تكملة للفصل التاسع:
آراد.. الشق الذي ابتلع صراخ عسراء ونيرانها السوداء اختفى تماماً، ورجع الممر صامت، بارد، ومستقيم زي ما كان.
سقطنا احنا الثلاثة على الأرض... أنا ويحيى وهشام، وناعس الطائر نزل فوق كتف يحيى وهو بينفض ريشه من رماد زمني مش بتاعنا. كنا بنلهث... صدورنا مليانة بتراب الذكريات اللي اتهدمت جوه، وعيوننا لسه معلقة بالحيطة اللي رجعت سليمة، كأنها ما انفتحتش من شوية ووريتنا أبشع حقيقة ممكن إنسان يستوعبها.
يحيى كان ضامم إيده على مقبض خنجره لدرجة إن عروق إيده اسودّت، ونظراته حادة وعنيفة، باصص للأرض وساكت السكات اللي بيسبق العاصفة. أما هشام... كان واقف بعيد، هادي بشكل غريب، بينفض الغبار عن هدومه وعينه بتلمع بذكاء مخيف، كأنه كان عارف نص الحكاية وجاي يكمل النص التاني هنا.
قمت واقف على رجلي بالعافية. جوايا ماكنش فيه خوف... الخوف مات في اللحظة اللي شفت فيها آراد بيشدني من إيد أمي "حنان" وهي بتعيط وتترجاه. الطفولة اللي كانت باقية جوايا اتبخرت مع دخان المعركة اللي دارت بين ناهب وعسراء. الندم اللي شفته في عيون عسراء وهي بتقول: "أنا آسفة يا عاصم"، والدم الأسود اللي سال منها وهي بتكفر عن خيانتها، زرع جوايا حاجة واحدة.
انطبق الجدار وراءنا بعنف، والشق اللي كان بيمثّل بوابتنا للهروب من جحيم ناهب ونيران عسراء السوداء اختفى تماماً. سقطنا احنا الأربعة على الأرض... أنا ويحيى وهشام، وناعس الطائر نزل فوق كتف يحيى وهو بينفض ريشه بعنف. الأرض كانت باردة، ولونها داكن كأنه شارب دم من سنين طويلة. السما فوقنا كانت عبارة عن سحاب قرمزي تقيل بيتحرك زي الأمواج، والشمس غايبة تماماً وسايبة وراها ضي أحمر باهت بيلون القصور السوداء العملاقة اللي بترتفع في الأفق. الهوا اللي داخل صدورنا كان تقيل بريحة الخلود والموت.
قمت وقفت على رجلي ببطء، وحسيت برعشة غريبة بتسري في كل إنش من جسمي. "قوة السكون" اللي جوايا انفجرت بشكل مش طبيعي.. عروقي تحت جلدي بدأت تلمع باللون الأحمر القرمزي، وجع خفيف ضرب فكي، ولما مشيت لساني على سناني... لقيت أنيابي بتطول وتبرز ببطء. إحنا مش مجرد أيتام هربانين... إحنا رجعنا لأصلنا. عالم الدم القرمزي.
يحيى كان بيشد على مقبض خنجره وعيونه بتلمع ببريق مفترس، وبصلي بقلق:
"ياسين... تفتكر عسراء ماتت بره؟ ناهب ضخم وجيش آراد ملوش آخر، وهي ضحت بنفسها عشاننا."
هشام ما ردش عليه، كان بيتحرك بخطوات واسعة وواثقة ناحية بوابات قصر أسود مهجور قريّب مننا، التفت لينا وعينه بتلمع بذكاء مخيف وسط الضي الأحمر وقال بنبرته الباردة:
"عسراء مش هتموت يا يحيى.. ولا ناهب مات لما انقفل عليه الجدار. إحنا في أرض الأصل.. ومن عرف الخادم... عرف الجذر. تعالوا شوفوا آراد كان كاتب إيه هنا قبل ما ينفينا لدار الأيتام."
دخلنا وراه القصر، وجوه قاعة العرش القديمة، كان فيه جدارية محفورة بالدم، سطورها بتنطق باللعنة اللي مش بتموت:
«الشياطين التي تُوقع عهد الدم مع المنظمة لا تفنى.. ناهب الذي أعدمه جنودي بالسيف وقطعت رأسه زمان، وعسراء التي نزعتها من حضن عاصم بالقوة وحبست روحها.. كلهم طاقة سوداء ممتدة من زيراكول وإكوادور.. السيف يقطع اللحم، بس ما يلمسش الظل! طالما أنا والمنظمة نعيش.. فالشياطين لن تموت أبداً.»
قريت السطور المحفورة وصوتي اتقطع في زوري. بصيت لهشام ويحيى، وناعس الطائر أطلق فحيح واطي ومخيف. عسراء ضحت بنفسها بره وهي بتصرخ "أنا آسفة يا عاصم"، ودمها الأسود سال.. بس هي مش هتموت، وناهب المشوه مش هيموت. الحرب دي مش سيف وخنجر بشر... الحرب دي لازم تنتهي بقطع رأس الأفعى الكبيرة اللي صنعت اللعنة دي كلها: أبويا آراد.
وقفت على رجلي، وأنيابي برزت تماماً مع لمعة عيوني الحمراء اللي شربت من طاقة عالم الدم، وقلت بصوت ناشف خالي من الرحمة:
"إحنا مش هنفضل مستخبيين هنا.. عسراء بتدفع ثمن ندمها بره، وناهب مستنينا. اجهزوا... إحنا راجعين لدار الأيتام بقوة عالم الدم الكاملة، والحساب هيبدأ حالا!"
كنا لسه واقفين في ممر القصر الأسود جوه عالم الدم القرمزي. الهوا كان محمل بريحة الموت والخلود، وعروقنا المشتعلة باللون الأحمر بدأت تهدأ ببطء بعد ما عرفنا السر الملعون المحفور على الجدران؛ إن ناهب وعسراء طاقة سودا مش بتموت طالما آراد والمنظمة عايشين.
يحيى كان بيتحرك بقلق، وهو بيلمس نصل خنجره اللي بقيت طاقة الدم بتجري فيه، وبصلي وعيونه الحمراء لسه بتلمع:
"ياسين... إحنا عرفنا السر. بس الخروج من هنا للممر فوق لازم يكون بحساب. عسراء بتموت بره، وناهب مستنينا."
هشام وقف ورايا، عدل ياقة قميصه ببرود، وبص للممر الطويل المظلم اللي جوه القصر وقال بصوت واطي:
"الشق مش هيفتح لينا بره... غير لما نعدي الممر ده للأخر. فيه حاجة مستنيانا هناك."
الناعس الطائر أطلق فحيح واطي ونزل على كتفي، وجسمه بدأ يرتعش كأنه حاسس بوجود طاقة تانية في المكان... طاقة مش شيطانية، بس مش بشرية برضه. طاقة هادية لدرجة تخنق. بدأنا نمشي في ممر القصر الأسود. الضباب القرمزي كان كثيف وبيتحرك تحت رجلينا كأنه صاحي. وفجأة، وسط السكون المطبق ده، "قوة السكون" اللي جوة قلبي اتأثرت بشكل غريب... المرة دي ما انفجرتش كغضب، دي بدأت تهدأ وتركع كأنها لقت المكان أو الشخص اللي بيمثل السكون الحقيقي.
وقفت في مكاني. يحيى وهشام وقفوا ورايا ويدهم على أسلحتهم. وسط الضباب، ومن بين العواميد الحجرية الضخمة، ظهر خيال بيتحرك ببطء وثبات.
كانت بنت شعرها أسود طويل ومرتب بشكل دقيق جداً نازل على كتافها، وبشرتها كانت شاهبة وبيضاء بشكل مرعب كأن الدم ما جريش في عروقها أبداً. ورغم إن جو عالم الدم كان حر وخانق، كانت لابسة معطف غامق واسع ومقفل لحد رقبتها. قربت مننا خطواتها ماكنش ليها صوت على البلاط. ولما رفعت راسها وبصت لينا... شفت عيونها.
عيون رمادية باهتة، بس حادة وذكية بشكل يخترق الروح، كأنها بتلاحظ أدق التفاصيل الصغيرة في لبسنا، وفي ملامحنا، وفي أنيابنا اللي لسه بارزة. ملامحها كانت جامدة... نادراً ما بتضحك، أو بالأصح عمرها ما ضحكت.
يحيى قدم خطوة بخنجره وقال بنبرة هجومية:
"أنتِ مين؟ وإيه اللي جابك في قصر آراد؟"
البنت ما اتهزتش، ولا عيونها الرمادية رمشت حتى. بصت لينا احنا الثلاثة، ونظرتها ثبتت عليا أنا بالذات كأنها عارفة كل حاجة عن طفولتي، وعن وطن المسكوت عنه اللي عشنا فيه. اتكلمت أخيراً... وصوتها خرج هادي جداً وبجملة قصيرة ومحددة:
"ليان فاليس. أنا هنا من قبلك."
هشام ضيق عيونه بذكاء وقال:
"ليان؟ قصر آراد مقفول بسلالة الدم.. أنتِ مش بشرية."
ليان بصت لهشام، وبعدين رجعت عيونها الباهتة ليا، وقالت ببرود غريب وجملة مقتضبة:
"البشرية فانية. أنا أرى الجذور."
في اللحظة دي، حسيت إن البنت دي مش مجرد عابرة في عالم الدم.. البنت دي وراها سر قدرة مرعبة تقدر تمحي بيها الذاكرة وتغير مجرى الحرب مع آراد بالكامل!
الظلال السوداء اللي كانت بتخنقنا من لحظات تراجعت فجأة، مش خوف مننا، لكن كأنها كانت بتهرب وتفسح الطريق لكيان أعظم وأرعب. انفتحت الأبواب الضخمة في نهاية الممر الطويل لوحدها بصوت صرير هز جدران المكان، لتكشف عن قاعة العرش.
دخلنا بخطوات مترددة. الجو جوة كان ثقيل جداً، الهوا نفسه كان حامض وخانق كأنه خطر بيملى الرئتين. في نهاية القاعة، كان فيه عرش مهيب مصنوع من عظام بيضاء وحجر أسود، ومحاط بتماثيل لمصاصي دماء قدامى، عيونهم الحمراء كانت بتلمع في الضلمة وتتحرك كأنها حية بتراقب كل نفس بنتنفسه. على العرش ده، كان قاعد هو... رجل بهيبة تكسر القلوب، شعره فيه خصلات بيضاء، وعيونه قرمزية حادة بتشع طاقة مرعبة. إنّه آراد.. سيد قصر الدم.
سمعت هشام وهو بيرجع خطوة لورا، سيفه كان بيرتعش في إيده من شدة الخوف، وهمس بصوت مخنوق:
"ياسين.. ليان.. هو ده؟ ده آراد؟"
أما ليان، فلأول مرة أشوف الرعب في عيونها الرمادية، رجعت لورا وقالت ببطء:
"سيد قصر الدم.. الكيان اللي بيتحكم في كل شبر هنا."
