لعنة همس نيرزا
لعنة همس نيرزا
جزء 11 من 12
وضع القراءة:

الفصل الحادي عشر:

تراجعتُ خطوة إلى الخلف وأنا أحدق في المرآة المتشققة. كان الصمت ثقيلًا إلى درجة أنني استطعت سماع نبضات قلبي المتسارعة.
​نظر مازن إلى النافذة، ثم استلَّ سيفه ببحّة معدنية حادة. تجمدنا جميعًا في أماكننا... كان هناك صوت بالخارج. صوت خطوات بطيئة تدور حول البيت الطيني. خطوة... ثم أخرى... ثم أخرى. كأن شخصًا ما يقف في العتمة، يحصي أنفاسنا ويراقب كل حركة نقوم بها.
​أمسك آدم بمصباح زيتي صغير وأشعله بحذر. ارتجف الضوء الأصفر فوق الجدران، لكن الخطوات توقفت فجأة... اختفت، كأن صاحبها لم يكن موجودًا من الأساس.
​اقترب رين من الباب بحذر، ثم فتحه دفعة واحدة. اندفعت الرياح الباردة إلى الداخل، لكن الخارج كان فارغًا، لا أثر لأحد.
​خرجنا جميعًا نتفقد المكان، وكانت السماء مغطاة بكساء ثقيل من الغيوم السوداء التي حجبت القمر. فجأة، شعرتُ بقشعريرة باردة تسري في جسدي جعلتني أتصلب. رفعت رأسي نحو التل المقابل، وكان هناك ظل أسود يقف فوق القمة. لم أستطع رؤية ملامحه، لكنه كان يحدق بنا بثبات. رفع يده ببطء وأشار نحو الشمال... نحو التضاريس الوعرة القابعة خلف الجبال: وادي الهمسات.
​وفي لحظة، تبخر الظل داخل العتمة.
​نظر مازن نحوي وقال بصوت منخفض:
— أعتقد أنهم وجدونا.
​شعرتُ ببرودة تسري في عروقي لأنني كنت أفكر في الشيء نفسه. لم تكن الرسالة تحذيراً... بل كانت إعلاناً صريحاً بأن المطاردة قد بدأت.
​واصلنا طريقنا عبر المسالك الوعرة حتى أفضت بنا الرحلة إلى وادي الهمسات. لم يكن المكان مجرد وادي مهجور كما ظننا، بل كان ساحة شاسعة تعج بآثار السحر القديم وأسرار "آراد". أخرجتُ نوتتي وقلمي السحري، وبدأت أدوّن التعاويذ الجديدة التي نقشها الأقدمون على الصخور، مفككاً أجزاءً من الحقيقة التي أُخفيت عني طوال حياتي.
​لكن الشكوك التي زرعتها الرسالة كانت تنمو بيننا كالعشب المسموم. بدأت تصرفات أحد رفاقنا تغدو غريبة؛ اختفاؤه المتكرر، ونظراته المترددة نحونا كانت تثير القلق. ولم يطل الأمر حتى انكشفت الحقيقة المرة: كان ينقل تحركاتنا إلى منظمة "ياسيرون" منذ البداية. لم يكن يملك خياراً، بل كان يخضع لتهديدات مسّت عائلته. أدى هذا الانكشاف إلى شرخ عميق صدم المجموعة، لكننا لم نملك ترف التوقف، فالوقت كان يمر أسرع مما نتخيل.
​تحت وطأة الندم، وافق الرفيق على تقفير أثر المنظمة، وقادنا عبر الممرات الضيقة حتى وصلنا إلى معقل القائد العسكري للمنظمة: "مأمون".
​دارت هناك مواجهة طاحنة؛ استل مازن سيفه، واشتبك آدم ورين مع أتباع القائد، بينما أخرجتُ نوتتي وبدأت أكتب التعاويذ بسرعة لتستجيب لها الطاقة من حولنا. انتهت المعركة الطويلة بسقوط مأمون وهزيمته، لكنه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، نظر إلينا بابتسامة باهتة وقال:
— تظنون أنكم انتصرتم؟ أنا مجرد حارس على الباب... هناك من يقود المنظمة من الظلال، وهو يتلاعب بكم جميعاً.
