تكملة للفصل الثامن:
ضحك بقسوة وبصق على الأرض قائلًا بنبرة مجردة من أي أُبوة:
— "أنا عمري ما كنت أبوك، ولا أنا ملك زيا القديم، ولا حتى خادمه المخلص.. أنا مجرد صياد، والـ 10 سنين دول كانوا المصيدة والقفص اللي ربيناك فيه على اليأس!"
في تلك اللحظة بالذات.. شعرت بقلبي يموت تماماً. سكن. تيبست الدموع في عيني، ومن قاع ذلك الانهيار النفسي الساحق، تفجرت من أعماقي قوة مجهولة لم أشعر بها من قبل.. قوة "سكون".
فجأة، هبطت برودة مرعبة على الممر، تحولت أنفاسي اللاهثة إلى بخار أبيض، انطفأت الأنوار، وتجمدت قطرات الماء في الهواء، وقفلت الأجواء وتحولت جدران الممر إلى صقيع كأنه قاع الجحيم. تيبست حركة محمد مكانه ونظر حولي بذعر وهو يشعر بالهواء يثقل.
ولكن.. وسط هذا التجميد والضباب الصقيعي، سمعت وقع خطوات منتظمة.. خطوات مألوفة كانت تصيب طفولتي بالرعب والأرق! انشق الضباب الأسود، وخرجت منه ثلاثة أشباح كنت أظن أن طيات الماضي قد ابتلعتهم..
شمس.. بابتسامتها المسمومة الغدارة وهي تداعب سلاحها ببرود.
عمر.. بنظرته الجافة السادية التي طالما كانت تخبرني في صغري أنني مجرد عبء.
المدرس عمرو.. وهو يعدل كرافتته بهدوء مقزز، ويمسك عصاه البرتقالية، بينما الخرسانة البنفسجية تلمع خلفه ككابوس حي لم يمت!
تقدم المدرس عمرو مني، ونظر إلى جسدي الراكع بسخرية وقال بصوته المألوف:
— "وحشتنا يا (الظل)؟ فاكر لما كنت بتستسلم وتقول أنا فاشل في الملجأ؟ أديك رجعتلنا تاني!"
وتابعت شمس بغل وهي تقترب: "كنت فاكر إنك هربت مننا يا ياسين؟ إحنا اللعنة اللي مش هتسيبك لآخر يوم في عمرك."
نظرت إليهم، ثم إلى محمد الذي وقف وسطهم الآن، وفهمت اللعبة المقززة التي دمرت 21 سنة من حياتي. شمس وعمر وعمرو لم يكونوا مجرد أشرار عشوائيين، ومحمد لم يكن منقذاً.. كلهم شبكة واحدة متفقة مع هشام ومازن! المنظمة وزعت الأدوار بدقة؛ الثلاثة عذبوني في طفولتي ليحفزوا طاقة الظل داخل دمي بالخوف والوجع، ومحمد استقبلني تحت الحفرة ليمثل دور الأب الحنون، ليكسب ثقتي ويعزلني عشر سنوات، حتى يضمن أنني عندما أنكسر.. سأقدم دمي وجسدي لقمة سائغة لـ آزاريل وتحالف العروش!
تجمعت المؤامرة كلها حولي، وكان يقف وسطهم بكامل عداوته وجبروته عدوي القديم مأمون، وميرا، وآدم وعيونه البيضاء الممسوخة، وحتى الكيانين الأسطوريين الجداد (الملك ذو التاج والفارس ذو الخوذة) رفعوا سيوفهم المتقاطعة ضدي وانضموا للحشد!
الكون كله بات ضدي.. الموت يحيط بي من كل جانب، وقوة "سكون" بدأت تتلاشى أمام طاقتهم الجماعية المرعبة. أغلقت عيني واستسلمت لمصيري..
وفجأة! زُلزلت الأرض تحت أقدامنا بقوة إعصار.. انشق سقف الممر المظلم وصعق المكان ضوء رمادي حاد عمي الأبصار وفك تجميد "سكون" بالقوة. ومن قلب العدم والضياء الرمادي.. ظهر شخص لم يتوقع أحد في هذا الممر اللعين رؤيته مجدداً..
يحيى! يحيى عاد من الموت!
سمعت صرخات الرعب والذهول من محمد وهشام ومأمون وهم يتراجعون خطوات للخلف: "مستحيل! يحيى؟! أنت رجعت إزاي ومنين؟!"
ظنوا جميعاً أنه عائد لينضم لمذبحتهم ويشاركهم دمي.. لكن يحيى اندفع كالصاعقة، ووقف بجسده الصلب كالجدار الفولاذي أمامي تماماً محجّماً الكل، سحب سلاحه الأسطوري وفجر درع طاقة أسطوري صد به ضربات إيكوادور، وآزاريل، والملك ذو التاج في نفس الثواني الكسرية!
التفت إليّ.. نظرت في عينيه، ورأيت فيهما نبلًا وأمانًا ورجولة لم أذقها طوال الـ 21 سنة من حياتي. صرخ في وجهي بصوت هز جدران المكان وزلزل قلوب الخونة:
— "اثبت يا ياسين!! أنا رجعت من الموت عشانك أنت! الكل خانك وباعك، بس أنا ضهرك وسندك وصديقك الصدوق لآخر نفس في عمرنا.. مش هسيب الكلاب دول يلمسوا شعرة منك!"
وفي لمح البصر، قبض يحيى على يدي بقوة لم أعهدها، وفجر طاقة غبار رمادي كثيف أعمى أعين التحالف الملعون كله، وسحبني معه داخل بوابة زمنية سرية انفتحت خلفنا.. لنختفي تماماً من وسط تلك المحرقة، تاركين خلفنا صرخات غضبهم.
في قلب الجبال المحيطة بـ عالم زيا الملعون، تقف سديميا كملاذ عائم فوق هاوية لا قاع لها، منحوتة بالكامل في صخور الجرانيت الأسود اللامع وبنية تحت رعاية كيانات العدم الرمادي. هي مدينة عمودية، تتدرج أبنيتها صعوداً على الجرف الجبلي الحاد كأنها تصعد نحو السماء المظلمة.
قال لي يحيى: "إحنا هنقعد هنا شوية."
قلت له بنبرة خوف: "إحنا فين يا يحيى؟ وإزاي رجعت من الحياة وإزاي جيت عالم زيا؟"
— "ياسين.. أنا مانزلتش الحفرة زيك، ولا جيت هنا بالصدفة. الحقيقة اللي لازم تعرفها دلوقتي إن أنا اللي فتحت البوابة لعالم زيا من برة! فاكر ليلتها؟ ليلة ما كنا في الملجأ وأنا اختفيت؟ أنا ما هربتش.. أنا كنت بدور ورا المخطوطة القديمة اللي كانت مخبية في مكتبة الملجأ السرية. المخطوطة دي مكنتش مجرد كتاب، دي كانت 'مفتاح أبعاد'. لما فتحتها وقرأت التعويذة الأولى، دمي اتفاعل معاها.. وعرفت إن عيلتي أصلها من نسل الجن المخفي اللي اتمحوا من عالم زيا وسابوا وراهم اللعنة!
المنظمة ومأمون ومحمد عرفوا إني كشفت السر، وعشان كدة 'موتوني' فوق الجبل قدام عينك.. بس الموت هنا مكنش النهاية. روحي مانزلتش القبر، روحي اتسحبت جوة أبعاد المخطوطة مباشرة لأن دمي كان هو القفل. عشت سنين جوة عالم زيا كأني شبح، شفتهم وهما بيخططوا لك، وشفت محمد وهو بيمثل عليك دور الأب لمدة 10 سنين.. كنت محبوس ومش قادر ألمسك أو أكلمك، لحد ما إنت فعلت قوة (سكون)! طاقة سكون بتاعتك عملت هزة كبيرة في أبعاد المكان، وهي دي الثغرة اللي فكت أسري ورجعتني للحياة بجسدي ده عشان أقف في ضهرك!"
وقبل ما أستوعب الصدمة وأرد عليه، المكان كله اتهز.. الأنوار الزرقاء في القبة الزجاجية بدأت تطفئ وتنور بعنف، والبلورات السوداء برة بدأت تطلع صوت شرار مرعب.. الخونة كشفوا مكاننا بالسرعة دي!
فجأة، الغبار الرمادي اللي في الأوضة اتجمع وشكّل ملامح وش مرعبة وسط الفراغ.. وش مأمون! الوش طار منه صوت ضحكة باردة زلزلت القبة:
— "فاكرين إن 'سديميا مخفية عن عيون العروش'؟ يا ياسين.. صديقك الصدوق يحيى مخبي عليك نص الحقيقة.. اسأله عن تمن رجوعه للحياة!"
الوش اختفى وساب وراه بقعة خرسانة بنفسجية بتغلي على الأرض! ياسين بص ليحيى بشك ورعب: "مأمون يقصد إيه؟! في إيه تاني مخبيه عليا يا يحيى؟!"
يحيى مالحقش يجاوب.. فجأة الجو برد جداً وقوة "سكون" اتفعلت لوحدها في الأوضة رغماً عن إرادة ياسين. من ورا زجاج القبة، ظهر ظل أسود بيمشي على الجسر المعلق.. الظل ده ملامحه وطوله بالظبط شبه ياسين اللي عنده 21 سنة.. آزاريل (ياسين المؤلم من العالم الآخر)!
آزاريل مكنش جاي يحارب، كان واقف برة بيبتسم ويشاور لياسين بصباعه على قلبه، كأنه بيقوله: "أنا جواك.. وكل خطوة بتخطيها مع يحيى، أنا شايفها وعارفها!". الحركة دي خلت ياسين يدرك إن عدوه الأكبر مش برة.. عدوه لابس جسمه!
يحيى شد ياسين وقال له: "مفيش وقت للشك.. محمد ومأمون جايين ورا الرماد ده، لازم نتحرك فوراً".
بدل ما يهربوا برة المدينة، يحيى قرر يعمل حركة انتحارية: هيتسللوا ويدخلوا المقر السري لمحمد ومأمون في زيا! مش عشان يقاتلوهم، بل عشان يسرقوا "الجزء التاني من المخطوطة" اللي فيه تعويذة فصل القرين (آزاريل) وإلغاء غسيل المخ بتاع آدم.
بعد دقائق وساعات كنا أمام قصر شاهق وضخم بدا المكان وكأن نسيه الزمن، كان الصمت يخنق الجدران… دخلتُ أنا ويحيى بدون أي صوت عبر فجوات الغبار الرمادي الذي صنعه يحيى، كنا نتحرك كالأشباح… خطوة بخطوة نحو عقر دار الشيطان.
قصر هشام لم يكن مجرد أحجار متراصة، بل كان أشبه بكيان حي مسخ ومخيف، جدرانه مكسورة بتلك العصا البنفسجية وجدرانه بدأت تراقبني بصمت يحبس الأنفاس. انزلقنا أنا ويحيى في ممر لا يبدو له نهاية، ولوحات تراقب المار وأبواب مغلقة وإضاءة ضعيفة، وهذا الممر منعزل عن القصر وسري… يوجد فيه فتحة في مكتبة القصر التي توجد فيها المخطوطة، الصفحة الثانية. أصوات همس كانت تراقبنا من جميع الزوايا، كانت تفوح منه رائحة الموت والتعفن… لكن الذي ليس في حسباننا أن الممر يخرج للمكتبة والقاعة الرئيسية التي يوجد فيها عرش آراد ومأمون وهشام وأعمدة طويلة وشموع زرقاء وأرض تشبه المرآة الجميلة.
هشام الذي كان يقف يراقب المكان والممرات بعينين حادتين، يقف جنب آراد ومأمون ويوزع نظراته في كل زاوية يبحث عن أثرنا. كانت القاعة الرئيسية هي هدفنا، كانت الأنفاس محبوسة في صدورنا وكانت القاعة الرئيسية مكشوفة بالكامل. نظرتُ إلى الممر الجانبي الذي يؤدي إلى "مكتبة العروش المحرمة". كانت المكتبة أبعد وأظلم وأكثر خطورة وعتمة… لكنها كانت المكان الوحيد الذي كان في توقعنا توجد فيه المخطوطة.
قلت بصوت خافت: "لا يمكننا الدخول من هنا، سيكشفوننا فوراً..."
همست ليحيى: "إلى المكتبة..."
تحركنا بصمت نتفادى أضواء الشموع السحرية التي كانت تضيء ممرات القصر ورموز الخرسانة البنفسجية وانعكاسات الزجاج في القبة. يحيى اكتشف الفخ بسرعة..
قال لي يحيى بنبرة توتر: "لا ترفع عينك فوق مستوى الرفوف، لا تنظر لأي شيء لامع… المرايا هنا ليست للزينة، بل هي عيون آزاريل..."
مسكْتُ في لحظة اسم شارعنا في المدينة، وكنت أنسى ملامح يحيى… كان التعب ينهش وعيي… بعد ساعات من الجحيم، وسط كومة من الأوراق الممزقة… في أقصى زاوية مظلمة، لمع ضوء خافت. كانت هي الصفحة الثانية.
بمجرد أن لمستها شعرت بكهرباء سوداء تسري في جسدي، وبدأت رؤيتي تضطرب. وقبل أن أستوعب ما حدث، سمعنا وقع أقدام خلفنا.
تجمدت في مكاني. لكن لم يكن مأمون أو هشام.
كان مازن.
وقف في الظل، أنفاسه متسرعة، ونظرات تائهة بين الغدر والخوف. اقترب منا بحذر، وهو يراقب باب المكتبة وأشار لنا بالصمت وهو يراقب.
مازن اتجمد في مكانه:
— "ياسين؟! كيف.. كيف أنت هنا؟ أنا رأيت مأمون وهو يغلق القاعة عليك، رأيت المبنى ينهار فوق رأسك.. أقسم أنني كنت أظن أنك صرت مجرد ذكرى تحت الأنقاض.. هل أنت حقاً جسد ودم؟ أم أنني فقدت عقلي أخيراً؟"
— "أخبرني، كيف نجوت من مأمون؟ لقد أعلن موتك أمام الجميع، وهشام.. هشام حتى لم يرمش له جفن عندما سمع نبأ رحيلك.. هل عدت من الموت؟ أم أن ما أراه أمامي الآن ليس إلا 'صدى' لروحك؟"
— "لم ينجُ أحد من طقوس 'ياسيرون' في تلك الليلة، لا أنت ولا آدم.. فكيف تقف أمامي الآن بجسدٍ لا يزال يتنفس؟ أخبرني، ما هو الثمن الذي دفعته لتخرج من الجحيم؟ لأن أحداً لا يخرج من هناك إلا وهو يحمل لعنة!"
— "ياسين.. جاوبني، هل تشعر بالألم؟ لأنني أراك.. ألمس وجودك، لكنني لا أستطيع استيعاب كيف لا تزال على قيد الحياة بعد كل هذا الدمار وماذا تفعل هنا؟"
همس يحيى بحنق مستعداً للهجوم.
