الفصل السادس:
الفصل السادس
تركها ديفيد فاقدةً للوعي، ثم وضع بجانبها بعض المال، قبل أن يرسل إليها رسالةً على هاتفها:
«أنتِ حبيبتي، ولكنني لا أسمح لأحد أن يلوي ذراعي. أتمنى أن تنفذي ما طلبته خلال وقت قصير. هذه الأموال ثمن العملية. سلام.»
وبعد وقتٍ استيقظت مونيكا، وهي لا تزال تشعر بالألم والدوار. احتاجت إلى لحظات حتى تستعيد وعيها وتتذكر ما حدث.
مدّت يدها المرتجفة إلى هاتفها، وما إن قرأت رسالة ديفيد حتى انفجرت بالبكاء.
لكن شيئًا ما تغيّر بداخلها في تلك اللحظة.
وضعت يدها على أسفل بطنها، وقالت بصوتٍ مرتجف، لكنه يحمل إصرارًا لم تعهده في نفسها:
«لن أسمح لأحد أن يؤذي طفلي، مهما كان الثمن. نعم، أخطأت عندما استسلمت له، لكنني لن أسمح بأن يدفع طفلي ثمن خطئي. سأدافع عنه مهما حدث... وسأكلم أبي، وليفعل بعدها ما يشاء.»
مسحت دموعها، ثم نظرت إلى المال الملقى أمامها باشمئزاز.
التقطته بيدٍ مرتجفة، وعقدت العزم على إعادته إلى ديفيد في وجهه.
ثم غادرت متجهةً إلى منزل عائلتها.
ما إن دخلت مونيكا إلى المنزل حتى سمعت صوت والدها هيلاري، وكانت الابتسامة تملأ وجهه وهو يقف إلى جانب مينا وناروت.
قال بسعادة:
— مبارك! مبارك يا أولادي!
تقدمت مونيكا ببطء، وهي تنظر إليهم باستغراب.
— ما سبب هذه المباركة يا أبي؟ ولمن؟
التفت إليها هيلاري وقال:
— تعالي يا مونيكا، وباركي لأختك وزوجها.
توقفت في مكانها.
— ماذا؟ وعلى ماذا سأبارك؟
ابتسم هيلاري وقال:
— أختك سترزق بطفل عما قريب.
شعرت مونيكا وكأن الكلمات سقطت عليها دفعةً واحدة.
خفضت عينيها، وقالت في نفسها بحزن:
«يا إلهي... ألا يكفيني ما أنا فيه؟ حتى الآن مينا تتفوق عليّ في كل شيء... حتى وأنا في أسوأ حالاتي.»
رفعت عينيها نحو مينا، فرأتها ممسكةً بذراع ناروت، والسعادة تملأ وجهها.
ابتلعت مونيكا غصتها وقالت بصوت متقطع:
— مب... مبارك.
ثم أسرعت إلى غرفتها.
لاحظت مينا ذلك، وشعرت بأن شيئًا ما ليس على ما يرام.
همّت باللحاق بها، لكن في تلك اللحظة دخل ستيف.
ابتسمت مينا فورًا، وكأن وجوده أعاد إليها فرحتها.
— ستيف! حبيبي، ها أنت هنا... اكتملت فرحتي الآن.
اقترب ستيف وصافح الجميع.
— وما الفرحة الأولى؟ هيا، أخبروني لأفرح معكم.
قال ناروت مبتسمًا:
— ستصبح خالًا يا ستيف. استعد، فلن تسلم من الهدايا لابن أختك الصغير.
اتسعت ابتسامة ستيف.
— إنه أسعد خبر سمعته منذ فترة التحاقي بالجيش. الحمد لله! مبارك يا حبيبتي.
وفي الغرفة المجاورة، كانت مونيكا تسمع كل كلمة.
كانت التبريكات تصل إلى أذنيها وكأنها طعنات متتالية، فجلست على طرف السرير، ترتجف من الغضب والغيرة والخوف.
