وضع القراءة:

الفصل العاشر

بدأ الربيع يقترب، لكن منزل آدم وإيلينا لم يعد يشبه ذلك المنزل الذي استقبلا فيه حياتهما الجديدة قبل عامين. كانت الزهور لا تزال قرب النافذة، والكتب تملأ الرفوف، ودفتر الأمنيات موضوعًا على الطاولة، لكن إيلينا أصبحت تقضي معظم يومها في السرير، وقد أنهكها المرض والعلاج. حاول آدم أن يتمسك بالأمل، حتى عندما كانت نتائج الفحوصات تأتي مخيبة لآمالهما، وحتى عندما صار الطبيب يتحدث بحذر أكبر عن حالتها والخيارات المتاحة. لم يكن يريد أن يفكر في النهاية، ولم يكن مستعدًا لتخيل منزل لا يسمع فيه صوتها. لذلك استمر في الاهتمام بها، يطعمها حين تعجز عن تناول الطعام وحدها، ويساعدها على الحركة، ويقرأ لها الكتب التي تحبها، ويخبرها كل مساء بما حدث في يومه، حتى لو لم يحدث شيء يستحق الذكر. كانت إيلينا تستمع إليه بابتسامة هادئة، وأحيانًا تقاطعه لتصحح له كلمة أو تسخر من طريقة روايته للأحداث، فيضحكان معًا، ويشعر آدم للحظات أن حياتهما عادت كما كانت.في أحد الأيام، استيقظت إيلينا وهي تشعر بتحسن نسبي، فطلبت من آدم أن يساعدها على الجلوس قرب النافذة. أحضر لها وسادة ووضعها خلف ظهرها، ثم جلس بجانبها. ظلت تنظر إلى الأزهار طويلًا قبل أن تقول: «أتعلم؟ أظن أن هذه الزهور أصبحت أقوى مني». ابتسم آدم وقال: «لأنكِ لا تعطينها فرصة لترتاح من اهتمامكِ بها». ضحكت بخفة، ثم نظرت إليه وقالت: «أريد أن أطلب منك شيئًا». أمسك يدها وقال: «اطلبي ما تشائين». قالت: «إذا حدث يومًا أنني لم أعد أستطيع الحديث معك، فلا تظن أنني لم أسمعك حين كنت تتحدث إليّ». تغيرت ملامحه فورًا، وقال: «لماذا تقولين هذا؟ ستتحسنين، وسنتحدث عن هذه الأيام بعد سنوات، وسنضحك على كل ما مررنا به». لم تجادله، بل اكتفت بالنظر إليه. ثم قالت: «أتمنى ذلك يا آدم، صدقني، أتمنى ذلك أكثر مما تتخيل». انحنى وقبّل يدها، محاولًا إخفاء دموعه، لكنها رفعت يدها إلى وجهه ومسحت دمعة سقطت على خده. «لا أريدك أن تخاف طوال الوقت». أجابها بصوت مكسور: «لا أستطيع، أنتِ كل ما لديّ». فابتسمت بحزن وقالت: «وأنتَ أجمل ما حدث لي».بعد أيام، تدهورت حالتها بصورة ملحوظة، واضطر آدم إلى نقلها إلى المستشفى. قضى ساعات بجانب سريرها، ممسكًا يدها، بينما كان الأطباء يتابعون حالتها ويحاولون تخفيف معاناتها. لم يعد يسأل عن العمل، ولم يعد يهتم بالمكالمات التي تصل إلى هاتفه، ولم يعد يفكر في المال أو المستقبل. كان كل ما يريده أن تفتح إيلينا عينيها وتنظر إليه كما اعتادت. وحين استعادت وعيها قليلًا في إحدى الليالي، وجدته جالسًا بجانبها، وملامحه متعبة من السهر. همست: «آدم؟» اقترب منها فورًا وقال: «أنا هنا، حبيبتي». نظرت إليه طويلًا، ثم سألته: «هل ما زلت تحتفظ بدفتر الأمنيات؟» أومأ برأسه، فأكملت: «لا تدعه يضيع». حاول أن يبتسم وقال: «سنكمل كتابة الأمنيات عندما تعودين إلى المنزل». لكنها لم تجبه، بل رفعت يدها بصعوبة وأمسكت يده. ثم قالت: «أريد أن أراك سعيدًا، حتى لو لم أكن بجانبك». هز رأسه بعنف، وكأنه يرفض حتى سماع الكلمات. «لا تتحدثي هكذا، أرجوكِ. سنعود إلى منزلنا، وسأشتري لكِ كل الكتب التي تريدينها، وسنذهب إلى البحر كما وعدتكِ». ابتسمت إيلينا ابتسامة ضعيفة، وقالت: «كنت أعرف أنك ستتذكر البحر». ثم أغمضت عينيها من شدة التعب، وبقي آدم يردد أنها ستتحسن، وأنهما ما زالا يملكان الوقت.