في جلدي، ثم رفعتُ رأسي ونظرتُ إلى الرجل. قلتُ بصوت ثابت: "طوال عمري أهرب من شيء لا أعرفه... اليوم لن أركض." ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، ثم مد يده إلى السيف الأسود وانتزعه من الصخر بسهولة، وكأن السيف كان ينتظر يده منذ سنوات. قال وهو يثبت قدميه: "إذن استعد لترى الوجه الحقيقي للمنظمة." وفي اللحظة نفسها انفجر الباب الحجري، وامتلأت القاعة بالغبار. تقدمت خمسة ظلال ببطء، جميعهم يرتدون العباءات السوداء نفسها، لكن الذي كان في المنتصف كان مختلفًا. كان طويل القامة، يخفي وجهه بقناع فضي، وفي يده عصا سوداء تتوهج بخطوط حمراء. توقف على بعد خطوات، ثم نظر إليّ مباشرة. قال بصوت بارد: "أخيرًا وجدناك يا حسن." لم أرد. أكمل وهو يخلع القناع عن وجهه. تجمدت عيناي. كنتُ أعرف هذا الوجه. رأيته في الصورة القديمة التي كانت مع أبي. الرجل نفسه. لكن الزمن لم يغيّر فيه شيئًا. ابتسم ابتسامة خالية من الرحمة وقال: "واضح أنك تذكرتني." قلتُ بصعوبة: "أنت... كنت مع أبي." هز رأسه ببطء. "بل كنتُ شريكه." شعرتُ أن الأرض تميد بي. صرختُ: "كاذب!" ضحك ضحكة قصيرة، ثم أخرج من جيبه خاتمًا فضيًا يحمل الرمز نفسه المنقوش على المفتاح الذي في يدي. وقال: "أبوك لم يخنك... لكنه خادعنا." ساد الصمت. ثم أشار بعصاه نحوي. "اقبضوا عليه." اندفع الرجال الأربعة في لحظة واحدة، لكن قبل أن يصلوا إليّ، دوى صوت ارتطام هائل في سقف القاعة، وتساقطت الحجارة في كل مكان. التفت الجميع نحو مصدر الصوت، وإذا بشخص يقف فوق الأنقاض، يحيط به غبار كثيف. لم تظهر ملامحه. لكن صوته كان واضحًا. قال بهدوء: "لن يلمسه أحد..." ثم قفز إلى أرض القاعة، ممسكًا سيفًا لامعًا، ووقف أمامي كأنه يعرفني منذ سنوات. أما قائد ياسيرون... فاتسعت عيناه لأول مرة. وقال بصوت لم يخلُ من الصدمة: "مستحيل... كان المفترض أن تموت منذ زمن." ساد الصمت في القاعة لثوانٍ، حتى إنني كنتُ أسمع صوت أنفاسي. الرجل المجهول لم ينطق بكلمة، بل وجه سيفه نحو قائد ياسيرون. ابتسم القائد ابتسامة باردة وقال: "ظننتُ أنك دُفنت مع الماضي." رد الرجل بهدوء: "الماضي لا يُدفن... الماضي يعود عندما يحين وقت الحساب." اندفع أحد رجال المنظمة نحوه، لكن الرجل اختفى من مكانه في لمح البصر، ثم ظهر خلفه. لم أستوعب ما حدث إلا بعدما سقط الرجل على ركبتيه، وسيفه انقسم إلى نصفين. لم يقتله، بل نظر إليه باحتقار وقال: "أنتم لا تستحقون موتًا سريعًا." شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي. لم أرَ أحدًا يقاتل بهذه السرعة من قبل. صرخ قائد ياسيرون: "اقتلوا الجميع!" تحولت القاعة إلى فوضى. اصطدمت السيوف، وتناثرت الحجارة، وامتلأ المكان بالغبار. أمسكتُ بالمفتاح بقوة، وأنا أبحث بعينيّ عن أي طريق للهرب، لكن الرجل المجهول التفت نحوي فجأة وصاح: "حسن... افتح الصندوق!" صرختُ: "أي صندوق؟" قال بغضب: "الصندوق الذي حملته طوال الطريق!" أنزلته بسرعة على الأرض، وفتحته بيدين مرتجفتين. لم أجد ذهبًا ولا سلاحًا... بل وجدتُ مخطوطة قديمة ملفوفة بقماش أسود، وعلى غلافها ختم يشبه الختم المنقوش على المفتاح. اقترب قائد ياسيرون خطوة، وتغير لون وجهه لأول مرة. همس بخوف: "لا... مستحيل." رفع الرجل المجهول سيفه وقال بصوتٍ هادئ: "لهذا السبب كنتم تطاردونه." مددتُ يدي نحو المخطوطة، وما إن لامستُها حتى أضاءت القاعة كلها بضوء أبيض، وبدأت الرموز المنقوشة على الجدران تتحرك كأنها استيقظت من سبات طويل. تراجع رجال المنظمة إلى الخلف. أما قائدهم... فلم يتراجع. بل ابتسم. وقال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي: "إذن... لقد تأخرنا." ثم رفع رأسه نحو السقف، وكأنه يخاطب شخصًا لا أراه. وقال: "لقد استيقظ... القلب الأخير." ما إن أنهى كلماته حتى اهتزت الأرض بعنف، وبدأ الضوء الأبيض ينسحب من المخطوطة ليلتف حول يدي كخيوط من اللهب. حاولتُ أن أتركها، لكن أصابعي لم تستجب. شعرتُ بحرارة تخترق عروقي، ثم بدأتُ أسمع أصواتًا كثيرة تتداخل في رأسي، أصوات رجال ونساء يصرخون، وأخرى تهمس بكلمات لم أفهمها. أغمضتُ عينيّ بقوة، لكن الصور لم تتوقف. رأيتُ أبي واقفًا أمام بحرٍ أسود لا نهاية له، وخلفه جيش كامل يرتدي العباءات نفسها التي أمامي الآن. كان يحمل السيف بيد، والمخطوطة باليد الأخرى، ثم التفت إلى شخص لم أستطع رؤية وجهه وقال: "إذا فشلتُ... فسيحملها ابني." فتحتُ عينيّ مذعورًا، فإذا بالجميع ينظر إليّ. حتى رجال ياسيرون بدت على وجوههم علامات الذهول. تراجع قائدهم خطوة، ثم قال بصوت خافت: "إذن اختارته المخطوطة." اقترب الرجل المجهول مني، ووضع يده على كتفي وقال: "اسمعني جيدًا يا حسن... لا تدعهم يأخذونها مهما حدث. لو وقعت في أيديهم، فلن يكون هناك عالم يعود إليه أحد." لكن قبل أن أجيبه، دوى ضحك عالٍ في أنحاء القاعة. لم يكن الضحك صادرًا من أحد الواقفين أمامي، بل جاء من كل اتجاه في الوقت نفسه. انطفأت البلورات الزرقاء فجأة، وغرقت القاعة في ظلام دامس، ثم ظهرت عينان حمراوان وسط السواد، أكبر من أي إنسان، تحدقان في الجميع دون أن ترمشا. ساد الصمت. ولأول مرة منذ بدأت هذه الرحلة... رأيتُ الخوف على وجوه رجال ياسيرون أنفسهم. همس قائدهم وهو ينظر إلى الظلام: "لا... مستحيل أن يستيقظ الآن..." ثم انحنى على ركبة واحدة دون أن يأمره أحد، وتبعه باقي الرجال. أما الرجل المجهول... فشد قبضته على السيف، وقال بصوت امتزج فيه الغضب بالقلق: "لقد