مازن اقترب مني، ملامحه كانت شاحبة، وهمس بصوت مرتعش يكاد لا يُسمع:
— "ياسين… أنت تظن أن يسيرون المنظمة التي كان يحكي لك عنها خيرية؟ محمد حكالك عنها، أكيد كنت أسمع محمد يقول لآراد كذلك ويخبره عنك. يسيرون منظمة تبحث عن طاقة قديمة أو سحر محرم؟ أنت مخطئ. كل المخطوطات التي يجمعونها.. كل الأسرار التي يحرسونها.. هي في الحقيقة أرشيف لذكريات أطفال ماتوا في تجاربهم."
سكت مازن لحظة، وكأن الكلمات تحرق حلقه، ثم أكمل:
— "هل تساءلت يوماً لماذا تنهار ذكرياتك؟ لماذا تنسى من تكون؟ لأن المنظمة لا تأخذ المخطوطات من الموتى، بل تستخرجها من عقولنا ونحن أحياء. 'السيد' (آدم) ليس سيداً لزومبي، هو الضحية الأولى التي حولوها لهذا الكيان، ومهمتهم الآن هي 'تفريغ' عقول الباقين في المخطوطات ليصنعوا منها ذاكرة اصطناعية يبيعونها لمن يدفع أكثر، أو ليتحكموا بها في تاريخ البشرية."
مازن نظر لي بأسى وقال:
— "هشام ليس خائناً لأنه أحبهم، بل لأنه قد باع تفاصيل ذاكرتك يا ياسين. وسلم لهم تفاصيل طفولتك، وأسرار طفولتك وقوة 'السكون' التي كنت تخبره عنها، مقابل أن يضمنوا له أن ذكرياته هي الوحيدة التي لن تمسح. هو لا يخدمهم… هو ببساطة يشتري نسيانهم له بـ 'محوك أنت'..."
بدل ما أنهار بالبكاء تحولت إلى برود قاتل.. أنا دلوقتي مش محارب عشان أنجو، بل أحارب عشان أسترد نفسي…
تحول يحيى لنار، قوة غضبه من هشام خلتْه يخرج عن السيطرة وحاول الاندفاع للممر عشان يواجه هشام ويقتله، لكني كنت لازم أمسكه.
مكنّاش عارفين إن مأمون وآراد كانوا بيراقبوا اللحظة دي من خلال فخ بصري في المكتبة.
صوت خبط قوي على باب المكتبة، مش مجرد خبط، ده تكسير للخشب. هشام ومأمون دخلوا، بس مش عشان يقبضوا عليا أنا ويحيى، بل داخلين عشان يصادروا البضاعة (أنا والمخطوطة التي في يدي)…
هشام يدخل المكتبة، ملامحه باردة، ومفيش أي ندم. مأمون وراه بيضحك بسخرية:
— "كنت عارف إن مازن هيحاول يمثل دور البطل، شكراً يا ياسين إنك جمعت لينا الخونة في مكان واحد."
أنا لست أهاجم مأمون، بل نظري كله على هشام. هشام بدأ يبرر خيانته التي كنت أعلم بها بكلمات باردة:
— "الذاكرة يا ياسين عبء، أنا اخترت أني أكون 'النسخة الأصلية' وأنت مجرد 'مخزن' ليتم تفريغه."
بدأت معركة بيني وبين هشام…
"لم تكن معركة بالأجساد بقدر ما كانت تصادماً بين صديقين تحولا إلى غريبين، حيث كل ضربةٍ يتبادلانها كانت تمزق ما تبقى من ذكرياتٍ مشتركة، حتى أصبح الصمت بينهما أشد قسوةً من وقع السيوف."
بعد أن هدأ غبار المعركة في المكتبة، كان هشام يلهث، الدم يسيل من جبهته، ونظر مازن إليّ بأسى:
— "ياسين… يجب أن تعلم أن هشام لم يخنك بدافع الشر فقط، لقد أقنعوه أنك المصدر الذي سيتم محوه، وأن مساعدة لهم ستحفظ ذاكرته هو… لقد استخدموه ليصطادوا أثمن ما لديهم."
قبل أن أرد عليه، حاول هشام ثانيةً تبرير موقفه وصوته يرتجف:
— "أرجوك اسمعني! الأمر ليس كما تظن! المنظمة… 'ياسيرون' لا يتركون أحداً حياً، لقد خيروني بين أن أكون جزءاً من نظامهم أو أن أصبح مجرد ذكرى ممحوة، كنت أحاول فقط أشتري وقتاً أحمي نفسي لأجد طريقة لأنقذك!"
— "وقتاً؟" قلت بصوت هادئ كبرودة القبر: "أنت لم تكن تشتري وقتاً يا هشام، أنت كنت تبيع جزءاً من حياتي في سوق نساخ المنظمة مقابل أن تشتري الملك..."
تقدم هشام بخطوتين وتوسلت عيناه: "أنا صديقك! كان لدينا ذكريات جميلة سوياً، أنا أريد الخير لك…"
— "لم تؤلمني طعنتك يا هشام، فكل الخناجر التي في هذا العالم قابلة للالتئام. ما يقتلني كلما نظرت في جروح ظهري أني لم أجد شخصاً سواك! أنت لست المنظمة، بل أنت! لا أرى آثار المنظمة، بل بصمات يدك التي كانت يوماً هي موطني الوحيد…"
قال لي هشام بنبرة ضعف: "نحن أصدقاء، من أجل صداقتنا..."
— "أنت لا تعرف شيئاً عن الصداقة، حتى في كتبك المحرمة..."
الأدرينالين كان بيحرق دمي، المكتبة بتئن تحت وطأة طاقتي.. "سكون!" صرخت، وفي لحظة، الهوا حول إيدي اتجمد، الجزيئات اتفككت، وفتحت ثغرة بنفسجية مشوهة في نص الواقع، بوابة بتبلع المكان والزمان.
— "يحيى! ادخل البوابة!" صرخت، يحيى سابني، رمى نفسه جوه الفجوة واختفى.
كنت بحاول ألحقه، بس فجأة حسيت ببرودة الموت ورايا. مأمون كان أسرع من الرمشة، ضربة قوية بكل قوته على دماغي. الرؤية اتغوشت، إيدي ارتخت، والمخطوطة اللي كانت أملي الوحيد طارت من إيدي ووقعت على الأرض.
مازن اندفع من العدم زي الإعصار، بيحاول يشغل مأمون، بيصرخ، عروقه بارزة، بيحاول يصحّي "دمه النقي".. الثواني كانت بتمر ببطء قاتل. شفت نظرة الصدمة في عين مازن لما حركته خذلته، لما القوة اللي في دمه رفضت تستجيب. مأمون بكل برود، وبحركة واحدة، أنهى كل حاجة. مازن وقع.. قدامي.. بلا روح.
حاولت أقوم، أطرافي كانت تقيلة كأنها من حديد. مأمون كان واقف فوقي، خنجره بيلمع، عيونه مفيهاش ذرة رحمة. رفع الخنجر، الوقت بيمط، شايف كل حركة بالبطيء.. وفجأة، ضلفة مكتبة ضخمة بتسقط من فوق، صوت تكسير الخشب كان صدى في أذني.. هشام! ظهر في لحظة تضحية جنونية، الضلفة وقعت عليه، انطوى على نفسه، ضعف، وبدأ يغيب عن الوعي.
مأمون تجاهل كل ده، ركز عيونه في عيوني، كان مستمتع بإنهاء القصة. رفع الخنجر تاني عشان يغرسة في قلبي..
وفجأة، صوت تكسير زجاج المكتبة دوّى زي الانفجار.
شظايا القزاز طارت في الهوا كأنها نجوم محطمة. "نعاس".. طائر عملاق، كيان من الظلام والنور، نزل زي الصاعقة بيني وبين مأمون.
مع سقوط القزاز، شظية حادة دخلت في ودني. صرخة محبوسة في حنجرتي، طنين حاد، وبعدها.. الصمت. العالم بدأ يغيب، الرؤية بقت ضباب أحمر، مأمون ونعاس بيتحركوا قدامي زي أشباح في حلم كابوسي.
نعاس كان بيواجه مأمون، بيغطي المكان بجناحاته. حاولت أقف، ركبي بتخبط في الأرض، مش شايف قدامي غير طيف أحمر. نعاس لف بجناحه ناحيتي، كان عايزني أتمسك عشان يهربني.. بس في اللحظة دي، عينى وقعت على هشام.
كان مرمي على الأرض، بيبص لي.. نظرة خايفة، مكسورة. وفجأة، شريط سينما بدأ يمر قدامي: ضحكنا في السطوح، وعودنا، أسرارنا، كل الحاجات الحلوة قبل ما الخيانة تلوث كل شي.
مش عارف ليه، بس قلبي سبق عقلي. سحبت إيدي من جناح نعاس، وزحفت ناحية هشام. لمست إيده الباردة.. مسكتها بقوة.
بصرخة مكتومة، سحبت هشام معايا، ونعاس بضربة جناحاته دفعنا سوا جوه الفجوة.
الدنيا لفت، الضلمة بلعتنا، وبعد ثواني من السقوط الحر.. ارتطمت بالأرض. فتحت عيني ببطء، يحيى كان واقف قدامي، بيبص لي.. ومصدوم.
الفصل التاسع
"أصل اللعنة القرمزية"
كان الهواء ثقيلاً ملموساً بزمن قديم وغبار نسيه الأرض… مجرد أن عبرنا أنا وهشام وناعس الفجوة، انطبق الوجود خلفنا، صرخات مكتومة في داخلي كانت محبوسة… ناعس الطائر الذي لا أعلم من هو، ناعس الطائر الذي لا يطيع أحداً ونوعه طائر أسطوري من عالم يسمى آكل الهمسات، شكله ريشه أسود يلمع بالأزرق الداكن، عينان قرمزيتان موجهتان، وجناحان ضخمان وقت الغضب…
يحيى طلع خنجره ووضعه على رقبة هشام، صوت يحيى كان فحيحاً مرعباً:
— "كل خطوة لينا كانت بتتكشف بسببك، إنت اللي سلمتهم طريقنا، إنت اللي خلتنا نلعب دور الضحية عشان مأمون وغيره يوصلوا للي عايزينه. أنا مش هسيبك تبيعنا تاني يا هشام، كفاية اللي فات!"
اندفعت ناحية يحيى بسرعة البرق، مسكت يدي يحيى قبل ما الخنجر يغرس في رقبة هشام، عيوني كانت تتحول ألواناً متداخلة وصوتي كان صرخة مكتومة:
— "سيبه يا يحيى، لو قتلته إنت مش بتقتل خاين… أنت بتقتل الجزء الوحيد المتبقي لنا واللي فاكرنا في الميتم."
هشام، بصوت متهدج ودموعه بتنزل على وشه، بص ليحيى وقال بكلمات تقطع القلب:
— "اقتلني يا يحيى.. لو ده اللي هيطفي النار اللي جواك، اعمله. أنا عشت طول عمري بدور على 'انتماء'، ولقيته فيكم، بس اكتشفت إني كنت 'جاسوس' غصب عني.. أنا مكنتش عارف إني ببيع أصحابي، أنا كنت مبرمج على كده! أنا الضحية اللي بقت جلاد لنفسها!"
ضغطت على يد يحيى، عيني مليانة وجع وخلاني:
— "إحنا كلنا اتخدعنا. أنا وأنت وهشام. كلنا اتسحبنا لخيوط مش إحنا اللي نسجناها، لو قتلته، إنت بتدمر الدليل الوحيد لنكتشف أهلنا الحقيقيين. إحنا محتاجين هشام عشان نعرف الطريق، ومحتاجين نسامح بعض عشان نقدر نقف أمام أسياد الدم القرمزي خلال بحثنا على أهلنا الحقيقيين…"
يحيى نزل الخنجر ببطء، نظراته كانت محطمة، بص لهشام الذي كان بيبكي بحرقة على الأرض وبص لي بحرقة:
— "أنا مش عارف أسامح.. قلبي مابقاش فيه مكان غير للوجع. إحنا فقدنا طفولتنا، فقدنا أهالينا، وفقدنا حتى الثقة في بعض. إحنا بقينا مجرد حطام يا ياسين."
ناعس كان واقف بعيد، بجناحيه المطويين وعيونه القديمة القرمزيتين المتوجهتين الحزينة، همس بصوت يقطع القلب:
— "الوجع الذي في قلبكم هو اللي بيفتح بوابة العالم القرمزي… الدم اللي بتنزفوه من قلوبكم، هو اللي بيغذي سحر الطريق. كملوا.. أو استسلموا، وفي الحالتين أنتم وحدكم."
ساد الصمت، والكل كان بيحاول يجمع شتات نفسه، بينما خيط قرمزي بدأ يتسلل من الأرض، كأنه بيستنى اللحظة اللي يقرروا فيها يكملوا.. أو ينهاروا.
بصيت ليحيى، وشفت في عينيه الفضية المطفية وجعاً يضاهي الوجع اللي في صدري. بصيت لهشام، اللي لسه دموعه بتعلم على وشه، وناعس اللي جناحاته كانت بتطوقنا كأنها سياج بيحمينا من عدَم المكان.
في اللحظة دي، مكنتش شايف 'خاين'، ولا 'حارس'، ولا 'كيان طائر'. كنت شايف أجزاء مني.. أرواحنا اللي اتكسرت في الميتم، اللي اتمزقت في طرقات الهروب، واللي اتعذبت بالخوف من مأمون.
ميلت بجسمي ناحيتهم، وحسيت بإيد يحيى بتشدني بقوة، ويد هشام بتترعش على كتفي. ضمينا بعض في عناق طويل.. كان عناقاً ثقيلاً، ملياناً بمرارة السنين اللي فاتت، ومخاوف المستقبل اللي مستنينا في عالم الدم القرمزي.
غمضت عيني، وحسيت بدقات قلبهم.. دقات كانت بتنتظم مع دقات قلبي لأول مرة. في الحضن ده، اتلاشت كل الأسئلة: 'إحنا مين؟'، 'ليه بيحصلنا كدة؟'. مكنش فيه إجابات، بس كان فيه حاجة أهم: يقين.
همست في صمتي، والدموع حرقت عيني: 'إحنا لوحدنا في العالم ده.. بس إحنا مع بعض.'
حسيت بنعاس بيضمنا أكتر، كأن جناحاته بتغطي على كل خطايانا القديمة. في اللحظة دي، الخوف من 'عالم الدم القرمزي' اتغير.. مابقاش خوف من الموت، بقى خوف من إننا نفقد العيلة الوحيدة اللي عرفناها.
بعدت عنهم ببطء، وشفت في عيونهم نفس النظرة: إحنا مش هنرجع زي ما كنا. الحضن ده كان 'العهد' الجديد. مسحت عيني، وبصيت ناحية الشق القرمزي اللي بيستنانا، وقلت بصوت واثق: 'جاهزين؟'..
