تكملة للفصل التاسع:
الفصل التاسع: غابة الثمار الطائرة
فتحتُ عينيَّ ببطء، ثم نظرتُ إلى السماء لأجد نفسي مستنداً إلى جذع شجرة. لم تكن السماء زرقاء، بل كانت مزيجاً بين الكحلي الداكن والبنفسجي الفوسفوري، تتحدد فيها خطوطٌ ضوئيةٌ كالشفق القطبي؛ كأنها أمواجُ بحرٍ من نور. وقفتُ مذهولاً.. كانت الأرض تحت قدمي صلبة، لكن كل شيءٍ حول يدور في فلكٍ معكوس.
نظرتُ لأعلى، فوجدتُ جذور الأشجار العجوز تشق كبد السماء، ونظرتُ حولي فكانت الثمار تطير إلى الأعلى كأن الجاذبية نسيت طريقها هنا. رفعتُ يدي وحاولتُ لمس فرع شجرةٍ متدليةٍ لأسفل، فتوقفت الكائنات الصغيرة عن الحركة فجأة، والتفتَتْ إليّ بآلاف العيون المضيئة!
كانت ثمة كائناتٌ صغيرةٌ جداً بحجم كف اليد، لها أجنحةٌ شفافةٌ تنشر النور كالحشرات المضيئة، وكانت تطير مقلوبةً هي الأخرى، وتستخدم قواها الخارقة لـتحريك الأشياء عن بُعد. أحد تلك الكائنات الصغيرة لمس ثمرةً بأشعةٍ بيضاء انبعثت من يده، فتوقفت الثمرة في الهواء، وقطفها ليجمعها في سلاسل مصنوعةٍ من الضوء.
توقفت أجنحة كائنات "النيكسي" الشفافة عن الرفرفة، وتعلقت عيونهم المضيئة بي في ذهولٍ تام. تراجعوا للخلف قليلاً بخوف، لكنني ابتسمتُ لهم بدفء وطيبة لأطمئن قلوبهم الصغيرة، ورفعتُ يدي ببطء مستسلماً، ثم فتحتُ نوتتي السحرية وخططتُ بقلمي حروفاً ناصعة البياض طارت في الهواء لتتحدث بالنيابة عن جسدي الصامت:
(لا تخافوا مني.. أنا لستُ عدواً، أنا فقط ضائع.. أخبروني، أين أنا؟ وما هذا العالم؟)
تجمعت الكائنات حول الحروف المنورة، وتقدم أحدهم بشجاعة، وانتقل إليّ انطباعُ صوته الناعم كعزف قيثارة في عقلي: (أنت في عالم زيا.. عالم السحر والظلال).
اتسعت عيناي بصدمة هزت أركان روحي! عالم زيا؟! تراجعتُ خطوتين للخلف وكدتُ أسقط.. أنا أعرف هذا الاسم جيداً! لقد أُسِرتُ في هذا العالم اللعين من قبل؛ كنتُ سجيناً لدى 'محمد'.. ذلك الشخص الذي وثقتُ به فخدعني، وحبسني بين جدرانه المظلمة ومنعني من الخروج أو رؤية الضوء.
طوال سنوات سجني معه، لم يسمح لي باكتشاف أي شيء في 'زيا'؛ كان يحجب عني جمال هذه الغابة المقلوبة وسحرها.. الشيء الوحيد الذي استطعتُ اكتشافه والهروب إليه بالخفاء في الماضي، كان المكان المرعب القريب من هنا.. عالم الدم القرمزي، حيث يعيش مصاصو الدماء وتُسفك الأرواح!
نظرتُ إلى النيكسي وعيوني تلمع بدموع الغضب والاشتياق، وكتبتُ لهم بسرعة: (إن كان هذا عالم زيا حقاً.. فأنا عائدٌ لأستعيد ما سُلب مني.. وأبحث عن صديقي آدم!)
ما إن قرأ النيكسي اسم آدم ولمحوا الغضب في عينيّ، حتى اضطربوا؛ إذ لم يستوعبوا بلغة البشر كنه مشاعري، فطارت الكائنات واختبأت خلف الثمار. ومن بين أغصان الشجرة المقلوبة، هبط فتىً هجين، نصفه بشري ونصفه شجرٌ مضيء. نظر إليّ الاستغراب الصامت، ثم مد يده وقطف ثمرةً وأهداها إليّ كإشارة أمان.
