لعنة همس نيرزا
لعنة همس نيرزا
جزء 14 من 14
وضع القراءة:

الفصل الرابع عشر:

مسارٌ لم يكن له وجودٌ من قبل...
​كان ينبثق من العدم كأنما يشق جدار الواقع، وفي نهايته المظلمة... رمزٌ غريبٌ يكاد ينبض بالغموض، يشبه عينًا مغلقةً غارقةً في نومٍ أزلي.
​اندفع "رين" أنفاسه متلاحقة، ألقى نظرةً خاطفةً على الخريطة القديمة المبسوطة أمامه، وما هي إلا لحظات حتى شحب وجهه وانحسر عنه الدم.
​همس بنبرةٍ يحفّها الذهول:
— "مستحيل..."
​اقتربتُ منه والريبة تأكل صدري، وسألته:
— "ما الأمر؟ ماذا رأيت؟"
​أشار بأصبعٍ ترتجف إلى الرمز المظلم، وقال بصوتٍ مكتوم:
— "هذه ليست علامة تدل على مكان... بل علامة تخص شخصًا بعينه."
​سرت قشعريرةٌ باردة تسللت من أسفل ظهري واستقرت في أطراف جفوني، فقلت:
— "شخص؟ من عساه يكون؟"
​لم يُجب "رين". ظل شاخصًا بنظراته نحو الرمز، كأنه يخترق حدود الزمن ويدير حوارًا سريًا مع طيفٍ أليمٍ من الماضي. ثم أردف ببطء:
— "هشام."
​تجمدت الدموع في عيني، وشُلّت حركتي تمامًا... هشام؟ كيف يعود هشام وهو الذي واراه التراب وانقطعت أخباره منذ أمد؟ أو هكذا كنتُ أتوهم في أعماق نفسي!
​واصل "رين" حديثه بنبرةٍ خفيضة تشبه الفحيف:
— "لقد رأيته أمامي..."
​اضطرب قلبي بين أضلعي وكأنه يوشك على الخروج، وسألته والحيرة تعصرني:
— "رأيتَ من؟ حَدِّثني!"
— "هشام... رأيته بنفسي."
​خيّم صمتٌ ثقيل على المكان، صمتٌ لاهبٌ أخرس حتى "آزاريل" الذي لم ينبس ببنت شفة، وتابع "رين":
— "كان شاخصًا بجوار الباب الحجري، يرمق 'مأمون' بنظراتٍ مريبة... وكأنه يقف حارسًا له، يحميه من أي خطر."
​شعرتُ بأن الأرض تميد تحت قدمي وزلزل اليقين في داخلي؛ لأن هناك حقيقةً واحدةً كنتُ أقطع بها ولا أقبل فيها شكًا:
هشام... ما كان ليقف أبدا في صفّ "مأمون"، ولو على جثته.
​[أرق الليل والرحيل]
​لم أستطع أن أغمض جفني ليلتها؛ فكلما أغمضتُ عينيّ تجسد لي هشام، وتراءى لي ذلك الباب الغامض و"مأمون" يبتسم تلك الابتسامة الخبيثة كأنه يحتفظ بسرٍ يقلب العالم رأساً على عقب.
​جلستُ بجوار النار المشتعلة، أرقب الشرر المتطاير في الظلام، بينما كانت الخريطة القديمة مبسوطةً أمامي أطالع خطوطها الملتوية بصمتٍ قاتل.
​وفجأة... بدأ أحد الرموز المحفورة يتوهج بضوءٍ خافت! فركتُ عينيّ ظانًا أننيقعتُ فريسة للتهيوات، لكن الضوء أخذ يشتد ويتسع شعاعه. نهض "رين" مذعورًا وقال بصراخ:
— "ابتعد عنها فورًا!"
​تراجعتُ خطوةً إلى الخلف، وفي اللحظة التالية بدأت خطوطٌ جديدة ترتسم على الجلد القديم كأن يدًا خفية تكتب بمدادٍ من نور، خطوط يقود مسارها إلى أرضٍ لم تطأها قدمٌ من قبل.
​تتبّع "آدم" المسار بأصابعه المرتجفة ثم قال:
— "هذا المسار يتجاوز الحدود المعروفة للوادي!"
