الفصل الثاني عشر:
ارتجف قلبي، وعدتُ أنظرُ إليه.
"أخبرني الحقيقة."
تنهد آزاريل ببطء، ولأول مرة بدا وكأنه يحمل عبئًا أثقل من الظلام نفسه، وقال:
"والدك لم يكن مجرد إنسان... كان حارس البوابات، وكان الشخص الوحيد القادر على إبقاء العالمين منفصلين."
شعرتُ برأسي يدور، وكل شيءٍ كنتُ أؤمن به بدأ ينهار أمامي.
قبل أن أتمكن من السؤال، اهتزت الأرض مرة أخرى، لكن هذه المرة كان الاهتزاز أقرب... أقرب بكثير.
التفتنا معًا، ومن بين الضباب خرجت هيئة ضخمة ترتدي درعًا أسود مغطى بالشقوق الحمراء؛ عينان حمراوان، وخوذة تشبه جمجمة قديمة، وسيف أطول من أي إنسان.
توقف المخلوق على بعد أمتار قليلة منا، ثم غرس سيفه في الأرض، وانحنى برأسه، وقال بصوت أجش:
"أخيرًا وجدناك."
تجمدتُ في مكاني: "وجدتم مَن؟"
رفع رأسه ببطء، ثم أشار نحوي: "وريث اللعنة."
في اللحظة التالية، انطلقت عشرات السلاسل من الأرض كالأفاعي. قفز آزاريل أمامي مباشرة، فاصطدمت السلاسل بحاجز أسود ظهر من العدم، وانفجر المكان بضوء أحمر هائل.
تراجعتُ عدة خطوات إلى الخلف، وصرخ آزاريل:
"اهرب يا ياسين!"
لكنني لم أتحرك. كنتُ أحدق في الفارس، واجتاحني شعور غريب... كأنني رأيته من قبل، كأن هذا الوجه الميت جزء من ذكرى دُفنت داخل عقلي منذ سنوات طويلة.
وفجأة... سمعتُ صوتًا داخل رأسي؛ صوتًا لم يكن صوت آزاريل ولا صوتي، بل صوتًا عميقًا قديمًا يقول:
"لقد حان الوقت لتتذكر."
وفي اللحظة نفسها، انفجرت آلاف الصور داخل عقلي: قصر أسود... عرش مشتعل... رجل ذو قرنين يجلس فوقه... وطفل صغير يقف بجواره. ذلك الطفل... كان أنا.
تراجعتُ إلى الخلف وأنا أتنفس بسرعة، بينما الصور تتفجر في رأسي واحدة تلو الأخرى... القصر الأسود، العرش، الرجل ذو القرنين، والطفل الصغير... أنا! كنتُ أنا!
أمسكتُ رأسي بيديّ وأنا أصرخ من الألم، شعرتُ كأن عقلي سينقسم إلى نصفين. ركعتُ على الأرض، والأصوات حولي بدأت تختلط ببعضها:
"ياسين!"
كان صوت آزاريل... لكنه كان بعيدًا... بعيدًا جدًا.
وفجأة... فتحتُ عينيّ، فوجدتُ نفسي واقفًا وسط قاعة ضخمة أعمدتها سوداء وسقفها مرتفع بشكل مرعب، وشعلة زرقاء ضخمة مشتعلة في منتصفها.
نظرتُ حولي بتوتر، كان المكان خاليًا إلا من شخص واحد واقف أمام العرش، ظهره نحوي، طويل، عريض الكتفين، وارتدي عباءة سوداء.
بلعتُ ريقي، وقلتُ بصوت مرتعش:
"مَن أنت؟"
سكت، ثم بدأ يلتفت ببطء. وفي اللحظة التي رأيتُ فيها وجهه... تجمد الدم في عروقي.
كان يشبهني! نفس العينين، نفس الملامح، لكنه أكبر سنًا، وأقسى، وأخطر.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:
"أخيرًا وصلت."
رجعتُ خطوة إلى الخلف: "أنت مَن؟"
قال بهدوء: "أنا الحقيقة التي هربتَ منها طول عمرك... أنا البداية، وأنا النهاية."
اتسعت عيناي: "لستُ أفهم."
ضحك ضحكة قصيرة، ثم رفع يده ناحية العرش، وفجأة ظهرت مئات الصور حولنا: معارك، نيران، مدن مدمرة، وحوش عملاقة، وبشر يركضون في الشوارع وهم يصرخون.