أخرجتُ قلمي ونوتتي، وخططتُ في إحدى الورقات: (من أنت؟ وما اسمك؟). خرجت الحروف من الورق وتطايرت في الهواء مشعةً ببيَاضٍ ناصع، وما إن لامست الفتى الهجين، حتى سرت طاقة القلم والنوتة لتنقل أفكاره إلى عقلي مباشرةً في هيئة همسٍ داخلي: (أنا رين.. من أنت؟ هل أنت بشري؟ وما اسمك؟).
عدتُ لأكتب بالقلم السحري: (أنا بشريٌ أُدعى "ياسين".. هل ترغب في أن نكون أصدقاء؟).
فجاءني خاطره في عقلي: (نعم، أرغب في ذلك جداً.. فأنا وحيدٌ في هذه الغابة).
ابتسمتُ، ولكن قبل أن تجف الكلمات في عقلي، شعرتُ باهتزازٍ عنيف يضرب أركان الغابة؛ ورغم صمتي، إلا أن جسدي كله ارتدع بالارتجاج. تداخلت ظلال الغابة المقلوبة ودارت حولي بسرعة أصابتني بالدوار، فأمسكتُ بـ "رين" وأغلقتُ عينيّ مستسلماً للظلام.
فجأة.. توقف كل شيء.
فتحتُ عينيَّ لأجد أن الغابة المقلوبة اختفت تماماً، وحلّ محلها مشهدٌ يحبس الأنفاس! كنا نقف في "أرض السلالة المنسية".فوق الأرض، كان المكان ساحراً ومقدساً؛ أنهارٌ مضيئة تجري فيها مياهٌ صافية، تنعكس عليها أشعة شمسٍ صفراء دافئة، وتحيط بنا نباتاتٌ ذات لونٍ أزرق غريب يلمع بهدوء. نظرتُ تحت قدميَّ فتراجعتُ بذعر.. لم يكن ظلي خامداً؛ ففي هذا المكان، أيُّ مخلوقٍ يدخل يصبح لظله حركةٌ حرة كأنه كائنٌ مستقل يراقبه!
ورغم أنني لا أسمع، إلا أن حواسي اشتعلت؛ شعرتُ بـارتجاف ريحٍ مثلجة تهز صدري كالنَبض، ولامست يدي المياه فكانت باردة كالجليد.
وفي وسط هذا الجمال، كانت تقف شجرةٌ ضخمةٌ ملتوية تنبعث منها طاقةٌ سوداء خانقة.. عرفتُ فوراً أن هناك تسكن روح لعنة "أورساتا" التي تسيطر على المكان. وخلف تلك الشجرة، كانت تظهر فتحات السراديب المظلمة المؤدية إلى الكهوف السرية تحت الأرض.. حيث يغيب هذا النور الأزرق، وحيث ينتظر الزومبي في الظلام الدامس سقوط أي جسدٍ إليهم!
مسكتُ قلمي وكتبتُ في نوتتي: (يتوجب علينا الآن البحث عن آدم سراً في تلك السراديب تحت الأرض يا رين). فجاءني خاطره المشجع: (هيا بنا).
تسللنا عبر فجوةٍ صخرية، فاستقبلتنا برودةٌ غريبة نفذت إلى عظامنا. كانت السراديب تحت الأرض أشبه بمقبرةٍ جماعيةٍ صامتة، ولمحت عينيَّ البنيتان أجساداً متراصة بلا حركةٍ.. كانت تلك المشاهد تتجسد من مخاوف عقلي.
جاءني شعورٌ داخلي كهمسٍ من رين يقول: (المكان يمتص طاقتنا يا ياسين.. إن لم نجد آدم سريعاً في هذه الغياهب، سنصبح مسخين مثلهم).
مرّت ساعتان ونحن نبحث عن آدم عبر السراديب التي تربط الكهوف ببعضها، حتى شعرنا بأن الساعتين ثلاثةُ أيامٍ.. أظلم المكان وأصبح الجو أكثر رعباً.
بينما كنا نزحف في سردابٍ ضيق، سقط جسدٌ مشوهٌ فجأة من تجويفٍ في السقف ليعترض طريقنا. كان الجسد حياً، ممسوح الملامح، رمادياً، وأطرافه طويلةٌ بشكلٍ غير طبيعي.