فأجابه "رين" وعيناه تتسعان هولًا:
— "ليس مجرد وادٍ محيط... إنها الأرض المحرمة."
​عمّ الصمتُ بيننا؛ فقد سبق أن مرّ هذا الاسم على مسامعي في إحدى رسائل "آراد" القديمة... ذلك المكان الملعون الذي دخله الكثيرون طمعًا في السر، ولم يخرج منه سوى فلولٍ قليلة أكل الرعب أرواحهم.
​رفعتُ رأسي وحسمتُ أمري:
— "متى نتحرك؟"
تطلع "رين" إلى عتمة السماء وقال:
— "الآن... لا وقت للانتظار."
​[أروقة المعبد ونقش الذكرى]
​توقفت قدماني فجأة كأنما غُرستا في الحجر؛ كانت الجدران المظلمة مغطاةً بلعنات ورموزٍ قديمة، لكن نقشًا محفورًا في صخر الجدار استأثر بكل تركيزي.
​اقتربتُ منه ببطء، وأنفاسي تصعد وتهبط في اضطراب. كانت وجوه الأشخاص المحفورة في الصخر مألوفةً لدرجةٍ مرعبة:
"مأمون"، و"آراد"، ورجلٌ ثالثٌ غطت الظلال نصف وجهه فلم أستطع تبين ملامحه... لكن الفاجعة لم تكن في هؤلاء، بل كانت في ذلك الطفل الصغير الواقف في منتصفهم.
​تسمرتُ في موضعي؛ لأن ذلك الطفل... لم يكن سوى أنا!
​تراجعتُ خطوتين وأنا أهز رأسي نفيًا غير مصدق:
مستحيل... هذا محض جنون! أنا لم أكن قد ولدتُ في ذلك العصر الغابر أصلًا!
​اقترب "رين" من الجدار، وشحب وجهه حتى بدا كالأموات، وقال بصوتٍ مرتجف:
— "لا... هذا لا يمكن أن يكون..."
نظرتُ إليه والذعر يأكلني:
— "ماذا هناك؟ ماذا تفهم من هذا؟"
​واصل التحديق في الحجر الملعون ثم قال:
— "هذه ليست مجرد رسمةٍ قديمة... هذه ذكرى حية حُفرت هنا!"
​وقبل أن أستوعب مغزى كلماته، بدأت الجدران تهتز باضطرابٍ شديد، وفجأة... استدار الطفل المحفور داخل النقش الصخري، ونظر نحو عيني مباشرةً... ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خبيثة!
​[سر الباب العتيق]
​توقف "مأمون" أمام الباب الضخم، ولأول مرة منذ عرفته... ابتسم. لم تكن ابتسامة نصرٍ أو ظفر، بل ابتسامة رجلٍ أكل الصبر عمره وهو ينتظر هذه اللحظة الفارقة.
​قال بصوتٍ هادئ ينضح بالارتياح:
— "أخيرًا..."
قبضتُ على مقبض سيفي وقلت بحدة:
— "لن أسمح لك بفتحه مهما كلفني الأمر!"
​أطلق ضحكةً قصيرة جافة، ثم التفت إليّ وقال:
— "ومن أخبرك أنني أملك القدرة على فتحه بمفردي؟"
​سرى سائلٌ بارد في عروقي، فدنا "مأمون" خطوةً وأشار نحو صدري قائلاً:
— "هذا الباب لم يكن ينتظرني أنا يا ياسين... بل كان بانتظارك أنت طوال هذه القرون!"
​ساد صمتٌ رهيب، ثم بدأت الرموز المحفورة على الحجارة تضيء الواحدة تلو الأخرى بشدة، وكأن المعبد بأسره يستيقظ من كرىً دام آلاف السنين.
​وفجأة... اعتصر قلبي ألمٌ لا يُطاق في منتصف صدري، فسقطتُ على ركبتي أصارع الغياب عن الوعي. اتسعت عينا "رين"، بينما سادت الدهشة وجه "آزاريل" وهو يهمس بكلمةٍ واحدة:
— "مستحيل..."