قال بصوت هادئ: "هذا هو المستقبل... المستقبل الذي سيحدث لو فُتحت البوابات."
شعرتُ بقلبي ينقبض: "وما علاقتي بكل هذا؟"
نظر في عيني مباشرة وقال: "لأنك المفتاح يا ياسين... وأنت آخر شخص يستطيع إغلاق البوابات."
وقبل أن أتكلم... اهتزت القاعة كلها بعنف، وتشققت الأرض تحت أقدامنا، ودوى صوت ضخم هز المكان بأكمله:
"لقد وجدناه..."
سقطت أجزاء من السقف، وانطفأت الشعلة الزرقاء، وظهرت عينان حمراوان عملاقتان وسط الظلام... عينان أكبر من أي مخلوق رأيته في حياتي.
ابتلع الظلام القاعة كلها، وسمعتُ ذلك الصوت مرة ثانية... لكن هذه المرة كان أقرب... أقرب جدًا:
"وريث اللعنة... لقد عدنا من أجلك."
اتسعت عيناي، وحاولتُ التراجع إلى الخلف، لكن قدميّ كانتا متجمدتين، كأن الأرض نفسها متمسكة بي.
اقتربت العينان الحمراوان أكثر فأكثر، حتى خرج صاحبهما من الظلام. كان أطول من أي إنسان رأيته، جلده أسود كالفحم، وعلى ظهره أجنحة ممزقة، وفي رقبته سلاسل قديمة مليئة برموز غريبة.
شعرتُ بالخوف... الخوف الحقيقي الذي يجعل القلب ينسى كيف ينبض.
نظر المخلوق إليّ، ثم ركع على ركبة واحدة. تجمدتُ في مكاني، حتى آزاريل نفسه بدا مصدومًا.
قال المخلوق بصوت هز القاعة كلها: "سيدي..."
لم أفهم، ونظرتُ حولي؛ ربما يقصد شخصًا آخر، لكن لم يكن هناك غيري.
قال مرة ثانية: "سيدي... العرش ينتظرك."
ارتجف جسدي كله... العرش؟ أي عرش؟!
صرختُ: "أنا لا أفهم شيئًا!"
اهتزت القاعة بعنف، وانفجر أحد الجدران، فدخلت عشرات الظلال؛ وجوههم مخفية، وعيونهم حمراء، وفور أن رأوني... ركعوا جميعًا في اللحظة نفسها، وكأنهم كانوا ينتظرون ظهوري منذ سنوات.
سمعتُ آزاريل يتمتم: "مستحيل..."
نظرتُ إليه وكان الخوف ظاهرًا على وجهه، فقلتُ: "ما الذي يحدث؟"
رد بصوت منخفض: "الحقيقة بدأت تظهر... الحقيقة التي حاولوا دفنها طول عمرك."
وقبل أن يكمل... ظهر نور أحمر وسط القاعة، كَبُر النور حتى تحول إلى بوابة، ومن داخلها خرج شخص... شخص أعرفه، شخص كنتُ أظنه ميتًا!
توقفت أنفاسي واتسعت عيناي: "هشام؟!"
كان واقفًا أمامي، لكن ملامحه لم تعد كما كانت، وعيناه كانتا تشتعلان بلون أحمر غريب.
ابتسم وقال: "وحشتني يا ياسين."
في تلك اللحظة... أدركتُ أن الكابوس لم يكن قد بدأ بعد.
"وحشتني يا ياسين."
تجمدتُ في مكاني. نظرتُ إلى هشام، ثم إلى آزاريل، ثم عدتُ أنظر إلى هشام مرة أخرى. كان قلبي يدق بسرعة كبيرة، كأنني أسمع صدى ضرباته.
قلتُ بصوت متقطع: "هشام؟"
ابتسم، لكن ابتسامته كانت غريبة... ليست الابتسامة التي أعرفها، لم تكن ابتسامة هشام؛ كانت أبرد وأقسى.
قال: "مستغرب لماذا؟ أنت مَن أتى إلى هنا."
بلعتُ ريقي وحاولتُ استيعاب ما يحدث: "أنت... كنتَ ميتًا!"
ضحك ضحكة قصيرة وقال: "الموت ليس نهاية لجميع الناس يا ياسين." ثم سكت ورفع عينيه نحوي: "خاصة أمثالنا."
شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي: "أمثالنا؟"
اختفت الابتسامة من وجهه وقال: "أما زلتَ لا تتذكر؟"
فجأة... اهتزت الأرض بقوة، وسقطت أجزاء من السقف، والظلال التي كانت راكعة بدأت تهمس... همسات كثيرة متداخلة، كأن مئات الأشخاص يتحدثون في الوقت نفسه.
وضعتُ يديّ على أذنيّ، لكن الأصوات كانت داخل رأسي لا حولي. سمعتُ كلمة واحدة تتكرر: مرة، واثنتين، وعشرًا، ومئة...
"الملك..."
"الملك..."
"الملك..."
صرختُ: "اصمتوا!"
سكتت الأصوات دفعة واحدة وعم الصمت. نظرتُ حولي، فكانوا جميعًا ينظرون إليّ... جميعهم، حتى هشام، حتى آزاريل!
وفجأة... ركعوا كلهم.
اتسعت عيناي وتراجعتُ خطوة إلى الخلف: "ماذا تفعلون؟"
رفع هشام رأسه ببطء وقال: "نرحب بملكنا."
توقفت أنفاسي وشعرتُ كأن قلبي نسي النبض: "لستُ ملكًا!"
قال هشام: "أنت لا تعرف الحقيقة، لكن الحقيقة تعرفك."
وفجأة... ظهر نور أحمر خلف العرش، نور قوي أقوى من أي شيء رأيته، بدأ يتحول إلى شكل إنسان؛ شخص طويل يرتدي عباءة سوداء... نفس الشخص! نفس الشخص الذي رأيته فوق الجبل، الشخص الذي كان واقفًا خلف رين، الشخص الذي ابتسم قبل أن أسقط.
ابتسم مرة ثانية وقال بصوت هادئ: "أخيرًا التقينا يا ياسين."
وفي هذه اللحظة... عرفتُ أن كل الأسرار ستبدأ في الانكشاف.
"أخيرًا التقينا يا ياسين." قالها الرجل وهو يبتسم.
اتسعت عيناي، كان نفس الشخص... نفس العباءة السوداء، ونفس الابتسامة الباردة التي رأيتها فوق الجبل.
قبضتُ يدي بقوة وقلتُ: "مَن أنت؟"
ضحك ضحكة خافتة ثم قال: "سؤالٌ انتظرتُ إجابته سنوات طويلة."
تقدمتُ خطوة إلى الأمام: "أجبني!"
اختفت ابتسامته فجأة وقال: "أنا السبب."
ساد الصمت، وشعرتُ بأن قلبي توقف للحظة: "سبب ماذا؟"
نظر في عيني مباشرة وقال: "سبب موت عائلتك، سبب ظهور آزاريل، سبب كل شيء."
تراجعتُ إلى الخلف وكأن الكلمات ضربتني في صدري. رفع آزاريل رأسه بسرعة، واتسعت عينا هشام، أما أنا فلم أستطع الكلام ولا حتى التنفس.
أكمل الرجل: "كل خطوة مشيتها، كل كابوس رأيته، كل دمعة نزلت منك..." ثم ابتسم: "أنا مَن بدأها."
شعرتُ بالغضب يشتعل داخلي، غضب لم أشعر به من قبل. ارتجفت الأرض تحت قدمي، وبدأت الظلال تتراجع إلى الخلف كأنها خائفة... خائفة مني!
قال الرجل بهدوء: "أخيرًا استيقظ الدم القديم."
وفجأة... اشتعلت يدي بضوء أحمر. نظرتُ إليها بصدمة؛ لم تكن نارًا ولم تكن سحرًا، كانت شيئًا آخر... شيئًا حيًا خرج من داخلي.
صرخ أحد الظلال: "اللعنة!"
وصارخ آخر: "إنها قوة آراد!"
بدأت الهمسات تنتشر في القاعة، وبدأ الخوف يظهر على الوجوه، حتى الرجل ذو العباءة السوداء لم يعد يبتسم. ولأول مرة، شعرتُ بشيء يتحرك داخل صدري... شيء قديم، قديم جداً.
وسمعتُ صوتًا مألوفًا يهمس في أذني: "لا تخف يا ياسين..."
كان صوت آراد: "لقد حان وقت الحقيقة."
"لقد حان وقت الحقيقة."
تجمدتُ في مكاني. كان صوت آراد واضحًا، واضحًا كأنه واقفٌ بجانبي، لكنني لم أره. نظرتُ حولي فلم يكن هناك أحد، فقط الظلال وهشام وآزاريل والرجل ذو العباءة السوداء.