تأخرنا..." وفجأة... خرج من قلب الظلام صوت عميق هز جدران القاعة كلها: "أين... وريث الحارس؟" ترددتُ للحظة، ثم تقدمتُ خطوة إلى الأمام رغم أن قدميّ كانتا ترتجفان. لم أكن أعرف من صاحب ذلك الصوت، لكن شيئًا بداخلي كان يخبرني أن الهروب لم يعد خيارًا. خرجت العينان الحمراوان من الظلام تدريجيًا، ثم ظهر جسد ضخم يلتف حول أعمدة القاعة. لم يكن إنسانًا ولا جنيًا كما تخيلتُ يومًا، بل كائنًا لم أرَ له مثيلًا في حياتي. كانت عيناه تحملان حزنًا أقدم من الزمن، وليس غضبًا كما توقعت. توقفت أنفاسي. قال الكائن بصوت هادئ هذه المرة: "اقترب... يا حسن." نظرتُ إلى الرجل المجهول، فهز رأسه ببطء، وكأنه يطلب مني ألا أخاف. اقتربتُ حتى أصبحتُ على بعد خطوات قليلة من الكائن. خفض رأسه العملاق نحوي، ثم قال: "تشبهه كثيرًا..." سألته وأنا أحاول السيطرة على ارتجاف صوتي: "أشبه من؟" أجاب دون أن يبعد عينيه عني: "أباك." ساد الصمت. ثم أضاف: "كان آخر من وقف أمامي بالسيف نفسه... وآخر من رفض أن يبيع العالم مقابل القوة." شعرتُ بغصة في حلقي. طوال حياتي كنتُ أبحث عن حقيقة أبي. والآن... أسمعها من كائن لم أكن أؤمن بوجوده أصلًا. وفجأة صاح قائد ياسيرون: "لا تستمع إليه... إنه يخدعك!" التفت الكائن إليه، ولم ينطق بكلمة. لكن مجرد نظرته كانت كافية. في اللحظة التالية اندفع قائد ياسيرون إلى الخلف بعنف، كأن قوة خفية قذفته عشرات الأمتار، وارتطم بالجدار حتى تشقق الحجر خلفه. وقف بصعوبة وهو يمسح الدم عن فمه، ثم ابتسم ابتسامة مجنونة وقال: "حتى لو قتلتني... انتهى الأمر." قطب الرجل المجهول حاجبيه. "ماذا تقصد؟" ضحك قائد المنظمة بصوت مرتفع، ثم رفع يده اليمنى. كان يحمل جهازًا صغيرًا أسود اللون، تتوسطه لمبة حمراء بدأت تومض بسرعة. نظر إليّ مباشرة وقال: "وأنت هنا تبحث عن ماضيك..." ثم ضغط الزر. ساد صمت مرعب. وبعد ثانيتين فقط... اهتزت الأرض كلها، وشعرنا بانفجار هائل قادم من بعيد، حتى إن سقف القاعة بدأ يتصدع، وتساقطت الصخور من كل اتجاه. نظر الكائن العملاق إلى الأعلى، ثم أغلق عينيه للحظة وقال بصوت امتزج فيه الأسى بالغضب: "لقد بدأوا المرحلة الأخيرة..." وتجمدتُ في مكاني عندما التفت الرجل المجهول نحوي وقال: "يا حسن... إذا سقط هذا المكان، فلن تكون أنت فقط من سيموت... بل الحقيقة كلها." تبادلنا النظرات لثوانٍ، ولم يكن بيننا من يملك إجابة. كانت الصخور تتهاوى من سقف القاعة، والغبار يملأ الهواء حتى أصبحت الرؤية شبه مستحيلة. شد الرجل المجهول ذراعي بقوة وقال: "لا تنظر للخلف... اتبعني." اندفعنا عبر ممر جانبي لم أره من قبل، بينما ظل الكائن العملاق واقفًا في مكانه، كأنه آخر من يحرس تلك القاعة منذ آلاف السنين. وقبل أن