​أمّا "مأمون"، فقد كان ينظر إلى "آراد" الواقف في أقصى العتمة كأنه يرى طيفًا بُعث من بين الأموات، وقال بصوتٍ يملؤه الذهول:
— "مستحيلٌ أن تكون هنا!"
فابتسم "آراد" ابتسامةً غامضة وقال:
— "ومستحيلٌ أن تكون قد بلغتَ هذا الموضع دون إذن."
​[استيقاظ الكائن القديم]
​اهتزت الأرض من تحتنا بعنف، وتساقطت حجارة السقف كالمطر، بينما أخذ الضوء المنبعث من قلب الباب يسطع بوهجٍ يعمي الأبصار. ثم حدث ما لم يخطر ببال بشر؛ صرخ "آزاريل" صرخةً مدوية جمدت الدماء في أوصالنا، وضغط على رأسي بكفيّه كأن دماغه يوشك على الانفجار.
​تراجعتُ نحوه مسرعًا:
— "آزاريل! ما بك؟!"
​لكن عينيه كانتا شاخصتين نحو الباب كأنه يرصد هولًا لا تطيقه الأبصار، وقال بصوتٍ متقطع:
— "إنه هنا... الكائن القديم ينبض..."
​عقدتُ حاجبي وسألت:
— "عن من تتحدث؟"
​وقبل أن يجيب، برزت يدٌ ضخمةٌ مرعبة من قلب النور المشع... لم تكن يد إنسان، ولا يد شيطان، بل شيءٌ آخر... كائنٌ أقدم من الخلق وأشدُّ خطورة من كل ما عرفناه.
​ساد صمتٌ مطبق، حتى "مأمون" نفسه قهقر خطوةً إلى الخلف والرعب يرتسم على ملامحه. ثم تناهى إلينا صوتٌ عميقٌ سحيق، صوتٌ يجثم على الصدور كأنه آتٍ من غياهب البدء:
— "أخيرًا..."
​ارتعش جسدي بأكمله؛ لأنني شعرتُ بأعماقي أن ذلك الصوت المريب لم يكن يخاطب "مأمون"، ولا "آراد"، ولا حتى "آزاريل"... بل كان يوجه حديثه إليّ أنا وحدي!
​تحركت اليد الضخمة نحو إطار الباب ببطء وكأنها تحاول الفكاك والعبور إلى عالمنا، وعندها فقط... أدركتُ الحقيقة المروعة:
لم يكن "مأمون" يسعى لإطلاق سراح الشر... بل كان يصارع طوال الوقت لمنعه من الاستيقاظ!
​[البوابة إلى عالم الظلال]
​فتحتُ عينيّ ببطء شديد... لم أجد الجبل، ولا الباب الحجري، ولا الأنقاض، واختفى أي أثرٍ لـ "مأمون".
​نهضتُ بشق الأنفس ونظرتُ حولي، فتجمدتُ في مكاني من هول المشهد! كانت السماء تتوشح بلونٍ أرجواني مريب لم أعهده، وكانت النجوم تتحرك بطريقةٍ غير طبيعية كأنها كائناتٌ حيةٌ ترصد حركاتي وتهمس بأمري.
​تسارعت أنفاسي، وأدرتُ رأسي ببطء حتى رأيته... شخصًا ينتصب بعيدًا فوق تلٍّ مرتفع. لم أستطع تبيّن ملامحه، لكنني سمعتُ صوته؛ صوتًا أعرفه جيدًا، صوتًا ظننتُ أنني فقدته وأسلمته للنسيان.
​قال:
— "أهلاً بك يا ياسين... لقد تأخرتَ كثيرًا عن الموعد."
​سرت قشعريرةٌ باردة في بدني، ولما خطا خطوةً إلى الأمام تجمد الدم في عروقي... كان هشام! لكنه لم يكن هشام الذي عرفته في الماضي.
​وأدركتُ حينها أن كل الفوالع التي عشتها حتى هذه اللحظة... لم تكن سوى بداية القصة.