قلنا بنبرة واحدة: "جاهزين"…
لم نعد نملك خياراً آخر للتردد أو الشك. كان أمامنا الشق القرمزي يترنح ويرسل ذبذبات سوداء مثل وحش جائع جعلت الهواء من حولنا يتكهرب… نظرتُ إلى يحيى، كان وجهه متصلباً ونظراته الفضية تحدق في المجهول بشجاعة يائسة، هشام كان يمسح على كتفه بيده المرتجفة محاولاً استعادة توازنه النفسي بعد انهياره الأخير. أما ناعس، فقد اتخذ هيئته القتالية، وأجنحته العظيمة تحجب عنا بقية الفجوة، كأنه يريد حمايتنا حتى اللحظة الأخيرة.
خطوتُ خطوة للأمام. الأرض تحت قدمي بدأت تتشقق، وظهرت رموز سحرية بلون الدم كانت تحوم في الهواء مثل أشباح.
— 'يا شباب،' قلتُ بصوتٍ خرج أقوى مما كنت أتوقع، 'سواء كان هذا العالم سيمنحنا إجابات أو سينهي ما تبقى منا، فنحن ندخله كشخص واحد.'
أمسكنا أيدي بعضنا بقوة— هذا العهد الذي قطعناه في العناق الأخير كان سلاحنا الوحيد. اندفعنا معاً نحو الشق القرمزي. لم أشعر بريح أو ضغط، بل شعرت بـ 'تمزق' في وجودي بالكامل، كأن أحداً يسحب ذكرياتي من جسدي ليضعها في مكان آخر.
ومع الومضة القرمزية الأخيرة التي ابتلعت أعيننا، اختفت الفجوة، ووجدنا أنفسنا نسقط في عالمٍ جديد.
عندما فتحت عيني، لم تكن هناك سماء زرقاء أو أرض ترابية. كانت السماء قبة من الغيوم الحمراء المتلاحمة، والأرض تحتنا ليست صخراً، بل طبقة غريبة من مادة صلبة تشبه الزجاج الأسود، تنبض بضوء أحمر خافت مع كل خطوة نخطوها. الهواء كان بارداً، محملاً برائحة معدنية، وصمت المكان كان يهمس بوعيد مرعب.
هنا.. في قلب عالم الدم القرمزي.. عرفت أن رحلتنا الحقيقية للبحث عن أهلنا، وعن حقيقتنا، قد بدأت أخيراً…
بعد ما إن امتصنا الشق القرمزي، استيقظنا في صحراء قاحلة مغطاة برماد أسود يتطاير مع رياح باردة كأنها أنفاس الموتى. وقبل أن نلتقط أنفاسنا، ارتجت الأرض من تحت أقدامنا وبرز من وسط الرماد كيان ضخم… كان بشرياً بل درعاً ضخماً بإرادة شيطانية تتمتع بجمال رخامي شاحب، يلفه وقار ملوكي بارد، حيث يلمع بعروق قرمزية. تحت جلودهم وشوم حية، حركتها انسيابية وتخفي وراء أناقتهم المخملية أنياباً حادة كخنجر…
لم يهاجمنا فوراً، بل وقف كالجبل، وصوته الرخيم الصادر من فمه:
— "الباحثون عن الحقيقة.. قلوبكم تنبض بالخوف والندم.. هذا السوق لا يفتح أبوابه إلا لمن يدفع ثمن مروره."
تقدمتُ خطوة ويدي على مقبض خنجري الذي بدأ يلمع بضوء أحمر خافت:
— "نحن لا نبحث عن بضائع أيها 'مصاص الدماء'؛ بل نبحث عن إجابات…" صرختُ في وجهه…
الكيان مصاص الدماء ضحك بسخرية، ضحكة معدنية مرعبة مستفزة، ورفع فأسه الضخم الذي كان يلمع بنقوش غريبة:
— "الإجابات في هذا العالم هي أغلى سلعة. من يريدها عليه مواجهة انعكاسه."
فجأة، انقسم الظل خلفنا إلى أربعة أشباح.. كانت أشباحنا نحن! أشباح تخرج من ذكرياتنا.. أشباح تجسد كل ضعفنا وخذلاننا الذي حاولنا دفنه.
الكيان مصاص الدماء لم يتحرك، فقط قال بصوتٍ يملأه الوعيد:
— "اهزموا أنفسكم، أو ابقوا هنا.. وقوداً لأرضنا إلى الأبد."
وقفتُ فوق أطلال الكاتدرائية القرمزية، أنفاسي تتصاعد كالدخان في الهواء البارد، بينما الدماء كانت تتساقط من يدي المرتجفة بحذر. أمامي مباشرة، جلس أزاريل فوق عرش أسود واضعاً ساقاً فوق الأخرى، كملك ينتظر سقوط أعدائه المنافقين والمرتزقة. ابتسم أزاريل ابتسامة هادئة كأن الحرب بيني وبينه مجرد رقصة قديمة.
قال بصوت ناعم لكنه مرعب:
— "تأخرت يا ياسين، كنت ساذجاً جداً مثل والديك، ظننت أن الكراهية ستقودك إليّ أسرع من هذا."
— "اخرس..."
ضحك أزاريل بخفوت، ثم نهض ببطء...
اشتعلت عينياي باللون الأزرق اللامع الفائق، وبدأت الظلال تتحرك حول جسدي كألسنة لهب سوداء. كانت عباءته السوداء الطويلة تنساب من خلفه كأنها جزء من الظلام نفسه، بينما ظهرت أنيابه البيضاء تحت ضوء القمر الأحمر كأنه غارق في دماء الليل...
— "ما زلت تنكر حقيقتك؟"
— "أنا لست مثلك..."
وفي لحظة واحدة اختفى من أمامي...
اتسعت عيناي، لكنه لم يترك لي وقتاً لأفكر؛ إذ اخترق ألم حاد كتفي، لألتفت وأرى خلفي مباشرة وقد غرست مخالبه داخل جسدي... تناثر الدم فوق الأرض.
صرختُ بعنف، وانفجرت موجة هائلة من الظلال القرمزية، اهتزت الأرض تحت قدمينا، ارتطم جسده بالأرض... وقف أزاريل على الأرض من جديد بدون تعب، بينما كانت عيناه الحمراوان تلمعان بإعجاب حقيقي بي:
— "أخيراً هذا الوحش الذي كنت أود رؤيته.."
أطبقتُ على أسناني بشدة، ثم اندفعتُ نحوه بسرعة مرعبة حتى تشققت الأرض من تحت أقدامنا... التقت مخالبه في الهواء، وانفجر حولنا في الهواء الدم والغبار الأسود... كل ضربة كانت تهز الأرض… سحبتُ أنفاسي، كانت يدي ترتجف مثل ورق الشجر من الهواء البارد القاسي... صددتُ الضربات وتبادلناها...
طاقة السكون التفت حول قبضتي كأنها حكم نهائي لأزاريل. تعثر أزاريل في الأرض وشعر بنبضات عنيفة داخل رأسه، لم يمت دفعة واحدة... بل انهار داخله أولاً ثم تبعه الجسد كظل فقد جسده...
قال لي أزاريل وهو رادم على الأرض: "لو مت الآن مش هختفي..."
اختفى جسد أزاريل من أمامي...
بينما يحيى في معركته، الذي ظهر أمامه لم يكن بشراً... كان كياناً صنع من شجاعة مظلمة لا تعرف التراجع. لم يبدأ يحيى القتال حين تحركوا... بل حين قرر يحيى ألا يعود كما كان..
كان يحيى يضرب الظل الذي أمامه بل الذي يسكنه، لكن كل ضربة كانت تعيده أقوى مما كان. خرج وميض أبيض من عيني يحيى، الغبار تصاعد ببطء وكانت عيون الظل بلا قرار. في جسد يحيى نبض غير منتظم أرهقه... في اللحظة التالية تغير كل شيء، اندفاع مفاجئ من ظل يحيى حول يحيى أوقعه أرضاً، الهواء ثقل، المكان انكمش حوله، ارتداد قوي من الظل على يحيى كسر الإيقاع... وقف يحيى على الأرض، صد يحيى ضربات الظلال، تصاعد الدخان القرمزي، وتناثرت قطرات الدم في الهواء. تراجع يحيى للوراء بخوف وتسارعت أنفاسه، الهواء نفسه تغير. يحيى وقف في المنتصف، والجرح اللي كان على كتفه بدأ يلمع بخطوط داكنة كأنها بتتكتب من جديد. صوته الداخلي ما بقاش صوت... ده بقى صدى بعيد بيكسر الصمت.
الظل وراه اتكسر كأنه كان قيد قديم، وطلع منه شكل أكبر، أثقل، أقرب لهيئة مخلوق مولود من الألم والإصرار معاً. مش وحش... لكنه نسخة أظلم من إرادته.
يحيى رفع رأسه ببطء، وصوته خرج لأول مرة مختلف... أعمق، أقرب لصدى حجر بيتكلم:
— "دلوقتي... الدور علي."
اندفع يحيى ناحية الظل بسرعة كالرعد، والهمسات ازدادت من داخل عقل يحيى، والصمت الثقيل عم المكان. قفز يحيى على الظل واهتزت الأرض من تحت الظل وأوقعته أرضاً على حين غرة، لكن الظل مد يده ببطء في جيبه ثم أخرج خنجراً يلمع ببرود قاتل كأنه ينتظر هذه اللحظة منذ زمن.
لحظة إدراك أن الظل رافع الخنجر ناحية يحيى كانت كفيلة بتقطيع الزمن في عيني... فبدون تردد اندفعت بينهما وكأنه يقفل الموت بجسده وصوتي خرج مكسوراً: "لو هتموت... هموت معاك"…
كيان مصاص الدماء الذي كان خلفنا اختفى، صحا فجأة من داخلي وبدأ يزأر من أعماقي كقوة مش بشرية وكأنه يمنع جسدي أن يندفع لصد ضربة الخنجر ليحيى...
اللحظة اتكسرت فيها كل حاجة في ثانية واحدة... يحيى فهم متأخر إن الضربة اللي هتوجعه هتيجي على حساب أقرب واحد ليه.
أطلق هجومه بكل ما فيه، ضوء خرج من جبينه انفجر في ساحة القتال كأنه يقفل مصيرنا بالكامل... لكن الخنجر كان أسرع من النور وانغرس في بطني! قبل ما أي حد يقدر ينقذني.
الصمت نزل ثقيلاً لثوانٍ كأن العالم وقف بيحاسب نفسه… في عيون هشام ظهر شيء مختلف لأول مرة — مش غضب، مش كبرياء... إدراك غير موجع كأن كل الأكاذيب اللي شافها في حياته اتحولت لشخص قدامه بيتنفس.
الكيان اللي جوه هشام انفجر من داخله. مخلوق مش من جسد... لكن من خيانة ووعود ما تتنفذتش، وبدأت المعركة الحقيقية: هشام وبين خيانته... أما أنا رغم الألم عيوني ثابتة على هشام وكأن الجرح اللي بينا ما تقتلنش بس فتح الحقيقة اللي مستخبية...
يحيى يجمع كل الطاقة المظلمة والنور اللي جواه في نقطة واحدة فوق صدره، ومع كل نبضة قلب، تبدأ الخطوط القرمزية تنتشر على جسده كأنها شقوق من قوة أكبر من احتماله.
ولما يطلقها—
ينفجر الضوء والظلال معاً في موجة هائلة تمزق الكيان من الداخل، مش لأنها أقوى منه فقط... لكن لأنها تضحي بجزء من روح يحيى نفسها علشان تنهيه.
أثناء الهجوم، صوت نبضه يعلو بشكل مرعب، والهواء يهتز كأن العالم نفسه بيتراجع للخلف. الكيان يبدأ يصرخ ويتفكك تدريجياً، وكل ضربة من الطاقة كانت كأنها تمحو قطعة من وجوده.
لكن الثمن كان واضحاً.
بعد انتهاء القوة، الخطوط على جسد يحيى تبدأ تختفي ببطء، وركبته تقع على الأرض، وأنفاسه تبقى متقطعة. أحاول أثبت نفسي... يحاول يشوف إذا كنت أنا بخير...
لكن نظرته تبهت فجأة، وجسده ينهار، بينما آخر شرارة من القوة القرمزية تنطفئ حوله كأن المعركة أخذت منه كل شيء. مقاومة... بدون دم تقريباً... كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ البداية..
تنفست.
لكنني لم أعد كما كنت. كان هناك فراغ جديد داخلي... واعٍ. رفعت نظري إليه وسألته:
— "أنا بقيت إيه دلوقتي؟"
لم يبتسم. قال فقط:
— "أنت بقيت جزء من هذا العالم... لا زائره."
في الخلف... يحيى لم يتكلم. هشام كان ينظر إليّ وكأنه لا يعرف إن كنت عدت فعلاً.
الطائر نعاس قال بصوت منخفض:
— "هو رجع... بس مش زي الأول."
ملاحظة سردية: بعد انتهاء المعركة بين ياسين وظلاله، ظهر مصاص دماء من سكان عالم الدم القرمزي وساعد الفريق في علاج ياسين عبر طقس دموي، أدى إلى إزالة الخنجر من جسده جزئياً بعالم الدم القرمزي مع بقاء أثر اللعنة بداخله بشكل غير مرئي...
خرجنا من المكان وما زال صوته يطاردنا كأنه لا يأتي من خلفنا... بل من داخلنا.
مصاص الدماء لم يتحرك من مكانه، فقط قال وهو ينظر لظهري وأنا أبتعد:
— "الدم القرمزي لا يختار الناجين... بل يصنعهم."
أنا... ياسين... أحاول أن أفهم هل أنا ما زلت أنا.
يحيى صامت كأن الكلام أصبح رفاهية خطيرة.
هشام ينظر حوله وكأنه يبحث عن شيء فقده داخل نفسه.
الطائر نعاس... يمشي وكأن نصفه ما زال هناك، ونصفه الآخر لم يستيقظ بعد.
[[ حين بدأ العالم يكتبنا ]]
خرجنا من عند الدكتور مصاص الدماء إيلزار؛ عمره في الأربعينات وشكله طويل نحيف جداً، شعره أبيض بالكامل وعيناه سوداوان بالكامل (عين بدون بؤبؤ وعين ثانية ببؤبؤ)، ويرتدي ملابس رسمية داكنة وشخصيته هادئ بشكل مخيف لا يرفع صوته أبداً. عبرنا ممر يدعى "الأحمر الأول" ودخلنا في مدينة كبرى تدعى "أركاديا النازفة".
قال لنا هشام: "مدينة أركاديا تنسى زوارها وتنسيهم من ذكرياتهم بشكل بسيط." ثم سكت قليلاً وقال: "أنت صديقي المفضل يا ياسين..."
ابتسمتُ ابتسامة هادئة له...
عند مشينا رأينا فجأة جداراً مرسوماً عليه قلب ينبض ومكسور الجدار من النصف، توقفنا نحن الأربعة مدهوشين...
