الفصل التاسع
الفصل التاسع: الوقت المتبقي
بدأت رحلة العلاج في صباح بارد من أيام الشتاء. استيقظ آدم قبل إيلينا، وأعد لها الفطور، ثم ساعدها على ارتداء معطفها قبل أن يخرجا إلى المستشفى. حاول أن يبدو هادئًا، لكنه كان يخفي خوفًا لم يعرف كيف يتعامل معه. أما إيلينا، فكانت تمسك يده طوال الطريق، وتنظر أحيانًا من النافذة، وكأنها تحاول أن تحفظ تفاصيل الشوارع التي اعتادت المرور بها. وعندما وصلا، التفتت إليه وقالت: «أريد منك طلبًا واحدًا». أجابها فورًا: «أي شيء». ابتسمت وقالت: «لا تنظر إليّ طوال الوقت وكأنني على وشك الاختفاء». تألم آدم من كلماتها، لكنه حاول الابتسام وقال: «سأحاول، لكنني لا أستطيع أن أعدك بألا أقلق عليكِ». ضحكت بخفة، ثم دخلت معه لبدء العلاج.
لم تكن الأيام التالية سهلة. عانت إيلينا من التعب والغثيان، وأصبحت تحتاج إلى ساعات طويلة من الراحة، بينما كان آدم يحاول تنظيم مواعيدها واحتياجات المنزل والعمل الذي اضطر إلى تقليل ساعات حضوره فيه. وفي الأيام التي كانت تشعر فيها بتحسن، كانت تصر على إعداد القهوة له بنفسها، رغم اعتراضه، وتقول إنها لا تريد أن تتحول إلى مريضة لا تفعل شيئًا سوى النوم وانتظار العلاج. كان يراقبها بقلق، لكنه بدأ يتعلم أن يساعدها دون أن يشعرها بالعجز. وفي إحدى الأمسيات، وجدها تحاول ترتيب الكتب على الرف، فاقترب منها وأخذ الكتب من يدها. قالت بانزعاج خفيف: «آدم، أستطيع فعل ذلك». أجابها: «أعرف أنكِ تستطيعين، لكن دعيني أساعدكِ». نظرت إليه لحظة، ثم ابتسمت وقالت: «حسنًا، لكن ضعها كما كانت، وإلا سأضطر إلى إعادة ترتيبها كلها». ضحك للمرة الأولى منذ أيام، وشعر بسعادة غريبة لأنه استطاع أن يجعلها تضحك أيضًا.ومع مرور الأسابيع، أدرك آدم أن إيلينا لم تكن بحاجة إلى شخص يتحدث عن المرض طوال الوقت، بل إلى زوجها الذي أحبته قبل أن تعرف معنى الخوف من الغد. لذلك بدأ يحاول أن يعيد إلى حياتهما بعض تفاصيلها القديمة. صار يترك هاتفه في غرفة أخرى أثناء العشاء، ويجلس معها ليستمع إلى حديثها عن الكتب التي تقرؤها، ويخبرها بما يحدث في يومه حتى لو كان الأمر مجرد موقف مضحك في الطريق. وفي أحد الأيام، استيقظت إيلينا وهي تشعر بتحسن، فاقترحت أن يخرجا إلى الحديقة القريبة من منزلهما. تردد آدم خوفًا من أن تتعب، لكنها قالت: «لن أمشي كثيرًا، أريد فقط أن أرى الأشجار». اصطحبها إلى هناك، وجلسا على مقعد خشبي تحت شجرة عارية من الأوراق. بقيت إيلينا تنظر إلى الأطفال وهم يلعبون في الطرف الآخر من الحديقة، ثم قالت: «هل تتذكر حين أخبرتك أنني أريد منزلًا بنافذة واسعة وحديقة؟» ابتسم آدم وقال: «بالطبع، وما زلت أعمل على تحقيق ذلك». التفتت إليه وقالت: «آدم، لدينا نافذة واسعة، ولدينا أزهار في المنزل. أحيانًا أشعر أنك لا ترى الأشياء التي حققناها لأنك مشغول بما لم نحققه بعد». صمت قليلًا، ثم نظر إلى الأشجار أمامه. كانت محقة، فقد قضى سنوات يطارد حياة يتخيلها أجمل من حياته الحالية، حتى كاد ينسى أن السعادة التي بحث عنها كانت تجلس بجانبه طوال الوقت.