لكن أنا.. أنا ما كنتش سامعهم أصلاً. كنت واقف في مكاني كأن رجلي غرزت في بلاط القصر الأسود. نبضات قلبي اللي كانت بتدق بسرعة جنونية، فجأة بقت ضرباتها بطيئة، قوية، ومؤلمة.. كأن في سكاكين بتقطع في صدري. القوة الغامضة اللي جوة قلبي كانت بتصرخ، بس ما كانش صراخ رعب.. كان صراخ وجع، وشوق، واعتراف!
وقف الأنفاس في صدري لما آراد قام من على عرشه. مع حركته، حسيت القصر كله بيتغير؛ الجدران بدأت تنزف مادة حمراء شبه الدم، وصوت همسات الحيطان بقى أعلى وأقوى. مشي خطوات بطيئة ناحيتنا، وعيونه القرمزية اتثبتت عليا أنا بالذات. في اللحظة دي، الملامح المرعبة على وشه اختفت، وظهر مكانها حزن قديم وعميق جداً.. حزن أنا عارفه كويس. بص في عيوني، وصوته الرخيم هز جدران القاعة وروحي معاها لما قال:
"لقد عدتَ أخيراً.. يا ولدي."
الكلمة دي نزلت عليا وعلى هشام زي الصاعقة. هشام صرخ بذهول وهو مش مستوعب:
"ولده؟! ياسين.. الراجل ده بيقول إيه؟!"
دموعي نزلت من غير ما أقدر أتحكم فيها. الرعب اللي جوايا اتمحى تماماً، وحل مكانه وجع بيمزق قلبي حتة حتة. أنا عارف الوش ده.. شفته في كوابيس الطفولة، شفته في الأحلام اللي كنت بدور فيها على أمان ضايع. خطيت خطوة لقدام، وصوتي طلع مكسور ومبحوح:
"بابا.. أنت؟ أنت الوحش اللي الكل بيخاف منه؟ أنت اللي حبست الأرواح هنا؟"
قرب مني أكتر، ومد إيده الشاحبة اللي بتنتهي بأظافر حادة، وحطها على كتفي. لمسته كانت دافية بعكس برودة المكان، دافية بحنان أبوي غريب، وقال بنبرة مليانة ألم:
"هذا القصر هو سجني وسجنك يا ياسين.. 'ختم الدم الأول' مش مجرد لعنة، ده الرابط اللي بيجمعنا. عشان تعيش وتكبر، كان لازم أتحول للوحش ده وأبني المملكة دي من الدم.. عشان أحميك من اللي بره."
"ياسين ما تصدقوش!" صرخ هشام بيأس وهو بيحاول يشدني من هدومي لورا:
"ده مصاص دماء! ده كيان شرير بيحاول يخدعك عشان يفتح الختم ويقضي على العالم!"
وقفت ليان في النص، وعيونها بتتحرك برعب بيني وبين آراد، وقالت بصوت حاسم:
"الوقت بيخلص يا ياسين.. لو استسلمت لمشاعرك، القصر ده هيبتلعنا كلنا. أبوك عارف إن وجودك هنا معناه إن واحد منكم لازم ينهي التاني عشان الختم يكتمل!"
كنت واقف في النص.. عاجز تماماً. الأفكار في دماغي بتتحارب، وعيني بتتنقل بين هشام اللي شادد سيفه وبيصرخ فيّ عشان أرجع، وبين الراجل اللي واقف قدامي وعيونه القرمزية تفيض حزن.. الراجل اللي بيقول إنه أبويا. سيف هشام كان بيرتعش، وصوته كان مليان خوف عليا، بس أنا إيدي كانت ميتة، مش قادر حتى أمدها على سلاحي. أواجه مين؟ وأحارب مين؟ الوحش اللي العالم كله بيخاف منه طلع هو الأمان اللي كنت بدور عليه في طفولتي!
قبل ما أخد نفسي، وقبل ما أقدر أنطق بكلمة واحدة، حسيت بالأرض بتهتز تحت رجلينا. الهزة ما كانتش طبيعية، كأن القصر نفسه بيصرخ. صوت صرير الحيطة بقى مرعب، والدم القرمزي اللي كان بيسيل على الجدران بدأ يغلي ويفور. همسات المكان المكتومة اتحولت لصرخات غضب مسموعة بترج القاعة كلها. آراد لف وشه بسرعة ناحية الجدران، وملامحه الحزينة اتحولت فجأة لغضب عارم، لكن شفت في عيونه لمحة ذعر.. مش على نفسه، عليا أنا!
"هو إيه اللي بيحصل؟!" صرخ هشام وهو بيحاول يتوازن والتراب بينزل من السقف.
ليان رجعت لورا بسرعة وهي بتبص للعرش الأسود وقالت بصوت فزع لأول مرة أسمعه منها:
"الختم! وجودك هنا يا ياسين نشّط لعنة 'ختم الدم الأول'.. القصر مش مستني قرارك، القصر عايز ياخد روحك عشان السحر يكتمل!"
وفجأة، انشقت الأرض الخشبية، وطلعت منها ظلال ضخمة، أضخم بكثير وأشرس من اللي واجهناها في الممرات. ظلال حمراء بلون الدم، مالهاش ملامح بشرية، وليها مخالب طويلة. الظلال دي ما كانتش بتسمع كلام آراد، كانت بتتحرك بحقد أعمى، واتجهت بسرعة جنونية ناحية هشام وليان عشان تمزقهم.
هشام صرخ ورفع سيفه يدافع عن نفسه، بس الظل زق السيف ورفعه في الهواء، وكان على وشك إنه ينهي حياته في ثانية.
"هشام!!" صرخت بأعلى صوتي وحاولت أتحرك، بس رجلّي ما شالتنيش. في اللحظة دي، شفت لقطة مش هنسى تفاصيلها طول عمري.. آراد، سيد الظلام ومصاص الدماء المرعب، اندفع بكل قوته وقف في النص بين الظلال وبين هشام وليان. آراد فتح إيديه، وطلع من جسمه درع ضخم من الطاقة القرمزية النارية صدم الظلال ورجعها لورا. سمعت صوت زئير ألم طالع من صدر أبويا وهو بيقاوم سحر القصر.. الدرع كان بياكل من قوته، وجلده الشاحب بدأ يتحرق ويطلع منه دخان أسود كأنه بيضحي بنفسه!
التفت ليّ، وعيونه القرمزية كانت بتنور بآخر طاقة عنده، وبص لي بنظرة أب بيودع ابنه، وصرخ بصوت هز القصر كله:
"اهرب يا ولدي!.. القصر لم يعد ملكي! اللعنة استيقظت، خذ أصحابك واهرب للأقبية.. هناك ستجد الحقيقة!"
"بابا!! لا!!" صرخت ودموعي بتعمي عيني، حاولت أقرب منه وأمسك إيده، بس هو استخدم موجة طاقة خفيفة زقتني لورا ناحية هشام وليان عشان يبعدني عن الخطر. ليان مسكتني من كتفي بقوة وشدتني، وصوتها كان بيهزني:
"ياسين! أبوك بيحميك.. لو فضلت هنا تضحيته هتروح عالفاضي! لازم نمشي حالا!"
هشام، رغم صدمته ورعبه من آراد، مسك إيدي التانية وهو بيلهث:
"ياسين.. يلا بينا! يلا يا صاحبي!"
بصيت نظرة أخيرة ورايا وأنا بتسحب من القاعة.. شفت أبويا، آراد، وهو بيغرق وسط الظلال الحمراء اللي بدأت تحاصره وتغطيه بالكامل، وصوت صرخته الحزينة كان بيرن في ودني وأحنا بنجري بأقصى سرعة في الممرات اللي بدأت تتغير وتنهار ورا خطواتنا.
إحنا واقفين في عتمة الأقبية السرية… الباب الحديدي الثقيل أتقفل ورانا، وصوت الصدى مرعب. لسه في دموع في عيني وصدمة تضحية أبويا (آراد) كاسرة قلبي، بس هشام ويحيى بيلهثوا جنبي ومستنيني أتصرف.. عقلي كان عاجزاً عن استيعاب صدمة الفراق…
قلت وأنا صوتي بيرتعش، باصص للأرض وضامم يدي بقهر:
"آراد مبقاش موجود… أنا خسرت بابايا يا يحيى، سابني وراء ممرات القصر وضاع وسط الضلمة."
هزني هشام من كتفي بعنف وهو بيصرخ:
"فوق معانا… إحنا محبوسين هنا أرجوك اتصرف!"
لم أرد عليه… أخرجت من جيبي كشاف ذو شعاع ضئيل… قلت لهم وأنا بمسح دمعتي الأخيرة بظهر يدي، وبعدل كشافي بإيدي الثانية بثبات:
"اجمعوا نفسكم فوقوا معايا يا شباب! يلا بينا نمشي من الممرات ونشوف آخرتها إيه عشان نطلع من القصر ده، مفيش وقت!"
بس فجأة رجلي أتسمرت في الأرض كأنها أتصبت بخرسانة. ضوء الكشاف لف في زوايا الممر وهو بيتحرك على الوجوه… هشام… نعاس… يحيى… ليان… وفجأة صرخت والوعي بيضرب في عقلي كالصاعقة:
"فين مازن؟! مازن أخويا فين؟!"
محدش رد عليا. الصمت المطبق رجع تاني. ونظراتهم اللي هربت في الأرض كانت هي الإجابة اللي قطعت شرايين قلبي. مازن مات! أخويا الصغير… حتة مني ومن دمي.. مات في زحام الجري والمعركة وانا مخدتش بالي هو مات دفاعاً عني…
وقعت على ركبي وسط تراب الأقبية، والكشاف أفلت من إيدي ورمى ضوءه الضعيف على الجدار الحجري. كنت حاسس إن روحي هي اللي بتطلع مش روحه هو.. أنا طول الرحلة دي كان كل همي، وكل الغضب الأعمى اللي جوايا متوجه لـ آراد.. كنت عايز أقف قدامه وأنتقم منه على كل اللي عمله.. ودلوقتي؟ آراد مات وخلاص! مات وضاع وسط الظلال الحمراء ومبقاش موجود في الدنيا عشان حتى أشفى غليلي منه.. وبموته، انطفت نار انتقامي واتبدلت بوجع ملوش آخر..
والوجع الأكبر والذنب اللي هيخنقني ويلازمني لحد ما أموت.. هو مازن! أنا وعدته.. أنا أخوه الكبير! قطعت له وعد غليظ إننا هنفضل مع بعض، وإننا هنخرج من الجحيم ده سوا وإيدي في إيده.. وفي الآخر مات لوحده في الضلمة وأنا عيني كانت عميانه بالانتقام ومخدتش بالي منه ولا حلمت بصرخته! خسرت كل حاجة في لحظة واحدة.. انتقامي ضاع، وأخويا ضاع، ومبقاش باقيلى غير العتمة دي.