سأل نعاس هشام: "ما هذا الجدار يا هشام؟ إن فضولي يأكلني"..
— "هذا جدار غريب، يبدو أنه يريد أن يوضح لنا شيئاً..."
ظهر على الجدار المكسور شيء لم يكن كتابة؛ علامة دموية تنزف دماً ببطء يشكل حروفاً كأن الجدار يتذكر شيئاً. الدم لم يسقط بل اختار أن يكتب… ومع اقترابنا ناحية الجدار تجمدت حركتنا لحظة واحدة كأن العالم نفسه قرر أن ينصت.
ثم ظهرت جملة: "العائلة لا تفقد... بل يتم كتابتهم في عالم الدم القرمزي.."
بعد قراءتنا للجملة: "العائلة لا تفقد... بل يتم كتابتهم في عالم الدم القرمزي.."
صمت الجميع.
لكن داخل رأسي فكرة متكسرة: لو العائلة لا تفقد إذاً هي لم تختفِ، إذاً هي تغيرت للأسوأ وتم إعادة بناء شخصيتهم من جديد، نسوا كل شيء عن ماضيهم. يعني أبي ممكن شخص جعل من أجلي أشياء مستحيلة لرجوعي له أنا وأخي مازن، لكن يوجد شخص أو شيء منعه. الاستنتاج: تمت إعادة صناعتهم من جديد...
لماذا ذكرياتي عن عائلتي فيها فراغات؟ ليه مش طفل طبيعي؟ ده كله بسبب عائلتي ولا بسبب شخص ثاني؟ لماذا منبوذ؟ لماذا بعض الوجوه في عقلي غير واضحة في ذكرياتي؟ أنا أملك قوة الذكريات، لكن عندما أسترجع ذكرياتي أمنع إحساسي بالعائلة، دائماً ناقص؟
سقطت من عيني دموع وتغيرت ملامح وجهي، التفت إليّ هشام قائلاً: "أنا مش فارق معايا أسرة، أنت عائلتي يا ياسين. نود البحث أولاً على أسرتك من خلال الأسواق، ولأن عالم الدم القرمزي يحمل أسراراً ومخطوطات سرية تساعدني.. أنت أول صديق ليا يا ياسين وتفضل صداقتنا للأبد..."
ابتسمت ابتسامة هادئة وغير مكتملة قليلاً...
ظهر على الجدار صورة ناقصة محذوف منها شخصان وتبقى امرأة؛ ملامحها هادئة ولكنها مغلفة بحزن نبيل وقديم. وجهها شاحب يميل إلى بياض مرمري، تركت عليه السنون والهموم خطوطاً رفيعة تروي حكايات الصبر. كانت تشبه آراد، ليست بشرية تماماً بل تمتلك جمالاً بارداً وأثيرياً، بشرتها شاحبة جداً كأن الشمس لا تؤثر فيها. العينان المتغيرتان: عيناها تبدوان طبيعيتين في الأحوال العادية، لكن عند الغضب أو الخوف الشديد تظهر فيهما لمعة قرمزية خاطفة أو عمق أسود غريب يربطها بـ "آراد".
كان ظهور الصورة غير مكتمل فاختفت الصورة، وكان المرأة التي في الصورة تشبهني كثيراً. شق صدري شعور غريب يراودني وتساقط من أصبع يدي دم أزرق لامع...
تركنا الجدار خلفنا لكنه لم يتركنا أبداً… قلت لهشام ويحيى ونعاس بتوتر: "هل أحد منكم رأى شيئاً على الجدار؟ لأني رأيت صورة ممحياً فيها شخصان، ولكن يوجد امرأة تشبه آراد كثيراً في الصورة..."
ساد صمت قصير.
هشام هز رأسه: "مفيش أي صورة هنا."
اقتربتُ من الجدار مرة أخرى، ومررت يدي عليه... نفس البرودة الفارغة.
وفجأة... شعرت بوخز خفيف في أصبعي.
سحبت يدي بسرعة. قطرة دم صغيرة سقطت على الجدار.
لكن الغريب... الدم لم ينزل للأسفل. بل بدأ يتحرك على الجدار كأنه حي.
تجمد الجميع.
نعاس همس: "ده... مش دم عادي."
القطرة بدأت ترسم نفسها وحدها على شكل علامة بسيطة.
هشام اقترب: "إيه ده...؟"
لكن نعاس كان ينظر للرمز وكأنه تذكر شيئاً فجأة. بصوت منخفض قال: "دي علامة... من عالم الدم القرمزي."
نظرتُ له بسرعة: "يعني إيه؟"
رفع عينه لي وقال بوضوح لأول مرة: "يعني الصورة كانت ختماً... مش ذكرى."
ثم أشار للرمز الدموي على الجدار: "والعلامة دي مش عشوائية... دي بتدل على مكان العائلة الأصلية."
صمت لحظة، ثم أكمل: "أي حد يشوف العلامة دي... يقدر يوصل لجذر الدم."
توقفت أنفاسي. نظرتُ للرمز مرة أخرى. ولأول مرة... ما حسيتش بالخوف. حسيت إن في طريق قدامي. قلت بهدوء: "يعني نبدأ من هنا..."
هز نعاس رأسه: "أيوة دي أول خيط."
قال هشام له بتردد: "ما هذا الختم؟"
— "هذا الختم علامة من عالم الدم القرمزي سوف يساعدنا في معرفة أهل ياسين الأصليين.."
— "هذا أول أمل لدينا…"
قلتُ وأنا ألتقط أنفاسي بنبرة سوداوية: "إذاً المرأة التي في الصورة هي أمي، ولكني لم أتذكر أني رأيتها من قبل."
سكتت الكلمة الأخيرة في صوتي… لكن الجدار لم يسكت، بدأ يهتز مرة أخرى… كأنه "يتذكر إني فهمت جزءاً من الحقيقة."
وفجأة… الصورة اللي شفتها أنا فقط على الجدار بدأت تظهر أمام عيني. مش كاملة لكن أوضح من الأول.
المرأة… نفس الملامح. نفس النظرة الهادئة اللي فيها حزن قديم…
لكن المرة دي مفيش شك. في حاجة بتصرخ جوايا: أنا شفتها قبل كده… مش في حلم… في حقيقة.
مشهد صغير بدأ يكبر في دماغي: دار أيتام… ممر طويل، ست ساكنة واقفة بتبص في الأرض… إيدها متشابكة كأنها شايلة هم أكبر منها.
عيوني اتسعت شوية… وبصوت منخفض جداً قلت: "هي… الست اللي في دار الأيتام…"
هشام بص لي بسرعة: "إنت بتقول إيه؟"
ماردتش، كنت أحاول أربط الأجزاء ببعض، وبعدين قلت: "هي مش مجرد خادمة اللي في دار الأيتام، التي ذات عيون حمراوين.."
سكتُ لحظة…
"هي جزء من المكان… من اللي حصل لكلنا."
نعاس اقترب خطوة: "أنت تقصد إيه؟"
بدأت أتكلم كأني بركب لغز: "دار الأيتام مكان مش طبيعي، اللي بيربونا هناك مش بيربونا عشان نعيش، في حاجة بتحصل للأطفال هناك."
هشام بص لي بقلق: "زي إيه؟"
رفعت عيني ببطء وقلت: "تجميع."
سكت الجميع. الكلمة كانت بسيطة… لكنها ثقيلة.
كملت: "أنا مش أول طفل… ولا مازن كان الوحيد، في حاجة في دار الأيتام… بتجمع الأطفال اللي ليهم نفس النوع من الدم."
همس نعاس: "الدم القرمزي…"
أشرت للجدار: "والست اللي شفتها، هي مش خادمة عادية، هي شاهد أو جزء من العملية، وممكن تكون المفتاح اللي يربط دار الأيتام بآراد وعمرو."
هشام شد نفس: "يعني دار الأيتام مش بداية حياتك…"
— "دي بوابة لحاجة أكبر.."
الجدار سكت فجأة… لكن قبل ما تختفي الرسمة… ظهر سطر صغير جداً مكتوب بالدم:
"من عرف الخادم… عرف الجذر."
والمرة دي مافيش رجوع للشك. في طريق بدأ يتفتح أمامنا.
عندما انفتح الشق داخل الجدار… لم نسقط في الفراغ… بل سقطنا في الزمن نفسه، وفجأة… رجعنا مكاناً أعرفه جيداً: دار الأيتام. لكنها كانت مختلفة بشكل غير طبيعي ولا يوجد أي صوت بشر.
في الداخل… كانت هي. نفس المرأة. نفس الحزن القديم. لكن هذه المرة… لم تكن الخادمة. بل كانت تقف في منتصف الممر كأنها تنتظرنا منذ زمن.
وقفنا نحن الأربعة؛ أنا ويحيى وهشام وناعس الطائر، كنا غير مرئيين… وقفنا في الممر… رأينا آراد والمرأة الخادمة وطفلين (أنا ومازن، عمري سنتان وعمر مازن لسه مولود)…
قال آراد: "لازم واحد يفضل، والثاني لازم يروح."
انهمرت الخادمة في الدموع ثم قالت: "دول أولادي مش رايحين في حتة يا آراد…"
أخذ آراد منها ياسين ذو العامين بالقوة…
قال لها آراد: "مازن سوف نضعه على باب دار الأيتام حد يجي يأخذه ونخلص منه، أما ياسين سوف تأتي امرأة ثانية تأخذه وتعطيني مالاً مقابله، أما أنتِ فسوف تفضلين خادمة عندي يا 'حنان'."
أخذت الخادمة حنان —أو أمي— الطفلين وتشدهما من يد آراد بالقوة، لكنه قال لها: "لن تأخذيهم مني ولن تعرفي شكلهم أو أي حاجة عنهم للأبد، هتنسيهم…"
ثم دفعها آراد بقوة أسقطتها على الأرض، وقعت على الأرض وقالت قبل أن تغمض عينيها: "نحن لن نتفرق يا أولادي عن بعضنا البعض، لكننا سوف نتقابل يوماً ما، نحن تم تفريقنا من بعض فقط."
وقفتُ، مش قادر أتكلم. المعلومة مش مجرد صدمة، دي تحول داخلي كامل. وفي لحظة واحدة: "الانتقام" اتولد جوايا بدل الطفولة…
فجأة… العالم اهتز. صوت ضخم ظهر من كل الاتجاهات:
— "تم كسر قانون الأصل."
الهواء البارد تحول إلى أنفاس خانقة، والظلال الأسود انقشع ليظهر من خلاله كيانان يهتز لهما جدار المكان: ناهب بجسده الضخم المرعب الذي يفوح منه الموت، وعسراء بهيبتها المظلمة وعينيها التي كانت تشع شراً... لكن هذه المرة، كان هناك شيء مختلف في عينيها. نظرتها لم تكن موجهة إلينا، بل كانت تتطلع إلى الفراغ، كأن صدى كلمات أمي "نحن تم تفريقنا لكننا سوف نتقابل" أيقظ فيها لعنة أخرى.
تقدم ناهب بخطوات ثقيلة هزت الممر، وصاح بصوت يشبه كشط الحديد:
— "لقد كسرتم القانون.. رأيتم ما لم يكن يجب أن يُرى، والأصل الذي دُفن لا يجب أن يخرج!"
يحيى استل خنجره في لمح البصر، ووقف أمامي بجسده الحمش كحائط صد، بينما هشام تراجع خطوة للخلف وعيناه تلمعان بذكائه الثعلبي يراقب الموقف. الطائر نعاس حلق في سقف الممر مهدداً.
لكن قبل أن يتحرك ناهب ليمزقنا، وقفت عسراء فجأة أمامه، ورفعت يدها لتمنعه. التفت إليها ناهب بغضب:
— "ماذا تفعلين يا عسراء؟ آراد والمنظمة ينتظرون دماءهم!"
ساد صمت مرعب، ولمعت دموع سوداء غريبة في عيني عسراء، وقالت بصوت متهدج يحمل ندم السنين:
— "كفى... كفى تدميراً للعائلات. كفى خيانة."
ثم التفتت ببطء ونظرت إلينا، لكنها لم تكن ترانا نحن، كانت ترى من خلالنا قصة أخرى... قصة عاصم. همست بصوت باكٍ هز جدران دار الأيتام:
— "لقد خانتني قوتي حين خنته... عاصم أحبني، ضحى بكل شيء، تحمل لعنة الساحرة وجبروت آراد لأجلي، وأنا... أنا بعته للمنظمة ولم أحبه كما أحبني. عشت السنين كأداة للشر بينما هو يتعذب بسحر الساحرة."
ناهب صرخ فيها بجنون:
— "لقد جُننتِ! ستدفعين الثمن لـ زيراكول وآراد!"
عسراء التفتت لناهب، واشتعلت النيران السوداء في يدها، وقالت وهي تنظر لياسين:
— "اذهبوا من هنا.. خذوا طريقكم للانتقام. أنا سأكفر عن ذنبي هنا، حتى لو كان الثمن حياتي!"
انفجرت النيران السوداء من كفيّ عسراء لتدفع ناهب بعيداً، وتصنع جداراً من اللهب يفصل بيننا وبين ذلك المسخ الضخم. التفتت إلينا وعيناها تشعان بندم تائه منذ سنوات، وصاحت بصوت هز الممر المنهار:
— "امشوا من هنا! الشق بيقفل.. لو البوابة دي اتقفلت عليكم هتموتوا في زاوية الزمن!"
لم ننتظر ثانية واحدة. يحيى جذبني من قميصي بقوته الغاشمة وهو يصرخ: "ياسين! فوق! يلا بينا!"، بينما هشام كان يركض بالفعل وعيناه مثبتتان على مخرج الشق الذي بدأ يضيق ويتآكل مثل ورقة تحترق. الطائر نعاس كان يطير فوق رؤوسنا كأنه يمهد لنا الطريق وسط الغبار والظلام.
ومن خلفنا، كان الجحيم قد بدأ...
ناهب أطلق زئيراً مرعباً، واندفع بجسده الضخم مخترقاً جدار اللهب، ومخالبه الحادة تمزق الهواء. ضربته الأولى أصابت كتف عسراء، ليتدفق منها دم أسود غريب، لكنها لم تتراجع. صرخت بألم، وفي نفس الوقت التفتت حوله كأفعى من الظلال، وثبتت يديها على رأسه وهي تبكي وتقول بصراخ يسمعه الملجأ كله:
— "أنا آسفة يا عاصم! أنا جاية لك.. مش هسيبهم يدمروا حد تاني!"
الشرر كان يتطاير، والجدران تتشقق وتنهار فوقهما، وعسراء كانت تستهلك كل طاقة السحر الأسود اللي جواها عشان تلجم قوة ناهب الغاشمة وتمنعه من إنه يوصل لنا. كانت معركة انتحارية؛ عسراء مش بتحارب عشان تعيش، عسراء بتحارب عشان تموت وهي حاسة إنها عملت حاجة صح لشخص ضحى بكل حياته عشانها.
