إيميلي
إيميلي
جزء 10 من 10
وضع القراءة:

الفصل العاشر:

كانا ينظران إلى بعضهما بعينين تملؤهما الخطيئة، وكأنهما نسيا في تلك اللحظة كل شيء حولهما، نسيا مينا، ونسيا أن ما يجمعهما لم يكن من حقهما.
كان ناروت يعرف جيدًا أنه يتجاوز حدودًا لا ينبغي له تجاوزها، ومع ذلك لم يستطع أن يبتعد.
وعندما قرر الرحيل، وقف أمام مونيكا للحظات قبل أن يقول:
_خلال أيام سألتحق بالجيش، فمهلة التأجيل قد انتهت. انتبهي لنفسك وللصغير.
امتلأت عيناها بالدموع، وقالت بحزن:
_لا تقل هذا أرجوك، لم أعد أستطيع الحياة بدونك. هل ستتركني للأيام تقسو عليّ؟
تنهد ناروت وأشاح بوجهه:
_ماذا أفعل إذًا؟
اقتربت منه وهي تمسح دموعها:
_ستؤجل أيضًا بالطريقة نفسها، تصرف اهرب أرجوك لا تتركني.
تردد قليلًا قبل أن يجيب:
_حسنًاً، سأحاول، لاتنسي أن مانحن فيه ليس صائباً.
هزت رأسها بعناد:
_لا، ليست محاولة، بل ضرورة.
اقتربت منه، وضعت يدها على خده، والأخرى على كتفه، ثم قالت بصوت مرتجف:
_أعلم أن مشاعري تجاهك ليست من حقي، أعلم أنك زوج أختي، لكنني أحبك بجنون.
اهتز شيءٌ في داخلهِ عند سماع كلماتها.
تراجع خطوة إلى الخلف وكأنه يحاول الهرب من اعترافها، ثم قال:
_لماذا؟ لماذا جعلتني أتعلق بك؟ هذا ليس من حقنا. أنا أحب مينا، ولا أريد إيذاءها.
ابتسمت مونيكا بحزن:
_أعلم أنها أختي، وأعلم أنك لست من حقي لكنني أجنُّ بحبك، سامحني، ليس بيدي.
ساد الصمت بينهما للحظات..
ثم اقترب ناروت منها وضمها إلى صدره، وكأنه هو الآخر فقد القدرة على المقاومة حيث قال:
_وأنا أحبك جدًاً، ماذا عليّ أن أفعل؟ أنت حبيبتي، وهي زوجتي التي تحبني بجنون. أكاد أجن، ضميري يعذبني.
راحت مونيكا تبكي بين ذراعيه وراحت تقول:
_لطالما كانت هي التي تحصل على الأشياء التي أحبها، وها هي الآن تمتلك حتى حبًا أراه من حقي أنا.
ابتعد ناروت عنها ونظر في عينيها طويلًا.
كانت نظراتهما متمردة على كل ما يعرفانه من صوابٍ وخطأ، لكن الوقت كان قد انتهى.
استعد ناروت للرحيل، فاقترب من الطفل وقبّله، ثم قال:
_أراكما بخير.
أمسكت مونيكا بيده، ودموعها تملأ خديها:
_أعلم أنك لن تتخلى عني، وأنك تحبني كما أحبك بجنون. عليك أن تجد حلًا يا ناروت.
نظر إليها بحبٍ وضياع، ثم سحب يده بهدوء وخرج مسرعًا.
كان يمشي دون أن يرى الطريق أمامه، بينما تتصارع الأفكار في رأسه.
'"ماذا فعلت؟"
"'مينا تنتظرني"
"'مينا تثق بي"
ورغم كل ذلك تابع سيره حتى وصل إلى المنزل ولون بشرته لم يكن كما يجب.
كانت مينا تنتظره بقلق، ولم تكن تعرف لماذا انقبض قلبها في تلك اللحظةوقد شعرت بخوفٍ شديدٍ لم تجِدْ له تفسيرًا.
"يارب رحمتك، ماهذا الشعور، لماذا أشعر بالخوف؟"
هنا دخل ناروت، فرفعت مينا عينيها إليه وابتسمت له.
_أهلًا حبيبي، لماذا تأخرت؟
توقف للحظة.. لقد كانت الجملةُ بسيطةً جدًا، لكنها اخترقت صدره.
قال في نفسه:
المسكينة تقول لي حبيي، وأنت ماذا فعلت بها؟"
حاول أن يخفي اضطرابه ملقياً السلام:
_مساء الخير، كيف حالكم؟
كان ستيف لا يزال موجودًا عند أخته، بينما كانت مينا تحمل الصغيرة وتهدهدها.
قال ستيف:
_أهلًا ناروت، تأخرت.
_كان لدي بعض العمل.
