لعنة همس نيرزا
لعنة همس نيرزا
جزء 10 من 10
وضع القراءة:

الفصل العاشر:

شعرتُ بأن القلم السحري يهتز داخل جيبي: "لكن ما وجدته ليس سوى أول باب، أما الحقيقة فتنتظرك في وادي الهمسات، ولا تثق بمن تعرفهم جميعاً." تجمدتُ عند الجملة الأخيرة: "ولا تثق بمن تعرفهم جميعاً." رفعتُ رأسي ببطء ونظرتُ إلى آدم، ثم رين، ثم مازن؛ فشعرتُ بأن الشك بدأ يتسلل إلى قلبي. لكن قبل أن أستطيع التفكير أكثر انطفأ المصباح الزيتي وغرقت الغرفة في الظلام.
​وفي المرآة الموجودة في زاوية البيت ظهر ضوء أحمر خافت، ثم بدأت كلمات تتشكل وحدها فوق الزجاج: "ثلاث ليالٍ فقط..." ثم ظهرت جملة ثانية: "ثم ستجدكم منظمة ياسيرون." وظهرت جملة ثالثة: "اهربوا... إن استطعتم." وفجأة تشقق الزجاج واختفى الضوء، وبقي البيت الطيني غارقاً في الصمت، أما أنا فكنتُ أعرف أن الأيام الهادئة انتهت.
​تراجعتُ خطوة إلى الخلف وأنا أحدق في المرآة المتشققة. كان الصمت ثقيلاً إلى درجة أنني استطعتُ سماع نبضات قلبي. نظر مازن إلى النافذة ثم أمسك سيفه بسرعة، فتجمدنا جميعاً. كان هناك صوت خطوات بطيئة تدور حول البيت؛ خطوة ثم أخرى ثم أخرى، كأن شخصاً يسير حولنا في الظلام ويراقب كل حركة نقوم بها. أمسك آدم بمصباح صغير وأشعله، فارتجف الضوء فوق الجدران الطينية، لكن الخطوات توقفت فجأة واختفت كأن صاحبها لم يكن موجوداً من الأساس. اقترب رين من الباب بحذر ثم فتحه دفعة واحدة، فاندفعت الرياح الباردة إلى الداخل، لكن الخارج كان فارغاً؛ لا أحد، ولا أي أثر لأي شخص.
​خرجنا من البيت بحذر، وكانت السماء مغطاة بالغيوم السوداء والقمر مختفياً خلفها. شعرتُ بشيء غريب جعل جسدي يتصلب؛ رفعتُ رأسي نحو التل المقابل للبيت، وكان هناك شخص يقف فوقه مجرد ظل أسود لم أستطع رؤية وجهه، لكنه كان ينظر إلينا، ثم رفع يده ببطء وأشار نحو الشمال، نحو مكان بعيد خلف الجبال؛ وادي الهمسات، المكان الذي ذكرته الرسالة. وفجأة اختفى الظل كأنه تبخر داخل الظلام. نظر مازن نحوي وقال بصوت منخفض: "أعتقد أنهم وجدونا." شعرتُ ببرودة تسري في عروقي لأنني كنتُ أفكر في الشيء نفسه؛ لم تكن الرسالة تحذيراً بل كانت إعلاناً بأن المطاردة بدأت بالفعل.
​في وادي الهمسات تبدأ الرحلة الحقيقية، حيث يكتشف ياسين أن الوادي ليس مجرد مكان مهجور، بل أرض مليئة بآثار السحر القديم وأسرار آراد. هناك يتعلم تعاويذ جديدة ويجد أجزاءً من الحقيقة التي أُخفيت عنه طوال حياته. وخلال الرحلة تبدأ الشكوك التي زرعتها الرسالة بالنمو؛ فتصرفات أحد الرفاق تصبح غريبة، واختفاؤه المتكرر يثير القلق.
​وبعد سلسلة من الأحداث الخطيرة ينكشف السر أخيراً؛ إذ يتضح أن أحد الأشخاص المقربين منهم كان ينقل المعلومات إلى منظمة ياسيرون منذ البداية، ولم يكن خائناً بدافع الشر بل لأنه تعرض للتهديد أو الخداع. يؤدي كشف الحقيقة إلى انقسام المجموعة وصدمة ياسين، لكنه يقرر المضي قدماً لأن الوقت لم يعد في صالحهم.