وصلنا لفتحة الشق، يحيى قفز أولاً، ثم دفعني خلفه، ولحق بنا هشام والطائر نعاس في آخر جزء من الثانية قبل أن ينطبق الجدار تماماً بصوت أشبه بضربة رعد صاعقة.
سقطنا الأربعة على أرضية عالم مصاص الدماء، نلهث، والغبار يملأ صدورنا. الجدار وراءنا عاد سليماً تماماً وكأن شيئاً لم يكن.. لكن في قلوبنا، كان كل شيء قد تغير.
وقفتُ على قدمي، مسحت الدموع والغبار عن وجهي، ونظرت ليحيى وهشام. الطفولة انتهت تماماً، والآن.. بدأت رحلة البحث عن عاصم، والوصول لرأس الأفعى: آراد.
الشق اللي ابتلع صراخ عسراء ونيرانها السوداء اختفى تماماً، ورجع الممر صامتاً، بارداً، ومستقيماً زي ما كان.
سقطنا إحنا الثلاثة على الأرض... أنا ويحيى وهشام، وناعس الطائر نزل فوق كتف يحيى وهو بينفض ريشه من رماد زمني مش بتاعنا.
كنا بنلهث... صدورنا مليانة بتراب الذكريات اللي اتهدمت جوه، وعيوننا لسه معلقة بالحيطة اللي رجعت سليمة، كأنها ما انفتحتش من شوية ووريتنا أبشع حقيقة ممكن إنسان يستوعبها.
يحيى كان ضامم إيده على مقبض خنجره لدرجة إن عروق إيده اسودّت، ونظراته حادة وعنيفة، باصص للأرض وساكت السكات اللي بيسبق العاصفة.
أما هشام... كان واقف بعيد، هادي بشكل غريب، بينفض الغبار عن هدومه وعينه بتلمع بذكاء مخيف، كأنه كان عارف نص الحكاية وجاي يكمل النص التاني هنا.
قمت وقفت على رجلي بالعافية. جوايا ماكنش فيه خوف... الخوف مات في اللحظة اللي شفت فيها آراد بيشدني من إيد أمي "حنان" وهي بتعيط وتترجاه.
الطفولة اللي كانت باقية جوايا اتبخرت مع دخان المعركة اللي دارت بين ناهب وعسراء. الندم اللي شفته في عيون عسراء وهي بتقول: "أنا آسفة يا عاصم"، والدم الأسود اللي سال منها وهي بتكفر عن خيانتها، زرع جوايا حاجة واحدة.
انطبق الجدار وراءنا بعنف، والشق اللي كان بيمثل بوابتنا للهروب من جحيم ناهب ونيران عسراء السوداء اختفى تماماً.
سقطنا إحنا الأربعة على الأرض... أنا ويحيى وهشام، وناعس الطائر نزل فوق كتف يحيى وهو بينفض ريشه بعنف.
الأرض كانت باردة، ولونها داكن كأنه شارب دم من سنين طويلة. السما فوقنا كانت عبارة عن سحاب قرمزي تقيل بيتحرك زي الأمواج، والشمس غايبة تماماً وسايبة وراها ضي أحمر باهت بيلون القصور السوداء العملاقة اللي بترتفع في الأفق. الهوا اللي داخل صدورنا كان تقيل بريحة الخلود والموت.
قمت وقفت على رجلي ببطء، وحسيت برعشة غريبة بتسري في كل إنش من جسمي. "قوة السكون" اللي جوايا انفجرت بشكل مش طبيعي.. عروقي تحت جلدي بدأت تلمع باللون الأحمر القرمزي، وجع خفيف ضرب فكي، ولما مشيت لساني على سناني... لقيت أنيابي بتطول وتبرز ببطء.
إحنا مش مجرد أيتام هربانين... إحنا رجعنا لأصلنا: عالم الدم القرمزي.
يحيى كان بيشد على مقبض خنجره وعيونه بتلمع ببريق مفترس، وبص لي بقلق:
— "ياسين... تفتكر عسراء ماتت بره؟ ناهب ضخم وجيش آراد ملوش آخر، وهي ضحت بنفسها عشاننا."
هشام ما ردش عليه، كان بيتحرك بخطوات واسعة وواثقة ناحية بوابات قصر أسود مهجور قريّب مننا، التفت لينا وعينه بتلمع بذكاء مخيف وسط الضي الأحمر وقال بنبرته الباردة:
— "عسراء مش هتموت يا يحيى.. ولا ناهب مات لما انقفل عليه الجدار. إحنا في أرض الأصل.. ومن عرف الخادم... عرف الجذر. تعالوا شوفوا آراد كان كاتب إيه هنا قبل ما ينفينا لدار الأيتام."
دخلنا وراه القصر، وجوه قاعة العرش القديمة، كان فيه جدارية محفورة بالدم، سطورها بتنطق باللعنة اللي مش بتموت:
"الشياطين التي تُوقع عهد الدم مع المنظمة لا تفنى.. ناهب الذي أعدمه جنودي بالسيف وقطعت رأسه زمان، وعسراء التي نزعتها من حضن عاصم بالقوة وحبست روحها.. كلهم طاقة سوداء ممتدة من زيراكول وإكوادور.. السيف يقطع اللحم، بس ما يلمسش الظل! طالما أنا والمنظمة نعيش.. فالشياطين لن تموت أبداً."
قريت السطور المحفورة وصوتي اتقطع في زوري. بصيت لهشام ويحيى، وناعس الطائر أطلق فحيحاً واطياً ومخيفاً.
عسراء ضحت بنفسها بره وهي بتصرخ "أنا آسفة يا عاصم"، ودمها الأسود سال.. بس هي مش هتموت، وناهب المشوه مش هيموت. الحرب دي مش سيف وخنجر بشر... الحرب دي لازم تنتهي بقطع رأس الأفعى الكبيرة اللي صنعت اللعنة دي كلها: أبويا آراد.
وقفت على رجلي، وأنيابي برزت تماماً مع لمعة عيوني الحمراء اللي شربت من طاقة عالم الدم، وقلت بصوت ناشف خالي من الرحمة:
— "إحنا مش هنفضل مستخبيين هنا.. عسراء بتدفع ثمن ندمها بره، وناهب مستنينا. اجهزوا... إحنا راجعين لدار الأيتام بقوة عالم الدم الكاملة، والحساب هيبدأ حالا!"
كنا لسه واقفين في ممر القصر الأسود جوه عالم الدم القرمزي. الهوا كان محمل بريحة الموت والخلود، وعروقنا المشتعلة باللون الأحمر بدأت تهدأ ببطء بعد ما عرفنا السر الملعون المحفور على الجدران؛ إن ناهب وعسراء طاقة سودا مش بتموت طالما آراد والمنظمة عايشين.
يحيى كان بيتحرك بقلق، وهو بيلمس نصل خنجره اللي بقيت طاقة الدم بتجري فيه، وبص لي وعيونه الحمراء لسه بتلمع:
— "ياسين... إحنا عرفنا السر. بس الخروج من هنا للممر فوق لازم يكون بحساب. عسراء بتموت بره، وناهب مستنينا."
هشام وقف ورايا، عدل ياقة قميصه ببرود، وبص للممر الطويل المظلم اللي جوه القصر وقال بصوت واطي:
— "الشق مش هيفتح لينا بره... غير لما نعدي الممر ده للأخر. فيه حاجة مستنيانا هناك."
الناعس الطائر أطلق فحيحاً واطياً ونزل على كتفي، وجسمه بدأ يرتعش كأنه حاسس بوجود طاقة تانية في المكان... طاقة مش شيطانية، بس مش بشرية برضه. طاقة هادية لدرجة تخنق.
بدأنا نمشي في ممر القصر الأسود. الضباب القرمزي كان كثيفاً وبيتحرك تحت رجلينا كأنه صاحي. وفجأة، وسط السكون المطبق ده، "قوة السكون" اللي جوة قلبي اتأثرت بشكل غريب... المرة دي ما انفجرتش كغضب، دي بدأت تهدأ وتركع كأنها لقت المكان أو الشخص اللي بيمثل السكون الحقيقي.
وقفت في مكاني. يحيى وهشام وقفوا ورايا وإيدهم على أسلحتهم. وسط الضباب، ومن بين العواميد الحجرية الضخمة، ظهر خيال بيتحرك ببطء وثبات.
كانت بنت شعرها أسود طويل ومرتب بشكل دقيق جداً نازل على كتافها، وبشرتها كانت شاحبة وبيضاء بشكل مرعب كأن الدم ما جريش في عروقها أبداً. ورغم إن جو عالم الدم كان حر وخانق، كانت لابسة معطف غامق واسع ومقفل لحد رقبتها.
قربت مننا خطواتها ماكنش ليها صوت على البلاط. ولما رفعت راسها وبصت لينا... شفت عيونها. عيون رمادية باهتة، بس حادة وذكية بشكل يخترق الروح، كأنها بتلاحظ أدق التفاصيل الصغيرة في لبسنا، وفي ملامحنا، وفي أنيابنا اللي لسه بارزة. ملامحها كانت جامدة... نادراً ما بتضحك، أو بالأصح عمرها ما ضحكت.
يحيى قدم خطوة بخنجره وقال بنبرة هجومية:
— "أنتِ مين؟ وإيه اللي جابك في قصر آراد؟"
البنت ما اتهزتش، ولا عيونها الرمادية رمشت حتى. بصت لينا إحنا الثلاثة، ونظرتها ثبتت عليا أنا بالذات كأنها عارفة كل حاجة عن طفولتي، وعن وطن المسكوت عنه اللي عشنا فيه.
اتكلمت أخيراً... وصوتها خرج هادي جداً وبجملة قصيرة ومحددة:
— "ليان فاليس. أنا هنا من قبلك."
هشام ضيق عيونه بذكاء وقال:
— "ليان؟ قصر آراد مقفول بسلالة الدم.. أنتِ مش بشرية."
ليان بصت لهشام، وبعدين رجعت عيونها الباهتة ليا، وقالت ببرود غريب وجملة مقتضبة:
— "البشرية فانية. أنا أرى الجذور."
في اللحظة دي، حسيت إن البنت دي مش مجرد عابرة في عالم الدم.. البنت دي وراها سر قدرة مرعبة تقدر تمحي بيها الذاكرة وتغير مجرى الحرب مع آراد بالكامل!
عمّ السكون المطبق للمرة الثانية، السكون اللي كان بيخلّي نبضات قلبي تهدأ بشكل غريب، كأن القوة اللي جوة قلبي لقت صاحبها الفعلي.
أخيراً، فتحت شفايفها وبدأ صوتها يطلع... ما كانش صوت عالي، بالعكس، كان هادي جداً، بارد وزي الهمس البطيء، بس كان بيرن في كل زاوية من زوايا القصر الخانق:
— "الأسلحة هنا مالهاش قيمة يا يحيى... قصر آراد مش بيفتح أبوابه للي جايين يحاربوا بالخناجر."
يحيى رجع خطوة لورا وعيونه اتسعت من الصدمة: "أنتِ عرفتي اسمي منين؟!"
التفتت البنت وبصت ليّ أنا مباشرة، وعيونها الرمادية اتلاقت مع عيوني. في اللحظة دي حسيت ببرودة شديدة بتخترق صدري رغم حرارة عالم الدم. وقالت بصوتها الهادي:
— "أنا اسمي ليان. وأنا مش غريبة عن المكان ده... أنا جزء من السكون اللي أنت بتدور عليه يا ياسين."
هشام قرب مني وهمس بصوت واطي وهو ماسك سلاحه بقوة: "ياسين، البنت دي مش طبيعية، خطواتها مالهاش أثر، وطاقتها غريبة... بلاش نثق فيها."
ليان سمعت همس هشام رغم البُعد، وظهرت على وشها ابتسامة خفيفة جداً، تكاد لا تُرى، وقالت:
— "الثقة في عالم الدم عملة نادرة... وبما إنكم وصلتم لهنا، فأنتم محتاجين لي أكتر ما أنا محتاجة لكم. قصر آراد مليان بالحقائق المدفونة، وأنا الوحيدة اللي معايا مفتاح البداية."
الظلال السوداء اللي كانت بتخنقنا من لحظات تراجعت فجأة، مش خوف مننا، لكن كأنها كانت بتهرب وتفسح الطريق لكيان أعظم وأرعب. انفتحت الأبواب الضخمة في نهاية الممر الطويل لوحدها بصوت صرير هز جدران المكان، لتكشف عن قاعة العرش.
دخلنا بخطوات مترددة. الجو جوة كان ثقيل جداً، الهوا نفسه كان حامض وخانق كأنه خطر بيملى الرئتين. في نهاية القاعة، كان فيه عرش مهيب مصنوع من عظام بيضاء وحجر أسود، ومحاط بتماثيل لمصاصي دماء قدامى، عيونهم الحمراء كانت بتلمع في الضلمة وتتحرك كأنها حية بتراقب كل نفس بنتنفسه.
على العرش ده، كان قاعد هو... رجل بهيبة تكسر القلوب، شعره فيه خصلات بيضاء، وعيونه قرمزية حادة بتشع طاقة مرعبة. إنه آراد.. سيد قصر الدم.
سمعت هشام وهو بيرجع خطوة لورا، سيفه كان بيرتعش في إيده من شدة الخوف، وهمس بصوت مخنوق: "ياسين.. ليان.. هو ده؟ ده آراد؟"
أما ليان، فلأول مرة أشوف الرعب في عيونها الرمادية، رجعت لورا وقالت ببطء: "سيد قصر الدم.. الكيان اللي بيتحكم في كل شبر هنا."
لكن أنا.. أنا ما كنتش سامعهم أصلاً. كنت واقف في مكاني كأن رجلي غرزت في بلاط القصر الأسود. نبضات قلبي اللي كانت بتدق بسرعة جنونية، فجأة بقت ضرباتها بطيئة، قوية، ومؤلمة.. كأن في سكاكين بتقطع في صدري. القوة الغامضة اللي جوة قلبي كانت بتصرخ، بس ما كانش صراخ رعب.. كان صراخ وجع، وشوق، واعتراف!
وقفت الأنفاس في صدري لما آراد قام من على عرشه. مع حركته، حسيت بالقصر كله بيتغير؛ الجدران بدأت تنزف مادة حمراء شبه الدم، وصوت همسات الحيطان بقى أعلى وأقوى. مشي خطوات بطيئة ناحيتنا، وعيونه القرمزية اتثبتت عليا أنا بالذات.
في اللحظة دي، الملامح المرعبة على وشه اختفت، وظهر مكانها حزن قديم وعميق جداً.. حزن أنا عارفه كويس. بص في عيوني، وصوته الرخيم هز جدران القاعة وروحي معاها لما قال: "لقد عدتَ أخيراً.. يا ولدي."
الكلمة دي نزلت عليا وعلى هشام زي الصاعقة. هشام صرخ بذهول وهو مش مستوعب: "ولده؟! ياسين.. الراجل ده بيقول إيه؟!"