في الليلة التالية، جلس آدم بجانب سريرها يقرأ لها من أحد كتبها المفضلة. كان صوته منخفضًا، يتوقف بين حين وآخر ليسألها إن كانت تريد أن يستمر، لكنها لم تعد قادرة على الإجابة إلا بإيماءة صغيرة. وحين انتهى من الصفحة، وجدها تنظر إليه. أغلقت أصابعها حول يده بصعوبة، وهمست: «آدم، هل تتذكر أول مرة التقينا فيها؟» ابتسم وسط دموعه وقال: «بالطبع. كنتِ الوحيدة التي عرفت الطريق الصحيح إلى القاعة». قالت بصوت خافت: «وأنت كنتَ تظن أنك تعرف كل شيء». ضحك رغم ألمه، ثم قال: «كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط، وهو أنني أردت رؤيتك مرة أخرى». ظلت تنظر إليه، وكأنها تحاول أن تحفظ وجهه في ذاكرتها، ثم قالت: «أنا سعيدة لأنني التقيتك». انحنى نحوها وقبّل جبينها، وهمس: «وأنا سعيد لأنكِ أصبحتِ زوجتي». بقيت عيناه معلقتين بوجهها، ثم قالت بصعوبة: «أحبك يا آدم». أجابها على الفور: «أحبكِ أكثر مما تتصورين، وسأظل أحبكِ». أغمضت عينيها، وظل يمسك يدها حتى غلبه التعب للحظات.عندما استيقظ، لاحظ أن شيئًا قد تغير. نادى اسمها بهدوء، ثم كرره بصوت أعلى، لكنه لم يتلقَّ جوابًا. نهض مرتبكًا واستدعى الممرضة، وبعد دقائق دخل الأطباء إلى الغرفة، وطلبوا منه أن يبتعد قليلًا. وقف قرب الباب، عاجزًا عن فهم ما يحدث، يراقب حركتهم ويسمع أصواتهم دون أن يستوعب كلماتهم. مرت دقائق بدت له أطول من سنوات حياته كلها، ثم خرج الطبيب وتحدث إليه بصوت هادئ. لم يتذكر آدم الكلمات التي قيلت له كاملة، لكنه فهم معناها عندما رأى نظرة الطبيب. هز رأسه رافضًا، وقال: «لا، لقد كانت تتحدث معي قبل قليل. كانت تمسك يدي». حاول الطبيب أن يشرح له، لكن آدم تراجع خطوة وهو يكرر: «أنتم مخطئون، إنها متعبة فقط. دعوني أراها». وحين سمحوا له بالدخول، اقترب من سريرها ببطء. كانت ساكنة، وعيناها مغمضتين، ووجهها هادئًا على نحو لم يره من قبل. أمسك يدها، فوجدها باردة، فراح يفركها بين كفيه كما لو أنه يستطيع أن يعيد إليها دفئها. «إيلينا، استيقظي يا حبيبتي. لقد عدت إلى المنزل، أليس كذلك؟ قلتِ إننا سنذهب إلى البحر». لم تجبه. انحنى فوق يدها وبكى، ثم وضع رأسه قربها وهمس: «أرجوكِ، لا تتركيني وحدي».
لكن إيلينا لم تستيقظ.وبعد ساعات، خرج آدم من المستشفى وهو يحمل أغراضها الصغيرة في كيس، وفي جيبه خاتم زواجهما الذي طلبت منه الممرضة أن يحتفظ به. لم يكن يعرف كيف وصل إلى السيارة، ولا كيف قاد إلى المنزل. كل ما يتذكره أنه فتح الباب، ونادى اسمها كما اعتاد أن يفعل كل مساء: «إيلينا، لقد عدت». ثم سكت، منتظرًا أن يسمع صوتها من الغرفة الأخرى. لم يسمع شيئًا. وضع الكيس على الطاولة، وجلس على الأريكة التي اعتادا الجلوس عليها معًا، ثم نظر إلى النافذة حيث بقيت الأزهار التي زرعتها. كانت كل الأشياء في أماكنها، لكن الإنسانة التي منحتها معناها لم تعد هناك. أخرج دفتر الأمنيات وفتحه بيدين مرتجفتين، فوجد آخر أمنية كتبتها بخطها: «أن نقضي يومًا كاملًا معًا دون أن ينشغل آدم بالعمل». ظل ينظر إلى الكلمات طويلًا، ثم ضم الدفتر إلى صدره وانفجر بالبكاء.
في تلك الليلة، لم ينم آدم. بقي جالسًا قرب النافذة حتى الصباح، ينتظر أن يسمع صوت المفتاح في الباب، أو خطوات إيلينا وهي تقترب منه، أو حتى شكواها المعتادة من برودة الجو. لكنه لم يسمع سوى الصمت. وعندما أشرقت الشمس، أدرك أن المرأة التي وعدها بأنه لن يتركها وحدها قد رحلت، وأنه، رغم كل محاولاته، لم يستطع أن يمنع ذلك. ومع ذلك، لم يستطع أن يصدق أن الأمر انتهى. كان يشعر بأنها ستعود في أي لحظة، وأن كل ما حدث ليس سوى كابوس طويل سيستيقظ منه قريبًا.لم يكن يعرف أن أصعب أيام حياته لم تبدأ إلا الآن.
فقد رحلت إيلينا، وبقي آدم في المنزل الذي بنياه معًا، محاطًا بكل شيء أحبته، وعاجزًا عن فهم كيف يمكن للعالم أن يستمر بعد أن توقف عالمه كله.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.