الفصل الثامن
في صباح اليوم التالي، استيقظ آدم قبل موعده المعتاد، ولم يذهب إلى العمل كما يفعل كل يوم. أعد القهوة لإيلينا، لكنه لاحظ أنها لم تشرب سوى بضع رشفات، وأنها كانت تحرك أصابعها بتوتر وهي تنظر إلى النافذة. حاول أن يخفف عنها، فتحدث عن أشياء عادية، وعن زميله الذي أخطأ في تقرير مهم، وعن دانيال الذي كاد يرسب في أحد امتحاناته، لكن إيلينا لم تستطع أن تضحك كما اعتادت. وحين انتهيا من الاستعداد، خرجا معًا إلى العيادة. طوال الطريق، ظل آدم ممسكًا بيدها، وكلما شعر ببرود أصابعها ضغط عليها برفق، وكأنه يستطيع أن يمنحها بعض الطمأنينة بهذه الحركة البسيطة. وعندما وصلا، جلسا في غرفة الانتظار بين أشخاص لا يعرفان عنهم شيئًا، لكن إيلينا شعرت بأن الجميع يراقب خوفها، فأسندت رأسها إلى كتف آدم وهمست: «لا أعرف لماذا أشعر بأن شيئًا سيئًا سيحدث». التفت إليها وقال: «لأنكِ قلقة، وهذا طبيعي. ربما تكون النتائج أبسط مما نتخيل». أرادت أن تصدقه، فأغمضت عينيها وتمسكت بيده أكثر. بعد دقائق، خرجت الممرضة ونادت اسم إيلينا، فنهض آدم معها ودخلا إلى غرفة الطبيب. جلس الطبيب أمام ملفها، وراجع بعض الأوراق قبل أن يرفع عينيه إليهما. لم تعجب آدم الطريقة التي صمت بها الرجل طويلًا، ولا تلك النظرة التي حاول أن يجعلها هادئة. سأل الطبيب عن بعض الأعراض، ثم شرح أن نتائج الفحوصات أظهرت وجود مرض خطير يحتاج إلى تقييم متخصص وعلاج سريع، وأن هناك حاجة إلى فحوصات إضافية لتحديد مدى انتشاره واختيار العلاج المناسب. لم يفهم آدم كل المصطلحات التي استخدمها الطبيب، لكنه فهم شيئًا واحدًا من نبرة صوته: الأمر ليس بسيطًا كما كان يأمل.
شعرت إيلينا بأن الغرفة تضيق من حولها، وسألت بصوت مرتجف: «هل تقصد أنني مصابة بالسرطان؟» توقف الطبيب لحظة، ثم أجابها بجدية: «النتائج تشير إلى وجود سرطان، لكننا نحتاج إلى استكمال بعض الفحوصات لتحديد مرحلته بدقة. هناك علاجات يمكن أن تساعد، وسنشرح لكِ الخيارات بعد اكتمال التقييم». لم تتحرك إيلينا. ظلت تحدق في وجهه وكأنها تنتظر منه أن يتراجع عن كلماته ويخبرها بأن هناك خطأ في الأوراق. أما آدم، فقد شعر بأن شيئًا داخله قد انهار فجأة. أمسك يد زوجته، لكنه لم يجد الكلمات التي اعتاد استخدامها لطمأنتها. أراد أن يسأل عن العلاج، وعن فرص الشفاء، وعن كل شيء يمكن أن يعيد حياتهما إلى ما كانت عليه قبل دقائق، إلا أن الكلمات تداخلت في حلقه. كان الطبيب يشرح الخطوات المقبلة، لكن آدم لم يعد يسمع سوى كلمة واحدة تتكرر في رأسه: السرطان. وحين انتهى اللقاء، خرجا من العيادة بصمت. لم تبكِ إيلينا في البداية، بل سارت بجانبه وهي تنظر إلى الأرض، حتى وصلا إلى السيارة. عندها توقفت قبل أن تفتح الباب، ونظرت إليه وقالت: «آدم، هل سمعت ما قاله الطبيب؟» التفت إليها، فرأى في عينيها خوفًا لم يره من قبل. أجابها بصوت متعب: «سمعته يا حبيبتي». سألته: «هل أنا مريضة حقًا؟» اقترب منها وأمسك وجهها بين يديه، وقال: «سنذهب إلى أفضل الأطباء، وسنفعل كل ما نستطيع. لم نعرف كل شيء بعد، ولن نستسلم قبل أن نبدأ». عندها انهارت بين ذراعيه وبكت، وبكى معها دون أن يحاول إخفاء دموعه. لم يكن يعرف كيف يحميها من هذا الخوف، ولم يكن يملك وعدًا صادقًا بأن كل شيء سينتهي بخير، لكنه كان يعرف أنه لن يسمح لها بأن تواجهه وحدها.