لم يكن في صوته ما يبرر التوتر الذي ظهرَ على ملامحه وقد لاحظه الجميع، راقبه ستيف للحظات، ثم سكت.
قال ناروت لمينا:
_هل الطعام جاهز؟ أنا جائع جدًا.
ابتسمت له:
_لحظة، دقائق وتنتهي الصغيرة من رضاعتها، وبعدها سأرتب سفرة الطعام لك.
ثم أضافت بحنان:
_حبيبي ناروت.
تجمد للحظة، خفض عينيه وهو يشعر بأن تأنيب الضمير يخنقه:
"كيف يمكنها أن تحبني بهذا الشكل وأنا أخون ثقتها، ترى لو عرفت ماذا سيحدث لها؟"
في تلك اللحظة دخل هيلاري وجويل وهما يحملان الهدايا.
ابتسمت مينا بسعادة:
_أهلًا أبي، أهلًا جويل، تفضلا، جميل حضوركما الان الطعام جاهز.
اقترب هيلاري منها وقبّلها.
_مبارك مرة ثانية قدوم هذه الزهرة إلى حياتكما.
وقال جويل:
_مبارك لكما، مبارك ناروت.
ابتسم ناروت ابتسامة مصطنعة وردّ عليهما:
_شكرًا لكما، تفضلا بالجلوس.
قامت مينا ونادت الخادمة لترتب الطعام، وجلس الجميع يتسامرون.
قال ستيف ممازحًا:
_هيلاري العجوز، أراك قد عدت شابًا من جديد يا أبي.
وضع هيلاري يده على كتف جويل التي تمايلت بغنج وقال:
_اصمت، أنت العجوز، أنا في قمة الشباب.
ضحك الجميع.
قالت مينا وجاملت أباها:
_اخرس يا ستيف واترك أبي وشأنه، يحق له أن يفرح.
سخر ستيف:
_أجل، أجل، يحق له.
هنا نظرت له جويل بكل انانية.
بعد ذلك قامت مينا لتستعجل الخادمة وتساعدها في المطبخ، بينما بدأ ستيف يتحدث عن صعوبة الأوضاع في البلاد والحرب التي تزداد سوءًا.
_الوضع لا يطمئن أبدًا.
قال ناروت:
_بقيت أيام على التحاقي، لكنني سأحاول التمديد قليلًا. أنا الآن مسؤول عن أسرة، ولا أستطيع تركهم في هذه الأوضاع.
قال ستيف:
_إن استطعت فعل ذلك، فافعل زوجتك بهذه الظروف بحاجة إليك، والتحاقك بالجيش الآن ظلم لكما. هذا رأيي.
أومأ ناروت:
_أجل، سأبذل جهدي.
حلّ المساء، وعاد الجميع إلى منازلهم أما مينا فقد.كانت سعيدة بوجود طفلتها وزوجها، لكن شيئًا آخر بدأ يثقل قلبها.
مع الوقت لاحظت أنه لم يعد ناروت كما كان.
وفي البداية ظنت أن الأمر مجرد إرهاق..
وشيئاً فشيئاً بدأ يعود متأخرًا.
وفي إحدى الليالي، كانت مينا تجلس قرب النافذة تنتظره، وقد برد الطعام أمامها عندما دخل.. رفعت رأسها بسرعة قائلةً له:
_تأخرت كثيراً، كنت قلقة عليك.
خلع معطفه دون أن ينظر إليها:
_قلت لكِ إن لدي عملًا.
اقتربت منه:
_أعرف، لكنك لم تتصل حتى.
تنهد بضيق.
_مينا، أرجوكِ لا تبدئي الآن.
توقفت مكانها جامدةً، فلم تكن معتادة على هذه الطريقة منه.
قالت بحزن:
_أنا فقط أسأل لأنني قلقت.
_وأنا متعب.
شعرت ببرود ردوده، وماكان منه إلا أن دخل غرفته وأغلق الباب خلفه.
بقيت مينا واقفة في مكانها، تنظر إلى الباب بصمت، مر شريط حبهما في رأسها سريعاً قارنته بما يحدث الآن ولم تفهم ماذا يحصل معه.
في اليوم التالي حاولت أن تقترب منه أكثر، وضعت فنجان القهوة أمامه بابتسامة:
_أعددتها لك كما تحب.
نظر إلى الفنجان ثم قال ببرود:
_ليس لدي وقت.
تلاشت ابتسامتها.
_حسنًاً.
لاحظ مشاعرها وهي تأخذ الفنجان من أمامه، وتعود إلى مكانها محاولةًإخفاء حزنها.
ومع مرور الأيام، بدأت تلك التصرفات تتكرر.
يتأخر، يغضب من أبسط الأسئلة، يصمت عندما تتحدث إليه..
ويجد دائمًا سببًا للخروج من المنزل وفي إحدى المرات، قالت له مينا:
_ناروت، هل أنت غاضب مني؟
نظر إليها باستغراب:
_لماذا تسألين هذا السؤال؟
_لأنني أشعر أنك تغيرت.