في تلك الليلة، عاد آدم إلى المنزل ومعه دفتر جديد وأقلام ملونة. وضعها أمام إيلينا وقال: «أريدكِ أن تكتبي فيه كل الأشياء التي تريدين فعلها». نظرت إليه باستغراب وسألته: «مثل ماذا؟» أجاب: «أي شيء. الأماكن التي تريدين زيارتها، الكتب التي تريدين قراءتها، والأشياء التي لم نجربها بعد». أخذت الدفتر وابتسمت، ثم قالت: «أنت تعرف أنني لا أستطيع السفر إلى نصف العالم الآن». جلس بجانبها وقال: «إذن نبدأ بالأشياء التي نستطيع فعلها هنا». فكرت قليلًا، ثم كتبت: تناول الإفطار في مقهى جديد، مشاهدة فيلم قديم، شراء نبات جديد للنافذة، وزيارة البحر. وعندما قرأ آدم آخر أمنياتها، رفع رأسه وقال: «سنذهب إلى البحر». أجابته: «حين يسمح الطبيب بذلك». فقال: «حين يسمح الطبيب بذلك». لم يعد يحدد موعدًا بعيدًا أو يطلب منها الانتظار حتى تتحسن ظروفه؛ صار يحاول أن يفعل ما يستطيع في الوقت الذي يملكانه. وفي الأيام التالية، أنجزا بعض أمنيات الدفتر. تناولا الإفطار في مقهى صغير، وشاهدا فيلمًا قديمًا في المنزل، واشترى لها نباتًا جديدًا اختارت له مكانًا قرب النافذة. لم تكن أيامهما خالية من الألم، لكنهما وجدا في تلك التفاصيل الصغيرة أسبابًا للاستمرار.وفي أحد الأيام، بينما كان آدم يساعد إيلينا على العودة إلى المنزل بعد جلسة علاجية، قالت له فجأة: «هل تركت عملك بسببي؟» أجابها: «قللت ساعات العمل فقط». نظرت إليه بقلق وقالت: «لا أريدك أن تخسر كل شيء من أجلي». توقف عن السير والتفت إليها: «أنتِ لستِ سبب خسارتي لأي شيء. أنتِ زوجتي، ومكانكِ بجانبي ليس عبئًا». قالت بصوت منخفض: «لكنني أراك متعبًا طوال الوقت، وأعرف أنك تقلق بشأن المال». أمسك يدها وقال: «سأجد حلًا. لا أريدكِ أن تحملي همّ ذلك أيضًا». بقيت صامتة، ثم قالت: «أتمنى لو كان بإمكاني أن أجعلك أقل خوفًا». ابتسم بحزن وقال: «وأنا أتمنى لو كان بإمكاني أن آخذ كل هذا الألم عنكِ». لم يتحدثا بعدها، لكنهما واصلا السير ببطء حتى وصلا إلى المنزل. وفي المساء، اتصل آدم بوالدته ماريان، وأخبرها بأنه بدأ يشعر بالعجز أمام ما تمر به إيلينا. استمعت إليه، ثم قالت: «لا تستطيع أن تمنع عنها كل ألم يا بني، لكنك تستطيع أن تجعلها تعرف أنها ليست وحدها». بقي يفكر في كلماتها بعد انتهاء المكالمة، ثم عاد إلى غرفة النوم، حيث كانت إيلينا تنتظره لتخبره عن حلم رأته، فجلس بجانبها واستمع إليها حتى انتهت من الحديث.مرت الأشهر، ولم تكن استجابة إيلينا للعلاج كما تمنيا. كانت هناك أيام تتحسن فيها قليلًا، فتستعيد بعض نشاطها وتضحك وتخطط لأشياء جديدة، ثم تأتي أيام أخرى يشتد فيها التعب وتصبح أبسط المهام مرهقة بالنسبة إليها. لم يكن الطبيب يمنحهما يقينًا بشأن المستقبل، وكان يشرح لهما النتائج بوضوح، مع التأكيد على ضرورة متابعة العلاج وتقييم الاستجابة باستمرار. حاول آدم أن يتمسك بكل تحسن، مهما كان صغيرًا، لكنه كان يشعر بالخوف كلما رأى إيلينا تفقد جزءًا من قوتها. ومع ذلك، لم يسمح لذلك