​يقودهم الخائن السابق إلى موقع مأمون وهناك تحدث المواجهة المنتظرة؛ يواجه ياسين الرجل الذي تسبب في الكثير من المآسي، وفي معركة طويلة تنتهي بسقوط مأمون وهزيمته، يكشف قبل موته أن المنظمة كانت تستغل الجميع لخدمة شخص آخر يقف فوق الجميع.
​بعد ذلك يهاجم الأبطال مقر منظمة ياسيرون، فتدور المعارك داخل القاعات الحجرية والممرات المظلمة؛ يواجه آدم ورين ومازن أعداء المنظمة بينما يتقدم ياسين نحو قلب القلعة وهناك يظهر الزعيم الحقيقي للمرة الأولى. خلال القتال يستخدم ياسين أقوى سحر تعلمه في رحلته، وهي قوة هائلة تدمر أجزاء كبيرة من القلعة وتؤدي إلى انهيار مقر المنظمة، لكن الزعيم الحقيقي ينجح في الهرب قبل القبض عليه. ومع سقوط القلعة يعتقد الجميع أن الحرب انتهت أخيراً، فيعود الهدوء لفترة قصيرة يدفنون فيها موتاهم ويحاولون استعادة حياتهم الطبيعية، ثم تظهر الحقيقة المرعبة؛ إذ تكشف الوثائق التي عثروا عليها داخل القلعة أن منظمة ياسيرون لم تكن سوى أداة صغيرة، وأن هناك قوة أكبر بكثير تتحرك خلف الستار وكانت تراقب كل شيء منذ البداية.
​كان الليل هادئًا على نحو غريب؛ فبعد كل ما حدث، وبعد المعارك والدماء والأسرار التي طاردتنا لأشهر طويلة، بدا وكأن العالم قرر أن يمنحنا لحظة سلام أخيرة. جلستُ على حافة الجبل وكانت الرياح الباردة تمر بين الصخور وتحمل معها رائحة المطر البعيد. وقف آدم على مسافة قصيرة يتأمل الأفق، أما رين فكان بجانبي صامتًا وهادئًا أكثر من المعتاد.
​نظرتُ إلى السماء وكانت النجوم تملأ الظلام؛ فلأول مرة منذ زمن طويل شعرتُ أنني أستطيع التنفس، وأنني نجوت، وأن الكابوس انتهى. أخرجتُ النوتة من جيبي وكتبتُ: "هل تصدق أننا ما زلنا أحياء؟" ابتسم آدم وضرب كتفي بخفة، أما رين فلم يبتسم وظل ينظر إلى مكان بعيد خلف الجبال. شعرتُ بشيء غريب لم أستطع تفسيره لكنني تجاهلته، ربما لأنه كان آخر شخص يمكن أن أشك فيه.
​مرت دقائق طويلة تحدثنا فيها عن هشام وعن مازن وعن كل الأشخاص الذين فقدناهم في الطريق، وتذكرنا الأيام التي كنا فيها مجرد أطفال لا نعرف شيئًا عن السحر ولا عن منظمة ياسيرون ولا عن الظلام الذي يختبئ خلف العالم. ضحك آدم فجأة وقال إننا كبرنا أسرع مما ينبغي، ولأول مرة منذ مدة طويلة ضحكتُ معه، لكن رين ظل صامتًا ثم نهض من مكانه واقترب من حافة الجبل. وقفتُ أنا أيضًا وسرتُ نحوه وكانت الرياح تزداد قوة والسحب السوداء بدأت تتجمع فوق رؤوسنا. كتبتُ في النوتة: "هل أنت بخير؟" فنظر إليّ ولم يجب. كانت عيناه غريبتين كأنهما تخفيان شيئًا ثقيلًا ظل يحمله وحده لفترة طويلة.
​شعرتُ بانقباض في صدري فسألته مرة أخرى: "ماذا حدث؟" خفض رأسه ثم أغلق عينيه للحظة، وعندما فتحهما مجددًا بدا وكأنه اتخذ قرارًا لا رجعة فيه، وقال بصوت خافت: "كنتُ أتمنى ألا تصل الأمور إلى هذا الحد." تجمدتُ ولم أفهم، فنظرتُ إلى آدم لكنه بدا مرتبكًا مثلي. تقدمتُ خطوة نحو رين وكتبتُ بسرعة: "عن ماذا تتحدث؟" نظر إلى الكلمات ثم رفع رأسه نحوي وكان الحزن يملأ وجهه، حزنٌ لم أره من قبل، وقال: "سامحني يا ياسين."
​توقفت أنفاسي وشعرتُ بأن شيئًا سيئًا على وشك الحدوث، شيئًا أكبر من كل ما واجهناه. تراجعتُ خطوة صغيرة لكن الأوان كان قد فات؛ ففي لحظة واحدة تحرك رين وشعرتُ بيده تدفعني بعيدًا. اتسعت عيناي ولم أستوعب ما حدث، فقد وقع كل شيء بسرعة كبيرة أسرع من قدرتي على الفهم. رأيتُ وجه آدم يتحول إلى صدمة وسمعته يصرخ باسم رين، لكن الأصوات بدت بعيدة جدًا. نظرتُ إلى رين وكنتُ أنتظر أن يخبرني أن ما حدث خطأ، وأن الأمر مجرد مزحة سيئة، وأنني لم أفهم الموقف، لكنه لم يقل شيئًا وظل واقفًا مكانه ينظر إليّ وعيناه مليئتان بالألم؛ ألمٌ يشبه الندم ويشبه الحزن ويشبه الوداع.
​ألف سؤال انفجر داخل رأسي: لماذا؟ كيف؟ متى؟ هل كان يخدعنا طوال الوقت؟ هل كانت الرسالة محقة؟ هل كان هو الخائن الذي حذرتنا منه؟ لم أجد أي إجابة، فقط الظلام والرياح والفراغ. وقبل أن يختفي كل شيء رأيتُ شيئًا أخيرًا؛ خلف رين، بعيدًا عند قمة الجبل، وقف شخص مجهول يرتدي عباءة سوداء وكان يراقب المشهد بصمت، وعندما التقت أعيننا ابتسم ابتسامة باردة جعلت الرعب يتسلل إلى أعماقي. في تلك اللحظة فهمتُ شيئًا واحدًا: رين لم يفعل هذا لأنه أراد ذلك، بل كان هناك سبب لم أعرفه بعد، سببٌ كفيل بتدمير كل ما كنتُ أؤمن به. بدأت الرؤية تتلاشى واختفت النجوم واختفى الجبل واختفى كل شيء، لكن آخر فكرة مرت في عقلي كانت واضحة تمامًا: هذه ليست النهاية، إنها البداية فقط، والفصل القادم من الكابوس لم يبدأ بعد.
​الفصل الأخير: السقوط
​لم أشعر بالرياح ولا بالبرد ولا حتى بالخوف؛ كنتُ أسقط، فقط أسقط. الظلام يبتلعني شيئًا فشيئًا والسماء التي كانت فوق رأسي منذ لحظات أصبحت بعيدة جدًا، أبعد من أن أصل إليها وأبعد من أن أفهم ما حدث. لماذا فعلها رين؟ ذلك السؤال ظل يدور في رأسي كالسكين مرة بعد مرة حتى بدأ كل شيء يختفي. ثم سمعتُ الهمس؛ ذلك الصوت الذي عرفته جيدًا، الصوت الذي رافقني في كوابيسي والذي لم يفارقني منذ بدأت اللعنة: "ياسين..." كان آزاريل.