وفجأة فُتح الباب.
كانت مينا تقف أمامها.
— مونيكا، حبيبتي... هل أنتِ بخير؟
رفعت مونيكا عينيها إليها، وكان الحقد مختلطًا بالانكسار في نظراتها.
— دعيني وشأني واخرجي. أشعر بالنعاس الشديد.
مدّت يدها إلى علبة السجائر، وأشعلت واحدة، ثم أخذت تنفث دخانها بعصبية.
نظرت إليها مينا بقلق.
— حسنًا، سأعود إليك بعد أن ترتاحي. لكنني أعرف أنك تخفين شيئًا، وعندما تكونين مستعدة للكلام سأكون هنا.
صرخت مونيكا:
— اخرجي! ليس لدي أي مشكلة! اخرجي ودعيني وشأني!
تراجعت مينا بخيبة، ثم خرجت وهي تلتفت خلفها أكثر من مرة، وكأنها تتمنى أن تناديها أختها وتطلب منها البقاء.
لكن الباب أُغلق.
وبمجرد أن أصبحت مونيكا وحدها، انفجرت بالبكاء والغضب، وراحت تدفع الأشياء من حولها وتصرخ، حتى أنهكها التعب وغلبها النوم.
في الخارج، لاحظ ناروت أن مينا لم تعد كما كانت.
اقترب منها وقال:
— علينا العودة إلى البيت، فأنت بحاجة إلى الراحة.
قالت مينا:
— ولكن...
قاطعها بلطف:
— هيا بنا. لن يهتم بك أحد بعد الآن غيري. أنتِ الآن بحاجة إلى الهدوء، يا حبيبتي... يا أم طفلي.
ابتسمت مينا رغم قلقها، ثم غادرت معه.
وفي طريقها، قالت في نفسها:
«لن أخبر أحدًا بقلقي عليها. سأكلمها بعد أن نصل إلى المنزل. ربما تكون قد ارتاحت، وحينها ستخبرني بما يؤلمها.»
غادرا المكان.
أما هيلاري، فانشغل برنين هاتفه ودخل غرفته، بينما ذهب ستيف إلى غرفته ليلم أغراضه التي يحتاج إليها.
ثم غادر دون أن يودع أحدًا.
لكنه أرسل رسالة إلى أبيه:
«لم أشأ أن أودعكم يا أبي. ستطول مدة غيابي هذه المرة. فقط أريد دعواتكم لي وللبلد.»
لكن هيلاري لم ينتبه إلى الرسالة، فقد كان منشغلًا بهاتفه.
مرت الأيام.
بدأ بطن مونيكا يكبر شيئًا فشيئًا، بينما لم يتحمل ديفيد أي مسؤولية تجاهها.
وفي إحدى الليالي، وصلتها رسالة منه عبر واتساب:
ديفيد: — ماذا فعلت حتى الآن؟ هل أنت غبية؟ بطنك يكبر وستفضحين نفسك. غدًا سأكلم الطبيب. أخبري أباك أننا سنخرج في رحلة معًا، وجهزي نفسك.
اشتعل غضب مونيكا، وردت عليه:
— أحمق! كاذب! تلاعبت بي وخذلتني. كان عليك أن تسرع في الزواج مني حتى تستر الفضيحة.
جاءها الرد سريعًا:
— أقسم أنه إن بقيتِ بهذا الغباء فسأتخلى عنك تمامًا.
كتبت:
— أكرهك يا ديفيد... أكرهك.
ثم أغلقت الهاتف، وانفجرت بالبكاء.
لم تعد تعرف ماذا تفعل.
كانت محاصرة بين خوفها من عائلتها، ورفض ديفيد لها، وحملها الذي أصبح أمرًا لا يمكن إخفاؤه طويلًا.
وبعد لحظات، نهضت واتجهت نحو الباب.
خطرت لها فكرة واحدة.