الخوف بأن يمنعه من الجلوس معها أو الحديث إليها. صار يعرف متى تحتاج إلى الراحة، ومتى تريد أن تتحدث، ومتى لا تريد سوى أن يمسك يدها دون أن يسألها عن شيء. أما إيلينا، فكانت تلاحظ تغيره، لكنها لم تكن تريد أن يكون مرضها هو الشيء الوحيد الذي يحدد حياتهما. وفي إحدى الليالي، طلبت منه أن يجلس معها قرب النافذة. كانت تمسك كوبًا دافئًا بين يديها، بينما كانت أضواء الشارع تنعكس على الزجاج. قالت: «آدم، هل أنت سعيد معي؟» نظر إليها بدهشة، ثم أجاب: «بالطبع، لماذا تسألين؟» ابتسمت وقالت: «لأنني أشعر أحيانًا أنك نسيت كيف تعيش، وأن كل ما تفعله هو محاولة إنقاذي». اقترب منها وأمسك يدها، ثم قال: «أنا لا أريد إنقاذك فقط، أريد أن أعيش معكِ. أريد أن أسمع صوتكِ كل صباح، وأن أتشاجر معكِ بشأن الأشياء الصغيرة، وأن أجد كتبكِ في كل مكان. أريد حياتنا العادية التي كنت أظن أن لديّ وقتًا طويلًا لأعيشها». امتلأت عيناها بالدموع، فمسحت إحداها وقالت: «إذن، دعنا نعيشها ما استطعنا». أومأ برأسه، ثم أسندت رأسها إلى كتفه وبقيا قرب النافذة حتى غلبها النعاس.وفي صباح يوم آخر، استيقظ آدم فوجد إيلينا تنظر إليه بهدوء. سألها إن كانت تشعر بألم، فأجابت بالنفي، ثم قالت: «كنت أفكر في أول مرة التقينا فيها في الجامعة». ابتسم وقال: «كنتِ تحاولين إنقاذي من دخول القاعة الخطأ». ضحكت وقالت: «وكنتَ مرتبكًا إلى درجة أنك لم تعرف كيف تشكرني». أجابها: «كنت مرتبكًا لأنني كنت أنظر إليكِ أكثر مما ينبغي». هزت رأسها وهي تبتسم، ثم قالت: «أتمنى لو نستطيع العودة إلى ذلك اليوم، ولو لساعة واحدة». شعر آدم بغصة في حلقه، لكنه لم يرد أن يجعل ذكرياتها تتحول إلى حزن، فقال: «لا نستطيع العودة، لكن يمكننا أن نتذكره معًا». مدت يدها إليه، فأمسكها وقبّلها. وبعد قليل، طلبت منه أن يفتح الدرج ويخرج دفتر الأمنيات. قلبا الصفحات، وتوقفا عند الأمنيات التي حققاها، ثم عند زيارة البحر التي لم يستطيعا القيام بها بعد. نظر آدم إليها وقال: «ما زلت أريد أن آخذكِ إلى هناك». ابتسمت إيلينا وقالت: «وأنا ما زلت أريد الذهاب معك». لم يعرف إن كانا سيتمكنان من تحقيق ذلك، لكنه لم يرد أن يحول الأمنية إلى وعد بعيد آخر، فبدأ في سؤال الطبيب عن إمكانية القيام برحلة قصيرة إذا سمحت حالتها الصحية.في تلك الفترة، أصبح آدم أكثر انتباهًا إلى كل ما تقوله إيلينا، حتى الكلمات التي تبدو عادية. صار يحفظ حكاياتها الصغيرة، ويحتفظ بالرسائل التي تتركها له، ويصورها أحيانًا وهي تضحك، بعدما كانت تعترض في السابق على التقاط الصور دون استعداد. وحين سألته عن سبب إصراره، قال إنه يريد الاحتفاظ بذكريات جميلة لهما. ابتسمت وقالت: «إذن التقط صورة جيدة هذه المرة، فأنا لا أريد أن أبدو متعبة». ضحك وقال: «أنتِ جميلة حتى عندما تكونين غاضبة مني». ضربت ذراعه بخفة، ثم ضحكا معًا. كانت لحظات عادية، لكنها أصبحت بالنسبة إلى آدم أثمن من أي شيء امتلكه أو حلم بامتلاكه. ومع ذلك، لم يستطع التخلص من الخوف الذي يرافقه في كل زيارة إلى المستشفى، ولا من الأسئلة التي تتكاثر في رأسه كلما رأى الطبيب يراجع نتائج الفحوصات. كان يتمنى أن يطمئنه أحدهم بأن كل شيء سينتهي بخير، لكنه بدأ يفهم أن الحب، مهما كان عظيمًا، لا يمنح الإنسان القدرة على التحكم في كل ما يحدث.