الفصل الرابع:
الفصل الخامس: أطياف الماضي
مرت سنتان ثقيلتان كالجبال على رحيل "آدم" و"هشام" و"مأمون"، وما زالت مرارة الفقد تجري في عروق "ياسين" كالسّم البطيء.
كان ينساب من عينيه دمعٌ صامت تتشرب ببطء في أرجاء المكان، بينما تحثه الرياح الباردة بصوتها الشبيه بالعويل. في تلك الأثناء، شق حجب الصمت صوتُ والده بنبرة يكسوها الوقار والحزن الخفي:
— "تعال يا بنيّ وأعدّ لنا إفطار الصباح، ثم امضِ لإيقاظ أخيك؛ وعليكما بركعتي الضحى لعلّ الله أن ينزل على قلبينكما السكينة ويغفر لكما."
في الغرفة المجاورة، تململ "مازن" في فراشه متقلبًا بين طيات التعب، حتى أفاق يجرّ أقدامه بصعوبة، وارتدى قميصًا أزرق وبنطالًا بنيًا زاهيًا. صفف شعره بنسقٍ مرتب على جانب واحد، ونضح من عطره الفواح الذي يضوع برائحة الياسمين. قدم نحو المطبخ حيث يقف ياسين مستغرقًا في أفكاره، ورسم على شفتيه ابتسامة دافئة قائلاً:
— "صباح الخير يا ياسو."
التفت إليه ياسين بملامح حانية، وردّ عليه:
— "صباح النور يا زوزو.. هيا لنردد سرنا القديم."
رد مازن بحماس طفولي وهو يلوح بيده:
— "ميم تعني شمس، وألف تعني آراد، وزين تعني مازن، ونون تعني نور!"
اطمأن قلب ياسين للحظة فاكتنفه بين ذراعيه، ثم انحنى على أذنه وهمس بصوتٍ مرتجف ملؤه الشك والريبة:
— "استمع إليّ جيدًا ولا تفشِ السر.. لا تثق بالرجل الذي ينادينا بابنيه؛ فهو الذي انتزعنا قسرًا يوم كنا على حافة الجبل. ألم تتذكر حينما عاقبني لقلة الملح في الطعام، وضرب بعصاه الثقيلة على الأرض؟ حينها أيقنت أن الضربات القادمة حتمًا ستنزل على جسدي."
الفصل السادس: الظلال الخائنة والطريق للمجهول
خرج الشقيقان إلى شوارع القرية والندى ما زال يعلو أوراق الأشجار. وفي منتصف الطريق، تيبست قدما ياسين في مكانيهما؛ إذ أبصر طيف "هشام" يقف في المنتصف بين الضباب، وظله يتحرك بمعزل عن جسده مبتسمًا ابتسامة زائفة، وهو يلوح بمخطوطة قديمة تلطخت بقطرات من الدماء النازفة من جبينه.
شعر ياسين كأن زلزالًا ضرب أعماق صدره، وجُسِّدت الأشجار حوله كأنها حراسٌ يرقبون خطاه بأعين ملؤها الغل. قال لمازن وصوته يتكسر بين حشرجة الخوف:
— "هيا بنا نبتعد فورًا عن هذا المكان يا زوزو.. تعال لنركض!"
انطلق مازن يجري، بينما ظل ياسين مسمرًا في مكانه تحت تأثير الصدمة والذهول، حتى امتدت يد مازن الصغيرة وجذبته بقوة ليفرّا معًا نحو أبواب المدرسة.
أروقة المدرسة والغرفة رقم 23
داخل أروقة الفصل، وقف ياسين أمام معلمته مطأطئ الرأس وقال بصوت خفيض:
— "هل تأذنين لي بالذهاب إلى الحمام يا معلمتي؟"
أومأت المعلمة دون أن ترفع بصرها عن أوراقها:
— "اذهب، ولا تتأخر."
خطا ياسين نحو الحمام، وأدار الصنبور ليرش الماء البارد على وجهه المنهك. وعندما رفع رأسه لينظر في المرآة، هالَهُ ما رأى؛ دماءٌ حمراء داكنة تسيل على سطح الزجاج، ونبع همسٌ حزين ومبحوح من الزاوية المظلمة خلفه:
"الحقيقة لم تُكشف بعد يا ياسين.. انزل إلى قبو البيت فور عودتك من المدرسة."