ناروت.
ربما يستطيع مساعدتها.
كانت مينا نائمة بجوار ناروت، بعدما حاولت مونيكا التواصل معها مرات عديدة، لكنها كانت قد حظرت رقم أختها.
وفي الصباح الباكر، اهتز هاتف ناروت.
فتح عينيه بحذر، وأمسك الهاتف حتى لا يوقظ مينا.
كانت الرسالة من مونيكا:
«أرجوك يا ناروت، لا تخبر مينا. أريد مساعدتك بسرعة. مونيكا.»
عقد ناروت حاجبيه.
وقال في نفسه:
«ما بها مونيكا؟ خيرًا إن شاء الله.»
ثم اتصل بها، وبعد حديث قصير اتفقا على أن يلتقيا بعد ساعة.
وفي تلك الأثناء، كان معظم أفراد العائلة لا يزالون نائمين.
أما هيلاري فكان مستيقظًا.
دخل عليه ستيف، فوجده ممسكًا بهاتفه، وكانت ملامحه مختلفة على نحو لفت انتباهه.
— أبي، ما بك؟ هل أنت بخير؟
ارتبك هيلاري قليلًا.
— وأنت؟ لماذا أنت مستيقظ في هذا الوقت المبكر؟
ابتسم ستيف بحزن.
— جئت لأودعك قبل أن يستيقظ الجميع.
نظر إليه هيلاري طويلًا.
— هل حان وقت رحيلك يا بني؟
— أجل يا أبي. سأشتاق إليكم... وأحتاج دعواتك الدائمة.
ترك هيلاري هاتفه على السرير، ثم اقترب من ابنه واحتضنه بقوة.
ودّعه ودعا له طويلًا، ثم قال:
— أنت بطل يا بني... والوطن يناديك.
ابتعد ستيف ببطء.
— إلى اللقاء يا أبي.
خرج من المنزل دون أن يودع بقية العائلة.
كان يشعر بشعور غريب لا يستطيع تفسيره.
توقف عند الباب، ونظر إلى أرجاء المنزل زاويةً زاوية.
وكأن صوتًا خفيًا في داخله يقول:
«عد... ودّع الجميع. ربما لن تراهم ثانية.»
هز رأسه وكأنه يريد طرد الفكرة من ذهنه، ثم أسرع إلى الحافلة وغادر.
عاد هيلاري إلى غرفته بعد أن مسح دموعه.
وفي تلك اللحظة دخلت مونيكا.
كانت تريد إخبار أبيها بأنها ستغادر، لكنها لم تجده.
لاحظت هاتفه فوق السرير، فتوقفت.
لمعت في عينيها نظرة فضول.
اقتربت وأمسكت الهاتف.
كانت هناك رسائل من فتاة تدعى جويل.
قرأت مونيكا بعضها، ثم تمتمت:
«تبًا لك يا هيلاري! أنا أخاف من إخبارك بحالي، وأنت تفكر في امرأة أخرى في هذا العمر؟»
ومن شدة غضبها، كتبت رسالة إلى جويل من هاتف أبيها:
— ليس لدي وقت لأمثالك. لا تحاولي تخريب حياتي يا فتاة.
ثم حذفت الرسالة سريعًا وأعادت الهاتف إلى مكانه، وغادرت.
بعد لحظات، عاد هيلاري.
وما إن فتح هاتفه حتى وجد رسائل غاضبة من جويل.
— أيها السافل! أتجرؤ على اتهامي بتخريب حياتك؟
اتسعت عينا هيلاري.
— ما بك يا حبيبتي؟
جاء الرد سريعًا:
— اخرس! لست حبيبتك. لا تكلمني ثانية!
وفجأة توقفت الرسائل.
حدق هيلاري في الشاشة.
— لقد حظرتني... تبًا!
ثم أرسل إليها رسالة عادية:
— أقسم أنني كنت في الحمام. لا بد أن أحدًا دخل غرفتي وعبث بهاتفنا.