أغادر، سمعتُ صوته يناديني. "حسن." التفتُ إليه. قال بصوت هادئ، رغم انهيار المكان من حوله: "لا تجعل الكراهية تقودك... فقدتُ حراسًا كثيرين بسببها." أردتُ أن أسأله عن أبي، وعن ياسين، وعن كل ما حدث، لكن الأرض انشقت بيننا، وانفصلت القاعة إلى نصفين. ركضتُ مع الرجل المجهول حتى وصلنا إلى ممر ضيق ينتهي بباب حجري صغير. دفعه بقوة، فاندفعنا إلى الخارج. كان الليل قد حل. لكن السماء... لم تكن كما عرفتها يومًا. كانت مليئة بشقوق مضيئة تمتد من الأفق إلى الأفق، وكأن العالم نفسه بدأ يتمزق. وعلى قمم الجبال البعيدة تصاعدت أعمدة من الدخان الأسود، بينما دوّت أصوات انفجارات متتالية هزت الأرض تحت أقدامنا. قلتُ وأنا أحدق في المشهد: "ما الذي حدث؟" تنهد الرجل، ثم قال: "الانفجار الذي سمعته... لم يكن هنا." نظرتُ إليه باستغراب. أكمل: "كان في مقر منظمة ياسيرون." شعرتُ بانقباض في صدري. "يعني... هم دمروا مقرهم؟" هز رأسه ببطء. "لا... هم دمروا كل الأدلة." ساد الصمت. ثم أخرج من جيبه قطعة معدنية صغيرة، نُقش عليها الرمز نفسه الموجود على المفتاح الذي أحمله. تناولني إياها وقال: "من اليوم... كل من سيطاردونك لا يبحثون عن حسن." توقفت أنفاسي. "يبحثون عن... وريث الحارس." وفي اللحظة نفسها، سمعنا صوت خطوات تقترب من خلفنا. التفتنا معًا. كان شخص يقف فوق صخرة مرتفعة، يخفي وجهه بغطاء أسود، لكنه كان يحمل في يده قلادة أعرفها جيدًا... قلادة ياسين. تجمدتُ في مكاني، ولم أستطع أن أزيح عينيّ عن القلادة. كانت هي نفسها... بنفس الخدش الصغير في منتصفها. رأيتها عشرات المرات معلقة في عنق ياسين. قبضتُ على السيف بقوة وقلتُ بصوت منخفض: "من أنت؟" لم يجِب. ظل واقفًا فوق الصخرة، والهواء يحرك عباءته السوداء. ثم رفع يده ببطء. وألقى القلادة نحوي. التقطتُها قبل أن تسقط على الأرض. أغلقتُ أصابعي عليها، وشعرتُ بدفء غريب يسري في كفي. قال الرجل أخيرًا: "كان آخر شيء تركه قبل موته." توقفت أنفاسي. "كنتَ... مع ياسين؟" أومأ برأسه. "في لحظاته الأخيرة." اقتربتُ منه خطوة. "كيف مات؟" ساد الصمت. ثم قال بصوت امتزج فيه الحزن بالإرهاق: "مات... وهو يبتسم." لم أفهم. سألته مرة أخرى: "لماذا؟" نظر إلى السماء التي كانت تتشقق فوقنا، ثم قال: "لأنه كان يعرف... أن شخصًا آخر سيكمل الطريق." ارتجفت يدي. ونظرتُ إلى القلادة مرة أخرى. كانت مغطاة ببقعة دم جافة. دم ياسين. خفضتُ رأسي، وشعرتُ لأول مرة بثقل اسمه فوق كتفي. لم يعد مجرد أخ. أصبح إرثًا كاملًا. قطع الرجل الصمت قائلًا: "قبل أن يغمض عينيه... طلب مني أن أوصلها إليك." ثم أخرج ورقة صغيرة مطوية. تناولني إياها. فتحتُها بسرعة. كان الخط مألوفًا. خط ياسين. لم يكن مكتوبًا فيها سوى جملة