الفصل الثاني عشر:
مضت أيام عدة، ومينا لم تتماسك بل كانت كطيرٍ مذبوحٍ لم تمته السِّكينة التي ذبح بها.
كانت تشعر بالوحدة وتشتاق ناروت، وتلومه وتكرهه أحياناً كثيرة، وتشتاق أبيها وإخوتها، فهي لم تعد تعرف عنهم شيئاً بعد أن أعلنت جويل سيطرتها على كل شيء.
كانت تحاول أن تتصل بأبيها لكن المكالمة كانت تمنع فوراً، حتى ستيف قطعت أخباره عنها تماماً، ولم تعرف لماذا.
طغى على حياتها الضياع والتشتت، صارت تشعر بالذنب وتتساءل:
"لماذا ياربي، لماذا ما سبب هذا الاختبار الصعب، زوجي وعائلتي في آن واحد، ما الذي يحدث، ولكنني أثق أنك معي وسأصمد من أجل طفلتي."
بقيت يائسة بلا أمل، تحاول أن تستمر من أجل ابنتها، وفي العمل كانت صامتة غالباً لا تتحدث إلا لضرورة رغم محاولات صديقاتها؛ لإخراجها من كل هذا اليأس.
رغم كل شيء كانت ت ذهب إلى عملها وتعتني بابنتها، تؤمن لها طلباتها وكل ما يلزمها.
عاركت الذكريات، والحزن وحاولت أن تصمد، ثم قررت الانعزال عن الجميع لتخمي طفلتها
كانت تحدث طفلتها إيميلي:
"أعلمين حبيبتي، أشتاقهم كثيراً، وأخاف عليك من هذا. العالم بلا اقرباء."
لم تعد تثق بأحد، وكان نظام حياتها روتينياً قاتلاً حتى الطفلة كانت تضعها في حضانة عملها خوفاً عليها من الناس.
ومرت الأيام وثقتها انعدمت تماماً بما يخص المحيط، وكبرت إيميلي وأصبحت بنت السنوات الأربع من العمر..
كانت تسألها عن أبيها:
_ماما، أين هو أبي، صديقاتي في الحضانة لديهم آباء يأتون لمرافقتهم دائماً.
_أبوك مسافرٌ حبيبتي.
_لكن لماذا لا يتصل بي؟
كثرت أسئلة الطفلة عن والدها ولكنها لم تستطع إخبارها بالحقيقة لصغر عمرها.
_لا تقلقي حبيبتي، يبدو أن المكان الذي يعمل به يعاني من نقص التغطية والنت فيه، سيعود عندما ينهي عمله.
_رفاقي دائما يسألوني عنه.
ضمتها. بحب:
_أخبريهم بأنه مسافر وسيعود، ابوك يحبك كثيراً.
كانت تحاول أن تشغلها بتلك الكذبة كي تنسى تلك التساؤلات عنه، إلا أنها لم تستطع ذلك، فالطفلة كانت تتعرض لتنمر رفيقاتها في الحضانة، ما كان يشعرها بالحزن.
وفي أحد الأيام جاءت إلى مكتب أمها باكيةً تشكو ما حصل لها:
_لا أريد أن أستمر في تلك الحضانة القميئة.
نزلت مينا إلى مستوى الطفلة وقبلتها على خدها وقالت:
_ من أغضب حبيبة مينا؟
_رفاقي في الحضانة يقولون أشياء سيئة عن أبي، لماذا لا يأتي، لماذا؟
نظرت لها بحزن ولم تعرف ما ستقول، لكنها ضمتها وراحت تمسح دموعها وتقول لها:
_طفلتي إيميلي طفلةٌ قوية، لا تهتم لوقاحة السيئين، هي ستكبر وتهتم بأمها أليس كذلك إيميلي.
نظرت إيميلي وقالت بكل حزنٍ:
_لكنها لن ترَ أباها أبداً، وسيبقى رفاقها يعايرونها ويستهزؤن بها.
_لا حبيبتي.