دموعي نزلت من غير ما أقدر أتحكم فيها. الرعب اللي جوايا اتمحى تماماً، وحل مكانه وجع بيمزق قلبي حتة حتة. أنا عارف الوش ده.. شفته في كوابيس الطفولة، شفته في الأحلام اللي كنت بدور فيها على أمان ضايع. خطيت خطوة لقدام، وصوتي طلع مكسور ومبحوح: "بابا؟.. أنت؟ أنت الوحش اللي الكل بيخاف منه؟ أنت اللي حبست الأرواح هنا؟"
قرب مني أكتر، ومد إيده الشاحبة اللي بتنتهي بأظافر حادة، وحطها على كتفي. لمسته كانت دافية بعكس برودة المكان، دافية بحنان أبوي غريب، وقال بنبرة مليانة ألم: "هذا القصر هو سجني وسجنك يا ياسين.. 'ختم الدم الأول' مش مجرد لعنة، ده الرابط اللي بيجمعنا. عشان تعيش وتكبر، كان لازم أتحول للوحش ده وأبني المملكة دي من الدم.. عشان أحميك من اللي بره."
— "ياسين ما تصدقوش!" صرخ هشام بيأس وهو بيحاول يشدني من هدومي لورا: "ده مصاص دماء! ده كيان شرير بيحاول يخدعك عشان يفتح الختم ويقضي على العالم!"
وقفت ليان في النص، وعيونها بتتحرك برعب بيني وبين آراد، وقالت بصوت حاسم: "الوقت بيخلص يا ياسين.. لو استسلمت لمشاعرك، القصر ده هيبتلعنا كلنا. أبوك عارف إن وجودك هنا معناه إن واحد منكم لازم ينهي التاني عشان الختم يكتمل!"
كنت واقف في النص.. حرفياً في النص. بين أبويا اللي عشت حياتي كلها بتمناه وبكتشف إنه سيد الظلام، وبين صاحبي وأخويا هشام اللي خاطر بحياته وعايز يحميني وممكن يموت في أي لحظة.. بين مشاعري كابن، ومصير "عالم الدم القرمزي".
كنت واقف في النص.. عاجز تماماً. الأفكار في دماغي بتتحارب، وعيني بتتنقل بين هشام اللي شادد سيفه وبيصرخ فيّ عشان أرجع، وبين الراجل اللي واقف قدامي وعيونه القرمزية بتفيض حزناً.. الراجل اللي بيقول إنه أبويا. سيف هشام كان بيرتعش، وصوته كان مليان خوف عليا، بس أنا إيدي كانت ميتة، مش قادر حتى أمدها على سلاحي. أواجه مين؟ وأحارب مين؟ الوحش اللي العالم كله بيخاف منه طلع هو الأمان اللي كنت بدور عليه في طفولتي!
قبل ما أخد نفسي، وقبل ما أقدر أنطق بكلمة واحدة، حسيت بالأرض بتهتز تحت رجلينا.
الهزة ما كانتش طبيعية، كأن القصر نفسه بيصرخ. صوت صرير الحيطة بقى مرعب، والدم القرمزي اللي كان بيسيل على الجدران بدأ يغلي ويفور. همسات المكان المكتومة اتحولت لصرخات غضب مسموعة بترج القاعة كلها.
آراد لف وشه بسرعة ناحية الجدران، وملامحه الحزينة اتحولت فجأة لغضب عارم، لكن شفت في عيونه لمحة ذعر.. مش على نفسه، عليا أنا!
— "هو إيه اللي بيحصل?!" صرخ هشام وهو بيحاول يتوازن والتراب بينزل من السقف.
ليان رجعت لورا بسرعة وهي بتبص للعرش الأسود وقالت بصوت فزع لأول مرة أسمعه منها: "الختم! وجودك هنا يا ياسين نشّط لعنة 'ختم الدم الأول'.. القصر مش مستني قرارك، القصر عايز ياخد روحك عشان السحر يكتمل!"
وفجأة، انشقت الأرض الخشبية، وطلعت منها ظلال ضخمة، أضخم بكثير وأشرس من اللي واجهناها في الممرات. ظلال حمراء بلون الدم، مالهاش ملامح بشرية، وليها مخالب طويلة. الظلال دي ما كانتش بتسمع كلام آراد، كانت بتتحرك بحقد أعمى، واتجهت بسرعة جنونية ناحية هشام وليان عشان تمزقهم.
هشام صرخ ورفع سيفه يدافع عن نفسه، بس الظل زق السيف ورفعه في الهواء، وكان على وشك إنه ينهي حياته في ثانية.
— "هشام!!" صرخت بأعلى صوتي وحاولت أتحرك، بس رجلّي ما شالتنيش.
في اللحظة دي، شفت لقطة مش هنسى تفاصيلها طول عمري.. آراد، سيد الظلام ومصاص الدماء المرعب، اندفع بكل قوته وقف في النص بين الظلال وبين هشام وليان.
آراد فتح إيديه، وطلع من جسمه درع ضخم من الطاقة القرمزية النارية صدم الظلال ورجعها لورا. سمعت صوت زئير ألم طالع من صدر أبويا وهو بيقاوم سحر القصر.. الدرع كان بياكل من قوته، وجلده الشاحب بدأ يتحرق ويطلع منه دخان أسود كأنه بيضحي بنفسه!
التفت ليّ، وعيونه القرمزية كانت بتنور بآخر طاقة عنده، وبص لي بنظرة أب بيودع ابنه، وصرخ بصوت هز القصر كله:
— "اهرب يا ولدي!.. القصر لم يعد ملكي! اللعنة استيقظت، خذ أصحابك واهرب للأقبية.. هناك ستجد الحقيقة!"
— "بابا!! لا!!" صرخت ودموعي بتعمي عيني، حاولت أقرب منه وأمسك إيده، بس هو استخدم موجة طاقة خفيفة زقتني لورا ناحية هشام وليان عشان يبعدني عن الخطر.
ليان مسكتني من كتفي بقوة وشدتني، وصوتها كان بيهزني: "ياسين! أبوك بيحميك.. لو فضلت هنا تضحيته هتروح عالفاضي! لازم نمشي حالا!"
هشام، رغم صدمته ورعبه من آراد، مسك إيدي التانية وهو بيلهث: "ياسين.. يلا بينا! يلا يا صاحبي!"
بصيت نظرة أخيرة ورايا وأنا بتسحب من القاعة.. شفت أبويا، آراد، وهو بيغرق وسط الظلال الحمراء اللي بدأت تحاصره وتغطيه بالكامل، وصوت صرخته الحزينة كان بيرن في ودني وأحنا بنجري بأقصى سرعة في الممرات اللي بدأت تتغير وتنهار ورا خطوتنا.
إحنا واقفين في عتمة الأقبية السرية… الباب الحديدي الثقيل اتأفل ورانا، وصوت الصدى مرعب. لسه في دموع في عيني وصدمة تضحية أبويا (آراد) كاسرة قلبي، بس هشام ويحيى بيلهثوا جنبي ومستنيني أتصرف.. عقلِي كان عاجزاً عن استيعاب صدمة الفراق…
قلت وصوتي بيرتعش، باصص للأرض وضامم يدي بقهر:
— "آراد مبقاش موجود… أنا خسرت بابايا يا يحيى، سابني وراء ممرات القصر وضاع وسط الضلمة."
هزني هشام من كتفي بعنف وهو بيصرخ: "فوق معانا… إحنا محبوسين هنا أرجوك اتصرف!"
لم أرد عليه… أخرجت من جيبي كشافاً ذو شعاع ضئيل…
قلت لهم وأنا بمسح دمعتي الأخيرة بظهر يدي، وبعدل كشافي بإيدي الثانية بثبات: "اجمعوا نفسكم فوقوا معايا يا شباب! يلا بينا نمشي من الممرات ونشوف آخرتها إيه عشان نطلع من القصر ده، مفيش وقت!"
بس فجأة رجلي اتسمرت في الأرض كأنها اتصبت بخرسانة. ضوء الكشاف لف في زوايا الممر وهو بيتحرك على الوجوه… هشام… نعاس… يحيى… ليان…
وفجأة صرخت والوعي بيضرب في عقلي كالصاعقة: "فين مازن؟! مازن أخويا فين?!"
محدش رد عليا. الصمت المطبق رجع تاني. ونظراتهم اللي هربت في الأرض كانت هي الإجابة اللي قطعت شرايين قلبي. مازن مات!
أخويا الصغير… حتة مني ومن دمي.. مات في زحام الجري والمعركة وأنا مخدتش بالي، هو مات دفاعاً عني…
وقعت على ركبي وسط تراب الأقبية، والكشاف أفلت من إيدي ورمى ضوءه الضعيف على الجدار الحجري. كنت حاسس إن روحي هي اللي بتطلع مش روحه هو.. أنا طول الرحلة دي كان كل همي، وكل الغضب الأعمى اللي جوايا متوجه لـ آراد.. كنت عايز أقف قدامه وأنتقم منه على كل اللي عمله.. ودلوقتي؟ آراد مات وخلاص! مات وضاع وسط الظلال الحمراء ومبقاش موجود في الدنيا عشان حتى أشفى غليلي منه.. وبموته، انطفت نار انتقامي واتبدلت بوجع ملوش آخر..
والوجع الأكبر والذنب اللي هيخنقني ويلازمني لحد ما أموت.. هو مازن! أنا وعدته.. أنا أخوه الكبير! قطعت له وعداً غليظاً إننا هنفضل مع بعض، وإننا هنخرج من الجحيم ده سوا وإيدي في إيده.. وفي الآخر مات لوحده في الضلمة وأنا عيني كانت عميانة بالانتقام ومخدتش بالي منه ولا حلمت بصرخته! خسرت كل حاجة في لحظة واحدة.. انتقامي ضاع، وأخويا ضاع، ومبقاش باقيلى غير العتمة دي."
كبريائي العسكري وقوته اهتزت تماماً. تسمرت في مكاني وجفت الدماء في عروقي، فخانتني قدمي وهويت إلى الأرض تحت ثقل الصدمة. قعدت على أرضية الممر، وضامم ركبتي لصدري… الكشاف فضل مرمي جنبي على الأرض…
الصدمة خلتني في حالة إنكار، قعدت أهمس لنفسي: "لأ مازن عايش… مازن مستحيل يسيبني… أنا وعدته!"
كنت عايش على طاقة الغضب والانتقام من آراد، والطاقة دي هي اللي ممشياني. لما آراد مات والانتقام ضاع، ومازن كمان ضاع.. الغضب حولني لكتلة حزن صامتة وجلد للذات… حسيت بذنب رهيب لأني قصرت في حق أخويا الصغير عشان كان بيجري ورا سرابه.
قعد جنبي على الأرض هشام رغم رعبه وحضني بقوة. يحيى مسح دموعي وقال بصوت قوي: "يا ياسين، مازن مش خلاص بس إحنا لسه هنا… لو استسلمت دلوقتي اللعنة هتاكلنا كلنا وتضحية أبوك وأخوك هتروح على الفاضي!"
بعد دقايق من الدموع والصمت المطبق.. خدت نفس طويل ومتهدج، ومسحت دموعي بعنف… وقفت على رجلي… بس مش هبقى ياسين القديم. هبقى ياسين الجديد، نظراتي حادة. الحزن مالي قلبي بس جوايا إصرار مرعب إني أخرج من القصر ده عشان أخلد ذكرى أخويا مازن وأكشف الحقيقة الكاملة.
جرجرتُ أقدامي المرتعشة، والدموع لسه مغطية عيني ووجع موت أخويا مازن بيعصر قلبي عصراً. دفع يحيى الباب الخشبي المتآكل في آخر الممر، فطلع صوت صرير حاد كأنه صرخة جاية من قاع الماضي. دخلنا الأوضة.. كانت ريحتها تراب وكتب قديمة غامضة.
رفعت كشافي بضعف، وبدأت أوجه النور على الحيطان.. وفجأة، شُلت حركتي تماماً، والصدمة الثانية ضربت صدري وخلتني أنسى إزاي أتنفس! الوجع مالحقش يبرد عشان ييجي مكانه ذهول يوجع أكتر!
على الجدار الحجري، كان فيه لوحة ضخمة مرسومة برموز عالم الدم القرمزي، وتحتها مخطوطات جلدية قديمة. ثبتُّ نور الكشاف المرتعش على الأسامي والروابط المكتوبة بحبر باهت.. وبدأت أقرا والكلمات واقفة في زوري:
التفتُّ ورايا وبصيت لهشام ويحيى وأنا مش مصدق عيني.. صرخت فيهم وصوتي بيرن في سكون الأوضة الخانق:
— "هشام!.. يحيى!.. شوفوا الجدار كاتب إيه! إحنا روابطنا بآراد والقصر ده مكتوبة من زمان بدم أهالينا.. هشام! المخطوطة هنا كاشفة كل حاجة.. أبوك الحقيقي هو (عمرو)! عمرو اللي عذبني في طفولتي عشان يصحّي الظل في دمي، كان بينفذ أوامر آراد الأعظم! أنت ابن الخادم الوفي لآراد يا هشام!"
هشام تراجع خطوة لورا وظهره لمس الحيطة وعيونه متسعة من الرعب وهو شايف حقيقة أبوه عمرو مكتوبة قدامه، والتفتُّ ليحيى وكملت وأنا بنهج:
— "ويحيى.. أهلك هما اللي ورثوا طاقة السحر القرمزي والخطوط اللي على جسمك.. أهلك هما اللي وثقوا التاريخ ده في (مكتبة العروش المحرمة) عشان نصلح اللعنة دي بروحنا!"
في اللحظة دي، تقدمت ليان بخطواتها الباردة، وعيونها الرمادية كانت ثابتة علينا وماتهزتش، وقالت بصوتها الهادي اللي زي الهمس بس هز الأوضة كلها:
— "أخيراً انفتحت العيون وعرفتوا الجذر.. آراد مات خلاص، بس اللعنة والعهد اللي بين أهاليكم لسه عايش في دمكم ومستنيكم تكملوا السكة.. يا إما اللعنة هتاكلكم كلكم."
لم ألتفت… سحبت عيني بالقوة عن الجدار الملعون واندفعت خلف يحيى كالمجنون نحو الفتحة الحجرية!
كانت أنفاسي تتسابق مع خطواتي المتعجلة، ومع أول خطوة لي داخل دهليز الممر الضيق، شعرتُ ببرودة الصخر تلف جسدي كالقبر، وابتلعتنا العتمة في ثانية واحدة ولم يعد يُسمع في السرداب سوى وقع أقدامنا الراكضة وصوت دقات قلبي التي تكاد تقفز من صدري!
فجأة، ومن غير أي إنذار، ثبت نور كشاف هشام المرتعش على حفرة ضخمة في جدار السرداب.. ومن عمق الظلام اللي فيها، اندفع "شيء".
كان مخلوقاً بشعاً، كأنه كابوس متجسد؛ جلده شاحب وعريان، مليان جروح وأطراف غريبة مدببة كأنها "أظافر" عملاقة، ووشه.. ووشه كان عبارة عن فجوة مرعبة مفيهاش ملامح، بس مليانة صفوف من الأسنان المدببة اللي بتلمع في النور.