واحدة: "لو وصلت هذه الرسالة إليك يا حسن... فمعنى ذلك أنني وفيتُ بوعدي... ودورك أنت بدأ." شعرتُ بدموعي تنزل دون أن أشعر. أغلقتُ الورقة ببطء. ثم رفعتُ رأسي. لكن الرجل... لم يكن موجودًا. اختفى. وكأنه لم يكن هنا من الأساس. وفجأة... اهتزت القلادة بين يدي. وأطلقت ضوءًا خافتًا. ثم ظهر أمامي سهم من النور يشير إلى اتجاه واحد... اتجاه البحر. نظر الرجل المجهول الذي كان يرافقني إلى الأفق، ثم قال بصوت لم أسمع فيه أي تردد: "واضح أن ياسين كان يخطط لكل شيء..." ثم نظر إليّ مباشرة: "رحلتنا الحقيقية... تبدأ من هناك." بقينَا نسير ساعات طويلة، لا نسمع إلا صوت الأمواج وهي ترتطم بالصخور. كان البحر هادئًا على غير عادته، لكن داخلي كان عاصفة لا تهدأ. كل خطوة أخطوها كانت تحمل سؤالًا جديدًا، وكل إجابة كنتُ أجدها كانت تفتح عشرات الأبواب المغلقة. توقفتُ فجأة عندما رأيتُ قاربًا خشبيًا صغيرًا مربوطًا إلى صخرة، وكأن أحدًا تركه ينتظرنا منذ سنوات. اقترب الرجل المجهول منه، ثم قال: "اركب." سألته: "إلى أين نحن ذاهبون؟" أجاب وهو يفك الحبل: "إلى المكان الذي بدأت منه كل الأكاذيب." تحرك القارب ببطء وسط البحر، رغم أنه لم يكن هناك مجداف ولا محرك. كان يسير وحده، كأن البحر يعرف وجهته. وبعد وقت طويل بدأ الضباب يزداد كثافة حتى اختفى الشاطئ تمامًا. فجأة ظهر أمامنا بناء ضخم يخرج نصفه من الماء، بينما نصفه الآخر غارق في الأعماق. كان يشبه قلعة قديمة، لكن أبوابها كانت مفتوحة، وكأنها تدعو الغرباء للدخول. ما إن نزلتُ من القارب حتى شعرتُ بشيء غريب. المكان كله مألوف، رغم أنني متأكد أنني لم آتِ إليه من قبل. نظرتُ حولي، ثم وقعت عيناي على تمثال حجري ضخم لرجل يحمل سيفًا، وقد تهشم نصف وجهه. اقتربتُ منه. ثم تجمدتُ. كان التمثال... يشبه أبي. التفتُّ إلى الرجل بسرعة، لكنه لم يبدُ متفاجئًا. قال بهدوء: "لأن أباك كان آخر حراس هذا المكان." مددتُ يدي ولمستُ التمثال، فانفتح جدار القلعة ببطء، وظهر سلم حجري ينزل إلى الأسفل. خرج من داخله هواء بارد يحمل رائحة قديمة، كأن أحدًا لم يفتح هذا المكان منذ قرون. بدأنا نهبط السلالم في صمت، حتى وصلنا إلى قاعة واسعة تتوسطها دائرة حجرية منقوش عليها أسماء كثيرة. ركعتُ على الأرض أقرأ الأسماء واحدًا تلو الآخر، حتى وصلتُ إلى اسم جعل الدم يتجمد في عروقي. ياسين. كان اسمه محفورًا حديثًا، وكأن أحدًا كتبه قبل أيام قليلة فقط. وضعتُ يدي فوق الحروف، وهمستُ: "حتى بعد موتك... كنتَ تسبقني بخطوة." وفي اللحظة نفسها، بدأت الدائرة الحجرية تدور ببطء، وخرج من باطنها صندوق أسود صغير، لا يحمل أي قفل. فتحتُه بحذر، فلم أجد داخله سلاحًا ولا مخطوطة. وجدتُ ساعة يد قديمة. عرفتُها