الفصل الخامس:
الفصل الثامن: حُفرةُ العَدَم وجَحيمُ الأنقَاضِ المَنسِية
اندفعتُ بقدمين متخبطتين نحو حافة الهوة التي ابتلعت هشام. طغت الهستيريا على عقلي؛ كنتُ أضغط بحنق وعنف على الزر الأحمر البارز من الجدار الآيل للسقوط. ألمح عروق يدي تتعقد وتوشك على الانفجار من فرط الجهد، لكن الآلة كانت صامتة صمت المقابر. لم يُجبني المكان سوى بأزيز الريح الخاوية وصوت صديد ميت ينساب بين شقوق الصخر.
تراجعتُ خطوات إلى الخلف، نَفَسي يتقطع وزفير الموت يملأ صدري. خيّل إليّ أن السقف يهوي على رأسي، بينما تسللت حرارة الذنب الشديدة لتلتهمني؛ أنا من أمره بالتقدم، وأنا من قال له بخفة: "لنستكشف المكان بحذر". أنا القاتل الحقيقي الذي دفعه لوضع يده على ذلك الزر الملعون.
في تلك اللحظة القاتمة، تخلل المسامع صوت صرير ميكانيكي قديم؛ تروس حديدية علاها الصدأ منذ عقود بدأت تدور تحت أقدامنا بجعير مرعب. ارتفعت من قاع الفوهة أعمدة دخان داكنة كثيفة، تفوح منها رائحة الكبريت والمركبات الكيميائية المنبعثة من الكراتين الملقاة. تلاشى المجال البصري بالكامل بيني وبين آدم وسط الضباب المظلم.
ومن قلب ذلك العماء، اختنق الهواء بصراخ آدم المذعور:
— "ياسين! هناك مخالب حادة تعتصر قدمي! أعدني يا ياسين!"
تلمستُ اللاشيء وأنا أسعل بشدة، أحاول الاهتداء بنبرة صوته المذعورة. لكن الدخان بدأ ينقشع تدريجيًا، ليكشف عن فراغ تام... لقد اختفى آدم تمامًا. لم يتبقَ سوى ضوء هاتف هشام الملقى على الأرض الباردة. وبينما كانت أطرافي ترتجف خوفًا، تسرب إلى أذني صوت قطرات ماء تتساقط بانتظام خلفي.
التفتُّ ببطء شديد؛ كان الجدار المهجور ينضح بمياه كدرة ملوثة بالدماء. ومن قلب ذلك الرشح القاني، تجسد خيال أخي المتوفى "يوسف". كان شاحبًا، وغابت الأحداق عن عينيه لتتوشحا بالبياض الخالص. رفع سبابته نحو الحفرة، وهمس بصوت مبحوح كأنه فحيح أفعى:
— "زيراكول..."
تلاشى خياله فورًا، مخلفًا على الأرض مفتاحًا حديديًا قديمًا يكسوه الصدأ. أدركتُ أن اللعنة أطبقت فككها علينا جميعًا. التقطتُ المفتاح بأصابع ترتعش، وثبتُ كشاف الهاتف في قميصي. وفي صدري مزيج من القهر والغضب، بدأتُ الهبوط في العتمة متشبثًا بمواسير متهالكة وحبل مقطوع.
لم تكن الحفرة مجرد قاع لمبنى متهدم؛ بل كانت مدخلًا لشبكة سراديب غائرة تحت الأرض، مبنية من صخور سوداء تحاكي طراز "جحيم الأنقاض المنسية". كانت الجدران مغطاة بطلاسم خطت بدم جاف، وفي نهاية الممر برز باب حديدي ضخم محفور عليه شعار "زيراكول". فهمتُ حينها أن هذا المفتاح المصدي هو بدايتي الحقيقية لاسترداد آدم وهشام، والوصول إلى أخي مازن.
فجأة، تناهى إلى أذني صوت أنفاس مضطربة. التفتُّ لأجد هشام مستلقيًا والدم ينزف من ذراعه. أسرعتُ إليه، جررته بجهد وسندته على كتفي. وفي تلك اللحظة، ظهرت طاقة بنفسجية مظلمة تشع من الخرسانة، وتحت أقدامنا تناثرت ألعاب وملابس أطفال ملطخة بركام الحريق القديم.
تأوه هشام وهو ينظر إليّ بوهن:
— "أأنت بخير؟"
رددتُ بصوت خافت:
— "أجل... بخير."
تقدمنا خطوات، لنصدم بمشهد يعصر الفؤاد: شمس، وعمر، والمدرس عمرو، جميعهم مكبلون بجذور سوداء تنبت من الأرض، والجن الغواص يمتص أجسادهم. أجهشت شمس بالبكاء وصرخت وهي تخنقها العبرات:
— "كل ما ذقته في طفولتك كان طقوسًا أعدها الساحر مأمون... لتفعيل الدم النقي تحت وطأة القهر والذل!"