_أمي، هل أنا ابنة حرام؟
شهقت مينا وقالت بغضب:
_ماذا؟ من أين أتيت بهذا اللفظ، ومن قال لك هذا؟
_صديقتي هيلين قالت لي بأن من لا يملك أباً يدعى ابن حرام، وأنّ أمها هي من أخبرتها بذلك.
_صديقتك هذه حمقاء، إياك أن تتفوهي بهذه الكلمة ثانيةً.
حملتها بين ذراعيها وتابعت كلامها:
_ابنتي التي أحب قويةٌ جداً.
دمعت عيني إيميلي التي قطعت أوصال قلب مينا وراحت تحدث نفسها:
"أيُّ أبٍ أنت يا ناروت، هل نسيت أن لك ابنة، استطعت نسيان كل المشاعر بيننا ولا أعلم السبب واختفيت تماماً لكن ألا يحدثك قلبك ولو للحظة أن لك طفلة تركتها ابنة أشهر مع أمها، يا لك من وغد، أشكوك لربي وهو حسبي."
أمسكت يد طفلتها واتجهت إلى الحضانة وهناك طرقت باب الإدارة ودخلت:
_سيدة ميلين هل يصح ما يحدث هنا؟
_خيراً سيدة مينا.
_ابنتي تتعرض للتنمر من قبل رفيقاتها، هل ترضون بهذا؟
_بالطبع لا، تفضلي واشرحي لي الأمر؛ ليتم التصرف المناسب فورا.
شرحت لها مينا ما جرى وأكدت لها ذلك بكلام الطفلة..
_لقد وضعتك منذ البداية بصورة حياتي، حتى تمنعي أي تجاوز مع طفلتي، أرجوك خذي التدابير المناسبة.
_بالطبع، كوني على ثقة بأننا سنتصرف بحكمة.
_شكرا لك.
انصرفت مينا وهي جد متوترة وغاضبة لما عانته طفلتها المسكينة.
أما في جهةٍ أخرى كان هيلاري بدأ يتعب ويمرض ويتعرض لتوبيخ زوجته جويل، ويضطر هو للسكوت بعد أن فهم أنه ضيع كل شيء.
_لست خادمة ولا ممرضة أتفهم؟ إما أن تصمت وإما أن تجد حلاً، ربما أجلب لك خادمة، أو ربما أضعك في مصح.
نظر إليها العجوز بحزن شديد، وراح يتذكر مينا التي كانت تعتني به عندما كان يمرض بكل حب ولطف.
"أبي، ضع يدك على كتفي سأجعلك تخرج إلى الحديقة لتنسى مرضك بعض الشيء."
"أبي، أحبك كثيراً، وأريدك قوياً معافىً."
كانت هذه بعض عبارات مينا مع ابتسامة لطيفة تنعش قلب ذلك الأب حينذاك، وكم كان يشعر بحبها.
قال لنفسه:
"علي تحملُ كل شيء فقد خربت بيدي حياتي وحياة أولادي، مينا الغالية وستيف، ومونيكا تلك العاقة التي اختفت عنا نهائياً، كم أشتاقهم."
_لمتنظر إلي هكذا أيها العجوز الهرم.
_هل اصبحت الان عجوزا ياجويل، أين كلماتك اللطيفة.
_وهل كنت تصدق، كم انت أحمق.
_أنت حقيرة.
_اخرس وإلا طردتك
_هل تطرديني من بيتي.
_لم يعد بيتك ياحب، إنه الآن باسمي، فانتبه وإلا طردتك خارجه.
وفي مدينة ميلانو في أحد البيوت البسيطة هناك كان يعيش ناروت مع مونيكا وطفلها بيل الذي سجل على اسم ناروت كأب شرعيّ له.
مونيكا:
_حبيبي، انظر طفلنا بيل إنه مشاكس كبير.
_ماذا فعل حبيب أبيه؟
_لقد قبل ابنة الجيران ثم سرق الأيس كريم خاصتها.
ضحك ناروت مقهقهاً بشدة، ثم اقترب من بيل وقبله وقال له:
_حبيبي لمَ فعلت هذا؟
نظر إليه بيل ببراءة تتخللها شقاوة:
_لقد نظرت إلى صديقي وكأنها معجبة به، وأنا لا أسمح لها بهذا.