كبريائي العسكري وقوته اهتزت تماماً. تسمرت في مكاني وجفت الدماء في عروقي، فخانتني قدمي وهويت إلى الأرض تحت ثقل الصدمة. قعدت على أرضية الممر، وضامم ركبتي لصدري… الكشاف فضل مرمي جنبي على الأرض… الصدمة خلتني في حالة إنكار قعدت أهمس لنفسي:
"لأ مازن عايش… مازن مستحيل يسيبني… أنا وعدته!"
كنت عايش على طاقة الغضب والأنتقام من آراد، والطاقة دي هي اللي ممشياني. لما آراد مات والأنتقام ضاع، ومازن كمان ضاع. الغضب حولني لكتلة حزن صامتة وجلد للذات… حسيت بذنب رهيب لأني قصرت في حق أخويا الصغير عشان كان بيجري ورا سرابه.
قعد جنبي على الأرض هشام رغم رعبه وحضني بقوة. يحيى مسح دموعي ويقول بصوت قوي:
"يا ياسين، مازن مش خلاص بس إحنا لسه هنا… لو أستسلمت دلوقتي اللعنة هتاكلنا كلنا وتضحية أبوك وأخوك هتروح على الفاضي!"
بعد دقايق من الدموع والصمت المطبق.. خدت نفس طويل ومتهدج، ومسحت دموعي بعنف… وقفت على رجلي… بس مش هبقى ياسين القديم. هبقى ياسين الجديد، نظراتي حادة. الحزن مالي قلبي بس جوايا إصرار مرعب إني أخرج من القصر ده عشان أخلد ذكرى أخويا مازن وكشف حقيقية كاملة.
جرجرتُ أقدامي المرتعشة، والدموع لسه مغطية عيني ووجع موت أخويا مازن بيعصر قلبي عصّر. دفع يحيى الباب الخشبي المتآكل في آخر الممر، فطلع صوت صرير حاد كأنه صرخة جاية من قاع الماضي. دخلنا الأوضة.. كانت ريحتها تراب وكتب قديمة غامضة. رفعت كشافي بضعف، وبدأت أوجه النور على الحيطان.. وفجأة، شُلت حركتي تماماً، والصدمة الثانية ضربت صدري وخلتني أنسى إزاي أتنفس! الوجع مالحقش يبرد عشان ييجي مكانه ذهول يوجع أكتر!
على الجدار الحجري، كان فيه لوحة ضخمة مرسومة برموز عالم الدم القرمزي، وتحتها مخطوطات جلدية قديمة. ثبتُّ نور الكشاف المرتعش على الأسامي والروابط المكتوبة بحبر باهت.. وبدأت أقرا والكلمات واقفة في زوري:
التفتُّ ورايا وبصيت لهشام ويحيى وأنا مش مصدق عيني.. صرخت فيهم وصوتي بيرن في سكون الأوضة الخانق:
«هشام!.. يحيى!.. شوفوا الجدار كاتب إيه! إحنا روابطنا بآراد والقصر ده مكتوبة من زمان بدم أهالينا.. هشام! المخطوطة هنا كاشفة كل حاجة.. أبوك الحقيقي هو (عمرو)! عمرو اللي عذبني في طفولتي عشان يصحّي الظل في دمي، كان بينفذ أوامر آراد الأعظم! أنت ابن الخادم الوفي لآراد يا هشام!»
هشام تراجع خطوة لورا وظهره لمس الحيطة وعيونه متسعة من الرعب وهو شايف حقيقة أبوه عمرو مكتوبة قدامه، والتفتُّ ليحيى وكملت وأنا بنهج:
«ويحيى.. أهلك هما اللي ورثوا طاقة السحر القرمزي والخطوط اللي على جسمك.. أهلك هما اللي وثقوا التاريخ ده في (مكتبة العروش المحرمة) عشان نصلح اللعنة دي بروحنا!»
في اللحظة دي، تقدمت ليان بخطواتها الباردة، وعيونها الرمادية كانت ثابتة علينا وماتهزتش، وقالت بصوتها الهادي اللي زي الهمس بس هز الأوضة كلها:
"أخيراً انفتحت العيون وعرفتوا الجذر.. آراد مات خلاص، بس اللعنة والعهد اللي بين أهاليكم لسه عايش في دمكم ومستنيكم تكملوا السكة.. يا إما اللعنة هتاكلكم كلكم."
لم ألتفت… سحبت عيني بالقوة عن الجدار الملعون واندفعت خلف يحيى كالمجنون نحو الفتحة الحجرية! كانت أنفاسي تتسابق مع خطواتي المتعجلة، ومع أول خطوة لي داخل دهليز الممر الضيق، شعرتُ ببرودة الصخر تلف جسدي كالقبر، وابتلعتنا العتمة في ثانية واحدة ولم يعد يُسمع في السرداب سوى وقع أقدامنا الراكضة وصوت دقات قلبي التي تكاد تقفز من صدري!
فجأة، ومن غير أي إنذار، ثبت نور كشاف هشام المرتعش على حفرة ضخمة في جدار السرداب.. ومن عمق الظلام اللي فيها، اندفع "شيء". كان مخلوقاً بشعاً، كأنه كابوس متجسد؛ جلده شاحب وعريان، مليان جروح وأطراف غريبة مدببة كأنها "أظافر" عملاقة، ووشه.. ووشه كان عبارة عن فجوة مرعبة مفيهاش ملامح، بس مليانة صفوف من الأسنان المدببة اللي بتلمع في النور.
صرخة هشام انقطعت في زوره لما "المخلوق" قفز بسرعة البرق، وأطرافه المدببة غرست في كتف هشام، وسحبه بقوة عمياء لداخل الحفرة المظلمة!
"هشام!" صرخت، وفي اللحظة دي، حسيت بالظل اللي في دمي بيفور، كأنه كان مستني اللحظة دي. ومن غير تفكير، الظلال بدأت تتدفق من إيدي، اتشكلت كأنها "جذور" أسود من الليل، واندفعت خلف هشام لداخل الحفرة. الظلال اتشابكت مع أطراف المخلوق، سمعت صوت "صرخة" صامتة بس حسيتها في دماغي، وبدأت الظلال تسحب هشام لبره بقوة "آراد" اللي في دمي.
رجعت هشام للدهليز، وهو بينهج وكتفه بينزف، والمخلوق تراجع خطوة للوراء، و"فجوة فمه" انفتحت على آخرها، وصوت همس جماعي مرعب طلع منها…
"هات إيدك يا هشام، قوم!" صرخت وأنا بسحب هشام من الأرض وهو بيترنح من الصدمة والوجع. المخلوق البشع أطلق زئيراً خافتًا تردد في الممر الضيق، وبدأت أظافره الطويلة تخدش الصخر بقوة، كأنه بيتهيأ لهجوم تاني. يحيى ما استناش، اندفع قدامنا وهو بيصرخ: "ما تبصوش وراكم! كملوا!"
بدأنا نجري بكل اللي فينا، صوت أنفاسنا كان هو الصوت الوحيد اللي بيخترق السكون الموحش. الكشافات كانت بتهتز في إيدينا، وكل ما نمر بجنب حيطة، كنت بشوف "الرموز" بتنور وتطفي كأنها بتراقبنا.
"أنا سامع دوشة ورايا!" هشام صرخ بصوت متقطع، ومن غير ما نلتفت، سمعنا صوت "تكسير" للصخور ورا خطواتنا مباشرة، وكأن السرداب نفسه بيطاردنا عشان يبلعنا. اتجهنا ناحية مخرج الدهليز، وضوء خافت بدأ يلوح في الأفق.. ضوء القمر اللي جاي من فتحة في السقف. رمينا نفسنا بكل ثقلنا نحو الفتحة، وكنت حاسس بأطراف المخلوق "بتلمس" كعوب رجلينا في اللحظة الأخيرة.. وقعنا كلنا بره الممر، ووصلنا لساحة القصر المهجورة، والدهليز قفل ورايا بضجيج أرعب المكان كله..
قعدنا على الأرض، كل واحد فينا بينهج، والدم بيغطي هدوم هشام.. والسكوت اللي ساد المكان بعد كده كان أخطر وأرعب من أي صوت سمعناه جوه السرداب. بصيت لهم، ولقيت يحيى بيترعش والخطوط اللي على جسمه بدأت تهدأ، ولقيت هشام باصص لإيده اللي كانت لسه بتنزف، وبيتمتم بصوت مخنوق:
«أبويا عمرو.. كان بيطاردنا؟»
في اللحظة دي بس، أدركت إننا هربنا من "الوحش".. بس لسه ما هربناش من "الحقيقة".
فجأة، انطفأت كل الأنوار المتبقية في المكان، وساد صمت خانق قبل أن تخرج أشباح داكنة من بين شقوق الأرض، وتلتف حولنا كجيش من الكوابيس الجائعة التي لا ترحم. في لمح البصر، وبينما كان الغبار يغطي الساحة، تلاشت أصوات هشام ويحيى وكأن الأرض انشقت وابتلعتهما، تاركاً إياي مع ليان وسط ضباب كثيف.
الكيانات دي ما كانتش بتهاجم، كانت بتراقب.. وكأنها بتنتظر إشارة من الظلام اللي في دمي. الهواء كان مشحون بطاقة سوداء بتخلي الجلد يقشعر.
"ياسين، ما تحاولش تحاربهم بقوتهم!" صوت ليان كان حازم، لكنه كان قريب مني أكتر من اللازم. لفيت وشي ليها، كانت واقفة جنبي، وشعرها الأسود كان بيلمع تحت ضوء القمر الشاحب، وعيونها الرمادية كانت بتقرأ حركاتي قبل ما أعملها. "الظلال دي جزء منك، لو حاربتها بتموت جزء من روحك.. لازم تروضها."
بصيت للكيانات، وبعدين بصيت لإيدي اللي كانت بتنبض بالدخان الأسود. حسيت بلمسة إيد ليان على كتفي، كانت إيدها دافية بشكل غير متوقع، وكأن الحرارة اللي فيها قدرت تلطف "الجليد" اللي كان بيسري في عروقي بسبب اللعنة. للحظة، العالم كله اختفى، ما بقاش فيه وحوش ولا قصر مهدوم.. كان فيه بس نظرة عينيها اللي كانت بتقولي: أنا واثقة فيك.
"لو أنا جزء منهم، يبقى أنا اللي بآمرهم، مش هما اللي بيأمروني،" قلتها بصوت هادي، وبدأت أركز كل طاقتي مش في "الخوف" من الظلال، لكن في "السيطرة" عليها. الكيانات بدأت تقرب، زمجرتها كانت بتزلزل الأرض. رفعت إيدي، والظلال اللي كانت بتفور في دمي اتسحبت في مسار واحد، شكلت خنجر من ضباب أسود. وقفت قدام ليان، كأني درعها الوحيد.