عندما عادا إلى المنزل، جلست إيلينا على الأريكة في المكان الذي اعتادت القراءة فيه، وظلت صامتة طويلًا. أعد آدم لها كوبًا من الماء، ثم جلس بجانبها، لكنه لم يعرف كيف يبدأ الحديث. كانت عيناه تنتقلان بين وجهها ويديها، وكأنه يحاول التأكد من أنها ما زالت أمامه، وأن الحياة لم تتغير إلى هذا الحد في ساعات قليلة. أخيرًا، قالت إيلينا: «كنت أظن أنني متعبة فقط. كنت أعتقد أنني بحاجة إلى النوم أكثر، وأن الأمر سيزول». أجابها: «وأنا ظننت ذلك أيضًا». ثم خفض رأسه وأضاف: «كان ينبغي أن أنتبه أكثر. كان ينبغي أن أسألكِ عن تعبكِ، وأن أصر على الذهاب معكِ إلى الطبيب منذ البداية». أمسكت يده وقالت: «لا تفعل هذا بنفسك يا آدم. لم أكن أعرف ما الذي يحدث لي، وأنت لم تكن تعرف أيضًا». لكنه لم يستطع التخلص من شعوره بالذنب. تذكر كل مرة عاد فيها متأخرًا، وكل مرة أخبرته بأنها متعبة فاكتفى بسؤال عابر، وكل مرة وعدها بأن يعوضها غدًا. والآن، للمرة الأولى، بدا له الغد شيئًا لا يستطيع الاعتماد عليه. نهض فجأة، وبدأ يتحدث عن المواعيد والفحوصات والأطباء الذين سيبحث عنهم، وعن المال الذي سيحتاجان إليه، وعن العمل الذي سيطلب إجازة منه. كانت إيلينا تستمع إليه، ثم قالت بهدوء: «اجلس بجانبي قليلًا. لا أريد أن نتحدث عن كل شيء الآن». توقف آدم ونظر إليها، ثم عاد وجلس. وضعت رأسها على كتفه، وبقيا صامتين. لم يكن الصمت هذه المرة علامة على البعد بينهما، بل كان اعترافًا بأنهما خائفان، وأن الكلمات مهما كثرت لن تجعل الحقيقة أقل قسوة.في الأيام التالية، تحولت حياتهما إلى مواعيد طبية وفحوصات وانتظار طويل. رافقها آدم في كل موعد استطاع حضوره، وأخذ إجازة من العمل كي لا يتركها وحدها. بحث عن أطباء متخصصين، وجمع التقارير الطبية، واتصل بالمراكز العلاجية، وكان يدوّن كل معلومة يسمعها خوفًا من أن ينسى شيئًا قد يكون مهمًا. أما إيلينا، فكانت تحاول أن تتعامل مع الأمر بهدوء، رغم أن الخوف كان يرافقها كلما استيقظت في الصباح. أحيانًا كانت تتحدث عن العلاج وكأنها تتحدث عن أمر يخص شخصًا آخر، وأحيانًا كانت تنهار بسبب تفصيل صغير، كأن ترى فستانها الأبيض معلقًا في خزانة الملابس، أو تعثر على صورة من رحلتهما القصيرة بعد الزواج. وفي إحدى الليالي، بينما كان آدم يراجع الأوراق الطبية على طاولة المطبخ، جاءت وجلست قبالته. قالت: «أريد أن أسألك شيئًا، لكنني أخشى أن تكون إجابته مؤلمة». ترك الأوراق جانبًا وقال: «اسأليني». ترددت قليلًا، ثم سألت: «هل تعتقد أنني سأموت؟» تجمدت ملامحه، وشعر بأن السؤال انتزع الهواء من صدره. نهض من مكانه وجلس بجانبها، ثم أمسك يدها وقال: «لا أعرف ماذا سيحدث يا إيلينا، ولن أكذب عليكِ وأقول إنني أعرف. لكنني سأكون معكِ في كل خطوة، وسنحارب هذا المرض بكل ما نستطيع». انهمرت دموعها، وقالت: «كنت أريد أن أسمع منك أنك تعرف أنني سأشفى». احتضنها بقوة وأجاب بصوت مكسور: «أتمنى ذلك أكثر من أي شيء في حياتي». بقيت بين ذراعيه، ثم همست: «أنا خائفة يا آدم». أغلق عينيه، وأسند خده إلى رأسها وقال: «أنا أيضًا خائف يا حبيبتي، لكننا لسنا وحدنا». كانت تلك أول مرة يعترف فيها أمامها بأنه خائف، فشعرت بأنها لم تعد مضطرة إلى التظاهر بالقوة طوال الوقت.بعد استكمال الفحوصات، جلسا مجددًا أمام الطبيب، الذي شرح لهما طبيعة المرض ونتائج التقييم والخطة العلاجية المقترحة. كانت الحالة خطيرة، وتحتاج إلى علاج مكثف ومتابعة مستمرة، لكن الطبيب أوضح أن الاستجابة للعلاج تختلف من شخص إلى آخر، وأنه لا يمكن الجزم بما سيحدث لاحقًا. استمع آدم إلى الشرح وهو يطرح الأسئلة واحدًا تلو الآخر، بينما جلست إيلينا تمسك حقيبتها الصغيرة وتضغط عليها بأصابعها. لم يكن أي منهما مستعدًا لسماع تلك التفاصيل، لكنهما عرفا أن عليهما مواجهتها. وبعد انتهاء الموعد، طلب آدم من الطبيب أن يخبره بكل ما