الفصل الرابع عشر:
الفصل١٤:
كانت مينا في طريقها إلى عملها، تسير بخطوات هادئة بينما تتزاحم الأفكار في رأسها. فجأة اهتز هاتفها معلناً عن مكالمة واردة.
أخرجته بلا اهتمام، لكنها ما إن سمعت الصوت القادم من الطرف الآخر حتى تجمدت في مكانها واتسعت عيناها بصدمة.
قالت بشدة:
ـ ستيف؟
جاءها صوته متعباً وبعيداً وكأنه قادم من مكان سحيق:
ـ أجل، ستيف يا مينا.
شهقت وهي تكاد لا تصدق ما تسمعه:
ـ ستيف! أين كنت؟ لقد بحثنا عنك في كل مكان.
ساد صمتٌ قصير قبل أن يقول:
ـ أخبريني أولاً، كيف حالك؟ هل أنت بخير؟ وكيف حال ناروت؟
ازدادت حيرتها لكنها أجابت:
ـ أنا بخير، سأقص عليك.كل شيء عندما تأتي، اشتقت إليك اخي.
صمتت والدمعة تغرغر في عينيها ثم أكملت:
_ لكن أخبرني أين أنت؟ لماذا اختفيت كل هذه المدة؟
سمعت زفرة ثقيلة عبر الهاتف، ثم قال بصوت متردد:
ـ أنا... أنااا.
وفجأة انقطع الاتصال..
أبعدت الهاتف عن أذنها وحدقت في الشاشة غير مصدقة.
نادت عليه:
ـ ستيف، ستيف.
أعادت الاتصال بسرعة، لكن الهاتف كان خارج نطاق التغطية.
شعرت بقلبها يخفق بعنف، حاولت مرة أخرى ثم مرة ثالثة، ثم عاشرة.. لكنه أصبح خارج التغطية.
بدأ القلق يتسلل إلى صدرها شيئاً فشيئاً
قالت لنفسها يوجع:
" لماذا اتصل بعد كل هذا الغياب؟ ولماذا أغلق الخط فجأة؟ لماذا شعرت بأنه أقفل الخط.مرغماً، هل هو بأمان الآن؟"
ظلت تحدق في شاشة هاتفها وكأنها تنتظر أن يرن من جديد.
لكن الصمت كان الجواب الوحيد.
تملكها القلق فاتصلت بجين
_جين، أرجوكِ قدمي لي إجازة لا أستطيع القدوم إلى العمل.
__لكن يا مينا المدير كان يسأل عنك غاضباً، هل من خطب.
_انا لست بخير، فليفعل المدير ما يشاء.
_مينا ماذا هناك، هل آتي إليكِ؟
_لا، لا جين أرجوك سأكلمك لاحقاً.
أقفلت الخط ولم تعرف ماذا تفعل وأين ستتجه..
"هل أخبر ابي؟ أم لا، ماذا علي أن أفعل، كيف ساتصرف؟ تربطت يداي."
تابعت إلى بيتها وعيناها لاتنقطعان النظر ترافبان الهاتف، رن فجأة، نبض قلبها وارتجف.
لكنّها صدمت:
"ليس هو"
فتحت الخط:
_اهلا أبي.
_كنت أريد أن أخرج إيميلي في نزهة وأردت أن أخذ إذنك بهذا.
توترت وقالت بسرعة:
_لا، لاأرجوك انا عائدة إلى البيت فوراً، لا تفعل.
_لكنه لم يمض إلا وقت قصير على خروجك لعملك، هل هناك خطب ، هل انت بخير.
تاففت :
_عندما اصل سأخبرك.
حزن هيلاري وقال في نفسه بعد ان اغلقت:
"يبدو أنها لن تسامحني، لن تقوم بمناداتي ابي ثانيةً."
سألته إيميلي:
_ماذا ياجدي، ماذا قالت امي؟
نزل الجد إلى مستوى الطفلة، قبلها، وأجابها:
_أمك قادمة ياحبيبتي ويبدو أنها ليست على مايرام، مارأيك أن ننتظر عودتها؟ وستسألينها بنفسك.
نظرت إليه بتلك العينين البريئتين وهزت برأسها.
بعد قليل وصلت مينا، دخلت وقد لاحظ ابوها أنها ليست على مايرام، حدق بها، سألها:
_مينا، هل أنت بخير؟
_لا ادري، لا ادري اريد ان ادخل غرفتي لأنام.
حزن هيلاري وقبل أن يكلمها_ركضت إيميلي وضمت أمها وبكت خائفةً:
_ماما، ماذا بك؟ هل انت مريضة ، هل أنت غاضبة بسببي؟ لم اعد أريد الذهاب مع جدي انا أسفة.
وصار يزداد بكاؤها علواً.
تجمدت مينا فحشبشة قلبها تبكي وتظن انها سبب المشكلة..
نزلت إلى مستواها وضمتها بشدة وحنان، منظرهما قطعَ قلب هيلاري الذي نزلت دموعه من هذا المشهد.
قالت لها وهي تقبلها وتضمها:
_حبيبة امك، لا لا تبكي، أنا فقط غاضبة بسبب ظروف العمل، اذهبي حبيبتي إلى غرفتك، اريد أن احدث جدك بأمر.
همست إيميلي بصوتها الطفولي البريء الحزين:
_لكن، لكن..
_لكن ماذا، هيا ياقطتي الصغيرة، اعدك عندما أصبح أفضل سأخذك مع جدك للملاهي، اتفقنا، لكن اعذري امك الآن حبيبتي.
تبسمت وقالت:
_أجل اتفقنا.
ركضت بعد أن حملت دميتها وانجهت إلى غرفتها.