​لم ننتظر؛ تقدمنا نحو المقر الرئيسي لمنظمة ياسيرون. تدور المعارك الآن داخل القاعات الحجرية والممرات المظلمة. يقاتل مازن وآدم ورين بشراسة لتأمين الطريق، بينما تقدمتُ أنا نحو قلب القلعة حتى واجهتُ الزعيم التنفيذي للمنظمة لأول مرة.
​كان السحر يتصاعد في المكان. فتحتُ نوتتي، وبحركات سريعة ومجهدة، كتبتُ أعقد التعاويذ التي تعلمتها في وادي الهمسات. انبعثت أضواء متوهجة من النوتة، واهتزت جدران القلعة بقوة هائلة أدت إلى انهيار أجزاء كبيرة منها فوق رؤوس الأعداء. غير أن الزعيم استغل الركام والغطاء الدخاني لينسحب وينجو بحياته في اللحظات الأخيرة.
​مع سقوط القلعة، ساد صمت جريح. وارينا أجساد القتلى الثرى، وحاولنا أن نلتقط أنفاسنا ونصدق أن الكابوس قد انتهى.
​لكن الوثائق التي عثرنا عليها بين أنقاض القلعة كشفت عن حقيقة أشد هولاً: منظمة "ياسيرون" بأكملها لم تكن سوى أداة صغيرة في يد قوة أكبر بكثير تتحرك خلف الستار، قوة كانت تراقب كل خطوة نخطوها منذ البداية.
​مرت أيام وأشهر، وموجات الصراع لا تتوقف. كان الليل هادئًا على نحو غريب هذه الليلة. بعد المعارك والمطاردات والدماء التي طاردتنا عبر رحلتنا، بدا وكأن العالم قرر أن يمنحنا لحظة سلام أخير.
​جلستُ على حافة الجبل، وكانت الرياح الباردة تمر بين الصخور تحمل معها رائحة المطر البعيد. وقف آدم على مسافة قصيرة يتأمل الأفق، أما رين فكان بجانبي... صامتًا، وهادئًا أكثر من المعتاد.
​نظرتُ إلى السماء؛ كانت النجوم تملأ الظلام. ولأول مرة منذ زمن طويل، شعرتُ أنني أستطيع التنفس... أنني نجوت.
​أخرجتُ النوتة من جيبي وكتبتُ بخط سريع:
"هل تصدق أننا ما زلنا أحياء؟"
​ابتسم آدم وضرب كتفي بخفة، أما رين فلم يبتسم. ظل ينظر إلى مكان بعيد خلف الجبال. شعرتُ بشيء غريب، شيء لم أستطع تفسيره، لكنني تجاهلته... ربما لأنه كان آخر شخص يمكن أن أشك فيه.
​مرت دقائق طويلة، وتذكرنا الأيام التي كنا فيها مجرد أطفال لا نعرف شيئاً عن السحر ولا عن منظمة ياسيرون ولا عن الظلام الذي يختبئ خلف العالم. ضحك آدم فجأة وقال إننا كبرنا أسرع مما ينبغي، ولأول مرة منذ مدة طويلة، ضحكتُ معه.
​لكن رين ظل صامتاً. ثم نهض من مكانه واقترب من حافة الجبل. وقفتُ أنا أيضاً وسرتُ نحوه. كانت الرياح تزداد قوة والسحب السوداء تتجمع فوق رؤوسنا.أخرجتُ النوتة وكتبتُ:
"هل أنت بخير؟"
​نظر إليّ ولم يجب. كانت عيناه غريبتين، كأنهما تخفيان شيئاً ثقيلاً ظل يحمله وحده لفترة طويلة. شعرتُ بانقباض في صدري، فتراجعتُ أكتب في نوتتي مجدداً ورفعتها أمامه بسرعة:
"ماذا حدث؟"
​خفض رأسه، ثم أغلق عينيه للحظة. وعندما فتحهما مجدداً، بدا وكأنه اتخذ قراراً لا رجعة فيه. قال بصوت خافت:
— كنتُ أتمنى ألا تصل الأمور إلى هذا الحد.
​تجمدتُ... لم أفهم. نظرتُ إلى آدم لكنه بدا مرتبكاً مثلي. تقدمتُ خطوة نحو رين، وكتبتُ بسرعة:
"عن ماذا تتحدث؟"
​نظر إلى الكلمات، ثم رفع رأسه نحوي وكان الحزن يملأ وجهه... حزن لم أره من قبل. قال:
— سامحني يا ياسين.
​توقفت أنفاسي وشعرتُ بأن شيئاً سيئاً على وشك الحدوث. تراجعتُ خطوة صغيرة، لكن الأوان كان قد فات.
​في لحظة واحدة... تحرك رين، وشعرتُ بيده تدفعني بعيداً عن الحافة.
​اتسعت عيناي، ولم أستوعب ما حدث. رأيتُ وجه آدم يتحول إلى صدمة، وسمعته يصرخ باسم رين، لكن الأصوات بدت بعيدة جداً.
​نظرتُ إلى رين وأنا أهوى... كنتُ أنتظر أن يخبرني أن ما حدث خطأ، أن الأمر مجرد مزحة سيئة، لكنه لم يقل شيئاً. ظل واقفاً مكانه ينظر إليّ وعيناه مليئتان بالألم والندم والوداع.
​ألف سؤال انفجر داخل رأسي: لماذا؟ كيف؟ متى؟ هل كان هو الخائن الحقيقي الذي حذرتنا منه الرسالة في البيت الطيني؟
​قبل أن يبتلعني الفراغ، رأيتُ شيئاً أخيراً... خلف رين، بعيداً عند قمة الجبل، وقف شخص مجهول يرتدي عباءة سوداء يراقب المشهد بصمت. وعندما التقت أعيننا، ابتسم ابتسامة باردة جعلت الرعب يتسلل إلى أعماقي.
​في تلك اللحظة فهمتُ شيئاً واحداً: رين لم يفعل هذا برغبته، كان هناك سبب كفيل بتدمير كل ما كنتُ أؤمن به.
​بدأت الرؤية تتلاشى، واختفت النجوم والجبل وكل شيء. لكن آخر فكرة مرت في عقلي كانت واضحة تماماً: هذه ليست النهاية... إنها البداية فقط، والفصل القادم من الكابوس لم يبدأ بعد.الفصل الأخير: السقوط
​لم أشعر بالرياح، لم أشعر بالبرد، ولا حتى بالخوف. كنتُ أسقط... فقط أسقط. الظلام يبتلعني شيئاً فشيئاً، والسماء أصبحت بعيدة جداً.
​لماذا فعلها رين؟ ذلك السؤال ظل يدور في رأسي كالسكين.
​ثم... سمعتُ الهمس. ذلك الصوت الذي عرفته جيداً، الصوت الذي لم يفارقني منذ بدأت اللعنة:
— ياسين...
​كان "آزاريل".
​فتحتُ عيني بصعوبة، لكنني لم أعد أسقط في السماء؛ كنتُ أقف فوق أرض سوداء ممتدة بلا نهاية، تحت سماء حمراء وأقمار مكسورة، وأشجار ميتة تشبه الأيدي البشرية.
​همس آزاريل من خلفي:
— مرحباً بك في الحدود الأخيرة بين الحياة والموت.
​استدرتُ بسرعة، فوجدته واقفاً هناك بعينيه الحمراوين وابتسامته الغامضة. لكن شيئاً فيه كان مختلفاً... كأنه خائف لأول مرة.
​قال:
— لقد بدأ الأمر يا ياسين.