"خليكي ورايا،" قلتها وأنا عيني في عين الكيان اللي في المقدمة.
ردت بهمس، كانت نبرتها فيها إعجاب ممزوج بخوف: "أنت أقوى مما كنت متخيلة يا ياسين.. بس خلي بالك، الظل اللي بتروضه النهاردة، ممكن يطالب بتمنه بكره."
ابتسمت لها ابتسامة باهتة، كانت أول مرة أحس فيها إني "إنسان" وسط الجحيم ده، مش مجرد ضحية للعنة. هجمت على الكيانات، والمرة دي.. الظلال كانت بتسمع كلامي أنا. الكيانات كانت بتتحرك في حلقة محكمة حوالينا، وكل ما كنت ببعد واحد فيهم بخنجر الظل، كان بيظهر اتنين مكانه. حسيت بقبضة ليان على كُم قميصي بتشتد، وبدأت أسمع أنفاسها المتسارعة.. كان التعب بدأ ينال منها.
وفجأة، اخترق سكون الليل صوت يحيى وهو بيصرخ: "ياسين! مش لوحدك!"
لمحت بطرف عيني يحيى وهو بيجري ناحيتنا، وفي إيده المخطوطة اللي كانت بتطلع وهجاً أزرقاً خافتاً.. "ده الوقت!" صرخ يحيى وهو بيفتح المخطوطة وبيقرا منها كلمات بلغة قديمة، اللغة اللي كانت بتهز أركان المكان. في نفس اللحظة، هشام -رغم وجع كتفه وجرحه- ظهر من الجانب التاني، ماسك قطعة من حجر القصر المكسور، ووجهها ناحية الأرض المحفورة بالدم. "أنا مش هسيب الظل ده يبتلعنا!" صرخ هشام، وضرب الحجر في قلب الرموز المشعة على الأرض.
الصدى اللي حصل كان زلزال! طاقة انفجرت من الأرض، وخلقت حاجزاً من نور أحمر فصلنا عن الكيانات. الظلال التي كانت تحيط بنا بدأت تتلاشى في الهواء كالدخان، وكأنها لم تكن سوى أوهام تبخرت أمام قوة الرموز، ليتساقط الصمت مجدداً فوق الساحة، مخلفاً ورائنا رفاقي يلهثون من التعب.
السكون اللي حل بعد اختفاء الكيانات كان أثقل من ضجيج المعركة. الأرض اللي كانت بتغلي بالطاقة بقت باردة وموحشة، وريح الليل بدأت تعزف لحن كئيب بين أنقاض القصر.
"لازم نتحرك من هنا.. دلوقتي،" قال هشام وهو بيسند جسمه على حيطة مائلة، صوته كان مجهد بس لسه فيه حدة.
يحيى كان بيلم أوراقه ومخطوطاته بإيد مرتعشة، وعيونه كانت بتدور في المكان بذهول وكأنه مش مصدق إننا خرجنا أحياء. أما ليان.. فكانت واقفة بعيد شوية، بتبص للسما، وشعرها الأحمر بدأ يهدأ حركته مع هدوء الريح.
مشيت ناحيتهم، وكل خطوة كانت بتفكرني إن كل واحد فينا دفع تمن عشان نفضل واقفين. "لقيت مكان،" قلتها بصوت هادي، "كهوف الملح القديمة ورا التلة. بعيدة عن مسار دوريات الظل، وهتدينا فرصة نخبّي أثرنا."
بدأنا نمشي ببطء، خطواتنا كانت بتجر وراها إرهاق الساعات اللي فاتت. في الطريق، ماحدش فينا نطق بكلمة. مكنش فيه داعي للكلام؛ كل واحد فينا غارق في دوامة أفكاره، بيفكر في "مازن"، وفي "اللعنة" اللي بقينا جزء منها، وفي "العالم" اللي قفل أبوابه في وشنا.
لما وصلنا للكهف، كان المكان دافي بشكل غريب، وكأن الطبيعة نفسها بتحاول تحمينا. أشعلنا نار صغيرة، ونورها بدأ يرقص على جدران الصخر، راسم ظلال كانت في عيني بتتحرك كأنها كيانات تانية، بس للمرة الأولى.. ماكنتش خايف منها. سندت ظهري للحيطة، وغمضت عيني، وحسيت بنسمة هوا باردة بتلمس وشي. ده الهدوء اللي كنت محتاجه، ههدوء بيخليك تلملم شتات نفسك قبل ما تبدأ حرب هتغير مجرى العالم.
داخل كهف الملح، النار كانت بتطقطق بضعف. نعاس كان قاعد في الزاوية، عيونه الحادة بتراقبني كويس.
"أنت لسه بتفكر فيه، صح؟" صوت نعاس كان أجش، كسر حاجز الصمت.
بصيت له وقولت بصوت تقيل: "مش مجرد تفكير يا نعاس.. أنا متأكد. مازن عايش."
نعاس ضحك ضحكة باردة وقام وقف، وليان واقفة جنبه، شعرها الأسود بيلمع كليل دامس تحت ضوء النار. "مازن مات يا ياسين! إحنا كلنا شوفنا اللحظة اللي مأمون غرس فيها خنجره في قلبه جوه مكتبة العروش المحرمة. أنا كنت هناك، أنا شفت النور بيطفي في عيونه!"
"مازن مات كإنسان، أيوه.." رديت وصوتي بيتحشرج من الوجع والذكريات، "لكن مأمون وزيراكول ما بيسيبوش الجثث في حالها. هما استغلوه، سحبوا منه 'الشرارة' اللي كانت جواه، وربطوا روحه بالهاوية الحمراء عشان يفضلوا مخلدين. مازن بيتعذب في حالة لا هي موت ولا هي حياة، هو بيستخدموه كوقود لعرش زيراكول."
ليان اتدخلت، نبرتها كانت هادية بس فيها حزم: "لو كلامك صح يا ياسين، فإنت مش بس بتطلب حرب، إنت بتطلب انتحار. زيراكول مش هيسيب 'البطارية' بتاعته، ومأمون اللي قتله هيكون أول واحد مستنينا."
"عشان كده مش هنحاربهم لوحدنا،" قلتها وأنا بقوم وببص في عيونهم واحد واحد. "هندرب، هنبني قوتنا، وهنجبر 'النبلاء' إنهم يقفوا في صفنا. فيه عائلات وسط مجلس العروش بتكره حكم زيراكول، خايفين منه، ومستنيين شرارة عشان يتمردوا. إحنا هنكون الشرارة دي."
هشام، اللي كان لسه بيضمد جرحه، اعترض بغضب: "النبلاء دول خونة يا ياسين! مأمون نفسه واحد منهم أو تابع ليهم. إنت بتعرض علينا نتحالف مع 'وحوش' عشان ننتقم من 'وحش' أكبر؟ دي مش خطة، ده طريق للمقبرة!"
"النبلاء هيساعدونا مش حباً فينا،" رديت بحدة، "لكن لأنهم محتاجين حد 'مجنون' كفاية إنه يقتحم الحصون اللي هما بيخافوا يقربوا منها. إحنا هنبقى السلاح اللي هما بيحركوه، ولما ييجوا يغدروا.. هنكون أقوى من إنهم يسيطروا علينا."
يحيى اتنهد وقال: "وإيه المطلوب؟"
"المطلوب؟" بصيت لنار وهما بيترعشوا. "هندرب لحد ما نكسر حدود طاقتنا. نعاس، إنت أكتر واحد عارف مداخل ومخارج القصور وطريقة مأمون في القتال، هتكون مدربنا. وليان.. إنتِ اللي هتدخلينا في دوائر النبلاء."
ليان بصتلي، عيونها كان فيها نظرة خوف ممزوجة بإعجاب. "هتخلي العالم كله يحرقنا يا ياسين."
"خليهم يحرقونا،" قلتها وأنا ببص لظلي اللي كان بيتموج على جدران الكهف، "مأمون أخد مني أخويا، ودلوقتي جه الوقت اللي آخد منه كل حاجة."
كان الكهف غارقاً في صمت إلا من صوت تنفسنا المسموع وصوت احتكاك نصلنا بالصخر. كنت بحاول أنفذ حركة التفاف، لكن ليان صدتها بخفة، وقربت مني لدرجة إني قدرت أشم ريحة المطر والبرد اللي دايماً محاوطها. تراجعت خطوة، وهي فضلت واقفة في مكانها، عيونها السوداء كانت بتتابع حركتي دقّة مخيفة، مش بتشوف فيها "خصم"، لكن بتشوف "ثغرة". وفجأة، نزلت سلاحها، وبصت للرموز اللي كنت راسمها على الأرض.
"توزيعك للضغط غلط،" قالتها وهي بتقرب تاني، بس المرة دي ماكنتش بتهاجم. رفعت إيدها وعدلت ياقة قميصي اللي كان متبهدل من التدريب. حركتها كانت سريعة، بس إيدها اتأخرت ثانية زيادة على كتفي. في اللحظة دي، نظراتنا اتقابلت. ماكنش فيه كلام، كان فيه بس صوت النار اللي بتطرقع في الخلفية. ليان شالت إيدها بسرعة ورجعت لورا، عيونها هربت لزاوية تانية في الكهف، كأنها بتداري حاجة مش عايزة تكتشفها حتى لنفسها.
"انت لسه مشتت،" قالت بصوت خافت، ونبرة صوتها كانت أهدى بكتير من المعتاد.
رديت بابتسامة خفيفة، وأنا بنزل سلاحي وببص على الأرض: "مش تشتت.. بس أحياناً بكون واعي زيادة عن اللزوم باللي حواليا."
ليان ما ردتش، بس شفت زاوية بوقها بتتحرك في ابتسامة تكاد لا تُرى وهي بتلف ضهرها وبتمشي ناحية النار عشان تشرب مية. وقفت ثانية قبل ما تقعد، ولفت وشها ليا بجنب عينها، نظرة سريعة.. خاطفة.. نظرة "مش عايزة تمشي بس مضطرة".
قعدت على الأرض في زاوية الكهف، ملامح ليان كانت لسه عالقة في خيالي. يحيى كان لسه بيراجع خرائط "برج الصدى" بنور خافت، وهشام كان يبسن نصل خنجره بإيقاع منتظم، صوت "تششش... تششش" كان هو الموسيقى الوحيدة في المكان. قطعت الصمت ده بكلمة واحدة: "النبلاء."
كلهم بصوا لي. "النبلاء بعتوا رسالة من خلال مندوبهم في 'المدينة السفلى'. مأمون مش بس حارس لزيراكول، مأمون بدأ يجمع 'جيش الأطياف' الخاص بيه. إحنا لو استنينا أكتر من كده، هنلاقي نفسنا محاصرين بين جيش زيراكول وجيش مأمون."