يستطيع فعله لمساعدة زوجته، فشرح له الخطوات العملية التي ينبغي اتباعها، وأكد ضرورة الالتزام بالخطة ومراجعة الفريق الطبي عند ظهور أي أعراض جديدة. خرج آدم من الغرفة وهو يشعر بأن العالم الذي يعرفه أصبح بعيدًا، لكنه كان يحاول التمسك بفكرة واحدة: ما زال هناك ما يمكن فعله. وفي السيارة، التفت إلى إيلينا وقال: «سنبدأ العلاج في أقرب وقت. سأرتب كل شيء». نظرت إليه طويلًا، ثم قالت: «لا تجعل حياتك كلها تدور حول مرضي». استدار نحوها بدهشة، فأكملت: «أريدك أن تساعدني، وأن تكون معي، لكنني لا أريد أن تنسى نفسك أيضًا». أجابها: «كيف تطلبين مني ذلك وأنتِ تمرين بكل هذا؟» ابتسمت بحزن وقالت: «لأنني أحبك، ولأنني لا أريد أن يصبح كل ما تبقى من حياتنا خوفًا ومواعيد طبية». لم يجد جوابًا، فأمسك يدها طوال الطريق إلى المنزل.في تلك الليلة، لم يستطع آدم النوم. جلس قرب النافذة يتأمل الشارع الخالي، وتذكر كلمات إيلينا حين كانت تطلب منه أن يعود مبكرًا، وحين كانت تقول إنها لا تريد مستقبلًا مثاليًا، بل وقتًا تقضيه معه. أدرك للمرة الأولى أن كل ما كان يؤجله لم يكن مضمونًا، وأن الوقت الذي ظن أنه يملكه بلا حدود قد يكون أكثر قيمة مما فهم. لم يكن يستطيع العودة إلى الأيام الماضية، ولم يكن بإمكانه أن يمحو وحدتها أو يعيد إليها الطمأنينة التي فقدتها، لكنه استطاع أن يقرر ما سيفعله من الآن فصاعدًا. عاد إلى غرفة النوم، فوجد إيلينا مستيقظة تنظر إلى السقف. استلقى بجانبها، فالتفتت إليه وقالت: «لماذا لم تنم؟» أجابها: «كنت أفكر فينا». ابتسمت قليلًا وسألته: «وفي ماذا فكرت؟» أمسك يدها وقال: «في كل الأيام التي قلت لكِ فيها: غدًا. كنت أظن أنني أؤجل بعض الأشياء فقط، ولم أفهم أنني أؤجل حياتي معكِ. أنا آسف يا إيلينا». ظلت تنظر إليه، ثم اقتربت منه ووضعت يدها على وجهه. «لا أريدك أن تقضي ما يأتي من أيامنا وأنت تعتذر عن الأيام الماضية. أريدنا أن نعيش ما نستطيع من الآن». احتضنها، وشعر أن دموعه تنزل بصمت على شعرها. قال لها: «سأكون هنا، ولن أترككِ تواجهين هذا وحدكِ». أغمضت عينيها بين ذراعيه، ولم تقل شيئًا، لكنها تشبثت بقميصه كما لو أنها وجدت في حضنه مكانًا تستطيع أن تستريح فيه من خوفها.ومع اقتراب موعد بدء العلاج، تغيرت أولويات آدم تمامًا. لم يعد يفكر في الترقية أو المنزل الأكبر أو الأموال التي كان يريد جمعها قبل أن يسمح لنفسه بالاستمتاع بحياته. صار يسأل إيلينا عما ترغب في تناوله، ويجلس معها حين تتحدث، ويترك هاتفه بعيدًا عندما تكون بحاجة إليه. وفي صباح اليوم الذي سبقت فيه أول جلسة علاجية، استيقظ قبلها وأعد الفطور، ثم وضع أمامها كوب القهوة والكتاب الذي اشتراه لها قبل أسابيع. وحين جلست، نظر إليها وقال: «أريد أن نخرج اليوم، إلى المكان الذي التقينا فيه أول مرة». فوجئت بالاقتراح، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: «إلى الجامعة؟» أجاب: «نعم. أريد أن أجلس معكِ هناك، من دون عمل أو مكالمات أو أي شيء آخر». ظلت تنظر إليه، ثم مدت يدها وأمسكت يده. «أريد ذلك أيضًا». وفي تلك اللحظة، لم يكن آدم يعرف كم من الوقت سيملكان، لكنه عرف أخيرًا ما الذي ينبغي ألا يؤجله. أما إيلينا، فكانت تحاول أن تتمسك بالأمل، وأن تصدق أن الطريق الذي ينتظرهما، مهما كان صعبًا، لن تسيره وحدها. خرجا من المنزل معًا، وبينهما خوف لم يختفِ، لكنه لم يعد الشيء الوحيد الذي يجمعهما. فقد بقي الحب حاضرًا، هادئًا وصادقًا، يحاول أن يمنحهما القوة لمواجهة حقيقة لم يكن أي منهما مستعدًا لها.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!