​[اللقاء عند أعتاب عرش الرماد]
​استيقظتُ والصداع يعتصر رأسي اعتصارًا، والصمتُ يمتد كالمحيط من حولي. نهضتُ بصعوبة وأخذتُ أطالع هذا العالم الجديد؛ لم أعرف أراضيه ولا سماواته، ولا أدري إن كنتُ ما زلتُ في عالم الأحياء أم تجاوزتُ حدوده إلى البرزخ.
​خطوتُ خطوةً ثم توقفت... كان هناك شخصٌ يرقبني من بعيد وسط الدخان. لم أرَ وجهه، لكن صوته انساب إلى مسامعي:
— "أخيرًا وصلت..."
​وقبل أن ينطق لساني، ابتسم وأردف:
— "مرحبًا بك في عالم الظلال."
​تسمرتُ في موضعي؛ لأن ذلك الصوت كان صوت هشام دون أدنى شك!
​ظلتُ أرمقه غير مصدق... هشام! نعم هو، لكن شيئًا عميقًا في جوهره قد تبدّل؛ عيناه لم تكونا تحملان الدفء القديم، وهالةٌ سوداءٌ خافتةٌ تتصاعد حوله كالدخان المسموم.
​قلتُ بصوتٍ جافٍّ مرتجف:
— "هشام... أهذا أنت حقًا؟"
​ابتسم ابتسامةً خالية من المشاعر وقال:
— "اشتقتُ إليك يا ياسين."
​خطوتُ نحوه، بيد أن الأرض اهتزت تحت قدمي باضطراب فتوقفت. نظرتُ حولي لأدرك أن هذا العالم ليس طبيعيًا؛ فالجبال تتغير مواقعها، والسماء تبدل ألوانها كأن المكان حيٌّ يتنفس.
​رفع هشام يده وأشار إلى الأفق البعيد، فتتبّعتُ إصبعه وتسمّرتُ في موقفي... كان ثمة صرحٌ ضخمٌ ينتصب بين السحب المظلمة، قلعةٌ سوداءُ هائلةٌ تطعن السماء وتلتحف بآلاف الأضواء الحمراء.
​همس هشام:
— "هناك بدأت القصة... وهناك فقط ستعرف الحقيقة كاملة."
​خيم الصمتُ بيننا، وتزاحمت في رأسي مئات الأسئلة التي تبحث عن جواب. ابتسم هشام مجددًا واستدار يذوب في الظلام، فترددتُ لبرهةٍ ثم قفوتُ أثره؛ لأنني أدركتُ حقيقةً واحدة:
أن كل ما عشته في "لعنة همس نيرزا"... لم يكن سوى الفصل الأول، وأن الكوابيس الحقيقية... كانت بانتظاري هنا.
​تم الجزء الثاني: لعنة همس نيرزا
يتبع...
​ليس كل ما ينتهي يُدفن... فبعض النهايات تظل حية، تهمس في الظلال حتى يعود من جديد.
النهاية... ليست نهاية.
يتبع في: عرش الرماد.
​[عرش الرماد]
​سرنا بصمتٍ مريب... أنا وهشام. لم أعد أعلم كم مضى علينا من الوقت ونحن نطأ هذه الأرض، ففي عالم الظلال يبدو الزمن مفهومًا لا وجود له. كانت الأرض سوداء كالفحم، لكنها لم تكن ميتة، بل كنتُ أشعر بذكاءٍ خفي ينبض تحت قدمي.
​رفعتُ رأسي نحو السماء فتوقفتُ ذعلاً؛ لم تكن ثمة شمسٌ ولا قمر، بل ثلاث دوائر مظلمة معلقة فوق السحاب، تحفّ بها آلاف الرموز الحمراء المتوهجة كأنها طلاسم عملاقة كُتبت على جسد السماء نفسها.
​لاحظ هشام ذهولي فقال:
— "هذه أختامٌ أزلية."
نظرتُ إليه وسألته:
— "أختام ماذا؟"
​ساد الصمتُ لثوانٍ ثم أجاب:
— "الأختام التي تحبس الكائن القابع داخل عرش الرماد."
​سرت قشعريرةٌ في جسدي؛ لأنني أدركتُ من نبرته أن هشام لم يكن خائفًا من العرش ذاته... بل من الكائن القابع فوقه.