لم أكن أستطيع سماع خطوات الزومبي خلفي، لكنني شعرتُ باهتزازاتٍ في الأرض تحت قدمي، ورأيتُ ظله المتحرك في العتمة لأدرك أنّ الخطر بات ورائي مباشرةً. زحفتُ بخطواتٍ حذرةٍ كي لا يشعر بي الزومبي لأنهم فاقدو النظر، ودخلتُ إلى سردابٍ آخر أمامي.. لكن الزومبي باغت رين وأمسك بقدمه. ورغم أنني لم أسمع صراخه، إلا أنني رأيت حشرجة فمه وتلويه؛ فمسكتُ بيده بقوةٍ وأمسكتُ به أجرّه ناحيتي قبل أن ينال منه المسخ، ثم دحرجتُ حجرةً ضخمة لإغلاق السرداب.
لم تكن السراديب مجرد ممرات، بل كانت كأمعاءِ كائنٍ يبتلعنا!
هبّ علينا ضبابٌ رماديٌ كثيفٌ وبارد، أخذ يتسلل من شقوق الجدران ويمتص الذكريات. توقف رين فجأة، ثم وصلني خاطره المشتت: (أنا.. أنسى هنا.. لماذا نحن هنا؟ ما اسم صديقنا الذي نبحث عنه؟).
كتبتُ له سريعاً: (نحن نبحث عن صديقنا آدم!).
عندما كنا نقترب من قاعة العرش، مررنا بممرٍ ضيقٍ جداً تتدلى من سقفه سلاسل عملاقة تربط أجساد الزومبي بالعدم، وكانت تلك السلاسل تتحرك بعشوائيةٍ وعنف كأنها ثعابين حديدية ضخمة، تُحدث اهتزازاتٍ عنيفة في الأرض.جلسنا لنلتقط أنفاسنا، وفجأة.. تجمد الدم في عروقي!
رأيتُ صديقي آدم يقود جيشاً من الزومبي ويهجم علينا بشراسة! تراجع جسدي تلقائياً وأنا أتمسك بـ "رين"، محاولاً استيعاب أن رحلة البحث انتهت بمواجهة الموت على يد الشخص الذي جئنا لنحميه.
لم أصدق ما تراه عيناي؛ فالصدمة جعلت عقلي يتوقف عن التفكير. آدم؟ صديقنا يقف هناك في نهاية الممر الضيق، تحت السلاسل العملاقة التي ترتجف لها الأرض، يقود جيشاً من الأجساد المربوطة بالعدم!
نظرتُ إلى وجهه، فلم يكن آدم الذي نعرفه؛ كانت عيناه تحملان قسوةً غريبة. وتراجع رين وهو يطلق ذعره المكتوم، بينما تجمد جسدي وأنا أتمسك بذراعه بقوة. في عالمي الصامت، لم أكن أسمع الأصوات، لكنني رأيت فم آدم يتحرك بقسوة، ورأيت جيش الزومبي خلفه يتقدم بنهم.
فتحتُ النوتة بسرعة فائقة ويدي ترتجف، وضغطت بالقلم السحري لأكتب بحروفٍ مضيئة: (آدم! ارجع إلينا.. أنا ياسين، وهذا رين! نحن أصدقاؤك، لا تدع الظلام يسيطر عليك!).
لم ينظر آدم إلى الورقة. لمحتُ عينيه؛ كانتا ممسوحتين بالكامل ومظلمتين كعتمة السراديب. وبحركةٍ باردة من إصبعه، أشار إلى السلاسل العملاقة، فاندفعت سلسلةٌ ضخمةٌ بسرعة البرق، والتفتت حول خصر رين، ورفعته في الهواء بعيداً عني!
رأيتُ رين يفتح فمه كأنه يصرخ، لكن بالنسبة لي، كان كل شيء يحدث في سكونٍ تام.. سكونٍ مرعب جعل المشهد أكثر إيلاماً. حاولتُ القفز لأمسك به، لكن الضباب الرمادي الكثيف تدفق ليغمر عينيه وفمه، ممتصاً حياته وذكرياته أمامي. رأيتُ ملامحه ترتخي، حتى توقف عن الحركة تماماً وهبطت يداه ليتدلى كجثةٍ هامدة.
فتحتُ فمي لأخرج شحنة الرعب والوجع، لكن لم يخرج مني أي صوت. تراجعتُ للخلف وأنا أحتضن النوتة والقلم السحري، والدموع تغشي بصري، بينما كان جيش الزومبي يتقدم بنهم.