وبعد لحظات اتصلت به.
— هل يجرؤ أحد من أهل بيتك على فعل هذه التصرفات المهينة؟ عليك أن تضع حدًا لهذا الأمر، وأن تعرف من فعلها.
حاول هيلاري تهدئتها.
— مؤكد أنها مونيكا. ربما كانت تحاول المزاح معنا.
صمتت جويل لحظة، ثم قالت بنبرة ساخرة:
— مزاح؟ أتسمي هذا مزاحًا؟ لعلمك، أنا لا أحب هذا النوع من المزاح يا هيلاري.
— اهدئي يا روح هيلاري.
ضحكت جويل بمكر.
— أحبك يا مراهقي... متى سنصبح معًا؟
ابتسم هيلاري.
— فورًا. فقط قولي نعم، وسأتزوجك.
— موافقة.
لم يتمالك هيلاري نفسه، فصرخ كالمراهقين:
— لا أصدق! حبيبتي! كم أنا سعيد يا جويل!
— وأنا أيضًا يا قلب جويل. هيا تعال إليّ، كم أشتاق إليك أيها الشقي.
— فورًا... أنا قادم.
وفي لحظات، نسي هيلاري ابنه الذي غادر البيت، ونسي هموم عائلته، وانشغالات بلده، وهرع إلى لقاء جويل.
وقف أمام المرآة، ورش عطره، ثم ارتدى أفضل ملابسه.
وقال لنفسه بابتسامة:
«عليّ أن أبدو بأفضل صورة أمام حبيبتي جويل.»
وفي الوقت نفسه، كانت مونيكا تجلس أمام ناروت في أحد المطاعم.
كانت تحرك يديها بتوتر، وكأن الكلمات عالقة في حلقها.
قال ناروت:
— مونيكا، ما الأمر؟ لقد أخفتني رسالتك.
رفعت عينيها إليه.
— ناروت... لا أعرف كيف أخبرك، ولا أعرف حتى لماذا اخترتك أنت.
ابتسم لها:
— بالتأكيد لأنني أخوكِ، أليس كذلك؟
خفضت رأسها.
— شكرًا يا ناروت. أنا أثق بك، وأحتاج مساعدتك.
— تكلمي. مهما كان الأمر، سأسمعك.
تنفست مونيكا بعمق.
— للأسف... أخطأت أنا وديفيد في علاقتنا قبل الزواج، وضعفت أمامه مرارًا.
تغيرت ملامح ناروت.
— ماذا فعلتِ؟ ألم تفكري في أهلك؟
طأطأت رأسها، وبقيت صامتة لثوانٍ.
ثم قالت:
— غرر بي بحجة أننا سنتزوج قريبًا. وها هو الآن يتخلى عني بعدما ظهر حملي.
حدق ناروت فيها بصدمة.
— حمل؟! أنتِ حامل؟
أومأت مونيكا والدموع تملأ عينيها.
— نعم... وهو يريد مني أن أتخلص من الطفل. لقد كان جبانًا. ورغم كل توسلاتي له أن يسرع في الزواج، إلا أنه تخلى عني.
ساد الصمت بينهما.
نظر ناروت إلى مونيكا طويلًا، بينما راحت هي تمسح دموعها.
ثم قال:
— مونيكا... ما فعلته كان خطأ، لكن الطفل لا ذنب له. الآن علينا أن نفكر بهدوء، وأن نجد حلًا يحميك ويحميه.
رفعت مونيكا رأسها إليه، وكأنها وجدت أخيرًا شخصًا يمكنها أن تتشبث به.
لكنها لم تكن تعرف أن طلبها من ناروت سيصبح بداية سلسلة من الأسرار التي ستقلب حياة العائلة كلها...
وفي مكان آخر، كان ديفيد يخطط لشيء لم يخطر على بالها.
يتبع...
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!