​[تماثيل الأسماء المفقودة]
​تابعنا السير، وكلما اقتربنا من تلك القلعة المظلمة ازداد شعوري بالاختناق؛ لم يكن خوفًا مجردًا، بل كان ثقلاً يضغط على روحي ويكتم أنفاسي. وفجأةً... توقفت!
​كانت هناك عشرات التماثيل الحجرية على جانبي الطريق: رجالٌ، ونساءٌ، وأطفالٌ... جميعهم شاخصون بأبصارهم نحو القلعة كأنهم في حالة تعبدٍ أزلي.
​اقتربتُ من أقرب تمثال ومددتُ يدي لألمس حجره، لكن هشام أمسك معصمي بقوةٍ وحزم:
— "إياك أن تمسهم!"
​نظرتُ إليه باستغراب، فقال:
— "هؤلاء ليسوا تماثيل من صخر."
— "فما هم إذن؟"
​نظر إلى الوجوه الجامدة وقال:
— "هؤلاء بشرٌ حاولوا التسلل إلى عرش الرماد... فاستلب العالم أسماءهم، ثم انتزع أرواحهم وترك أجسادهم حجارًا."
​سحبتُ يدي فورًا، غير أن شيئًا ما لفت انتباهي... أحد التماثيل كان مألوفًا بأسلوبٍ مريب! اقتربتُ منه خطوة أخرى فتجمد الدم في عروقي؛ إذ كان الوجه يشبهني إلى حدٍّ مرعب... بل كان نسخةً طابق الأصل مني! نفس الملامح، ونفس العينين، حتى الندبة الصغيرة فوق حاجبي الأيسر كانت محفورةً هناك!
​تراجعتُ إلى الخلف وسألتُ هشام بصوتٍ متقطع:
— "ما هذا السحر؟ من هذا؟"
​لم يجب فورًا، بل ظل يحدق في التمثال بصمت، ثم قال:
— "هذا هو السبب الذي جعلني أرفض مجيئك إلى هنا منذ البداية."
قلتُ بصدقٍ مضطرب:
— "تحدث واشرح لي!"
​تنهد هشام وقال:
— "عالم الظلال لا يريك الحقيقة الثابتة... بل يريك الاحتمالات؛ كل تمثالٍ هنا يمثل مسارًا كان يمكن أن تسلكه لولا اختياراتك... إنها حيواتٌ أخرى لم تعشها."
​أدرتُ رأسي نحو التمثال مجددًا وشعرتُ برعشة؛ لأنني أقسم أنني رأيتُ جفن التمثال الحجري يتحرك حركةً خفيفة كأنه يهمس لي!
​[مدينة الأسماء المفقودة]
​واصلنا السير حتى بلغنا أطراف مدينةٍ غريبة؛ كانت مبانيها سوداء شاهقة تعلوها طلاسم متوهجة، وأما سكانها فكانوا يرتدون أقنعةً ساطعة تواري وجوههم تمامًا.
​توقفتُ وسألتُ هشام:
— "ما هذا المكان المريب؟"
أجاب دون أن يلتفت إليّ:
— "هذه مدينة الأسماء المفقودة."
— "ماذا تعني؟"
​أشار إلى أحد المارة وقال:
— "تقدم واسأله عن اسمه وستفهم."
​نظرتُ إلى الرجل وخطوتُ نحوه قائلاً:
— "ما اسمك يا رجل؟"
​توقف الرجل وظل صامتًا لثوانٍ طويلة، ثم بدأت عينان تطافان بالرعب من خلف القناع، فتراجع إلى الخلف وكأنني سألته عن أعظم خطيئاته، قبل أن يولّي فرارًا في الأزقة المظلمة!
​تملّكني الارتباك، بينما قال هشام بهدوء:
— "في عالم الظلال... الاسم أشدُّ سطوةً من السحر، ولو فقدتَ اسمك... ستنسى ذاتك وتصبح مجرد ظل. وهذا ما حلّ بمعظم سكان هذه المدينة."
​سرت قشعريرةٌ في جسدي؛ لأنني تذكرتُ شيئًا فجأة...
منذ أن قدمتُ إلى هذا العالم الملعون... لم يسألني أحدٌ قط عن اسمي!
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.