حاولتُ الركض نحو الممر، لكن السلاسل الحديدية باغتتني من الخلف، والتفتت حول معصميَّ وقدميَّ لتثبتني في الأرض الباردة. سقطت النوتة على الرماد، لكنني ظللتُ متشبثاً بالقلم السحري.
تقدم آدم ووقف أمامي ببرود. بأصابع ترتجف، حاولتُ الكتابة بالقلم السحري على كف يدي الحرة: (لماذا يا آدم؟)، لكنه انحنى وسحب القلم من بين أصابعي بقسوة، ورماه بعيداً في الظلام ليتكسر إلى نصفين. في تلك الثواني، أدركتُ الحقيقة المرة: لم يكن آدم مسجوناً ينتظر الإنقاذ.. بل كان الفخ الذي قادنا إلى مقبرتنا.
أعطى آدم إشارته، فانقضت الأجساد الرمادية عليّ. لم أكن أسمع تمزق ثيابي، لكن الألم كان ينهش روحي. وفجأة، حدثت ضربةٌ رعدية هزت أركان المكان، شعرتُ بها من تصدع الأرض تحت جسدي.
انغلق "ستار العوالم"، وبدأت جدران قاعة العرش تنهار، وسقف السراديب يتهاوى ليتساقط ركام الحجارة السوداء فوقنا، ليدفنني أنا ورين وآدم وجيشه تحت أطنانٍ من الصخور.
بدأ بصري يضعف، واستسلمتُ لمصيري، وفي هذا الصمت الأبدي، انطفأت أنفاسي الأخيرة..
لكن الظلام لم يكن نهاية، بل كان معبراً.
وسط الركام المظلم، التقت قطرات دمائي الساخنة بنصفَي القلم السحري المكسور الملقى بجانب النوتة. في تلك اللحظة، شعرتُ بنبضةٍ عنيفة تخرج من الأرض، نبضة القلم نفسه! امتص القلم دماء "الظل" السارية في عروقي، فالتحم نصفاه في وميضٍ قرمزي حارق اخترق الصخور.
انفجرت طاقة القلم لتزيح الأنقاض في دويٍّ صامت. فتحتُ عينيَّ بصعوبة لأجد نفسي في حطام القاعة، وقد تحول جيش الزومبي إلى رماد، وبجانبي كان رين مغشياً عليه يتنفس ببطء محتفظاً بالرمق الأخير من حياته، بينما اختفى أثر آدم ولم يتبقَ منه سوى عباءته الممزقة.
سحبتُ جسدي المثخن بالجراح نحو القلم المكتمل، وبدلاً من الكتابة على يدي، حفرتُ في الهواء عبارةً بمدادٍ من نورٍ قرمزي: (افتح البوابة.. إلى حيث بدأ كل شيء).
تشقق جدار الواقع ليرسم فجوةً مضيئة سحبت جسدي وجسد رين. وقبل أن يغيب وعيي، أدركتُ أن خيانة آدم كانت الوقود الذي أيقظ قوتي. ومع الرمق الأخير، جرف الإعصار السحري جسدي ورين، وبلمحةٍ خاطفة، رأيتُ جسد آدم يُسحب خلفنا بقوة العدم؛ لندخل ثلاثتنا عبر البوابة إلى مصيرٍ مجهول.استفقنا على أرض الغابة مجدداً. كان رين بين الحياة والموت كجثةٍ هامدة. لمتُ نفسي بحرارة: لماذا؟ لأنني أتوهم أنني السبب، أنا من سلبته طمأنينته وجلبته إلى المجهول!
أما آدم، فقد كان مغمىً عليه بجوارنا. كنتُ أعلم أنه إن أفاق وهو على هذه الحال، فسأنتهي كما انتهى رين. لكنْ كان ثمة حلٌ واحد؛ سحب القوة الظلمة منه ليعود إنساناً طبيعياً. مشيتُ بخطواتٍ هادئة نحو آدم، واقتربتُ من أذنه وأنا أحرّك شفتي بـطلسمٍ سحري، ممرراً طاقة القلم على جسده:
(أيها الظل الخفي في الجسد، أظهر واكسر قيودك وأذبل قوتك.. باسم العهد القديم والليل الأخير.. لتخمد نارك وتضعف قوتك).
سقطت القوة التي جعلته يُلقب بـ "سيد الزومبي"، وتلاشت الهالة المرعبة ليستعيد ذاكرته البشرية. أفاق آدم وعلى وجهه ملامح الاستغراب، وفي الوقت نفسه، تحسنت حالة رين وفتح عينيه؛ إذ كان مغمىً عليه تحت تأثير طاقة البوابة والتعاويذ ولم يكن قد مات نهائياً!