واصلتُ السير مع هشام بثقل ونشيج مكتوم، حتى وصلنا إلى قاعة ضخمة تشبه المعبد القديم. هناك، سقط قلبي بين أضلعي؛ كان أخي التوأم "مازن" مربوطًا فوق صخرة دنسة، وجسده يتشكل ليكون وعاءً للشيطان. وفي لمحة، برز من خلفنا "يحيى" شاهِرًا سيفًا يشتعل ضياءً، وصرخ بأعلى صوته:
— "أدخل المفتاح المصدي في المذبح الآن قبل أن يكتمل المسخ!"
اندفعتُ بكل ما أوتيت من قوة وأدخلتُ المفتاح في القفل المظلم، لكن الأوان كان قد فات. انشق الضباب عن الطاغية "آراد"، وقرين أخي "يوسف"، ومعهم "ناهب" وأحمد الطباخ وحشد من أطفال الزومبي. استطاع مازن فك قيده في اللحظة الأخيرة وجرى نحوي، لكن "ناهب" باغتنا بضربة ظلامية مدمرة ألقكت بنا على الأرض كأجساد بلا روح.
سقطت المخطوطة من يد يوسف القرين، وسالت دماؤي ودماء مازن لتلامس طلاسمها الأولى. في تلك اللحظة، نبض الدم النقي داخل عروقنا بقوة عاتية؛ نهضتُ أنا ومازن وعيوننا تتوهج بنور أبيض بارد. وبقوتنا المستعرة، خضنا معركة حاسمة أطاحت بـ (ناهب، يوسف، آراد، ومأمون)، بينما ضحى يحيى بحياته دفاعًا عنا.
ومع هلاك قادة الظلمة، بدأ العالم المظلم بالانهيار؛ أخذت الأنفاق تتشقق، والخرسانة البنفسجية تتفتت وسط انفجارات المياه الجوفية. احتدم الغبار في حلقي، وكان ميرا قد ضحت بنفسها ودخلت المخطوطة لتقفل الطلاسم وتنقذنا.
كنتُ أقبض على يد أخي مازن وأرفعه بجهد فوق صخرة، بينما كان هشام يسبقنا نحو فتحة النور في الأفق. صعد هشام أولًا، وسحب مازن لبر الأمان. تنفستُ الصعداء، وأمسكتُ بالحبل المتهالك بآخِر ما أوتيت من رمق، وناديتُ بصوت أضناه التعب:
— "هشام! مازن! امتدت أيديكما... اسحباني!"
الفصل التاسع: كتالوج الغدر والقاع المظلم
في تلك اللحظة القاتمة فوق الحافة، تجمد الزمن.
انقشع الضباب لثانية واحدة، لألمح بريق معدن بارد فوقي... كانت سكينًا يمتلئ ممسكها بحقد دفين في يد هشام! لم تكن عينان صديقي اللتان عرفتهما؛ بل عيونًا جاحظة نضح منها جشع مرعب. وقبل أن يستوعب عقلي المشهد، وأمام نظراتي الذهولة، أهوى بالسكين بضربة حاسمة وقَطَع الحبل!
تلاشت الروح من جسدي وأنا أسقط في الفراغ السحيق.
كان الهواء يعصف في أذني بجعير أصم، وجسدي ينجرف بسرعة مروعة نحو البوابة المظلمة تحت. لكن حواسي التي تضاعفت بفعل الدم النقي جعلت صداهم عند الفتحة يتردد في مسامعي بوضوح قاتل، ينزل على قلبي كقطرات الماغما المشتعلة:
تناهى إليّ صوت هشام وهو يلهث بجشع:
— "مات ياسين... أخيرًا تخلصنا منه! أخبرني يا مازن، أين الوعود الآن؟"
وجاءه صوت أخي التوأم... مازن... بضحكة باردة لم أعهدها منه طوال حياتي:
— "اطمئن يا هشام... سنكون ملوك عالم زيا وعالم البشر معًا. كل شيء كان مرتبًا بدقة؛ نحن نخدم (آراد) الأعظم، وخادمه الوفي هو من رتب لنا هذا المسار بالكامل!"
كانت الكلمات أشد إيلامًا وفتكًا من السقوط نفسه. أخي التوأم يبيعني بدم بارد؟ وهشام الذي خاطرت بحياتي لأجله يقطع حبلي من أجل عرش زائف؟!
ولم تكن تلك الخديعة الوحيدة؛ إذ تنبهت حواسي المستعرة لرؤية أخرى تتجلى عند فتحة النور فوقي: رأيتُ ميرا تخرج من جوف المخطوطة، لكنها لم تكن السيدة العجوز ذات التسعين عامًا؛ بل كان جسدها يتجدد أمام عيني، التجاعيد تتلاشى والبشرة تستعيد طراوتها حتى عادت فتاة في العشرين من عمرها. ارتسمت على شفتيها ابتسامة مسمومة وهي ترتمي في أحضان هشام، الذي احتضنها بجشع وقال لمازن:
— "نجحت الخطة يا مازن... سحر المخطوطة أعادها شابة، وياسين غرق في الجحيم!"
ثم أطلقت الأحداث مشهدًا آخر شق صدري؛ وسط جيش الموتى المحيط بهم، أبصرتُ "آدم". صرختُ بآخر رمق في أملي وصوتي يخنق الريح: "آدم! أنقذني يا صديقي!"