نعاس، اللي كان بيشرب مية من نبع صغير في الكهف، مسح بوقه وبصلي بجدية: "النبلاء طالبين إيه عشان يفتحوا لنا الطريق لبرج الصدى؟"
"طالبين رأس 'كبير الحراس' في قصر آراد،" رديت وأنا بطلع ورقة صغيرة مطوية ومختومة بختم النبلاء الأسود. "عايزين نغتال واحد من أقوى أذرع مأمون قبل ما يبدأ القمة السياسية. لو مات، هيحصل فراغ أمني في العاصمة، وهما هيقدروا يمهدوا لنا الطريق."
ليان قربت، ونظراتها كانت حادة ومستقرة، مفيش فيها أي أثر للتدريب أو اللحظة اللي فاتت، بقت "محاربة" تاني. "اغتيال في قلب قصر آراد؟ ده مش بس انتحار، ده إعلان حرب صريح. كل 'جهاز الظل الأحمر' هيكون في الميدان."
"بالضيط،" قلتها وأنا بقوم وبمسح التراب من على لبسي. "وهما هيفتكروا إنها مجرد تصفية حسابات سياسية بين العائلات. مش هيعرفوا إننا اللي عملناها إلا لما نكون بالفعل جوه برج الصدى بنسرق الختم."
بصيت لهشام ويحيى ونعاس: "دي فرصتنا الأولى عشان نثبت للنبلاء إننا مش بس 'أدوات'، إحنا قوة تقدر تغير الخريطة."
ليان وقفت جنبي، وبصت للرموز على الخريطة، وبعدين بصتلي. ما قالتش حاجة، بس حركة إيدها وهي بتلمس كتفي وتشد أطراف عبايتها عشان تستعد للرحيل كانت كافية.. كانت بتقول: أنا وراك، مهما كان اللي جاي.
الكهف كان غارقاً في هدوء الليل، وضوء النار بيميل للانطفاء. بصيت ليحيى اللي كان بيشير على خريطة قصر آراد، وبصيت لليان اللي كانت بتسن خنجرها ببطء، حركتها كانت متناغمة مع تنفسي بشكل غريب، وكأننا بنتنفس في نفس الوقت.
"القصر يوم الاحتفال بالقمة السياسية بيكون محصن بـ 'حراس الدم'،" ليان اتكلمت فجأة، صوتها كان واطي بس كان بيملأ الكهف بوضوح. "كبير الحراس 'فاريك' مش بيتحرك من غير حراسة، بس عنده نقطة ضعف واحدة.. هو مهووس بجمع العملات القديمة اللي عليها أختام أزوراخ."
بصيت لها، نظرة فهم متبادلة اتولدت بيننا في ثانية واحدة. "يعني هنلعب على طمعه،" قلتها وأنا ببتسم ابتسامة باهتة.
"بالظبط،" كملت هي وهي بتبصلي بعمق، نظرة فيها تفاهم من غير ما نحتاج نشرح الخطة بالتفصيل. "أنا هعمل تمويه في الجناح الغربي، هشغل الحراس، وإنت يا ياسين.. هتدخل من 'ممرات التهوية' اللي تحت قاعة العملات. الصمت هو سلاحنا، مش القوة."
هشام اللي كان بيسمع، سأل بتردد: "ولو فشلتوا؟ لو اتكشفتوا؟"
ليان بصتلي، وبعدين بصت لهشام وقالت بثقة: "ياسين مش هيتكشف. إحنا هنكون "ظل" لبعض. أنا هكون عيونه، وهو هيكون إيدي."
حسيت بمسؤولية كبيرة، مش بس تجاه مازن، ولا تجاه الثورة، بس تجاه "وجودها" معايا. قمت ووقفت قدامها، نظرة عينها كانت بتطمني وبتحفزني في نفس الوقت. "المهمة دي لو نجحت، هنكون دخلنا عش الدبابير. جاهزة؟"
قربت خطوة، وكانت قريبة مني لدرجة إني حسيت ببرودة بشرتها، لمست كتفي بإيدها، لمسة سريعة كانت بتهديني أكتر من ألف كلمة. "أنا مش بس جاهزة.. أنا مستنية اللحظة دي من زمان."
في اللحظة دي، مكنش فيه داعي لأي كلام تاني. الصمت اللي بينا كان بيتكلم بوضوح عن الثقة، عن المغامرة اللي هنخوضها، وعن التضحية اللي ممكن نضطر ندفعها في أي لحظة. بدأت ألملم معداتي، وأنا عارف إن الخطة مش بس هتغير مجرى الحرب، دي هتكون أول مرة نتحرك فيها كـ "فريق واحد" بقلب واحد.
بعد مرور ثلاث شهور من التدريب.. كان القمر يكتمل للمرة الثالثة منذ بدأت رحلتنا في الكهف. نعاس الطائر كان يراقبنا من فوق صخرة مرتفعة، صوته كان حاداً كحد السيف: "الظل لا يتبع الضوء، الظل يتبع صاحبه.. يا ياسين! إذا لم تكن قادراً على أن تكون ظلاً لنفسك، فلن تكون أبداً ظلاً لغيرك."
عرقنا كان يختلط بتراب الكهف، وتعبنا كان ينهش عظامنا، لكن في عيون ليان.. كنت أرى شيئاً جديداً. بريقاً لم يعد يعرف الخوف. لقد قضينا تسعين ليلة نتدرب على الموت، فقط لنتعلم كيف نعيش في المهمة القادمة.
في ركنٍ منزوٍ من الكهف، بعيداً عن ضجيج التدريبات الأخيرة لتنفيذ مهمة النبلاء ومواجهة الحرب بيني وملك مملكة نورافيل المملكة الشمالية لعالم الدم القرمزي، كنت أتفحص أدواتي قبل التحرك أنا وفريقي يحيى وهشام وليان والطائر نعاس أو ناعس. فجأة، طائر غريب، مش زي اي طائر شوفته قبل كده وفي رجله لفافة صغيرة من جلد أسود داكن، مختومة بختم "النبلاء" الفضي اللي بيحرق العين من شدة بريقه. فكيت الختم بحذر، فتحت الرسالة، وبدأت أقرأ بتركيز، وفي كل كلمة كنت بقرأها، كان وجهي يتحول من الترقب للذهول… ثم للغضب المكتوم.
محتوى الرسالة:
«إلى من نصبوا أنفسهم حماةً للظل..
القمة السياسية مجرد ستارة، والتاج الذي استرديتموه ليس سوى مفتاحٍ لقفص. أراضي الانكسار بدأت تتنفس، وبوابة الانفجار الأول لن تُغلق بوعودٍ واهية.
طلبنا الأول كان اختباراً، أما الآن.. فالمهمة حقيقية.
توجهوا إلى قلب 'أراضي الانكسار'. استعيدوا 'شعلة الذاكرة' من حراس العهد قبل أن يبتلع الفراغ كل ما تعرفونه.
تذكروا.. الشعلة هي النور الذي سيحدد من سيبقى في ذاكرة التاريخ، ومن سيُمحى إلى الأبد.
الخيار لكم.. إما المجد، أو الفناء.»
نزلت الرسالة ببطء، ورفعت عيني لـ "ليان وهشام ويحيى ونعاس" اللي كانوا متجمعين حواليا بانتظار إشارة الإنطلاق.
"الرسالة وصلت" كان جملتي بصوت هادىء بس كان فيه نبرة قوية. "النبلاء مش بيلعبوا معانا، هما بيستدرجونا محرقة حقيقية في أرض الانكسار المهمة دلوقتي مش سرقة، المهمة هي النجاة بالذاكرة."
مسكت الرسالة بيدي، الورقة كانت باردة، باردة لدرجة إنها كأنها بتحرق صوابعي. بصيت لليان، ليحيى، لهشام، ولـ "نعاس الطائر" اللي كان واقف في الظل، بلامبالاة تقلق أي حد. أنا مش شايفهم قدامي كأصدقاء بس.. أنا شايفهم كأجزاء من روحي اللي ممكن تضيع في "أراضي الانكسار" دي. يحيى اتكلم عن "الضياع"، عن إننا هنضحي بذكرياتنا.. أنا بصيت لإيدي، خنجر "أزوراخ" كان بيلمع في ضوء الشعلة، وسألت نفسي: "لو نسيت؟ لو نسيت ليه أنا بقاتل؟ هل هرجع 'ياسين' تاني؟"
بصيت لليان. نظراتها كانت ثابتة، فيها نوع من "القبول" المريب للمهمة دي، وكأنها كانت مستنية اللحظة اللي هننتهي فيها. هل هي خايفة؟ ولا هي كمان عارفة إن المهمة دي مش بس للنبلاء، دي امتحان لينا إحنا؟ أخدت نفس عميق، وضميت الرسالة في كفي.
"يا شباب،" قلتها، وصوتي كان طالع أعمق مما كنت أتخيل، كأن صوتي ده مش طالع مني، كأن "نعاس الطائر" بيكلمني من جوه. "الرسالة دي مش مجرد أمر.. دي تحدي. زيراكول مش عايزنا نموت، هو عايزنا 'ننسى'. عايز يمسحنا من التاريخ عشان ميبقاش لينا وجود."
بصيت لـ نعاس الطائر، لقيت عيونه بتلمع بلمعة غامضة، وكأنه كان عارف إن دي النهاية اللي كنا بنجري ناحيتها من أول يوم. "لو حد فينا نسي التاني،" كملت كلامي وعيني لسه متعلقة في عيون ليان، "أنا بحملكم الأمانة دي: فكروني. فكروني بمين إحنا، وبـ 'مازن' اللي لسه مستنينا، وبالسبب اللي خلانا نتمرد على النبلاء. مش هسمح لأراضي الانكسار ولا لزيراكول إنه يسرق الذاكرة اللي بنيناها سوا."
لفيت ضهري وبدأت أتحرك ناحية المخرج. الضباب الأسود بره كان مستني، كان بيتحرك وكأنه بيرحب بينا في جحيمه. حسيت بخطواتهم ورايا.. إحنا دلوقتي مش مجرد فريق، إحنا بقايا ذكرى ماشية بتتحدا القدر.
كنا ماشيين في ممر ضيق وسط "أراضي الانكسار"، الضباب كان بيلتف حوالينا زي الأفاعي. هشام كان ماشي جنبي، صوته كان متغير، باهت ومكسور. فجأة، وقف ووقفني معاه، وبص لي بنظرة أول مرة أشوفها في عينيه.. نظرة اعتراف.
"ياسين.. أنا لازم أقولك الحقيقة قبل ما ننسى كل حاجة هنا،" بدأ كلامه وصوته كان بيتهز. "أنا وليان.. إحنا بنحب بعض. من زمان."
وقفت مكاني، حسيت ببرودة في جسمي أكتر من برد "أراضي الانكسار". "أنت بتقول إيه يا هشام؟ ليان كانت دايماً معايا، كانت هي 'الظل' بتاعي.."