انفجرتُ بالدموع وعانقتُ آدم عناقاً طال انتظاره، لكنه دفعني بذهول، ووصلني خاطره متسائلاً: (أين أنا؟ ومن أنت؟ إنني أتذكر أنني رأيتك من قبل.. هل أنت ياسين؟).
أمسكتُ قلمي ونوتتي وكتبتُ له: (نعم، أنا ياسين، وسأكتب لك كل ما حدث).
وفي تلك الأثناء، تقدمت مجموعةٌ من كائنات النيكسي السحرية، وبأشعتها البيضاء الدفيئة أخذت تعالج جروح رين وتضمّد جسده.
كنتُ أقف وسط غابة "الثمار الطائرة" في عالم زيا، وعيناي لا تكادان تصدقان المَشهد. نظرتُ إلى الأعلى حيث تشق جذور الأشجار العجوزة كبد السماء، بينما تتدلى الفروع إلى الأسفل. هناك رأيتُ أين يلوذ رين وكائنات النيكسي للنوم؛ حيث ينامون داخل تجاويف دافئة في قلب اللحاء المضيء، ينبض بنورٍ خافت. وبعض النيكسي ينسجون خيوطاً مضيئة يصنعون منها أراجيح معلقة في الفراغ.
فجأة.. لم أشعر بألمٍ في البداية، بل ببرودةٍ سرت في عروقي! نظرتُ إلى الأسفل بجسدٍ يرتجف، فإذا بسهمٍ أسود قد غُرِس في منتصف صدري! سقطتُ على ركبتيَّ، والنور من حولي يتلاشى. رفعتُ رأسي ببطء ونظرتُ خلفي بين الجذور المضيئة، لأرى "مازن" ممسكاً بقوسٍ أسود والدموع تنهمر من عينيه! اقترب مني خطوةً ورفع يده المرتجفة كأنه يعتذر.. ثم أظلمت رؤيتي بالكامل.
استيقظتُ لأجد نفسي داخل بيتٍ مبنيٍ من الطين، وشعرتُ بخمولٍ في رأسي. التفتُّ لأرى مازن وآدم ورين. كان مازن مستلقياً بجانبي، وما إن انتبه إلى إفاقتي حتى اعتدلتُ في جلستي.
تكلم مازن لكنني لم أستطع سماعه. رفعتُ يدي ببطء، وأشرتُ بسبّابتي إلى أذني ثم حرّكتُ رأسي نفياً، قبل أن أنقل أصابعي لتستقرّ فوق فمي المُغلق. لم أكن بحاجةٍ لقول كلمة؛ كانت الإشارتان كافيتين لتقولا له: (أنا لا أسمعك، ولا أستطيع الكلام).
أشرتُ إلى النوتة والقلم، فناولني إياهما، فكتبتُ له: (أنا لا أستطيع التكلم أو السمع.. لماذا أطلقت السهم نحوي؟).
قرأ مازن ما كتبتُه، ثم وصلني خاطره المعتذر: (لم أكن أقصد إطلاق السهم عليك! كنتُ أريد إصابة كائن نيكسي يحمل سكيناً وكان يهمّ بطعنك من الخلف.. كيف فقدتَ حواسك؟). كتب له ملخص ما جرى لي منذ معركتي مع مأمون.
كان الليل ثقيلاً داخل البيت الطيني. أخرجتُ القلم وكتبتُ: (هل تشعرون أن هناك شيئاً غريباً هنا؟). طارت الحروف المضيئة، وأومأ رين بخاطره الموافق، بينما ظل مازن متوتراً.
فجأة، اهتز القلم في يدي وبدأ ينبعث منه ضوءٌ أحمر خافت؛ إشارة إلى وجود سرٍ قريب. كتبتُ بسرعة: (القلم يقودني إلى مكانٍ ما).
سرتُ داخل البيت والضوء يزداد شدة، حتى توقفتُ أمام جدارٍ طينيٍ قديم. وضعتُ يدي عليه، فاندفعت رؤىً سريعة إلى عقلي: طفلٌ يبكي.. رجلٌ يركض.. بابٌ حديدي.. وسلاسل سوداء!
ابتعدتُ فزِعاً، فكتبتُ لهم: (هناك شيءٌ خلف هذا الجدار).