قال الرجل وهو يراقب يدي المشتعلة: "إذن استيقظتَ أخيرًا."
رفعتُ رأسي نحوه وشعرتُ بالغضب يزداد، وقلتُ: "مَن أنت؟"
ابتسم، لكن هذه المرة لم تكن ابتسامة سخرية، بل ابتسامة انتصار، وقال: "اسمي مأمون."
اتسعت عيناي... مأمون! الاسم الذي سمعته مرات كثيرة، الاسم الذي كان يطاردنا من الظل، الاسم الذي ظهر في كل الأسرار.
قبضتُ يدي بقوة وقلتُ: "أنت قتلتَ أبي؟"
سكت ثم قال: "لا... أنا قتلته لأنه وقف في طريقي."
شعرتُ أن الدم يغلي في عروقي، وفي لحظة واحدة اندفعتُ نحوه. صرخ آزاريل: "ياسين لا!"
لكنني لم أتوقف، جمعتُ كل غضبي ووجّهتُ ضربة مباشرة إلى وجه مأمون. انفجر الضوء الأحمر من يدي، واهتزت القاعة كلها وتطايرت الأحجار من الجدران.
لكن... مأمون لم يتحرك، لم يتراجع خطوة واحدة. نظر إليّ ثم أمسك معصمي بسهولة كأن قوتي لم تكن شيئًا، وقال: "ما زلتَ ضعيفًا."
ثم رماني، فطار جسدي عبر القاعة واصطدمتُ بالعرش بقوة. شعرتُ بألم حاد في ظهري وسقطتُ على الأرض.
بدأت رؤيتي تتشوش، لكنني رأيتُ شيئًا غريبًا خلف العرش... بابًا! بابًا أسود ضخمًا وعليه آلاف الرموز، وفوقه رمز واحد أعرفه جيدًا: رمز نيرزا.
توقف قلبي، نظرتُ إلى الباب ثم إلى مأمون، ثم إلى الباب مرة ثانية.
ابتسم مأمون عندما رأى نظراتي وقال: "أخيرًا لاحظته... أتعرف ماذا يوجد خلف هذا الباب؟"
لم أجب.
قال وهو يفتح ذراعيه: "بداية اللعنة... وبداية نهاية العالم."
وفجأة... صدر صوت هائل من خلف الباب؛ ضربة، ثم ضربة ثانية، ثم ثالثة... كأن شيئًا عملاقًا يحاول الخروج!
اهتزت القاعة وسقطت الشقوق من السقف، وتراجعت الظلال مذعورة. حتى هشام بدا خائفًا، أما آزاريل... فلأول مرة رأيته يرتجف، وقال بصوت منخفض:
"مستحيل... لقد استيقظ..."
"لقد استيقظ..."
تجمدتُ في مكاني، وسكت كل شيء... حتى الرياح، حتى الهمسات، حتى صوت قلبي.
ثم... دوى صوت ضربة جديدة من خلف الباب، لكن هذه المرة انكسر أحد الأقفال!
اتسعت عينا مأمون وابتسم ابتسامة مجنونة وقال: "انتهى الأمر."
لكن فجأة... ظهر نور أبيض في القاعة، نور لم أشاهده من قبل، نور دافئ وهادئ يشبه الأمان... يشبه البيت... يشبه هشام، وآدم، وكل مَن أحببتهم.
التفت الجميع نحوه، حتى مأمون نفسه. ومن وسط النور ظهر رجل أعرفه، رجل حلمتُ به عشرات المرات.
شعرتُ بالدموع تملأ عيني وهمستُ: "أبي..."
كان آراد. نظر إليّ وابتسم نفس الابتسامة التي رأيتها في أحلامي، وقال: "أحسنتَ يا بني."
ثم رفع يده، وفجأة... توقفت الضربات خلف الباب وساد الصمت.
نظر مأمون إلى آراد بصدمة وقال: "مستحيل..."
ابتسم آراد وقال: "طوال هذا الوقت كنتَ تظن أنك تحارب طفلًا..." ثم نظر إليّ وأكمل: "...لكنك كنتَ تحارب أملًا."
شعرتُ بشيء دافئ داخل صدري، شيء أقوى من الخوف، وأقوى من اللعنة، وأقوى من الظلام.
اقترب آراد مني ووضع يده على رأسي وقال: "الطريق لم ينتهِ يا ياسين... بل بدأ الآن."
ثم بدأ جسده يتحول إلى نور... نور ساطع يتوهج.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!