فورًا. كانت ساعة ياسين. لكن أسفلها... كانت هناك ورقة أخرى. وعليها جملة واحدة فقط: "إذا وصلتَ إلى هنا يا حسن... فلا تبحث عني." سكتُّ. ثم أكملتُ قراءة السطر الأخير. "ابحث... عمن قتل الحقيقة." طويتُ الورقة ببطء، ثم وضعتها داخل جيبي، وأغلقتُ الصندوق. بقيتُ واقفًا في مكاني لدقائق طويلة، أحدق في اسم ياسين المنقوش على الحجر. لم أشعر بالحزن... شعرتُ بالمسؤولية. لأول مرة فهمتُ لماذا كان يقاتل حتى آخر لحظة، ولماذا لم يخبر أحدًا بكل ما عرفه. اقترب الرجل المجهول، ووضع يده على كتفي، ثم قال: "الطريق الذي بدأه ياسين انتهى بموته... لكن الحقيقة ما زالت لم تنتهِ." رفعتُ رأسي إليه. قلتُ بهدوء: "وأنا لن أدعها تموت." ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا ووضعه في يدي. "هذه آخر أمانة كانت مع أخيك." نظرتُ إلى المفتاح، ثم أعدتُ بصري إلى الدائرة الحجرية. وفجأة... بدأت الأسماء المنقوشة كلها تضيء، اسمًا بعد اسم، حتى توقف الضوء عند اسم ياسين، ثم انتقل ببطء إلى اسم جديد لم يكن موجودًا قبل لحظات. حسن. ظهرت الحروف أمام عينيّ كأنها تُنحت في الحجر في تلك اللحظة. شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي. همس الرجل: "اختارك المكان." ساد الصمت. ثم التفتُّ نحو باب القاعة المفتوح. كانت الشمس قد بدأت تشرق فوق البحر، وأول خيط من النور انعكس على سطح الماء، بعد ليلة ظننتُ أنها لن تنتهي. أخرجتُ قلادة ياسين من جيبي، ونظرتُ إليها للمرة الأخيرة، ثم أغلقتُ قبضتي عليها بقوة. قلتُ بصوت ثابت، وكأنني أخاطبه رغم غيابه: "وعد... لن أسمح لأحد بأن يدفن الحقيقة مجددًا. ومهما كان الثمن... سأكمل الطريق." استدرتُ، وبدأتُ أسير نحو ضوء الصباح، بينما كانت الأمواج تمحو آثار خطوات الليل خلفي، وكأنها تطوي فصلًا كاملًا من الحكاية، لتترك فصلًا آخر ينتظر من يكتبه. تمت.
أغلقتُ هذه الحكاية... لكن بعض الحكايات لا تنتهي عندما تُغلق صفحاتها. بل تبدأ... داخل من قرأها.
يتبع في الجزء الثاني للرواية "وريث الظلال".
كان الليل قد ابتلع المحطة، ولم يبقَ سوى صوت المطر الخفيف وصفير القطار الذي يقترب ببطء. وقف هشام، طفل في السابعة من عمره، يحتضن أخاه الصغير آدم بين ذراعيه المرتجفتين. كان آدم، ذو العامين، يضحك ببراءة، يعبث بخصلات شعر أخيه الصغيرة، غير مدرك أن تلك الدقائق ستكون آخر ما يجمعهما. أما هشام... فكان يبكي. لم يكن يبكي بصوت مرتفع، بل كان يحبس شهقاته حتى لا يخيف أخاه. ضمّه إلى صدره بقوة، ثم همس بصوت طفولي متقطع: "آدم... لا تغضب مني... اتّفقنا؟" لم يفهم آدم شيئًا. ابتسم ابتسامته الصغيرة، وربت بكفه على خد هشام المبلل بالدموع، ثم ضحك ضحكة قصيرة جعلت قلب هشام ينكسر