صرخة هشام انقطعت في زوره لما "المخلوق" قفز بسرعة البرق، وأطرافه المدببة غرست في كتف هشام، وسحبه بقوة عمياء لداخل الحفرة المظلمة!
— "هشام!" صرخت، وفي اللحظة دي، حسيت بالظل اللي في دمي بيفور، كأنه كان مستني اللحظة دي. ومن غير تفكير، الظلال بدأت تتدفق من إيدي، اتشكلت كأنها "جذور" أسود من الليل، واندفعت خلف هشام لداخل الحفرة.
الظلال اتشابكت مع أطراف المخلوق، سمعت صوت "صرخة" صامتة بس حسيتها في دماغي، وبدأت الظلال تسحب هشام لبره بقوة "آراد" اللي في دمي.
رجعت هشام للدهليز، وهو بينهج وكتفه بينزف، والمخلوق تراجع خطوة للوراء، و"فجوة فمه" انفتحت على آخرها، وصوت همس جماعي مرعب طلع منها…
— "هات إيدك يا هشام، قوم!" صرخت وأنا بسحب هشام من الأرض وهو بيترنح من الصدمة والوجع.
المخلوق البشع أطلق زئيراً خافتاً تردد في الممر الضيق، وبدأت أظافره الطويلة تخدش الصخر بقوة، كأنه بيتهيأ لهجوم تاني. يحيى ما استناش، اندفع قدامنا وهو بيصرخ: "ما تبصوش وراكم! كملوا!"
بدأنا نجري بكل اللي فينا، صوت أنفاسنا كان هو الصوت الوحيد اللي بيخترق السكون الموحش. الكشافات كانت بتهتز في إيدينا، وكل ما نمر بجنب حيطة، كنت بشوف "الرموز" بتنور وتطفي كأنها بتراقبنا.
— "أنا سامع دوشة ورايا!" هشام صرخ بصوت متقطع، ومن غير ما نلتفت، سمعنا صوت "تكسير" للصخور ورا خطواتنا مباشرة، وكأن السرداب نفسه بيطاردنا عشان يبلعنا.
اتجهنا ناحية مخرج الدهليز، وضوء خافت بدأ يلوح في الأفق.. ضوء القمر اللي جاي من فتحة في السقف. رمينا نفسنا بكل ثقلنا نحو الفتحة، وكنت حاسس بأطراف المخلوق "بتلمس" كعوب رجلينا في اللحظة الأخيرة.. وقعنا كلنا بره الممر، ووصلنا لساحة القصر المهجورة، والدهليز قفل ورايا بضجيج أرعب المكان كله..
قعدنا على الأرض، كل واحد فينا بينهج، والدم بيغطي هدوم هشام.. والسكوت اللي ساد المكان بعد كده كان أخطر وأرعب من أي صوت سمعناه جوه السرداب.
بصيت لهم، ولقيت يحيى بيترعش والخطوط اللي على جسمه بدأت تهدأ، ولقيت هشام باصص لإيده اللي كانت لسه بتنزف، وبيتمتم بصوت مخنوق: "أبويا عمرو.. كان بيطاردنا؟"
في اللحظة دي بس، أدركت إننا هربنا من "الوحش".. بس لسه ما هربناش من "الحقيقة".
فجأة، انطفأت كل الأنوار المتبقية في المكان، وساد صمت خانق قبل أن تخرج أشباح داكنة من بين شقوق الأرض، وتلتف حولنا كجيش من الكوابيس الجائعة التي لا ترحم.
في لمح البصر، وبينما كان الغبار يغطي الساحة، تلاشت أصوات هشام ويحيى وكأن الأرض انشقت وابتلعتهما، تاركاً إياي مع ليان وسط ضباب كثيف.
الكيانات دي ما كانتش بتهاجم، كانت بتراقب.. وكأنها بتنتظر إشارة من الظلام اللي في دمي. الهواء كان مشحوناً بطاقة سوداء بتخلي الجلد يقشعر.
— "ياسين، ما تحاولش تحاربهم بقوتهم!" صوت ليان كان حازماً، لكنه كان قريب مني أكتر من اللازم. لفيت وشي ليها، كانت واقفة جنبي، وشعرها الأسود كان بيلمع تحت ضوء القمر الشاحب، وعيونها الرمادية كانت بتقرأ حركاتي قبل ما أعملها. "الظلال دي جزء منك، لو حاربتها بتموت جزء من روحك.. لازم تروضها."
بصيت للكيانات، وبعدين بصيت لإيدي اللي كانت بتنبض بالدخان الأسود. حسيت بلمسة إيد ليان على كتفي، كانت إيدها دافية بشكل غير متوقع، وكأن الحرارة اللي فيها قدرت تلطف "الجليد" اللي كان بيسري في عروقي بسبب اللعنة. للحظة، العالم كله اختفى، ما بقاش فيه وحوش ولا قصر مهدوم.. كان فيه بس نظرة عينيها اللي كانت بتقولي: أنا واثقة فيك.
— "لو أنا جزء منهم، يبقى أنا اللي بآمرهم، مش هما اللي بيأمروني،" قلتها بصوت هادي، وبدأت أركز كل طاقتي مش في "الخوف" من الظلال، لكن في "السيطرة" عليها. الكيانات بدأت تقرب، زمجرتها كانت بتزلزل الأرض. رفعت إيدي، والظلال اللي كانت بتفور في دمي اتسحبت في مسار واحد، شكلت خنجراً من ضباب أسود. وقفت قدام ليان، كأني درعها الوحيد.
— "خليكي ورايا،" قلتها وأنا عيني في عين الكيان اللي في المقدمة. ردت بهمس، كانت نبرتها فيها إعجاب ممزوج بخوف: "أنت أقوى مما كنت متخيلة يا ياسين.. بس خلي بالك، الظل اللي بتروضه النهاردة، ممكن يطالب بتمنه بكره."
ابتسمت لها ابتسامة باهتة، كانت أول مرة أحس فيها إني "إنسان" وسط الجحيم ده، مش مجرد ضحية للعنة. هجمت على الكيانات، والمرة دي.. الظلال كانت بتسمع كلامي أنا.
الكيانات كانت بتتحرك في حلقة محكمة حوالينا، وكل ما كنت ببعد واحد فيهم بخنجر الظل، كان بيظهر اتنين مكانه. حسيت بقبضة ليان على كُم قميصي بتشتد، وبدأت أسمع أنفاسها المتسارعة.. كان التعب بدأ ينال منها.
وفجأة، اخترق سكون الليل صوت يحيى وهو بيصرخ: "ياسين! مش لوحدك!"
لمحت بطرف عيني يحيى وهو بيجري ناحيتنا، وفي إيده المخطوطة اللي كانت بتطلع وهجاً أزرقاً خافتاً.. "ده الوقت!" صرخ يحيى وهو بيفتح المخطوطة وبيقرا منها كلمات بلغة قديمة، اللغة اللي كانت بتهز أركان المكان. في نفس اللحظة، هشام -رغم وجع كتفه وجرحه- ظهر من الجانب التاني، ماسك قطعة من حجر القصر المكسور، ووجهها ناحية الأرض المحفورة بالدم. "أنا مش هسيب الظل ده يبتلعنا!" صرخ هشام، وضرب الحجر في قلب الرموز المشعة على الأرض.
الصدى اللي حصل كان زلزالاً! طاقة انفجرت من الأرض، وخلقت حاجزاً من نور أحمر فصلنا عن الكيانات. الظلال التي كانت تحيط بنا بدأت تتلاشى في الهواء كالدخان، وكأنها لم تكن سوى أوهام تبخرت أمام قوة الرموز، ليتساقط الصمت مجدداً فوق الساحة، مخلفاً ورائنا رفاقي يلهثون من التعب.
السكون اللي حل بعد اختفاء الكيانات كان أثقل من ضجيج المعركة. الأرض اللي كانت بتغلي بالطاقة بقت باردة وموحشة، وريح الليل بدأت تعزف لحناً كئيباً بين أنقاض القصر.
— "لازم نتحرك من هنا.. دلوقتي،" قال هشام وهو بيسند جسمه على حيطة مائلة، صوته كان مجهداً بس لسه فيه حدة.
يحيى كان بيلم أوراقه ومخطوطاته بإيد مرتعشة، وعيونه كانت بتدور في المكان بذهول وكأنه مش مصدق إننا خرجنا أحياء. أما ليان.. فكانت واقفة بعيد شوية، بتبص للسما، وشعرها الأسود بدأ يهدأ حركته مع هدوء الريح.
مشيت ناحيتهم، وكل خطوة كانت بتفكرني إن كل واحد فينا دفع تمن عشان نفضل واقفين. "لقيت مكان،" قلتها بصوت هادي، "كهوف الملح القديمة ورا التلة. بعيدة عن مسار دوريات الظل، وهتدينا فرصة نخبّي أثرنا."
بدأنا نمشي ببطء، خطواتنا كانت بتجر وراها إرهاق الساعات اللي فاتت. في الطريق، ماحدش فينا نطق بكلمة. مكنش فيه داعي للكلام؛ كل واحد فينا غارق في دوامة أفكاره، بيفكر في "مازن"، وفي "اللعنة" اللي بقينا جزء منها، وفي "العالم" اللي قفل أبوابه في وشنا.
لما وصلنا للكهف، كان المكان دافئاً بشكل غريب، وكأن الطبيعة نفسها بتحاول تحمينا. أشعلنا ناراً صغيرة، ونورها بدأ يرقص على جدران الصخر، راسم ظلالاً كانت في عيني بتتحرك كأنها كيانات تانية، بس للمرة الأولى.. ماكنتش خايف منها.
سندت ظهري للحيطة، وغمضت عيني، وحسيت بنسمة هوا باردة بتلمس وشي. ده الهدوء اللي كنت محتاجه، هدوء بيخليك تلملم شتات نفسك قبل ما تبدأ حرب هتغير مجرى العالم.
داخل كهف الملح، النار كانت بتطقطق بضعف. نعاس كان قاعد في الزاوية، عيونه الحادة بتراقبني كويس.
— "أنت لسه بتفكر فيه، صح؟" صوت نعاس كان أجش، كسر حاجز الصمت.
بصيت له وقولت بصوت تقيل: "مش مجرد تفكير يا نعاس.. أنا متأكد. مازن عايش."
نعاس ضحك ضحكة باردة وقام وقف، وليان واقفة جنبه، شعرها الأسود بيلمع كليل دامس تحت ضوء النار. "مازن مات يا ياسين! إحنا كلنا شوفنا اللحظة اللي مأمون غرس فيها خنجره في قلبه جوه مكتبة العروش المحرمة. أنا كنت هناك، أنا شفت النور بيطفي في عيونه!"
— "مازن مات كإنسان، أيوه.." رديت وصوتي بيتحشرج من الوجع والذكريات، "لكن مأمون وزيراكول ما بيسيبوش الجثث في حالها. هما استغلوه، سحبوا منه 'الشرارة' اللي كانت جواه، وربطوا روحه بالهاوية الحمراء عشان يفضلوا مخلدين. مازن بيتعذب في حالة لا هي موت ولا هي حياة، هما بيستخدموه كوقود لعرش زيراكول."
ليان اتدخلت، نبرتها كانت هادية بس فيها حزم: "لو كلامك صح يا ياسين، فإنت مش بس بتطلب حرباً، إنت بتطلب انتحاراً. زيراكول مش هيسيب 'البطارية' بتاعته، ومأمون اللي قتله هيكون أول واحد مستنينا."
— "عشان كده مش هنحاربهم لوحدنا،" قلتها وأنا بقوم وببص في عيونهم واحد واحد. "هندرب، هنبني قوتنا، وهنجبر 'النبلاء' إنهم يقفوا في صفنا. فيه عائلات وسط مجلس العروش بتكره حكم زيراكول، خايفين منه، ومستنيين شرارة عشان يتمردوا. إحنا هنكون الشرارة دي."
هشام، اللي كان لسه بيضمد جرحه، اعترض بغضب: "النبلاء دول خونة يا ياسين! مأمون نفسه واحد منهم أو تابع ليهم. إنت بتعرض علينا نتحالف مع 'وحوش' عشان ننتقم من 'وحش' أكبر؟ دي مش خطة، ده طريق للمقبرة!"
— "النبلاء هيساعدونا مش حباً فينا،" رديت بحدة، "لكن لأنهم محتاجين حد 'مجنون' كفاية إنه يقتحم الحصون اللي هما بيخافوا يقربوا منها. إحنا هنبقى السلاح اللي هما بيحركوه، ولما ييجوا يغدروا.. هنكون أقوى من إنهم يسيطروا علينا."
يحيى اتنهد وقال: "وإيه المطلوب؟"
— "المطلوب؟" بصيت للنار وهما بيترعشوا. "هندرب لحد ما نكسر حدود طاقتنا. نعاس، إنت أكتر واحد عارف مداخل ومخارج القصور وطريقة مأمون في القتال، هتكون مدربنا. وليان.. إنتِ اللي هتدخلينا في دوائر النبلاء."
ليان بصت لي، عيونها كان فيها نظرة خوف ممزوجة بإعجاب: "هتخلي العالم كله يحرقنا يا ياسين."
— "خليهم يحرقونا،" قلتها وأنا ببص لظلي اللي كان بيتموج على جدران الكهف، "مأمون أخد مني أخويا، ودلوقتي جه الوقت اللي آخد منه كل حاجة."
كان الكهف غرقان في صمت إلا من صوت تنفسنا المسموع وصوت احتكاك نصلنا بالصخر. كنت بحاول أنفذ حركة التفاف، لكن ليان صدتها بخفة، وقربت مني لدرجة إني قدرت أشم ريحة المطر والبرد اللي دايماً محاوطها.
تراجعت خطوة، وهي فضلت واقفة في مكانها، عيونها السوداء كانت بتتابع حركتي بدقة مخيفة، مش بتشوف فيها "خصم"، لكن بتشوف "ثغرة". وفجأة، نزلت سلاحها، وبصت للرموز اللي كنت راسمها على الأرض.
— "توزيعك للضغط غلط،" قالتها وهي بتقرب تاني، بس المرة دي ماكنتش بتهاجم. رفعت إيدها وعدلت ياقة قميصي اللي كان متبهدل من التدريب. حركتها كانت سريعة، بس إيدها اتأخرت ثانية زيادة على كتفي.
في اللحظة دي، نظراتنا اتقابلت. ماكنش فيه كلام، كان فيه بس صوت النار اللي بتطرقع في الخلفية. ليان شالت إيدها بسرعة ورجعت لورا، عيونها هربت لزاوية تانية في الكهف، كأنها بتداري حاجة مش عايزة تعترف بيها حتى لنفسها.
— "انت لسه مشتت..."
— "إنت لسه مشتت يا ياسين..."