​فتحتُ عيني بصعوبة لكنني لم أعد أسقط في السماء، بل كنتُ أقف فوق أرض سوداء ممتدة بلا نهاية تحت سماء حمراء وأقمار مكسورة وأشجار ميتة تشبه الأيدي البشرية. نظرتُ حولي بذهول؛ هذا ليس العالم الذي أعرفه. همس آزاريل من خلفي: "مرحبًا بك في الحدود الأخيرة بين الحياة والموت." استدرتُ بسرعة فوجدته واقفًا هناك بعينيه الحمراوين وابتسامته الغامضة، لكن شيئًا فيه كان مختلفًا كأنه خائف لأول مرة، وقال: "لقد بدأ الأمر يا ياسين." سألته: "ماذا بدأ؟" فنظر نحو الأفق البعيد حيث ظهرت مئات الأضواء الحمراء ثم قال: "الحرب." وفي تلك اللحظة اهتزت الأرض وارتفع من أعماق الظلام زئير هائل لم يكن بشريًا ولا يشبه أي شيء سمعته من قبل، ثم بدأت الظلال تتحرك لجيش كامل من المخلوقات كان يخرج من العتمة، والكارثة الحقيقية أنها لم تكن متجهة نحوي بل نحو عالم البشر.
​تراجعت الأضواء الحمراء في الأفق للحظة ثم انفجرت السماء؛ شقوق طويلة ظهرت فوق العالم الميت ومن داخلها خرجت أصوات لا تشبه أصوات البشر ولا الوحوش ولا أي شيء عرفته من قبل. شعرتُ بالأرض تهتز تحت قدمي وابتلعتُ ريقي بصعوبة، ثم سألتُ آزاريل: "ما هذه الأشياء؟" لم يجب مباشرة وظل يراقب الشقوق السوداء، ثم قال بصوت منخفض: "الأبواب." تجمدتُ مكاني: "أي أبواب؟" فنظر إليّ وكانت عيناه أكثر جدية من أي وقت مضى: "الأبواب التي أبقاها والدك مغلقة طوال حياته." ارتجف قلبي: "والدي؟" رفعتُ رأسي بسرعة: "ماذا تعرف عن أبي؟" أدار آزاريل وجهه بعيدًا وكأنه يندم على ما قاله، لكن الأوان كان قد فات. اقتربتُ منه وكتبتُ في النوتة بسرعة: "تكلم." ساد الصمت ثم قال: "والدك لم يمت كما كنت تعتقد." شعرتُ وكأن الهواء اختفى من حولي: "ماذا؟" - "لقد قُتل." تسمرتُ في مكاني: "من؟"
​رفع آزاريل يده نحو السماء وفي اللحظة نفسها ظهر أمامنا مشهد من الدخان الأسود: رجل يرتدي عباءة طويلة، وجهه مخفي وفي يده خاتم غريب يتوهج بضوء أحمر. عرفته فورًا؛ إنه نفس الشخص الذي رأيته على قمة الجبل خلف رين، الشخص الذي ابتسم لي قبل أن أسقط. قال آزاريل: "هذا هو سبب كل شيء." حدقتُ في الصورة وشعرتُ بالغضب يتصاعد داخلي: "من يكون؟" لكن قبل أن يجيب، دوى انفجار هائل في الأفق فالتفتنا بسرعة ورأينا أحد الشقوق السماوية ينفتح بالكامل، ومنه خرج مخلوق ضخم كانت عيناه كالجمر وجسده مغطى بسلاسل سوداء وزئيره جعل الجبال البعيدة تنهار. همس آزاريل: "لا..." فنظرتُ إليه ولأول مرة رأيتُ الخوف الحقيقي على وجهه، ثم قال: "شياطين السلاسل عادت." وفي تلك اللحظة أدركتُ أن سقوطي من الجبل لم يكن نهاية رحلتي، بل كان أول خطوة نحو حرب أكبر من كل ما عرفته.
​"شياطين السلاسل عادت." تردد صدى كلمات آزاريل في أرجاء العالم المظلم كأنها حكم بالموت. راقبتُ المخلوق العملاق وهو يخرج من الشق السماوي ببطء؛ كانت السلاسل الملتفة حول جسده تحتك ببعضها فتطلق أصواتًا معدنية حادة جعلت جسدي يقشعر، وكل خطوة يخطوها كانت تهز الأرض تحت أقدامنا. ثم لم يكن وحده، فقد بدأت ظلال أخرى تظهر خلفه، عشرات بل مئات لجيش كامل يتحرك داخل الضباب الأسود. همستُ بصدمة: "كل هؤلاء قادمون إلى عالم البشر؟" فأجاب آزاريل دون أن يبعد عينيه عن الأفق: "إذا فُتحت البوابات بالكامل فلن يبقى عالم البشر كما تعرفه." سكت للحظة ثم أكمل: "ولهذا السبب مات والدك."