التفت إليّ آدم... لكن عينيه كانتا بيضاوين تمامًا، خاليتين من أي حياة أو معرفة. نظر إليّ بجمود وقال ببرود جاف:
— "من أنت؟"
في تلك اللحظة، انطفأت شعلة الحياة في داخلي قبل أن يلمس جسدي القاع. عرفتُ أن الجميع بلا استثناء قد باعني... ومُحيت الرحمة من أركان صدري للأبد.
وقبل أن تتفتت جثتي على صخور القاع أو تلتهمها النيران، امتدت يد قوية مليئة بالندوب واختطفتني من الهواء ببراعة لا تصدق!
فتحتُ عيني برعب وأنا أرتجف، لأجد نفسي بين ذراعي الرجل المحروق الذي هربتُ منه سابقًا في عالم زيا. حاولتُ دفعه بوهن وأنا أصرخ بذعر:
— "من أنت؟! اتركني!"
ابتسم بأسى يمتلئ بالحزن والوجع، وقال بصوت هز أركان النفق:
— "اهدأ يا بني... أنا محمد، والدك... وأنا الملك القديم لعالم زيا، والخادم الوفي لآراد الذي يتحدث عنه أخوك فوق!"
اتسعت حدقتاي غير قادر على الاستيعاب:
— "أنت خادمهم؟! أنت معهم وتخدعني كما فعلوا؟!"
قبض على كتفي بقوة وثبات خلتها تثبت عظامي، وقال بنبرة صادقة:
— "كان يجب أن يعتقدوا أنك مت يا ياسين! هشام ومازن يظنان أنني قضيتُ نَحبي وأن الخطة تسير لصالحهم، لكنني خدعتهم لأحميك وأربيك في الظل بعيدًا عن أعين المنظمة. سنختفي في أعمق نقطة، وهناك... سأعلمك كيف تسخر طاقة العدم ودمك النقي."
الفصل العاشر: وَريثُ العَدَم والخدِيعَةُ الكُبَرى
مرّت عشر سنوات كاملة في هذا السرداب الملعون... عشر سنوات وأنا أطحن عظامي، وأنزف روحي تحت مسمى "التدريب والعزلة" بعيدًا عن أعين البشر والجن.
عشر سنوات غيّرتني تمامًا؛ لم أعد ذلك الفتى الضعيف المكسور الذي يستكين للقهر. امتلأ جسدي بالعضلات والندوب القاسية، وانطفأت الدموع من عيني ليحل محلها نور أبيض بارد وقاتل... لقد ماتت في قلبي الرحمة، ولم يعد يسكنه سوى ظمأ لا يرتوي للانتقام.
وقفتُ في العتمة القاطعة، وسندتُ كفي بقوة على مقبض سيفي الأسود، ثم رفعتُ بصري نحو السقف... نحو السطح حيث يجلس هشام ومازن على عروشهما الزائفة وفاكرين أن الجحيم ابتعلني.
التفتُّ إلى أبي محمد، وقلتُ بنبرة حازمة وهادئة هزت أركان المكان:
— "لقد مرت عشر سنوات يا أبي... ظنوا أن الجحيم قد ابتلعني، وحان الوقت ليعلموا أن الجحيم هو أنا!"
لكن... وفي اللحظة التي كنتُ أستعد فيها لشق الطريق نحو الأعلى، انهار كل شيء فجأة.
شعرتُ بطاقة العدم تسيل من عروقي وتتبخر في الهواء كأنها لم تكن! تفتتت قوتي في ثوانٍ معدودة، وخذلني جسدي بالكامل، فسقطتُ على ركبتي فوق الأرض الباردة والمظلمة.
كانت أنفاسي تخرج متقطعة، باكية، وحارقة. نظرتُ بعينين منكسرتين إلى الرجل الذي أطعمني، وحماني، وعلمني طوال عقد كامل... نظرتُ إلى أبي محمد، وقلتُ بصوت خافت ومبحوح:
— "أنا استسلمتُ يا أبي... لا فائدة، القوة غادرتني بالكامل وخسرتُ كل شيء... دعهم يأخذون العروش، لم أعد قادرًا على القتال."
كنتُ أنتظر منه أن يمد يده ليرفعني، أن يربت على كتفي ويقول إننا سنعبر هذا الظلام معًا... لكنني رأيته يتراجع خطوتين إلى الوراء ببرود قاتل.
ولمحتُ على شفتيه ابتماسًا... ابتسامة خبيثة، سادية، ومسمومة لم أرها فيه قط طوال عشر سنوات! ارتد صداها المرعب في الممر المظلم وهو ينظر إليّ بنظرة ملؤها الشماتة والغل:
— "أحسنت يا ياسين... استسلامك هذا، وانكسار روحك الحالي هو بالضبط ما كنا ننتظره منذ عشر سنوات... لكي يصل دمك النقي إلى أقصى درجات الخضوع والطاعة!"
اتسعت عيناي بذهول شل أطرافي، وهمستُ برعب:
— "أنت... أنت تخونني يا أبي؟! بعد عشر سنوات من العزلة؟! لماذا؟!"
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!