سكت للحظات، ثم قال:
_أنا تحت ضغط كبير، لا تبحثي عن المشاكل حيث لا توجد.
خفضت رأسها وللتزال مينا المحبة الخجلة:
_لم أقصد
_إذن لا تعيدي السؤال.
ابتلعَت مينا كلماتها، لم تكن تريد شجارًا، هي فقط.كانت تريد زوجها وحبيبها لكنها لم تعرف كيف تعيده إليها.
ومع مرور الوقت، قررت مينا أن تضع طفلتها مع مربية خاصة وتعود إلى عملها.
لقد كانت بحاجة إلى أن تشغل نفسها، وكانت جين وتارا متعاونتين معها قدر استطاعتهما.
عندما التقت بهما مرة سألتها جين:
_لا بد أن حياتكما أنت وناروت أصبحت أجمل بعد وصول إيميلي.
ابتسمت تارا:
_بالتأكيد، الأطفال ينعشون الحياة.
تململت مينا، وتغيرت ملامحها قبل أن تقول:
_آها، بالتأكيد، حياتنا أصبحت أجمل.
تبادلت جين وتارا النظرات.
قالت جين:
_ما بك يا مينا؟ لست على ما يرام.
وأضافت تارا:
_أجل، أنت لست بخير. ماذا هناك؟
حاولت مينا الابتسام:
_لا شيء… أمر عادي.
أمسكتها جين بيدها.
_هل تظنين أننا غبيتان؟ نحن أقرب الناس إليك، أم نسيتِ؟
عندها لم تستطع مينا الصمود أكثر فانهمرت دموعها وبدأت تشكو لهما حالها مع ناروت.
_لقد تغير كثيرًا، لم يعد يحبني، تغيرت تصرفاته وكأنه ليس هو، أنا قلقة جداً.
سألتها جين:
_هل يتغيب عن البيت كثيرًا؟
_أجل، بسبب العمل.
قالت تارا:
_تغيب وتعصيب، امممم.
نظرت إليها جين وحذرتها بعينيها من الاستمرار، لكن مينا انتبهت إلى كلامها فسألت بخوف:
_ماذا؟ ماذا تقصدان؟
احتضنتها جين بسرعة وهدهدت قائلةً:
_لا شيء يا غبية. اهدئي وراقبي الوضع فقط، ربما هو مضغوط بسبب العمل.
مسحت مينا دموعها وقالت:
_ربما… لكن ما ذنبي أنا حتى أعامل بهذه القسوة؟ وصغيرتي أيضًا ليس لها أي ذنب، يأتي متأخرًا، وغاضبًا دائمًا وكأنه لم يعد هو نفسه ناروت الذي أحببته.
سكتت الصديقتان قلقاً عليها، أما مينا فتابعت بصوتٍ منخفضٍ:
_أحيانًا أشعر أنني أفتقده رغم أنه ما زال يعيش معي.
تابعوا النقاش مع بعضهن..
ومن جهة أخرى، بدأ هيلاري يبتعد عنها شيئًا فشيئًا بسبب سيطرة زوجته عليه.
كانت مينا تحاول التقرب منه، لكنه لم يعد يمنحها الوقت الذي اعتادت عليه وهكذا بدأت تشعر بأنها تفقد الجميع واحداً تلو الآخر.
زوجها يبتعد عنها..
والدها لم يعد كما كان..
ستيف بعيد بسبب العسكرية.
مونيكا اختفت..
حتى حياتها التي ظنت أنها اكتملت بقدوم إيميلي بدأت تحمل داخلها شيئًا من الوحدة.
أما ناروت، فقد ازداد ابتعاده عنها يومًا بعد يوم وبدل أن يعود إلى منزله بعد انتهاء عمله، صار يجد أعذارًا للخروج والتأخر والنوم خارج المنزل.
وكانت وجهته في كثير من الأحيان هي مونيكا.
ولم تكن مينا تعلم أن الرجل الذي كانت تنتظره كل مساء، كان يقضي جزءًا من وقته بعيدًا عنها، وأن المسافة بينهما لم تعد مجرد مسافة داخل منزل بل بدأت تتحول إلى هاوية.
وفي إحدى الليالي، وقفت مينا أمام نافذة المنزل تنتظر عودته.
نظرت إلى الساعة، ثم إلى الطريق الخالي.
تمتمت:
_أين أنت يا ناروت؟
وفي مكان آخر، كان هاتف ناروت يضيء برسالة واحدة من مونيكا:
"متى ستأتي؟ أنا بانتظارك حبيبي"
نظر إليها طويلًا ثم أخفى الهاتف في جيبه.
وللمرة الأولى، لم يكن يشعر بالخوف من الخيانة بل بالخوف من أن تُكتشف.
6 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.