هشام كمل، وعيونه بدأت تلمع بدموع ممزوجة بالخوف: "هي ما كانتش معاك عشانك أنت يا ياسين. كانت بتقرب منك عشان تجيب معلومات عني.. عن تحركاتي، عن الخطط اللي كنت بتناقشها معاك لوحدك. هي حكت لـ 'نعاس الطائر' إنها بتحبني، وهو اللي طلب منها تقرب منك وتستدرجك.. عشان يتأكد من ولائك."
حسيت إن العالم بيلف بيا. ذكرياتي مع ليان، الهمسات، النظرات، الوعود.. "إحنا هنكون ظل لبعض".. كل ده كان تمثيلية؟ كل ده كان مجرد "مهمة" عشان النبلاء أو عشان "نعاس الطائر"؟
بصيت لليان اللي كانت ماشية قدامنا بشوية، كانت بتراقب الضباب ببرود.. هل كانت بتمثل طول الوقت؟ هل ياسين اللي كنت فاكره بطل، كان مجرد "أداة" في إيد ليان وهشام؟
"أنا كنت فاكر إنها بتحبني.." قلتها بصوت مسموع، بس كان خارج مني كأنه صرخة محبوسة. "كنت فاكر إني لقيت حد يشاركنى الخوف، لقيت سند.. طلع كل ده سراب؟"
كلمات هشام كانت زي السكاكين اللي بتنهش في جلدي، بس أنا ما سمحتش لنفسي أصرخ. وقفت مكاني، أخدت نفس عميق جداً.. كان الهوا جوه "أراضي الانكسار" فاسد، ريحته كبريت وموت، بس كان بيساعدني أحس ببرودة أعصابي. ليان قدامي.. ليان اللي كنت فاكرها "عيوني"، طلعت هي السجان اللي مراقبة خطواتي. هشام اللي كنت فاكره "سندي"، طلع هو الطرف التاني في المعادلة اللي بتوجع.
مش هواجها. هغير نظرتي، هغير طريقتي في الكلام، وهدفن كل اللي عرفته في أعمق نقطة في عقلي.. لدرجة إني ممكن "أنسى" الحقيقة دي حتى عن نفسي بمجرد ما نوصل للشعلة. إذا كان المطلوب مني أمثل دور "ياسين الغافل" عشان المهمة تنجح، فأنا هكون أفضل ممثل في التاريخ.
بصيت لهشام، ملامحي كانت خشبية، مافيهاش أي تعبير. "تمام يا هشام. المعلومة وصلت."
كانت جملة ميتة، خالية من أي مشاعر. مشيت جنبه، ولقيت ليان بتلتفت لي بابتسامة خفيفة، ابتسامة كانت بتمزقني من جوه، بس أنا ابتسمت لها.. ابتسامة باهتة، "باردة" زي ضباب المكان ده.
"يا جماعة،" قلت بصوت عالي شوية عشان يحيى ونعاس الطائر يسمعونا، "الضباب بيقرب. لازم نتحرك بسرعة قبل ما نفقد الاتجاه."
مشيت وأنا حاسس إن قلبي اللي كان "ساكن" في صدري، اتجمد تماماً. أنا مش بس بقاتل عشان الثورة دلوقتي، أنا بقاتل عشان "أنتقم" من نفسي اللي صدقت.. بقاتل وأنا ميت من جوه. المهمة دي مش هتبقى عشان "التاج" أو "الشعلة".. المهمة دي هتبقى عشان أثبت لنفسي إني أقدر أكون أبرد من الظلام اللي حواليا.
"دي مش خريطة طريق، دي 'فاتورة' تمنها ذاكرتنا،" قلتها وأنا بفرد الرسالة قدامهم. "النبلاء طلبوا 'شعلة الذاكرة'. ومكتوب هنا حرفياً: 'الشعلة ستكون مرآتكم، من يقترب منها يفقد ماضيه، ليعيش في فراغ الأبدية.'"
بصيت لـ يحيى، كان أول واحد هز رأسه بأسى: "ياسين عنده حق. أراضي الانكسار مش بس بتغير الواقع، هي بتسحب 'الذكريات' كأنها طاقة. النبلاء عايزين الشعلة عشان يمسحوا تاريخهم الأسود من عقول الناس، وعايزنا إحنا نكون 'المحاريق' اللي تنفذ المهمة دي."
هشام بلع ريقه، وبص لإيده اللي كانت بتترعش: "يعني إحنا رايحين هناك.. عشان ننسى حتى أسماءنا؟ ننسى 'مازن'؟ ننسى ليه بدأنا كل ده؟"
ليان اتكلمت بهدوء مرعب، نظراتها كانت ثابتة كأنها تقرأ مستقبلاً محتوماً: "مش بس هننسى أسماءنا يا هشام.. هننسى 'الروابط'. الشعلة دي بتخلي الشخص يعيش في اللحظة بس، من غير ماضي يربطه بحد."
ياسين: "عشان كدة، مفيش خيار تاني. المهمة دي محتاجة 'تنسيق روحي'. يحيى، أنت خبير المسارات، أي طريق يسحب الذاكرة أسرع.. لازم نتجنبه، حتى لو كان أطول. نعاس الطائر، أنت مدربنا، إذا شفت واحد فينا عيونه 'طفت' أو بدأ يتكلم كلام مش مفهوم.. اضربه، وقفه، اعمل أي حاجة عشان ترجعه للواقع، حتى لو هتكسر عضمه."
نعاس الطائر ابتسم ابتسامة باهتة، صوت احتكاك معدن: "الذاكرة زي الشعلة يا ياسين، لو قربت منها كتير تتحرق، ولو بعدت عنها كتير تضلم. هتتعلموا إزاي تمشوا على الحرف.. أو هتتوهوا للأبد."
بصيت لهم واحد واحد، كان لازم أحسسهم إننا مش بننفذ أمر، إحنا بنتمرد على 'النسيان': "ياسين، وليان، وهشام، ويحيى.. إحنا دلوقتي مش مجرد فريق. إحنا 'ذاكرة واحدة'. لو واحد فينا نسي، التاني شايله. لو أنا نسيت مازن.. ليان تفكرني. لو ليان نست مين هي.. هشام يذكرها. إحنا هنعاهد بعض دلوقتي، إننا هنربط ذكرياتنا ببعض، كأننا عقد واحد. لو الشعلة سحبت جزء من ذاكرتي، عايز أشوفه في عيونكم."
سكتت لحظة، حسيت بقلبي بيوجعني من كدبة هشام وليان اللي لسه جوايا، بس كملت بصرامة: "هنربط أيدينا ببعض بـ 'خيوط الذاكرة'.. أي حد فينا هيحس إنه بيبعد، يشد الخيط. إحنا مش هنخلي الشعلة دي تسرقنا، إحنا هنكسرها ونرجع، حتى لو رجعنا 'أغيار'.. المهم نرجع بـ 'السبب' اللي خلينا نعيش كل ده."
وفي لحظة صمت قصيرة، ابتلعنا الفراغ، ووجدنا أنفسنا داخل أراضي الإنكسار. كانت أرض بلا قوانين، والواقع يتشقق مع كل لحظة. الهواء ثقيل لدرجة يشعرك بأنه يلمس جسدك مثل أصابع خفية ورائحة المكان ورق محروق ممزوج برائحة رطوبة قديمة… كان أمامنا بوابة فراغ. في اللحظة دي الخيوط اللي تربط بيها ذاكرتنا بتتعرض لضغط خيالي، مرض سرطان المخ بدأ يزيد مع ضغط عبورنا البوابة، حسيت بوجع شديد في رأسي، الضوء تحول لسواد كامل.
صوت نعاس الطائر بيختفي وبدأنا نسمع صوت "أنين" صادر من جدران الواقع نفسه وهو يتشقق، الإحساس بالأمان اتسحب فجأة كأن المكان نسى إنه كان يوماً مكاناً للحياة… ظهرت أمامنا بوابة "الفراغ الأول" شكلها شق أسود في الهواء كأنه جرح حي… بدأ يظهر منها مخلوقات ظل ومصاصين دماء متحولين…
جاء لنا الهجوم من كل الإتجاهات، قبل ما نلحق نلتقط انفسنا، كانت المخلوقات بتنقض علينا ومصاص الدماء بيشقوا الظلام كأنهم بيخرجوا من جحيم مفتوح، وإحنا الخمسة واقفين في النص… أول مرة أحس إن المعركة بدأت قبل ما نقرر نقاتل… وفي لحظة واحدة اتفكك الفريق قدامي؛ يحيى أندفع في مواجهة مباشرة وسط الظل، هشام وقع مصاب في ذراعه، ليان فقدت تركيزها تحت ضغط الخيوط، وأنا كنت أحاول بكل قوتي أمسكهم مع بعض كأن الخيوط نفسها بتتقطع وإيدي بتحاول تمنع انهيارنا…
الأرض تحت رجلي بدأت تتكسر أكثر. مش شقوق صغيرة دي كانت بتتفتح قدامي كأن الأرض نفسها بتفست موت. ومن كل شق… بيطلعوا. أسرع من اي حاجه شفتها قبل كده. مخلوقات الظل بتتزحف في الهواء قبل الأرض، ومصاصين الدماء بيخرجوا كأنهم اتولدوا من الجرح نفسه. مش قادر أسيطر، كل ثانية عددهم بيزيد. كل ضربة بنضربها… بيطلع غيرها من نفس المكان. كأن المعركة مش بتخلص… بتتولد من جديد. وفي نفس اللحظة حسيت بالخيوط، خيوط الذاكرة بيننا. بتترعش، بتتشد وبتضعف. ليان فقدت تركيزها فجأة… حسيت بيها بيتوه. هشام بيحاول يقف بس جرح دراعه بيكسر كل حركة. يحيى بعيد في قلب الهجوم… لوحده تقريباً. وإحنا بدأنا نفلت من بعض. بقيناش نسمع بعض كويس. الصوت بيضيع. الإشارات بتضيع.
سمعنا حاجة مش من هنا. خطوات. ثابتة. وفجأة… طلع من الشقوق شخص. مش زيهم. واقف بهدوء غريب. لابس عباءة داكنة، وفي إيده سلاح… بيلمع. نور مش طبيعي. كأنه قطعة ضوء اتكسرت وبقت سيف. ما قالش حاجة. بس أول ما دخل المعركة… اتغير كل شيء. حركة واحدة منه. ضربة بالسيف المضيء. مخلوق ظل اتقطع واختفى فورًا قبل ما يصرخ. لف بسرعة. ضربة تانية. مصاص دماء اندفع عليه— اتضرب في لحظة واحدة واترمى وسط الشقوق وهو بيتلاشى.
الوحوش وقفت ثانية. كأنها اتفاجئت. وبدأت تتراجع. أنا بصيت له. مش فاهم مين ده. بس اللي واضح… إنه مش بيقاتل زيّنا. هو بيحسم. في ثواني… نص المخلوقات اختفى. والشقوق بدأت تهدى شوية. والمعركة… رجعت تتوازن لأول مرة.