أخرج مازن خنجره وبدأ يحفر بمساعدة رين وآدم، حتى ارتطم الجدار بشيءٍ صلب: بابٌ خشبيٌ قديمٌ مخفي. وما إن مد مازن يده، حتى ظهرت كلماتٌ حمراء فوق الباب:"من يفتح هذا الباب يوقظ الماضي".
كتبتُ لهم: (لن نتراجع الآن). فتح مازن الباب، فخرج هواءٌ بارد كزفرةٍ قادمةٍ من المقابر، وكشفت العتمة عن درجاتٍ حجريةٍ تنزل عميقاً.
نزلتُ الدرجات وقبضتي مشدودةٌ على القلم. وصلنا إلى غرفةٍ واسعةٍ في منتصفها بئرٌ حجريةٌ قديمة وحولها شموعٌ منطفئة. كتبتُ: (هذا المكان ليس طبيعياً).
فجأة، انفلت القلم من يدي وطار في الهواء ليستقر فوق البئر، مسقطاً خيطاً أحمر من الضوء إلى الأعماق. نظرتُ، فرأيتُ رؤيا لرجلٍ بعباءةٍ سوداء يضع شيئاً ملفوفاً داخل البئر.
تراجعتُ وأنا ألهث وكتبتُ: (هناك شيءٌ مدفونٌ في القاع). ربط مازن حبلاً حول خصره ونزل، وبعد دقائق شد الحبل بعنف، فساعدناه جميعاً على سحب صندوقٍ خشبيٍ أسود يحمل رمز "آراد".
ثبتنا الصندوق، واندفع الضوء الأحمر من القلم مجدداً ليمنحني رؤيا عن رجالٍ بعباءاتٍ سوداء يدفنون الصندوق قبل عقود. فتح مازن الغطاء، فوجدنا كتاباً مغطاً بجلدٍ أسود، وخريطةً صفراء، ومفتاحاً غريباً.
لمستُ الكتاب، فظهرت عبارة: "مذكرات آراد". وفي صفحتها الأولى: (إذا وصلت هذه المذكرات إلى وريث العدم، فاعلم أن النهاية اقتربت.. منظمة ياسيرون لم تسقط، بل اختبأت في الظلال).
فتحتُ الخريطة؛ كانت تتضمن دائرةً حمراء حول مكانٍ يُدعى "وادي الهمسات".
اهتز القلم مشيراً إلى الجدار الخلفي للغرفة. اقتربتُ ولمسته، فانفتح شقٌ سريٌّ عن غرفةٍ صغيرة تحوي مرآةً ضخمة. أزاح رين القماش عنها، فظهر ضوءٌ أحمر وانعكاسٌ لي، لكن الانعكاس لم يقلّد حركتي! بل ابتسم ببرود وكتب على زجاج المرآة من الداخل: "لقد وجدتك أخيراً".
كتبتُ فزعاً: (اكسروا المرآة!). ضربها مازن بسلاحه فتحطمت. وخلفها وجدنا صندوقاً أصغر بداخل صورةٍ قديمة لأربعة أطفال أمام هذا البيت الطيني نفسه!
أحد الأطفال كان يشبهني، والثاني يشبه مازن، والثالث يشبه آدم.. أما الرابع فلم يكن رين، بل طفلاً مجهولاً يحمل العلامة السوداء ذاتها التي يحملها مأمون! وعلى ظهر الصورة كُتِب: "البداية كانت هنا.. وستنتهي هنا أيضاً".
تأمل آدم الصورة، وفجأة تجمد مكانه وتراجع بصدمة. جاءني منه خاطرٌ متقطع يملؤه الخوف والظلام وذكرى بابٍ حجري.
وفي تلك اللحظة، اهتز البيت الطيني بقوة، وتساقط الغبار. صعدنا مسرعين لنفاجأ بباب البيت الخشبي مفتوحاً والريح الباردة تعصف في الداخل!
كتبتُ: (هناك شخصٌ كان هنا).
أشار رين إلى الطاولة؛ كانت عليها ورقةٌ صفراء كُتِبت بحبرٍ أحمر داكن:
"إلى وريث العدم.. إذا كنت تقرأ هذه الرسالة فهذا يعني أنك وجدت مذكرات آراد. لكن ما وجدته ليس سوى أول باب.. أما الحقيقة فتنتظرك في وادي الهمسات.. ولا تثق بمن تعرفهم جميعاً".
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!