في لحظة واحدة، انطفأت الأضواء وعمّ ظلامٌ دامس، قبل أن يسطع من خلال المرآة ضوءٌ أحمر خافت ينبعث من قمر دموي، ويظهر خمس جثث خامدة، وعبارة كُتبت بالدم الداكن:
[هنا تكمن الحقيقة.. وآراد ينتظرك أنت ومازن]
توارى الهمس، وانعكس خيال ياسين وهو ينتحب في المرآة، بينما استدارت ظلالٌ متداخلة لكلٍ من شمس، وحسن، ويوسف، والخالة، وهشام، ورحمة، وينظرون إليه بوجوهٍ شاحبة وعيونٍ تتفجر غضبًا، وهم ينطقون بصوتٍ متداخل هز أركان المكان:
— "سنأخذ منك مازن!"
الفصل السابع: سر القبو والأسرار المدفونة
عاد ياسين إلى المنزل ورأسه يموج بالأسئلة والمخاوف؛ هل هذه المشاهد حقائق واقعة أم أوهامٌ يخلقها عقله الباطن المنهك؟
استغل غياب والده، وتوجه بخطوات ترتعد خوفًا نحو باب القبو المغلق أسفل البيت، يقوده شعور غامض ودافع قسري لا يستطيع مقاومته.
حقيبة الأسماء
نزل ياسين درجات السلم الحجري، واقترب ببطء شديد من الجثث الخمس المطروحة على الأرضية الباردة. كانت كل خطوة يخطوها تُصدر صدى خافتًا يتردد بين الجدران العفنة، ورائحة الموت تخنق أنفاسه.
توقف عند الجثة الأولى: طفل صغير ملابسه قديمة يكسوها التراب، ويده ممدودة نحو الباب في محاولة أخيرة للهرب. ابتلع ياسين ريقه وهمس بقلبٍ منفطر:
— "من الذي فعل بكم هذا؟"
ساد صمتٌ رهيب. وعندما حاول التراجع للخلف، اصطدمت قدمه بحقيبة قماشية سوداء متآكلة، يظهر عليها آثار خدوش عميقة. جثا على ركبتيه وفتحها بحذر، ليجد أوراقًا كثيرة، وصورًا باهتة لأطفال، وقائمة تضم أسماء متعددة:
سامي
جود
حازم
أنس
توقفت أصابعه عند الاسم الأخير، وازدادت برودة القبو بصورة مفاجئة:
يوسف
رفع الصورة المرفقة بالاسم، فتسمرت حدقتاه؛ كانت صورة "يوسف" بالفعل، بنفس ابتسامته الصغيرة وعينيه البريقتين. سقطت الورقة من يده وتراجع وهو يهمس برعب:
— "لكن.. يوسف يحدثني كل يوم!"
عم الصمت التام المكان، قبل أن ينطلق صوت همسٍ بارد من خلفه مباشرة:
"إذًا.. مع من كنت تتحدث طوال هذه الفترة؟"
الفصل الثامن: السقوط والعهد الملعون
أعاد ياسين تغطية مدخل القبو بالرمال كما كان، وخرج مسرعًا ليجد أمامه الكيان الظلي "آزاريل" يبتسم بشيطانية، قائلاً بصوت تهديدي:
— "أخيرًا كُشف الغطاء! إن الرجل الذي يربيكما ليس إلا (أحمد) طباخ الميتم، عادت روحه لتمزق حياتكما كما دمرت جدتك رحمة حياته من قبل!"
انهارت قوى ياسين وركض نحو غرفته. وهناك تجسد آزاريل برفقة يوسف الذي بدأت ملامحه تتغير؛ إذ تطاولت أسنانه وشعره، وتحول جسده إلى سوادٍ داكن كالمسخ. صاح آزاريل بحزم:
— "عليك بمواجهة أحمد وإنهائه، وإلا سيلتهم أخاك مازن!"
شعر ياسين بطنين حاد في أذنيه، وتساقط عرقه بغزارة على الأرضية. انطلقت صيحاتٌ مرعبة وتجلت شموع حمراء وجمجمة محفورة بالطلاسم، كتب تحتها بالدم:
[ياسين سيُدفع به للهاوية ويدفع الثمن]
الكهف والرموز القديمة
فر ياسين خارج المنزل تاركًا الخاطف يلاحقه وسط جو عاطف ورياح عاتية. سار على حافة الجبل حتى تعثر بصخرة وهوى داخل كهفٍ مظلم.