يحيى رجع خطوة وهو بيتنفس بصعوبة: "ده مين؟!"
مافيش إجابة. بس أنا حسيت بحاجة واحدة: إننا كنا هنقع… ولو هو ما ظهرش في اللحظة دي… كنا هنختفي. والغريب… إنه بعد ما خلّص الهجوم… وقف بس. وبيبص علينا. كأنه بيقيّمنا.
رحل وكأنه لم يكن يوماً هنا، ترك خلفه أسئلة بلا إجابات، وظلّاً عالقاً في ذاكرتي يرفض الغياب، ثم أختفى من العدم. ما بقاش في قتال، ما بقاش في صوت غير دقات قلبي، اللي بقت أبطأ من اللازم، كل حاجه حصلت قبل كدا رجعت مرة واحدة. مشهد وراء مشهد… خيانة، موت صراخ وجوه أختفت قدامي، كنت فاكر إني أستحملت، لكن الحقيقة… أنا كنت بس مأجل الانفجار…
رجعت خطوة لورا، رجعت ثانية. وبعدين الأرض ما استحملتش، وقعت… ركبتي خبطت على الأرض، إيدي ارتعشت مش قادر أقوم… صرخت. مش صرخة قتال دي كانت صرخة حد اتسحبت منه كل حاجه.
"كفااااية!"
وقعت على الأرض بالكامل… إيدي على رأسي كأني بحاول أوقف الحاجة اللي جوه دماغي بس مفيش حاجه بتقف. الصوت جوايا كان أعلى من كل حاجه حواليا: "كلهم راحوا… وإنت لسه مكمل ليه؟"… بصيت حواليا. مافيش فرق بين صديق وعدو دلوقتي، كل حاجه بقيت ضباب. حسيت بإن مش قادر أقف ثاني… شعرتُ بـ تلك "النخزة" المألوفة تبدأ من حنجرتي. شيءٌ ما، يشبه الصخرة، استقر فجأة في مجرى نفسي. حاولتُ عبثاً أن أبتلع ريقي، أن أبتلع كبريائي المجروح وأبدو متماسكاً، لكن عضلات حلقي تمردت عليّ؛ كانت تتشنج بقسوة وهي تحاول البقاء مفتوحة لأخذ جرعة أكسجين أتمسك بها. في كل مرة حاولتُ فيها النطق بكلمة واحدة لإنقاذ الموقف، كان ذاك الجدار الخانق يصد صوتي، ليتحول كبريائي إلى مجرد حشرجة عاجزة محبوسة في فمي.
ولم يكتفِ الحزن بحلقي، بل هبط سريعاً ليسدد ضربته في صدري. أحسستُ بـ نخزة حادة وباردة في جدار قلبي، كأن عرقاً سرياً يربط عقلي المشتت بأيسر صدري قد شُدّ بعنف حتى أوشك على الانقطاع. شعرت بقبضة خفية، لكنها عنيفة جداً، تعتصر قفصي الصدري وتضيق الخناق على دقات قلبي، التي أصبحت ثقيلة وبطيئة كأنها تمشي في الوحل. توترت العضلات حولي حتى خُيل إليّ أن ضلوعي ستتحطم إن حاولتُ أخذ زفير واحد إضافي. في تلك اللحظة، وأنا أقاوم تلك النخزة التي تشل حركتي، أدركتُ أن جسدي أضعف من أن يكتم كل هذا الخراب، وأن تلك الوخزة لم تكن إلا صرخة صامتة من خلاياي تخبرني: "استسلم واهبط بدموعك.. فلم نعد نقوى على الصمود".
قلت وأنا صوتي مبحوح ونازل لتحت، مش صوت حد بيعلن قرار: "أنا مش هكمل الحرب دي… أنا تعبت. كل مرة بنقف فيها بنخسر حد، وكل مرة نرجع أقل من الأول. مش قادر أقاتل تاني وإحنا بنتكسر بالشكل ده."
رد علي يحيى وصوته عالي وجوه غضب منفجر: "أنت جبتنا إلى الجحيم وضعفت ده كله بسببك، أنا بكرهك يا ياسين أنت زبالة وأناني."
رد ناعس على يحيى: "عندك حق، يلا أنا وأنتى نمشي من هنا وليان."
ثم ذهبوا هما الثلاثة في الظلام وتبقى هشام معي… حسيت بإيد هشام على دراعي وهو بيقولي: "إنت مش لوحدك في ده هفضل معاك."
وساعتها لأول مرة، وقفت مكاني بدل ما اقع.
أحنا هنروح فين؟
هنروح عالمنا الحقيقي، قول معايا الطلسم ده…
ثم قلنا بنفس واحد:
"ازغار لومين سيلفرا من يكسر السلسلة يفتح باب العدم."
وفي لحظة واحدة تسحبنا من أراضي الإنكسار ورجعنا لعالم البشر… بس جسمي كان مختلف، تقيل وضعيف كأني فقدت جزء مش شايفه، وحسيت إن قوتي كلها أختفت فجأة… كأن اللي كنت أملكه هناك اتقفل مع البوابة ومبقاش لي وجود. يدي كانت ترتجف ثم قلت لهشام بصوت مبحوح:
"هشام أنت سامعني؟… المكان هادىء… هادىء بشكل لا يحتمل أين ضجيج الظلال؟ أين أنين الذي فقدناهم؟"
توقفت قليلاً تنفست صعوبة وكأني أخشى أن يبتلعني الهواء.. "انا خايف يا هشام… خائف لدرجة أن غمضت عيني الاقي نفسي ما لم اتحرك من هناك في ذلك الجحيم. قولي إن الأرض اللي تحتي رجلي مش وهم، قل لي إننا فعلاً، فعلاً عدنا. متسيبنيش وحدي في الهدوء ده… هشام.. هشام، أنت حاسس؟.. مفيش.. مفيش حد. الصوت اللي كان في راسي، الهمس اللي مبيسكتش.. فجأة سكت. آزاريل.. آزاريل مش هنا! أنا خايف يا هشام، خايف يكون سابني عشان يجهز لي مصيبة أكبر، أو خايف لأكون أنا اللي بدأت أفقد عقلي بجد!"
هشام (بصوت حازم وهادي عشان يمتص خوف ياسين):
"بص لي يا ياسين.. بص في عيني. سيبك منه، وسيبك من صوته. كفاية سنين عشناها عبيد للهمس ده. لو آزاريل مشي، فدي أول مرة تتنفس فيها من غير ما حد يراقب أنفاسك. أنا جنبك، والواقع اللي إنت شايفه قدامك ده حقيقي.. إحنا هنا، بعيد عن العوالم دي، بعيد عن أي شيطان. سيبك من الخوف، ده اللي كان بيغذيه.. دلوقتي، أنت ملك نفسك لأول مرة."
ياسين (بيحط إيده على راسه وبيمسك في كتف هشام بقوة وهو بيترعش):
"ملك نفسي؟.. يا هشام، إنت فاكر الحرية سهلة كده؟.. أنا بقالي سنين مش عارف فين بتبدأ أفكاري وفين بيبدأ هو. كل مرة كنت بقرر فيها حاجة، كنت بحس بظله ورايا.. حتى وأنا نايم، حتى وأنا بصلي، كان موجود. أنا خايف أكون ملك نفسي وأكتشف إني فاضي من جوه.. إني كنت مجرد مراية لأكاذيبه. طيب لو أنا دلوقت 'ياسين' لوحدي.. يا ترى مين ياسين ده؟ أنا مش عارفه يا هشام.. أنا لسه حاسس إن الحيطان دي فيها عيون بتبصلي، وإن الصمت ده مش أمان.. ده فخ. خليك جنبي.. مش عشان تحميني منه، بس عشان لما أبدأ أكلم نفسي، أعرف أنا بكلم مين.. بكلمك إنت، ولا بكلم السراب اللي كان بيحركني؟"
خلاص فكك بقينا عاديين بقولك أحنا هنقعد فين؟
مش عارف!!
تعالى نروح بيت الجدة رحمة…
رجعت خطوة للوراء ثم قلت:
"إنت بتقول إيه، الجدة رحمة، نعم!!! عمري ما رايح البيت ده تاني بيت طفولتنا المظلم أنا بكره كل اللي في البيت ده، لو رجعنا… يبقى هما هناك، هشام أنت عارف أحنا هنروح فين دلوقتي؟ هندخل البيت ونواجه اللي فات؟ ولا هنفضل هنا في الضلمة، نفضل هربانين، يمكن المرة دي الهروب يكون أضمن من المواجهة؟"
لو فضلنا هنا، هنفضل ميتين من الخوف. لو دخلنا هنعرف إن كنا لسه بشر… أو إذا كنا وحوش محبوسة في جلد بشر. أنت اللي تقرر يا ياسين… هنروح ولا نمشي ونروح مكان ثاني؟
هنروح وأمري لله…
وقفنا أمام هذا البيت الذي دمر طفولتي ثم حياتي. هذا البيت يثير في النفس مزيجاً خانقاً من المشاعر. نظرت إلى هشام وعيوني بدأت في الدموع. استرجعت شريط طفولتي المرعب من الذكريات: موت حسن وقتل يوسف في البانيو، والطلاسم المريبة التي ظهرت عندما قُتل، واكتشاف المؤامرة الطبية وأنا متبني، والتعذيب الجسدي والنفسي على يد المدرس "عمرو" عندما تم حبسي في غرفة والاعتداء علي بالعنف وعندما كنت أقول لنفسي "الفاشل"، وتجريدي من هويتي…
مشيت بخطوات ثابتة ناحية باب البيت. تسمرت قَدماي عند العتبة وكأن الأرض تجذبني للوراء بخطوات مثقلة بالخوف. تقدمت بأقدام متهدبة يرجف لها النبض، وقفت أمام الباب في تردد خانق، مدت يدي ناحية المقبض وكان خلفي هشام وكأني أمدها نحو جمرة من ماضيه، ثم فتحت الباب.
ما إن أجتازت عتبة البيت، حتى شعرت إن السقف ينطبق على أنفاسي… مع أول خطوة في الممر المظلم، داهمتني تلك الوخزة الباردة والمألوفة في أيسر صدري. الهواء داخل البيت كان ثقيلاً، مشحوناً برائحة الغبار والذكريات الميتة، حتى شعرت بغصة تخنق حلقي، وأصبحت دقات قلبي ثقيلة وبطيئة تمشي في وحل الذكريات وكأنها تقاوم التوقف. نظرت إلى الجدران الصامتة، لكني لم ير دهاناً أو ورق حائط بل رأيت صرخة الطفل المكتوم الذي كان يصرخ من الألم الذي يشعر به عندما يُعنف.