ضحك ناروت ومونيكا لكلامه..
مونيكا:
_أيها الشقي، لماذا؟
خجل بيل وقال مطرقا رأسه، ثم ركض إلى غرفته بسرعة.
فقالت مونيكا:
_يبدو أن بيل أصبح شاباً قبل أوانه.
_أجل حبيبتي، إنه كأبيه ينضج قبل اوانه.
ضحكت مونيكا:
_إياك أن تنضج ثانيةً.
تبسم ناروت وقال:
_وهل أجرؤ؟
قبلته مونيكا واتجهت إلى المطبخ، لكن ناروت كان يشعر بالحنين إلى بلده، وفكر ملياً في نفسه:
"ياليتني، أستطيع العودة، لقد مرت حوالي خمس سنوات وأنا بعيد عن بلدي وأهلي ولم أتواصل مع أي أحد منهم حتى أهلي، ياه يا أمي، هل لازلت بخير؟ هل مينا والطفلة بخير، ترى هل سامحتني، كيف هي وكيف أصبحت إيميلي؟"
راحت الذكريات تتراكض في عقله رغم محاولته منعها.
حدث نفسه بقسوة:
"لايحق لك ناروت، فأنت مجرد خائن، عليك أن تنساها تماما، وإياك والعودة فلبس لك الحق."
مونيكا لم تعد تهتم فقد تحجرت عاطفتها وازدادت أنانيةً ونسيت كل ما يتعلق بأهلها وأختها..
"المهم ان ناروت حبيبي أنا وأبو طفلي بيل، لن أسمح له أن يتركنا مهما حدث، إنه ملكي أنا."
في تلك اللحظة كانت أم ناروت تجلس على كنية في غرفة الجلوس ترتدي اللون الأسود وتقول لنفسها:
"أين أنت يا ناروت، قلبي يحدثني أنك بخير، الكل يخبرني بأنك قد خطفت أو مت."
وتوقفت للحظة عن الكلام وشعرت بغصة في قلبها، وضعت يدها على صدرها لأنها شعرت بالألم ثم تابعت حديثها مع نفسها:
_أنتظر عودتك، يابني بفارغ الصبر.
وراحت تبكي بحرقة.
أما مينا فقد كانت تجلس قرب طفلتها تساعدها في كتابة الحرف الذي تعلمته في الحضانة، عندما قرع جرس الباب، فقامت إيميلي وهرعت لفتح الباب.
كان هيلاري يقف مرتبكاً خاف الباب، مرة يقبض يديه ليدقه ومرة يتراجع.
كان يتساءل:
"كيف سأقابلها وبأي عين، لا أجرؤ على الكلام، لقد ظلمتها وتخليت عنها، كما أنا اب سيء."
لكنه طرق الباب وقلبه يطرق مثله.
صاحت مينا بخوف:
_انتظري إيمياي لاتفعلي.
لكن إيميلي فتحت الباب قبل سماع صوت أمها.
وبصوتٍ أجش خرش قلب مينا عندما سمعته:
_مرحباً أيتها اللطيفة، ما اسمك؟
وقبل أن تجيبه الطفلة أجابته مينا بقوة وهي تنظر إلى ملامحه المتعبة:
_بالطبع ستسأل عن اسمها يا سيدي بعد كل هذه السنين.
حملق بها هيلاري بحزن:
_سيدك!
_وماذا تريد أن أنادي رجلاً يقف أمام بيتي وأنا وابنتي نراه للمرة الأولى في حياتنا.
ودمعت عيناها فالتفت بسرعة وأمسكت بيد إيميلي وسحبتها إلى الداخل هاربةً لتخفي ضعفها.
لكن هيلاري لحقها ويبدو عليه التعب والمرض:
_ألن تسامحيني، أعلم أنني ارتكبت جنايةً بحق مشاعر حبيبتي مينا وتخليت عنك.
كانت تنظر إليه ودموعها تهطل بغزارة، والطفلة تنادي:
_ماما من يكون هذا الرجل.
فقال لها هيلاري:
_أنا جدك العجوز حبيبتي.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!