في تلك اللحظة تقدم هيلاري من مينا المرتبكة وسألها بصوته الأبوي القلق عليها:
_حبيبتي، ماذا بك، أشعر بك.
للمرة الأولى بعد.إنقكاع علاقتها بأبيعا وبعد عودته، ارتمت بحضنه وصارت تبكي.
لم يدرك في هذه اللحظة هيلاري هل يفرح لعودة ابنته إلى حضنه أم يحزن لحالتها، وضع يده بهدوء وهدهد لها:
_أخبريني حبيبتي.
_ستيف يا ابي..
ارتجف هيلاري وابتعد عن مينا فجأة، ما أثار استغراب مينا التي نظرت إليه وهو يقول:
_ستيف، ماذا به؟
تابعت كلامها:
_لقد اتصل بي للحظة وانقطع الاتصال، لكنني شعرت بأنه كان خائفاً.
صرخ هيلاري:
_ماذا، ماذا قلتِ؟ستيف حي؟
حدقت به:
_ماذا، ماذا تقول؟ هلا شرحت لي، أنا لا أفهمك.
تأتأ :
_لقد.وصلنا خبر بعد.انفصالنا عن بعض، أن قطعة الجيش التي ينتمي لها تعرضت لهجوم وأن كل من فيها مات.
_لكن، لقد حدثني وقال لي أنّه ستيف، لكن الخط.انقطع فجأءة، حاولت الاتصال به عدة مرات لكنه اختفى.
_كيف هذا، لقد لقد أخبرونا أنه توفي.
صرخت بأبيها:
_كيف لم تخبروني بهذا، كيف؟
خجل هيلاري وطأطأ رأسه.
هزءت مينا:
_آه، لقد نسيت بأنك كنت تخشى تلك ال....
وصمتت.
_أسف يا ابنتي لقد كنت مغيباً تماماً.
_بربك أبي.
_لكنني أقسم أن الدافع الأساسي هو عدم تسببي لكِ بالحزن يامينا، فأنا أعلم كم تحبينه، وفي تلك الفترة لم يكن ينقصك خبر وفاته.
هزت رأسها وهي تنظر إلى الأرض ثم رفعته ثانيةً وقالت:
_لكنه الآن حي يرزق، وعلينا أن نصل إليه، أتفهم يا أبي.
_سأفكر بحل لا تقلقي.
ساد الصمت بينهما للحظات طويلة، وكأن كلاً منهما يحاول استيعاب ما سمعه للتو..
جلست مينا على الأريكة وهي تضم يديها بقوة، بينما أخذ هيلاري يتمشى في الغرفة ذهاباً وإياباً، وقد بدا عليه الاضطراب.
قالت بصوت مرتجف:
_أبي، لا أستطيع الجلوس مكتوفة اليدين، ماذا لو كان في خطر؟ ماذا لو كان بحاجة إلينا الآن؟
توقف هيلاري عن السير ونظر إليها قائلاً:
_أعلم يا ابنتي، وأقسم أنني أفكر بالأمر نفسه.
أخفضت رأسها وهمست
_لقد كان صوته غريباً، لم يكن ستيف الذي أعرفه، بدا وكأنه خائف... أو متعب جداً، هل تعلم كم اشتاق إليه يا ابي، هل تعلم بحجم ماتسببتم لي بخذلانكم لي.
ثم شردت للحظة وهي تتذكر نبرته المبحوحة، وقد كانت تتردد لسمعها مجدداً داخل رأسها، تسمع ذلك التردد قبل أن ينقطع الاتصال.
"أنا... أنااا..."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها..
رفعت رأسها فجأة وقالت:
_ماذا لو لم ينقطع الخط من تلقاء نفسه؟
حدق بها هيلاري باستغراب:
_ماذا تقصدين؟
ابتلعت ريقها وقالت:
_ماذا لو كان هناك شخص معه؟ ماذا لو أُجبر على إغلاق الهاتف؟
لم يجب هيلاري فوراً، كانت الفكرة مخيفةً لدرجة أنّه لم يُردْ حتى التفكير بها.
جلس أخيراً مقابلها وقال بهدوء:
_لا فائدة من تخيل أسوأ الاحتمالات الآن. علينا أن نتصرف بعقلانية.
ضحكت مينا بسخرية موجوعة:
_وكيف أكون عقلانية وأنا أسمع صوت أخي الذي اعتقدت أنه ميت؟
صمت هيلاري ولم يجد جواباً؛ لأنه هو نفسه كان يعيش الصدمة ذاتها.
بعد سنوات من الحزن والندم، يعود ستيف فجأة بصوتٍ مقتضب ومكالمة لم تستمر سوى ثوانٍ قليلة.
لكن تلك اللحظات كانت كافية لقلب حياتهما رأساً على عقب.
أمسك هيلاري هاتفه وقال بحزم:
_سأحاول الوصول إلى أي شخص خدم معه في الجيش، لا بد أن هناك من يعرف شيئاً.
نظرت إليه مينا بعينين تلمعان بالأمل والخوف معاً.
_أرجوك يا أبي، أرجوك اعثر عليه.
شعر للحظة بأن مينا أعادت له إحساسها بأنه أبوها ففرح رغم القلق على ابنه..
هنا وضع يده على يدها وقال:
_أعدك أنني سأفعل كل ما أستطيع.
في تلك اللحظة، لم تكن مينا تعرف إن كان عليها أن تفرح لأن أخاها حي، أم تبكي خوفاً من المصير المجهول الذي ينتظره.
لكنها كانت متأكدة من شيء واحد فقط
"ستيف ما زال على قيد الحياة"
وهذه المرة لن تسمح له أن يختفي مجدداً.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!