​فتحتُ نوتتي وكتبتُ له بقدَر ما أسعفني الذهول:
"ماذا بدأ؟"
​نظر نحو الأفق البعيد حيث ظهرت مئات الأضواء الحمراء، ثم قال:
— الحرب.
​وفي تلك اللحظة، اهتزت الأرض، وارتفع من أعماق الظلام زئير هائل لم يكن بشرياً ولا يشبه أي شيء سمعته من قبل. بدأت الظلال تتحرك؛ جيش كامل من المخلوقات كان يخرج من العتمة... ولم تكن متجهة نحوي، بل نحو عالم البشر.
​تراجعت الأضواء الحمراء في الأفق للحظة، ثم... انفجرت السماء. شقوق طويلة ظهرت فوق العالم الميت، ومن داخلها خرجت أصوات لا تشبه أصوات البشر ولا الوحوش.
​شعرتُ بالأرض تهتز تحت قدمي، وابتلعتُ ريقي بصعوبة. كتبتُ لآزاريل على عجالة:
"ما هذه الأشياء؟"
​لم يجب مباشرة؛ ظل يراقب الشقوق السوداء، ثم قال بصوت منخفض:
— الأبواب.
تصلبتُ في مكاني، وكتبتُ متسائلاً:
"أي أبواب؟"
​نظر إليّ وكانت عيناه أكثر جدية من أي وقت مضى:
— الأبواب التي أبقاها والدك مغلقة طوال حياته.
​ارتجف قلبي. والدي؟ رفعتُ رأسي بسرعة وكتبتُ في النوتة حثيثاً:
"ماذا تعرف عن أبي؟"
​أدار آزاريل وجهه بعيداً وكأنه يندم على ما قاله، لكن الأوان كان قد فات. اقتربتُ منه وأريته الكلمة التي حفرتها على الورقة:
"تكلّم."
​ساد الصمت، ثم قال:
— والدك لم يمت كما كنتَ تعتقد... لقد قُتل.
​تسمرتُ في مكاني، وكتبتُ والحرقة تأكلني:
"مَن؟"
​رفع آزاريل يده نحو السماء، وفي اللحظة نفسها ظهر أمامنا مشهد من الدخان الأسود: رجل يرتدي عباءة طويلة، وجهه مخفي، وفي يده خاتم غريب يتوهج بضوء أحمر.
​عرفته فوراً... نفس الشخص الذي رأيته على قمة الجبل خلف رين، الشخص الذي ابتسم لي قبل أن أسقط.
​قال آزاريل:
— هذا هو سبب كل شيء.
​حدقتُ في الصورة وشعرتُ بالغضب يتصاعد داخلي. كتبتُ بسرعة:
"من يكون؟"
​لكن قبل أن يجيب، دوى انفجار هائل في الأفق. التفتنا بسرعة فرأينا أحد الشقوق السماوية ينفتح بالكامل، ومنه خرج مخلوق ضخم، كانت عيناه كالجمر وجسده مغطى بسلاسل سوداء، وزئيره جعل الجبال البعيدة تنهار.
​همس آزاريل ولأول مرة رأيتُ الخوف الحقيقي على وجهه:
— لا... شياطين السلاسل عادت.
​تردد صدى كلماته في أرجاء العالم المظلم كأنها حكم بالموت. راقبتُ المخلوق العملاق وهو يخرج من الشق السماوي ببطء، وكانت السلاسل الملتفة حول جسده تحتك ببعضها فتطلق أصواتاً معدنية حادة جعلت جسدي يقشعر.
​بدأت ظلال أخرى تظهر خلفه... عشرات، بل مئات. جيش كامل يتحرك داخل الضباب الأسود.
​كتبتُ بذهول ورعشة تملأ يدي:
"كل هؤلاء قادمون إلى عالم البشر؟"
​أجاب آزاريل دون أن يبعد عينيه عن الأفق:
— إذا فُتحت البوابات بالكامل فلن يبقى عالم البشر كما تعرفه... ولهذا السبب مات والدك.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.