انطلقت كلماتها برودة أشد من صقيع الكهف. نظرتُ إلى عينيها الرماديتين اللتين كادتا تخرقان جدار سكوني الداخلي. لم تكن المرة الأولى التي تلمس فيها ليان موضع الضعف في صدري، لكن هذه المرة كان الأمر مختلفاً؛ كان القرب يتجاوز التدريب ليلامس جراحاً لم تلتئم بعد.
سحبتُ نفسي خطوات إلى الخلف، وشعرتُ بدماء الظل تغلي تحت جلدي كأنها ترغب في التفجر:
— "أنا مش مشتت يا ليان.. أنا بس بقيت شايف النهايات قبل ما أبدأها. مازن مش مجرد ذكريات، مازن ثمن مدفوع بالكامل، وكل خطوة بنخطيها للنبلاء هي خطوة في قلب المذبحة اللي أعدها زيراكول ومأمون."
تدخل يحيى مسرعاً، وقد بدأت الخطوط القرمزية تلمع بثبات على ذراعيه بعد ساعات من ترويض طاقتها:
— "لو الحوار ده مش هيوصلنا لطريقة نكسر بيها دروع النبلاء قبل ما نوصل لمأمون، يبقى بنضيع وقتنا. المخطوطة اللي معايا فيها تعاويذ حجب دقيقة.. نقدر نعدي بيها من ثغرات القصر العتيق، بس محتاجين السكون بتاعك عشان يغطي على أثرنا السحري."
في تلك اللحظة، ررفس نعاس بجناحيه الأسودين العظيمين، وأطلق فحيحاً حاداً جعل الملح يترسب من سقف الكهف:
— "النبلاء لا يحترمون الخناجر، ولا الوعود الدامعة يا ياسين.. تحالف العروش في 'أركاديا النازفة' لا يفتح أبوابه إلا لمن يحمل 'ختم الدم الأول' علانية، أو يقطع رأس أحد الحراس الخمسة. لو عسراء سقطت في دار الأيتام كما تظنون، فإن ناهب الآن يجوب حدود السديم باحثاً عن بقايا أثرنا.. والوقت لم يعد في صالحنا!"
التفتَ هشام من زاويته المظلمة، ممسكاً بكتفه الضميد، وكانت عينيه تفيضان ببرود حاد مكتسب من خيانات الماضي وشعوره الدائم بالذنب:
— "ناهب مش هيجي لوحده. أبوي 'عمرو' والمنظمة وزعوا أدوارهم بالملي.. لو عاوزين نغدر بالنبلاء قبل ما يغدروا بينا، لازم نلعب بلعبة 'تفريغ الذكريات' اللي علمهالي مازن قبل ما يروح. أنا معايا تفاصيل شفرة الاستدعاء الخاصة بمكتبة العروش.. نقدر نسحب طاقة زيراكول من القصر، ونلوي بيها دراع مأمون!"
خطوتُ إلى منتصف الكهف، ورفعتُ كفي المتوهجة بضوء بنفسجي قاتم ينبض بقوة "السكون". تحولت الهالة المظلمة حولي إلى شفرة حادة قطعت الهواء بثبات:
— "الخطة اتغيرت. مش هنستنى النبلاء يجوا يقدموا شروطهم. ليان.. إنتِ هتفتحي البوابة الأثيرية لـ 'أركاديا'. هشام ويحيى هيغطوا على ظلي بالمخطوطات. أما أنا ونعاس.. هندخل عقر دار زيراكول مش عشان نترجى النبلاء.. هندخل عشان نعلن تحالف الدم القرمزي بالحديد والموت. واللي يقف في طريقنا، هيرجع لغبار الرماد!"
التقطت ليان خنجرها الأثيري بابتسامة باهتة لا تخلو من الخطورة، وقالت بصوت هادئ هز أركان الصخر:
— "إذاً.. اجهز يا ياسين. السكون اللي جواك هيتحول لزلزال.. والبوابة مفتوحة للجميع، بس الخروج منها.. مش هيكون ببلاش!"
انفتحت البوابة الأثيرية في قلب الكهف كشقٍّ جراحيّ في جسد الواقع، يتسرب منه ضياء قرمزي مظلم، ويثور حوله غبار الملح متراقصاً مع الرياح العاتية التي أحدثها الفتح. لم يعد هناك مجال للتردد؛ خطوتُ الخطوة الأولى وخلفي يحيى وهشام، بينما حلق نعاس بأجنحته العظيمة متجاوزاً إيانا ليصنع مجرى أمان وسط الفراغ الأثيري، وليان تسير بصلابة في المنتصف، عيناها الرماديتان ترصدان أي خلل في استقرار البوابة.
في لحظات معدودة، انطوت الأبعاد وسقطنا في ساحة "أركاديا النازفة".
المكان لم يكن مجرد مدينة، بل كان صرحاً من قصور منيفة مبنية من الجرانيت الأسود، تتصاعد منها أعمدة من الدخان القرمزي. السماء فوقنا كانت تشبه بحيرة من الدم الميت، والأجواء مشحونة بهيبة النبلاء القدامى. ما إن وطئت أقدامنا أرض الساحة حتى تجمعت ظلال حراس القصر، أطياف شاحبة مدججة بدروع عظمية وسيوف تنبض بسحر تحالف العروش.
تقدم أحد الحراس الضخام وهو يستل سيفه، وصوته يتردد كأنها أجساد تطحن تحت الحجارة:
— "من يجرؤ على تدنيس صحن أركاديا دون إذن من مجلس النبلاء؟"
لم أنتظر منه ليكمل، بل فجرتُ قوة "السكون" في دمي. هبطت برودة كاسحة على الساحة، تجمدت على أثرها دماء الحراس في عروقهم، وانطلقت الظلال من قبضتي كسيوف ممتدة اخترقت صدورهم بلمح البصر، محولة أجسادهم إلى غبار رمادي يتطاير في الهواء.
تراجع بقية الحراس بذعر، بينما وقف هشام بابتسامته الباردة وهو ينظر إلى الأبواب الضخمة لمجلس النبلاء:
— "دخول استعراضي يليق بـ 'الظل'.. دلوقتي النبلاء مش هيقدروا يتجاهلوا وجودنا."
انفتحت الأبواب العظيمة للمجلس القرمزي، وظهر من أقصى القاعة العرش المرصع بالأحجار السوداء، حيث يجلس "الكونت فاليريان"—أحد أعظم نبلاء الدم القرمزي وأشدهم كراهية لحكم زيراكول. كانت عيناه النارتان تتأملاننا ببرود مزيج من الذهول والريبة، وإلى جانبه يقف بضع كبار السحرة.
قال فاليريان بصوت يحمل هيبة العصور القديمة:
— "ياسين.. ابن آراد حامل 'ختم الدم الأول'. سمعنا عن دمار قصر أبيك، وظننا أنك صرت جثة تحت أنقاض زيا.. ما الذي يقودك إلى عرشنا؟"
تقدمتُ بثبات حتى أصبحتُ على بُعد خطوات قليلة من عرشه، وقوة السكون تحيط بي كعباءة من الصقيع، ورمقتُه بنظرة خالية من أي خوف:
— "جئتُ لأعرض عليك الصفقة الوحيدة التي ستبقيك حياً يا فاليريان. زيراكول ومأمون يقومان بتفريغ عقول البشر وأبناء السلالات ليصنعوا جيشاً لا يقهر، والرقاب التالية في قائمة المذبحة هي رقابكم أنتم.. نبلاء أركاديا."
ارتفعت الهمهمات في القاعة، واهتزت قلوب السحرة. أخرج يحيى المخطوطة القديمة ورفعها في الهواء لتشع بضوء رمادي حاد كشف عن الشفرات السرية لمنظمة "ياسيرون"، بينما أضاف هشام بنبرته الثعلبية:
— "نحن نملك الشفرة التي تكسر دروع قصر زيراكول وتكشف عروشهم، ونملك القوة لتدمير مأمون. كل ما نحتاجه منكم هو جيش النبلاء ليتولى فتح الجبهة الخارجية، بينما نتولى نحن قطع رأس الأفعى من الداخل."
نهض الكونت فاليريان من عرشه، وسرت في القاعة طاقة قرمزية كتمت الأنفاس. جالت عيناه بيني وبين ليان ونعاس، ثم قال بصوت كصارخ الرعد:
— "الشجاعة والجنون خطان متوازيان يا ابن آراد. إذا أردت دماء نبلاء أركاديا لتقاتل بجانبك، فعليك أن تثبت أن دماءك أقوى من لعنة زيراكول. القتال ضد قوات مأمون يبدأ الليلة عند 'بوابة الرماد'.. إن استطعت فتحها وصنع ثغرة في جيش الظلال، فستكون كل سيوف أركاديا تحت إمرتك!"
التفتُّ إلى يحيى وهشام وليان، ورأيت في عيونهم نفس البريق القاتل؛ لم يعد هناك مكان للتردد، ولا ملجأ للخوف.
قلت بصوت هز أركان المجلس:
— "أعدّوا سيوفكم إذاً.. فالليلة لن تُفتح بوابة الرماد فحسب، بل سيبدأ أول فصل في انهيار عرش زيراكول!"
خرجنا من مجلس النبلاء والرياح القرمزية تعصف بساحات "أركاديا النازفة"، تجرّ وراءها رذاذاً كأنه قطرات دم متبخرة. لم يكن هناك متسع للنوم أو التقاط الأنفاس، فالليلة هي الحد الفاصل بين أن نكون قادة لمأساة جديدة، أو الساطور الذي يقطع عنق المنظمة.
اتجهنا فوراً نحو "بوابة الرماد"؛ المعبر الوحيد المفصلي الذي يربط بين أراضي النبلاء وحصون زيراكول المظلمة. كانت البوابة عبارة عن هيكل أسطوري ضخم منحوت من عظام الكيانات القديمة، ومغلقة بسحر أسود يتلألأ بشرار قرمزي كأنه جمر يتنفس. وعلى أسوارها المعلقة، كان يتجمع جيش الظلال الخاص بمأمون وزيراكول—أطياف بلا وجوه، مدججة بدروع عظمية وسلسلة لا تنتهي من الكيانات المسخ.
وقفنا على بعد خطوات من الهيكل. يحيى عن يميني، قابضاً على خنجره والأشكال الرمادية على ذراعيه تتوهج وتتلوى كأفاعٍ حية. وهشام عن يساري، يراقب ثغرات الجدار بعينين باردتين كأنه يحسب احتمالات الموت. وليان خلفنا، معطفها الغامق يتحرك بحرية مع هبوب الريح الباردة، وعيونها الرمادية ترصد مسارات الطاقة في الهواء. أما ناعس، فكان يحلق في الأفق العالي كشبح من الريش الأسود والوهج الأزرق الداكن.
همس يحيى ونظره مثبت على الكيانات المرابطة فوق الأسوار:
— "البوابة دي مش متفعلة بسحر عادي يا ياسين.. دي مجرد الاقتراب منها بياكل من الروح. المخطوطة بتقول إن عشان تتفتح، لازم طاقة 'سكون' تتصادم مع طاقة العرش في نقطة المنتصف."
خطوتُ خطوة للأمام، وشعرت برودة "السكون" تتفجر من أعماق دمي. تحول الهواء حول قدميّ إلى صقيع ناصع، وانطفأت قطرات الدم المتطايرة في الهواء لتتحول إلى حبيبات ثلج كريستالية.
قلت بصوت ناشف، ونبرتي تحمل برود القبر:
— "إحنا مش جايين نفك السحر ببطء يا يحيى.. إحنا جايين نكسر البوابة على رؤوسهم."
وفجأة! تعالت صرخات هائجة من فوق الأسوار. انشق الضباب الأسود، ونزل من أعلى البوابة كيان ضخم يرتدي درعاً مشوهاً، يمسك بيده مطرقة ثقيلة ينبعث منها وميض خرسانة بنفسجية بتغلي.. كان أحد حراس زيراكول المقربين، وجنوده من أطياف الظل اندفعوا خلفه كالسيول الجارفة!
— "اليوم!" صرخ الحارس بصوت يزلزل الصخر: "ستسيل دماؤكم عند أقدام العرش!"
اندفع يحيى كالصاعقة، وفجر درعاً من الغبار الرمادي صد به الضربات الأولى للأطياف، بينما صعد هشام على صخرة مرتفعة وأخرج خنجراً مسموماً بطاقة السحر الممحاة، ينقض به على ثغرات الحراس بمهارة قاتلة. وفي السماء، هبط ناعس كالمطر الأسود، يمزق بأجنحته العظيمة صفوف الأطياف ويصنع فوضى عارمة في قلب جيشهم.
ليان تقدمت بجانبي بخطوات منتظمة، رفعت يدها الشاحبة وشكّلت خطوطاً أثيرية من الضوء الرمادي الدافئ، وجهتها نحو الحارس الضخم لتبطئ حركته المدمّرة، ثم التفتت إليّ وقالت بهدوء يخترق ضجيج المعركة:
— "النقطة الميتة في منتصف البوابة يا ياسين.. اغرس طاقتك الآن!"
لم أتردد. جمعت كل وجع الماضي، وكل غضب الفقد على مازن وآراد، وصهرته في قبضة واحدة من طاقة "السكون". انطلقتُ نحو منتصف البوابة كالسهم المارق، متجاوزاً أسلحة الظلال التي كانت تخترق القريب مني، ودفعت بقبضتي في عمق الختم المشتعل!
تصادمت القوتان!
انفجار هائل من الضوء البنفسجي والصقيع الأبيض أعمى الأبصار وزلزل أركان السديم بالكامل. تشققت العظام الأسطورية للبوابة، وصدر صوت انكسار مدوٍّ كأن الواقع نفسه يتمزق. تراجعت أطياف زيراكول وهي تتسامى إلى رماد، وان فتحت "بوابة الرماد" على وسعها، كاشفة عن الطريق المباشر نحو المعقل الأخير للمنظمة!
من على بعد، أطلقت بوق حرب أركاديا أصواتاً جهرية هزت الجبال. كان الكونت فاليريان وجيش النبلاء يراقبون المشهد من الأعالي؛ وما إن رأوا انكسار البوابة، حتى اندفعت فرسان النبلاء بسيوفهم المشتعلة بالدم القرمزي كالسيول ونزلوا الساحة ليتولوا مسح بقايا حراس الظل.
وقفنا جميعاً وسط الغبار المتصاعد والرماد المتطاير. التفتُّ إلى يحيى وهشام وليان، وناعس يرفرف بجناحيةفوق رؤوسنا.
أنيابي كانت بارزة، وعيوني تشع ببريق قرمزي وبنفسجي حاد. مسحت قطرة دم سالت من جبهتي، ونظرت نحو القصر الضخم المظلم الذي يلوح في الأفق الخارجي خلف البوابة.. قصر زيراكول ومأمون.
قلت بصوت هز السكون المحيط بنا:
— "البوابة اتفتحت.. واللعبة انتهت. دلوقتي.. جه دور رأس الأفعى!"
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!