وفي إحدى الأمسيات، بينما كانت إيلينا تستريح في غرفتها، جلس آدم وحده في غرفة الجلوس، وفتح دفتر الأمنيات. مرر أصابعه على الكلمات التي كتبتها بخطها الجميل، ثم توقف عند أمنية صغيرة لم ينتبه إليها من قبل: «أن نقضي يومًا كاملًا معًا دون أن ينشغل آدم بالعمل». شعر بألم عميق في صدره، وتذكر كل المرات التي قالت له فيها إن الغد سيكون أفضل، وكل مرة صدق فيها أن أمامهما وقتًا كافيًا. أغلق الدفتر وأخفى وجهه بين يديه، وبكى بصمت حتى لا تسمعه. لم يكن يبكي لأنه ندم على حبها، بل لأنه أدرك كم من اللحظات الجميلة يمكن أن تضيع دون أن يشعر الإنسان بقيمتها. وحين سمع خطواتها، مسح وجهه سريعًا، لكنها لاحظت احمرار عينيه. جلست بجانبه وسألته: «هل كنت تبكي؟» حاول أن ينكر، لكنه لم يستطع. فقالت برفق: «تعال هنا». اقترب منها، فاحتضنته رغم تعبها، وأخذت تمرر يدها على ظهره كما كان يفعل معها. همس لها: «لا أعرف كيف سأعيش إن حدث لكِ شيء». أغمضت عينيها، ثم قالت: «لا تطلب مني أن أجيبك عن شيء لا أعرفه يا آدم. أنا خائفة مثلك، لكنني هنا الآن». رفع رأسه ونظر إليها، فأضافت: «دعنا لا نمضِ الوقت الذي نملكه في الخوف من الوقت الذي قد نخسره». احتضنها من جديد، وبقي معها طويلًا، مدركًا أن كل ما يستطيع فعله هو أن يحبها في الأيام التي ما زالت تجمعهما.ومع اقتراب نهاية الشتاء، لم يعد آدم يعد الأيام التي تمر، بل صار يحاول أن يمنح كل يوم معنى خاصًا. كان يعرف أن الطريق لا يزال طويلًا، وأن العلاج قد يحمل لهما أخبارًا جيدة أو صعبة، لكنه لم يعد يريد أن يعيش بعيدًا عن إيلينا وهو ينتظر نتيجة لا يستطيع التحكم فيها. وفي إحدى الليالي، نامت إيلينا على الأريكة ورأسها فوق كتفه، بينما كان التلفاز يعمل بصوت منخفض. لم يحاول إيقاظها أو نقلها إلى السرير، بل بقي ساكنًا حتى لا يزعجها، ينظر إلى وجهها ويستمع إلى أنفاسها الهادئة. تذكر اليوم الذي التقاها فيه، واليوم الذي طلب فيه الزواج منها، والليلة التي دخلا فيها منزلهما للمرة الأولى، والوعود التي قطعاها قرب النافذة. ثم نظر إلى يدها المستقرة فوق يده، وأمسكها برفق، وكأنه يريد أن يخبرها دون كلمات أنه لم يعد يفكر في الغد وحده. لقد فهم أخيرًا ما حاولت إيلينا أن تقوله له طوال أشهر: لم يكن المستقبل الذي أراد بناءه منفصلًا عن اللحظات الصغيرة التي كان يعيشها معها، بل كان يتكون منها. وبينما كانت تنام بسلام، همس لها: «أنا هنا يا إيلينا». لم تستيقظ، لكنها تحركت قليلًا واقتربت منه. فابتسم وسط دموعه، وأبقى يده حولها، غير مدرك أن الأيام المقبلة ستحمل اختبارات أشد قسوة، وأنه سيحتاج إلى قوة لم يتخيل يومًا أنه سيضطر إلى امتلاكها.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!