أكثر. شهق هشام، وانهمرت دموعه. وقال بصوت مرتعش: "أنا... أنا لا أتركك لأنني سيئ..." سكت لحظة، وكأنه يبحث عن كلمات لا يعرفها طفل في مثل عمره. ثم أكمل وهو يبكي: "أنا أتركك... لكي لا يضربك أحد مجددًا." نظر خلفه بخوف، كأنه يتوقع أن تظهر عائلته في أي لحظة. ارتجفت يداه وهو يحمل آدم إلى داخل عربة القطار، ثم أجلسه برفق على أحد المقاعد. لكن آدم تشبث بقميص هشام بكلتا يديه الصغيرتين، وضحك وهو يحاول الوقوف. حاول هشام أن يحرر قميصه برفق. مرة... ثم مرة أخرى... لكنه لم يستطع. عاد واحتضنه بقوة حتى كاد يخفيه داخل صدره. وأخذ يقبل رأسه الصغير مراتٍ متتالية وهو يبكي. "كنتُ أتمنى أن أكون كبيرًا... كنتُ سأعرف كيف أحميك... والله... والله كنتُ سأحميك." دوّى صفير القطار. وصاح أحد العاملين: "أغلقوا الأبواب!" تجمد هشام. لم يتحرك. ظل ينظر إلى وجه آدم لثوانٍ طويلة. يحاول أن يحفظ ملامحه... عينيه الصغيرتين... ابتسامته... وضوء البراءة الذي يملأ وجهه. رفع آدم يديه الصغيرتين نحو هشام وهو يضحك، ثم قال بصوت متلعثم لا يعرف نطق الكلمات كاملة: "هام..." توقّف الزمن بالنسبة لهشام. ارتعشت شفتاه. وكاد يفتح الباب من جديد ليأخذ أخاه ويهرب به. لكن صورة الضرب، والصراخ، والخوف... مرت في رأسه كأنها كابوس. أغمض عينيه بقوة. ثم همس بصوت اختنق بالبكاء: "عندما تكبر... لا تكرهني." أغلق الباب. وتراجع خطوة إلى الخلف. تحرك القطار ببطء. وفجأة ركض هشام بكل ما يملك من قوة بجوار العربة. كانت دموعه تختلط بمياه المطر، وصوته يمزق سكون المحطة. "آدم!" "أنا أحبك!" "أنا آسف!" "أنا آسف جدًا!" ظل يركض... حتى ازدادت سرعة القطار. تعثر وسقط على الأرض. حاول أن ينهض... لكن قدميه لم تعودا تحملانه. ظل يمد يده الصغيرة نحو القطار، وكأنه يستطيع أن يمنعه من الرحيل. لكن القطار ابتعد... ثم اختفى تمامًا. ساد الصمت. نهض هشام بصعوبة، ومسح دموعه بكم قميصه، وسار وحده في الطريق المؤدي إلى البيت. كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. وحين فتح باب المنزل... نظر إليه أحد أفراد العائلة ببرود، وقال: "أين أخوك؟" تجمد هشام. فتح فمه... لكنه لم يستطع أن ينطق حرفًا واحدًا. اكتفى بالنظر إلى الأرض. ثم انفجر في البكاء. ولأول مرة... لم يكن يبكي لأنه خائف. بل لأنه اضطر، وهو طفل في السابعة من عمره، أن يتخذ قرارًا لا يحتمله حتى الكبار. وفي تلك الليلة... عاد هشام إلى البيت وحده. أما قلبه... فقد ركب ذلك القطار مع آدم... ولم يعد أبدًا.
إلى القارئ... ليست كل النهايات سعيدة، وليست كل الجروح تُشفى. لكن لكل حكاية أثر... وأنت أصبحت جزءًا من هذه الحكاية. شكرًا لك.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!