مشهد: نهاية شمس وعمر
كان البيت فارغاً يوجد فيه رياح كثيفة وهدوء تام، ضباب أزرق خرج من شباك البيت صوت هبوب رياح مفاجىء وسريع. كنا أنا وهشام صامتين حتى خرجت شمس بعينيها الخضراوين بمريلة المطبخ. تبادلنا نظرات باردة، ثم أنا أوقفت الصمت قائلا بصوت عالي:
"عشر سنين يا شمس… وقت طويل أوي، غير فينا كل حاجه. بس عايزك تعرفي إن الوجع اللي سببته لي في طفولتي عمري ما انساه أبداً. تفتكر السنين اللي فاتت دي نسيتني أنا عيشت طفولتي كلها مكسور وخايف بسبك. كنت بتنام إزاي وضميرك مرتاح وأنت سايب وراك طفل ذنبه إنه مكنش عارف يدافع عني."
ردت شمس بنبرة نرجسية لقلب الترابيزة وإنكار الذنب:
"أنت لسه عايش في دور الضحية؟ عشر سنين ولسة شايل وتعبان ونكدي زي ما أنت؟ أنا كنت بربيك وبطلع منك راجل لو أنت بقا حسيت إنك مكسور فده نقص منك أنا مش ذنبي أنا."
بعد أن أنتهت شمس من ردها المستفز والبارد، ألتفت هشام ليتحرك نحو المطبخ بهدوء مريب. كانت ملامحه خالية تماماً من أي تعبير.. ههدوء مرعب سبق العاصفة… شمس ضحكت ضحكة باردة سحبت كل أنفاسها وكل ذرة دم من عروقي… وفي أقل من ثانية سحب هشام السكينة المحطوطة على الرخام، وبكل غل سنين اللي شافني فيه بتوجع، غرز السكينة في ظهر شمس من ورائها.
شمس ملحقتش تصرخ، اتكتم الصوت في صدرها، ووقعت على الأرض وبركة الدم بتكبر تحتيها… حيث تحول هشام من صديق إلى "قاتل بدم بارد" لا يتردد من التخلص من أي شاهد. على صوت الكركبة المكتومة، داخل عمر جوز شمس وهو بيقفل زرار قميصه ويقول:
"في إيه يا جماعة، الصوت ده جاي منين؟"
ملحقش يكمل جملته، ولا يستوعب منظر شريكة حياته وهو سايح في دمه على الأرض. ألتفت هشام في لمح البصر وعيونه مقلوبة بالدم، وقبل أن عمر يصرخ أو يستغيث جاءت الطعنة الثانية في صدره من هشام… وقع عمر على الأرض، والمطبخ بقى عبارة عن مسرح جريمة هادي… مفيش فيه غير صوت نفس هشام العالي وهو ماسك السكينة تنقط دم، وأنا واقف مصدوم من اللي عمله هشام، قفل طفولتي وحياتي بالشكل المرعب ده.
كان هشام واقف هادىء بملامح باردة تشبه عمر بعيونه الزرقاوين. لم يتحرك، لم يتكلم، واقف صامتاً… رجلي تعثرت وجمجمتي اتجرحت في الحائط، شعرت بزغللة في العين وفي لحظة واحدة وقعت على الأرض فاقد الوعي.
أستيقظت من فقداني للوعي ورأيت نفسي في المستشفى وجالس بجانبي ضابط شرطة يتكلم في الهاتف… سندت ظهري على مخدة السرير… اغلق ضابط الشرطة هاتفه ونظر إلي بملامح حادة ثم قال:
"أنا الظابط مروان الشناوي، ألف سلامة، هنحتاجك في كم حاجه عشان حضرتك شاهد على جريمة قتل!!"
جريمة قتل إزاي مش فاهم حاجه…
للأسف أنت دخلت في غيبوبة بقالك اسبوعين فحضرتك ناسي، انا هفكرك صاحبك هشام قتل الآنسه شمس والأستاذ عمر…
صاحبي هشام يقتل!! لا مستحيل!!
لا قتلهم بجد وفي كاميرات سرية في البيت وصورت وهو بيقتلهم، بس هو اعترف على نفسه وحكى ليه قتلهم، وقال إنك ملكش دعوة بعملية القتل، وأخر حاجه قالها قبل ما ينتحر: "أنا الي أقف قدامهم وهبقى الحيطة وإنت عمرك ما هتبقى لوحدك"…
أول ما الجملة لمست وداني، الدنيا اسودت في عيني، الرعشة رجعت لجسمي ثاني بس المرة دي كانت رعشة صدمة هزت كياني كله، الدموع نزلت من غير صوت، حسيت بنغزة في قلبي أقوى من وجع السرطان نفسه اللي في دماغي، بقيت أهمس لنفسي وأنا مش مصدق:
"أنتتحرت ليه يا هشام؟… أنت سيبتني لوحدي فعلاً… أنا مش عايز الحيطة، أنا كنت عايزك أنت يا صاحبي…"
أنا أعلن الآن الاستسلام لمرضي الذي ينهش في جسمي والأستسلام للحياة بدون أصدقاء، بدون أقارب، بدون أهل، بدون أخي مازن… تم الاستسلام…
بعد مرور أسبوعين… رجلي كانت بتتحرك بالعافية وأنا خارج من المستشفى، جسمي كله كان هزلان والسرطان بياكل في دماغي.. بس الوجع اللي في قلبي كان أقوى. مكنش عندي مكان أروحله، ملقيتش قدامي غير دار أيتام 'النور'.. المكان اللي بدأ فيه كل كابوس عشته.
أول ما وصلت، اتفاجأت.. الدار مبقتش زي زمان، اتجددت بالكامل وبقت نضيفة وكبيرة، كأن في إيد خفية بنتها من أول وجديد عشان تمسح ملامح الماضي. دخلت بخطوات مرعوبة، وعينيا بتدور بلهفة وخوف على الوش الوحيد اللي باقيلي في الدنيا دي.. أمي حنان. قربت من المشرفة، سألتها بصوت مكسور وطالع بالعافية:
"أمي حنان فين؟"
المشرفة أول ما شافتني ملامحها اتغيرت، وبصتلي بنظرة خوف وأسى قطعت الشك باليقين جوة قلبي. مسكت إيدي من غير ولا كلمة وقادتني لحد أوضتها. فتحت الباب.. وفي اللحظة دي، الزمن وقف، وعقلي اتشل عن التفكير.
أمي حنان كانت هناك.. بس زي ما تمنيت. كانت معلقة في سقف الأوضة.. منتحرة! وجنبها ورقة صغيرة بتقول إن الذاكرة رجعتلها ومقدرتش تستحمل بشاعة الماضي والذنب.. فانتحرت.
الصدمة كانت أكبر من طاقة قلبي ومخي. حسيت برعشة بريق هستيرية بدأت من صوابع رجلي لحد ما هزت كياني كله، جسمي كان بيتنفض وبيتمرجح مكانه من كتر الخوف والذهول. وفجأة.. حسيت بصفارة حادة ومرعبة جوة وداني.. صوت الصفارة بقى يعلى ويعلى بسرعة رهيبة، وف ثانية واحدة.. الصفارة دي قطعت كل الأصوات اللي حواليا. ساد الصمت التام.. صمت مرعب ومخيف.
شفت المشرفات وهما بيجروا في الأوضة وبيصرخوا، وشفايفهم بتتحرك بسرعة.. بس أنا مكنتش سامع أي حاجة! العالم كله بقا شغال من غير صوت كأنني بقيت جوة فيلم صامت. حاولت أصرخ.. فتحت بوقي بكل قوتي وعروق رقبتي اتشدت لدرجة الوجع عشان أطلع الصرخة اللي مكتومة في صدري.. بس مفيش ولا حرف طلع. صلوات الحبال الصوتية انقطعت من الخوف، وصوتي اتمسح تماماً. بقيت واقف في نص الأوضة، ببكي بدموع حارقة من غير ما أسمع حتى صوت عياطي.. محبوس جوة عالم ضلمة وساكت، مش سامع ومش قادر أتكلم، والوجع محاوطني من كل اتجاه بعد ما خسرت كل حاجة.
كنت قاعد على أرض الأوضة في الدار، مش سامع أي حاجة حواليا، صمت قاتل ومفيش غير دموعي اللي بتنزل وأنا باصص لأمي حنان وهي متعلقة في السقف. فتحت بوقي عشان أصرخ تاني وتالت، بس الهوا كان بيطلع من صدري ناشف.. مفيش صوت، أنا بقيت أخرس وأطرش رسمي.
وف وسط الذهول ده، شفت الضابط مروان الشناوي داخل الأوضة بسرعة وهو مخضوض. جرى عليا ومسكني من كتافي، كان بيتكلم ويصرخ ويهزني، وشفايفه بتتفتح وتتقفل بسرعة.. بس أنا مكنتش سامع ولا كلمة. لما لقى مفيش فايدة وإني مش برود عليه ولا سامعه، طلع نوتة صغيرة وقلم من جيبه، وكتبلي بخط سريع وصادم:
(ياسين.. أنا مش جاي عشان قضية هشام وبس.. أنا جاي أقولك على صاحبك التالت.. آدم!)
بربشت بعنيا وأنا مش فاهم، والسرطان بياكل في نفوخي. الضابط مروان قلب الصفحة وكتب الجملة اللي طيرت اللي باقي من عقلي:
(آدم مش في عالمنا يا ياسين.. آدم فاقد الذاكرة، وهو دلوقتي في عالم تاني.. في أرض تدعى أرض السلاسة المنسية.. وبقى سيد الزومبي هناك!)
بصيت للورقة وبصيت لوش الضابط.. عقلي مكنش قادر يستوعب. هشام انتحر ومات، وأمي حنان مشيت وسابتني، وآدم ضاع وفاقد الذاكرة وبقى سيد الزومبي في عالم غريب.. أنا مبقاش عندي حد.. أنا بقيت لوحدي تماماً في الكون ده، محبوس جوة جسم عيان، لا بسمع ولا بتكلم، وكل اللي بحبهم اختفوا.
مبقاش عندي عقل يستوعب.. رميت النوتة من إيدي وقمت أجري زي المجنون في ممرات الدار. الصمت محاوطني وصفارة وداني بتنزف وجع. كنت هربان من حقيقة إن أمي ماتت وصاحبي ضاع. دخلت أوضة قديمة مهجورة في آخر الممر وقفلت الباب ورايا وأنا بنهج. لفيت وشي، لقيت قدامي مراية طويلة مكسورة نصين. قربت منها وأنا ببكي، وبصيت لوشي الشاحب والسرطان بياكل فيا.. رفعت إيدي ولمست شرخ الكسر اللي في الزجاج.. في اللحظة دي الصمت اختفى، وبدأت أسمع همس مرعب جاي من جوة المراية بيقول:
(ياسين.. مرحباً بك في زيا ونيرزا).. وفجأة الإيدين الضوئية سحبتني!
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!