وفيه رأى "مأمونًا" مقيدًا بالسلاسل الحديدية على صخرة صماء، بينما الخاطف يتلو طلاسمه قائلًا لمأمون:
— "الأطفال الأيتام هم الوقود لطاقتنا، نأخذ دماءهم لنحوك بها سحرًا يستعبدهم، وأنت الآن ستصبح أحدهم!"
خرج ياسين من مخبئه وصاح بصوت هز الكهف:
— "إزغار لومين سيلفرا! من يكسر السلسلة يفتح باب العدم.. لعنة همس ميرزا بدأت بالهمس وتنتهي بالانتقام!"
هجم الخاطف، لكن ياسين استجمع ذكريات الماضي وتلا التعويذة القديمة بكل ثبات، حتى تراجع أحمد وسقط متهالكًا تتلاشى قوته كالمطر الجاف. تقدم ياسين وكسر السلاسل بيدين تدميان، ثم أمسك بيد مأمون وصاحا معًا:
— "الكهف لا ينفتح إلا بالدم الأبيض وسكون الليل.. حيث لا ظلام يوجد ظل!"
الفصل التاسع: في أعماق الغابة ومواجهة "عمرو"
انفتح الكهف وهرب الشابان نحو حافة الجبل بينما المطاردة مستمرة. نظر مأمون لياسين وهو يتشبث بالصخرة قائلًا قبل أن تفلت يده:
— "أنت بطل يا ياسين.. افعل هذا من أجل مازن، سأعود إليك مجددًا!"
انهار ياسين وسقط هو الآخر في غياهب الجبل نحو البحر المظلم.
أفاق ياسين على شاطئ غريب، والرؤية مغبشة بالكامل. وبينما يحاول التقاط أنفاسه، ظهر أمامه "عمرو" بجسده المظلم وأنيابه البارزة، ليندغم ياسين مع طيف "آزاريل" لحماية نفسه، وتتحول إحدى عينيه إلى اللون الأحمر والأخرى بنيّة، في جسدٍ يجمع بين القوة البشرية وطاقة الظل.
وقف ياسين في وجه عمرو، وصاح بنبرة حازمة:
— "أقسم بالطفل الموجوع والدموع التي سالت في الخفاء.. لو اقترب أي كائن من مازن، سأجعل الظلام نفسه يرتعد مني!"
دارت معركة بينهما بين أمواج البحر والسفينة المتحطمة، حتى سُحب ياسين إلى القاع المظلم ووقع مغشيًا عليه من شدة الألم.
الفصل العاشر: غرفة رقم 23 وحقيقة زيراكول
استيقظ ياسين ليجد نفسه مكبلًا بالسلاسل في "الغرفة رقم 23" الملعونة داخل قرية مهجورة، وأمامه شاشة تعرض صديقيه "هشام" و"آدم" مقيدين أمام دائرة من الشموع ودماء الضحايا.
استدعى ياسين قوة آزاريل الكامنة في دمه، واستطاع كسر السلاسل وحرق الكيان الشرير بالطلاسم القديمة، ليحرر صديقيه ويهربوا معًا نحو أعماق الغابة.
وهناك، كُشفت أوراق التاريخ القديم لقرية "وادي الغياب"، وسر الطفل "عاصم" الذي عقد حلفًا بدمه مع الشيطان السفلي "إيكوادور" (المعروف بـ آكل الذكريات) للانتقام من الطاغية "آراد".
ولكن في اللحظة الأخيرة، وبعد تسلسل من الخداع والدماء، انكشفت الحقيقة الكبرى التي جمعت شتات الألغاز:
إن المنظمة الخفية (زيراكول) ليست سوى إعادة ترتيب لحروف اسم الشيطان القديم (إيكوادور)!
وهكذا تبين أن الطاقة السوداء التي أكلت قلب عاصم قبل ثلاثين عامًا، هي نفسها التي عادت الآن لتبتلع ياسين ومازن وكل من حولهم في ظلمات العدم الأبدي.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (1)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخول