وضع القراءة:

الفصل الأول :

حين بدأ الصمت يتكلم
​الفصل الأول: طيفٌ في الممر
​كان كل شيءٍ حولِي يبدو أضخمَ ممّا هو عليه في الحقيقة. الطاولةُ المرتفعةُ التي لا أصلُ إلى أطرافِها، والأبوابُ الثقيلةُ التي أحتاجُ لاستخدامِ كِلتا يَدَيَّ الصغيرتينِ كي أدفَعَها. كنتُ حينَها في الخامسةِ من عمري، أتنقَّلُ بين أركانِ بيتنا بخطواتٍ خائفة، أجرُّ لُعبتي الخشبيةَ المكسورةَ على السَّجادةِ الدافئة.
​في ذلك المساء، كان البيتُ يغرقُ في صمتٍ ثقيل، يشبهُ السكونَ الذي يسبقُ العاصفة. كنتُ أقفُ بجانبِ بابِ الغرفةِ الموارَب، أسترقُ النظرَ إلى شقيقي الصغير حسن. كان يرقدُ تحتَ الغطاءِ الأبيض، وجلده شاحبٌ كشمعةٍ تذوبُ ببطء. لم يكن يلعبُ معي كما كان يفعلُ سابقاً، بل كان يكتفي بفتحِ عينيه الضيقتين، يبتسمُ لي ابتسامةً باهتة تُشبهُ الخيال.
​تسللتُ ببطء، ووضعتُ يدي الصغيرةَ على جبهته الباردة، ودفنتُ وجهي القريبَ من أذنه لأهمسَ له:
— "حسن... اَستيقظ، لقد أحضرتُ لك سيارتكَ الحمراء."
​لم يتحرك. تنفّسَ بصعوبةٍ تجعلُ صدري الصغيرَ ينقبضُ خوفاً.
​فجأةً، دَوّى صوتُ خطواتٍ منتظمة عندَ عتبةِ الباب. إنها أمي شمس. كانت تقفُ في وشاحِها الأسود، تعلو وجهَها ملامحُ جامدةٌ تشبهُ ملامحَ التماثيل. تتأملُنا بعينينِ واسعتينِ خاويتينِ من أيِّ دفء. ركضتُ نحوها، وأمسكتُ بطرفِ ثوبِها، ثم رفعتُ رأسي وسألتُها بصوتٍ يملؤه الفضولُ والبراءة:
— "أمي... لماذا لا يستيقظُ حسن ليأكلَ معي؟"
​سكنتْ أمي في مكانِها لحظاتٍ. انحنتْ قليلاً، ووضعتُ يدَها الباردةَ على كَتفي. كانت قبضتُها أشدَّ قسوةً ممّا اعتَدتُه منها. نظرتْ في عيني مباشرةً، وبنبرةٍ هادئةٍ وباردة جعلت القشعريرةَ تسري في جسدي، قالت:— "حسن لن يستيقظَ ليأكلَ معك ثانيةً يا ياسين... لقد تعبَ ورحل."
​لم أفهم معنى كلمة "رحل". تساءلتُ ببراءةٍ مرتبكة:
— "هل ذهبَ إلى الحديقة؟ هل غَضِبَ مني لأني أخذتُ لُعبتَه؟"
​أرختْ يدَها عن كتفي، واعتدلتْ في وقفتِها. لم تُجبني، بل توارَتْ في ظلامِ الممر بخطواتٍ صامتة، مشيرةً بكسرٍ في صوتِها وهي تبتعد:
— "أحياناً تكونُ أنتَ السببَ في كلِّ ما يحدث... دونَ أن تدري."
​وقفتُ وحدي في منتصفِ الصالة. أحسستُ بثقلٍ مكتومٍ يجثمُ على صدري الصغير، كأنَّ الهواءَ حولي قد أضحى أثقلَ من الحجر. انسابتْ دموعي دافئةً على خدَّي، ولُفَّ البيتُ بحزنٍ صامتٍ مرعب.
​الفصل الثاني: طعمُ العصيرِ المُرّ
​مرّت أيامٌ طويلة، أو هكذا خُيِّلَ لقلبي الصغير. أصبحَ البيتُ خاوياً ومظلمةً أركانُه. بدأتُ أشعرُ بنَغَزاتٍ حادةٍ في رأسي كلَّ صباح، وكان كل شيءٍ يدورُ بي. عندما أحاولُ الركضَ، تتداخلُ الألوانُ في عيني، وأشعرُ بغثيانٍ يمنعني من اللعب.
​في صباحِ أحدِ الأيام، كنتُ أحاول الصعودَ على درجاتِ السلمِ الدائريِّ لأصلَ إلى غرفتي. كانت أقدامي الخفيفةُ ترتجف. فجأةً، أظلمت الدنيا في عيني، ودارت بي الجدرانُ، تفلتتْ يدي من السور، لأتدحرجَ من أعلى السلم درَجةً تلوَ الأخرى، حتى استقرّ جسدي الصغيرُ في الأسفل، مُلقىً على الأرضِ بلا حراك.
​حين فتحتُ عيني، لم أكن في بيتنا. كانت ثَمَّةَ أضواءٌ بيضاءُ ساطعةٌ تجرحُ عيني، وصوتُ أجهزةٍ تُصدرُ نغماتٍ متكررةً ومزعجة: بيب... بيب... بيب...كان أبي عمر يقفُ عندَ طرفِ السرير، يضعُ يديه في جيبي معطفه، ويرمقني بنظرةٍ خاليةٍ من العطف. انحنى نحو سريري وقال بنبرةٍ جافة:
— "إذا لم تتعلّم كيف تقفُ على قدميكَ يا ياسين، فلن يحملَكَ أحدٌ حين تسقط."
​قبلَ أن أستوعبَ كلماته، دخلَ رجلٌ يرتدي معطفاً أبيضَ ويحملُ أوراقاً كثيرة. تنفّسَ الطبيبُ بعمقٍ وهو ينظرُ إلى أبي وأمي، ثم قال بصوتٍ خفيض:
— "نتائجُ الفحوصاتِ تُظهرُ تدهوراً خطيراً في وظائفِ المخ... الطفلُ يعاني من أعراضٍ شبيهةٍ بالتسمّمِ الكيميائيِّ المتقدّم."
​تجمّدَ أبي في مكانه. أمّا أمي، فقد خطت خطوةً إلى الخلف.
​في وقتٍ لاحقٍ من تلك الليلة، كان النورُ مطفأً في غرفتي بالمستشفى، والبابُ شبهُ مغلق. كنتُ أتقلبُ في فراشي بسببِ الألم، حين سمعتُ صوتَ أبي وأمي يتهامسانِ في الممرِّ القريبِ جداً من الباب.
​قال أبي بصوتٍ حادٍ ومكتوم:
— "لقد أخبرتُكِ أنَّ زيادةَ الجرعةِ ستفضحُنا! الأطباءُ يتحدثونَ عن سمومٍ في دمه، تماماً كما حدثَ مع أخيه سابقاً!"
​ردّت أمي بصوتٍ يرتجفُ حنَقاً:
— "لم يكن أمامي خيار! هذا الطفلُ يرى ويسمعُ أكثرَ مما يجب... وإن لم نُنْهِ الأمرَ قريباً، فستصلُ الشرطةُ إلى سرِّ (دار النور) وتنكشفُ الحقيقة!"
​سحبتُ الغطاءَ فوقَ رأسي وأنا أرتعد. لم أكن أفهمُ ما هي "الجرعة"، ولا ماذا تعني "دار النور"، لكنَّ قلبَ طفلٍ في الخامسةِ كان يعلمُ يقيناً أنَّ الشخصينِ اللذينِ ينبغي أن يحمياني... هما مصدرُ الرعبِ الأكبرِ في حياتي.
​الفصل الثالث: إلى قمة الهاوية
بعدَ عودتنا إلى البيت، لم تعد أمي تُطعِمُني بيديها، بل كانت تضعُ لي كوباً من العصيرِ الأخضرِ المُرّ، وتأمرني بشربه كاملاً. كنتُ أرفض، فتنظرُ إليّ بنظراتٍ تجعلني أبتلعه وأنا أبكي.
​وفي ليلةٍ باردةٍ جداً، تسللَ رجلٌ غريبٌ إلى بيتنا. كان يُدعى الأستاذ عمرو. رجلٌ بنظاراتٍ طبيةٍ سميكة، يجلسُ مع أبي وأمي حتى ساعاتٍ متأخرةٍ من الليل، يتصفحونَ كتباً ضخمةً وأوراقاً كُتِبَتْ عليها أسماءٌ كثيرة، من بينها اسمي "ياسين".
​في الصباح التالي، سحبتني أمي من يدي بقوة، وأركبتني في سيارتها السوداء. كان الجوُّ غائماً، وزجاجُ السيارةِ ملطخاً بقطراتِ المطر.
سألتُها وأنا أضغطُ على لُعبتي الصغيرة:
— "أمي... إلى أين نذهب؟ هل سنشتري دواءً جديداً؟"
​لم تُجِب. كانت عيناها الخضراوانِ مثبتتينِ على الطريقِ الترابيِّ المظلم الذي يدخلُ بين أشجارٍ كثيفةٍ ومخيفة تُدعى غابة الصفصاف.
​توقفتِ السيارةُ عندَ أعلى نقطةٍ في الجبل. كان الهواءُ يعصفُ بقوة، والضبابُ يغطي الأسفل، فلا يظهرُ من الوادي سوى سوادٍ سحيق. أخرجتني أمي من السيارة، وسحبتني نحو الحافة.
​نظرتُ إلى الأسفلِ فخفت، ورجوتُها وأنا أمتسكُ بثوبها:
— "أمي... المكانُ مظلمٌ هنا، أنا خائف، دعينَا نعد إلى البيت!"
​نظرتْ إليّ أمي، ولأولِ مرةٍ رأيتُ دموعاً حقيقيةً تسقطُ من عينيها، لكنّ وجهَها كان يحملُ قسوةً غريبة. وقالت وهي تهزُّ رأسها:
— "أنتَ لستَ ابني يا ياسين... أنتَ وأخوكَ جئتما من مكانٍ كان يجبُ ألا تخرجا منه. وجودُكما يقتلني، ولن أسمحَ للماضي أن يعود."
​وقبلَ أن أستوعبَ صرخَتي، رفعتْ يدَيها... ودفعتني بقوةٍ نحو الفراغ!
الفصل الرابع: النداء الأخير (بداية آزاريل)
​سقطتُ في الهواء... طارت لُعبتي من يدي. كانت الأشجارُ تمرُّ بي سريعةً كالأشباح، والريحُ تصفرُ في أذني الصغيرتين. أغلقتُ عينيّ وبكيتُ بأعلى صوتي: "أمي!"
​لكنَّ الارتطامَ لم يكسرْ جسدي... بل شعرتُ وكأنني هبطتُ في وادٍ من الدخانِ الأسود.
​فتحتُ عيني ببطء. لم أعد في الغابة، ولم تكن هناك شمس. كنتُ أقفُ على أرضٍ رماديةٍ صلبة، وأمامي جدارٌ عملاقٌ يعكسُ ظلّاً طويلاً ينبتُ من الأرض.
​تجسّدَ من الظلِّ كيانٌ مظلمٌ ونحيل، عيناهُ فراغٌ أسودُ ناصع، لكنه لم يكن يخيفني كما خفتُ من أمي.
خطوتُ خطوةً للوراء وسألتُه بصوتٍ مكسور:
— "من أنت؟ هل ستضربني أنتَ أيضاً؟"
​انحنى المخلوقُ حتى صار في مستوى طولي، ووُضِعَتْ يدٌ مصنوةٌ من الظلالِ بالقربِ من كتفي، وقال بصوتٍ دافئٍ يترددُ داخلَ رأسي:
— "لا تخف يا صغيري... أنا لستُ عدوك. أنا الجزءُ الذي رفضَ أن يموتَ فيك... يلقبونني بالقرين، واسمي آزاريل."
​سألتُه وأنا يرتجفُ جسدي الصغير:
— "أمي دفعتني... هي لا تحبني يا آزاريل."
​قال آزاريل بنبرةٍ قويةٍ أضاءت الظلمةَ حولنا:
— "هي خائفةٌ منك يا ياسين... لأنكَ تحملُ الحقيقة. الآن، أمامكَ بابٌ أحمر. إن دخلتَهُ، ستعودُ كبيراً وقوياً، ولن يقدرَ أحدٌ على إيذائِكَ أو إيذاءِ أחיك مجدداً... فماذا تختار؟"
​نظرتُ إلى البوابةِ المشتعلةِ بالنورِ الأسود. رفعتُ يدي الصغيرةَ التي أصبحتْ تتوهجُ بضوءٍ غريب، وخطوتُ أولى خطواتي نحو البوابة... مسدِلاً الستارَ على طفولتي المقتولة، ومبتدئاً رحلةَ الانتقام.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.