​ارتجف قلبي وعدتُ أنظر إليه: "أخبرني الحقيقة." تنهد آزاريل ببطء ولأول مرة بدا وكأنه يحمل عبئًا أثقل من الظلام نفسه وقال: "والدك لم يكن مجرد إنسان... كان حارس البوابات، وكان الشخص الوحيد القادر على إبقاء العالمين منفصلين." شعرتُ أن رأسي يدور وكل شيء كنتُ أؤمن به بدأ ينهار أمامي. وقبل أن أتمكن من السؤال اهتزت الأرض مرة أخرى لكن هذه المرة كان الاهتزاز أقرب بكثير. التفتنا معًا ومن بين الضباب خرجت هيئة ضخمة ترتدي درعًا أسود مغطى بالشقوق الحمراء، بعينين حمراوين وخوذة تشبه جمجمة قديمة وسيف أطول من أي إنسان. توقف المخلوق على بعد أمتار قليلة منا ثم غرس سيفه في الأرض وانحنى برأسه وقال بصوت أجش: "أخيرًا وجدناك." تجمدتُ مكاني: "وجدتم من؟" رفع رأسه ببطء ثم أشار نحوي: "وريث اللعنة."
​في اللحظة التالية انطلقت عشرات السلاسل من الأرض كالأفاعي فقفز آزاريل أمامي مباشرة، واصطدمت السلاسل بحاجز أسود ظهر من العدم فانفجر المكان بضوء أحمر هائل وتراجعتُ عدة خطوات للخلف. صرخ آزاريل: "اهرب يا ياسين!" لكنني لم أتحرك؛ كنتُ أحدق في الفارس وشعور غريب يجتاحني كأنني رأيته من قبل، كأن هذا الوجه الميت جزء من ذكرى دفنت داخل عقلي منذ سنوات طويلة. وفجأة سمعتُ صوتًا داخل رأسي لم يكن صوت آزاريل ولا صوتي، بل صوتًا عميقًا قديمًا يقول: "لقد حان الوقت لتتذكر." وفي اللحظة نفسها انفجرت آلاف الصور داخل عقلي: قصر أسود، عرش مشتعل، رجل ذو قرنين يجلس فوقه، وطفل صغير يقف بجواره... ذلك الطفل كان أنا.
​تراجعتُ للخلف وأنا أتنفس بسرعة، بينما كانت الصور تنفجر في رأسي واحدة تلو الأخرى: القصر الأسود، العرش، الرجل ذو القرنين، والطفل الصغير الذي كان أنا. أمسكتُ رأسي بيدي وأنا أصرخ من الألم شعوراً بأن عقلي سينقسم إلى نصفين، فركعتُ على الأرض والأصوات حولي بدأت تختلط ببعضها: "ياسين!" كان ذلك صوت آزاريل، لكن صوته كان بعيداً جداً.
​وفجأة فتحتُ عيني لأجد نفسي واقفاً وسط قاعة ضخمة أعمدتها سوداء وسقفها مرتفع بشكل مرعب، وشعلة زرقاء ضخمة مشتعلة في منتصفها. نظرتُ حولي بتوتر وكان المكان فارغاً إلا من شخص واحد واقف أمام العرش؛ ظهره نحوي، طويل وعريض الكتفين ويزين عباءة سوداء. بلعتُ ريقي وقلتُ بصوت مرتعش: "من أنت؟" سكت ثم بدأ يلتفت ببطء، وفي اللحظة التي رأيتُ فيها وجهه تجمد الدم في عروقي؛ كان يشبهني، نفس العينين ونفس الملامح لكنه أكبر سناً وأقسى وأخطر. ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: "أخيرًا وصلت." رجعتُ خطوة للخلف: "من أنت؟" قال بهدوء: "أنا الحقيقة التي هربوا منكِ طول عمرك... أنا البداية، وأنا النهاية." فاتسعت عيناي.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.