الفصل الثاني عشر
مرّت أسابيع أخرى، ولم يتغير شيء في حياة آدم سوى أنها أصبحت أكثر فراغًا، كان يستيقظ كل صباح في المنزل نفسه، أمام النافذة نفسها، وبين الأشياء التي تركتها إيلينا خلفها، لكنه لم يعد يجد سببًا للنهوض، فلم يكن لديه عمل يعود إليه، ولا شخص ينتظره في المساء، ولا حلم يخطط له، وكأن حياته توقفت في اليوم الذي توقفت فيه حياة إيلينا، لكنه ظل يتحرك فقط لأن جسده لم يعرف كيف يتوقف، وكانت ماريان تحاول أن تبقى إلى جانبه قدر استطاعتها، تأتي إليه بالطعام وتفتح النوافذ وتجلس معه ساعات طويلة، بينما كان دانيال يحاول إخراجه من عزلته، لكن آدم كان يغرق أكثر فأكثر في صمته، وفي إحدى الزيارات وضعت ماريان أمامه ظرفًا يحتوي على بعض المال وقالت: «خذ هذا يا آدم، لا أريدك أن تقلق بشأن شيء الآن»، نظر إلى الظرف ثم دفعه نحوها بهدوء وقال: «أمي، أنا لا أحتاج إلى المال»، نظرت إليه بحزن وسألته: «إذًا إلى ماذا تحتاج؟»، بقي صامتًا طويلًا، ثم أجاب بصوت خافت: «أحتاجها»، ولم تجد ماريان ما تقوله، فاكتفت بالجلوس إلى جواره والإمساك بيده، وبعد لحظات قال آدم: «كل الناس يقولون لي إن الوقت سيجعلني أتجاوز الأمر، لكنني لا أريد أن أتجاوزها، أخاف أن يأتي يوم لا أتذكر فيه صوتها جيدًا، أو ضحكتها، أو الطريقة التي كانت تناديني بها»، فقالت له أمه: «نسيان الألم لا يعني نسيانها»، فأجابها وهو ينظر إلى الأرض: «أنا لا أريد أن يخف الألم، لأن الألم هو آخر شيء بقي لي منها».
وبمرور الأيام بدأت مدخراته تنفد، وتراكمت الفواتير، وتأخرت الإيجارات، ولم يعد صاحب المنزل مستعدًا للانتظار أكثر، حاول آدم أن يشرح له وضعه ووعده بأنه سيدفع حين يجد عملًا، لكن الرجل أخبره أنه لا يستطيع منحه مهلة أخرى، وعندما عاد آدم إلى المنزل في ذلك المساء جلس وسط الغرفة طويلًا، يحدق في الجدران التي شهدت ضحكاتهما وخلافاتهما الصغيرة وأحلامهما، ثم فتح الخزانة وأخرج أحد فساتين إيلينا ووضعه على الأريكة وكأنه ينتظر منها أن تعود وتأخذه، مرر يده فوق القماش وقال: «كنت أظن أننا سنبقى هنا سنوات»، ثم ابتسم ابتسامة موجعة وأضاف: «حتى البيت الذي اخترناه معًا لن يبقى لي»، وفي صباح اليوم التالي جمع بعض ملابسه في حقيبة صغيرة، ووضع فيها دفتر الأمنيات وصورة زفافهما ورسالة قديمة كتبتها له إيلينا، أما بقية أغراضها فلم يستطع أخذها، فبقيت في مكانها كما تركتها، وحين وقف عند الباب للمرة الأخيرة نظر إلى النافذة الواسعة، وإلى الأريكة التي كانت تجلس عليها، وإلى الكوب الذي كانت تفضله، وشعر للحظة أنها ستخرج من الغرفة وتناديه باسمه، لكنه أغلق عينيه وعرف أن ذلك لن يحدث، فأغلق الباب خلفه ومشى.
لم يعرف آدم إلى أين يذهب، فقضى ليلته الأولى على مقعد في محطة قديمة، واضعًا حقيبته تحت رأسه وصورة إيلينا قرب صدره، وفي الصباح اشترى كوبًا من القهوة بما تبقى معه ثم جلس يراقب الناس وهم يعبرون أمامه، كان الجميع ذاهبين إلى أماكنهم، إلى أعمالهم ومنازلهم وعائلاتهم، بينما كان هو يشعر بأنه لم يعد ينتمي إلى أي مكان، ومرت الأيام وتحولت حقيبته الصغيرة إلى كل ما يملك، فكان ينام أحيانًا في محطة، وأحيانًا تحت سقف مبنى قديم، وأحيانًا على مقعد في حديقة حين يسمح الطقس بذلك، ولم يكن يطلب شيئًا من أحد، ولم يكن يعرف حتى ماذا يمكن أن يطلب، فقد أصبح المال والعمل والمنزل أشياء بعيدة عن اهتمامه، وكان كل ما يريده شيئًا واحدًا لم يعد يستطيع الحصول عليه، وفي إحدى الليالي الممطرة وجد نفسه واقفًا أمام مقهى صغير كان قد زاره مع إيلينا قبل سنوات، نظر من خلال الزجاج فرأى زوجين يجلسان قرب النافذة ويتحدثان ويضحكان، فبقي واقفًا تحت المطر يتأملهما طويلًا، ثم ابتعد دون أن يشعر بالغضب أو الحسد، لأنه لم ير فيهما سوى صورة قديمة له ولإيلينا، تذكر كيف كانت تمسك يده فوق الطاولة وكيف قالت له ذات مساء: «لا أريد شيئًا كبيرًا يا آدم، أريد فقط أن تبقى معي»، يومها ابتسم لها وقال: «سنبقى معًا إلى الأبد»، كان الوعد صادقًا حين قاله، لكن الحياة لم تمنحهما الوقت الكافي ليختبر ذلك الوعد.
ومع مرور الأشهر أصبح آدم يقضي معظم وقته في الحديقة القريبة من المكان الذي كان يسكن فيه، يجلس على المقعد نفسه ويخرج صورة إيلينا من جيبه من حين إلى آخر، وفي أحد الأيام جلس بجانبه طفل صغير وسأله ببراءة: «هل تنتظر أحدًا؟»، نظر آدم إلى الطريق أمامه ثم ابتسم ابتسامة هادئة وقال: «نعم»، سأله الطفل: «من؟»، صمت آدم للحظات ثم أجاب: «امرأة أحببتها كثيرًا»، فقال الطفل: «ومتى ستأتي؟»، رفع آدم عينيه إلى السماء، وكأنه يبحث عن إجابة يعرفها منذ زمن، ثم قال: «لن تأتي»، فركض الطفل بعيدًا وبقي آدم وحده، وأخرج دفتر الأمنيات وقلب صفحاته ببطء حتى وصل إلى الصفحة التي كتبت فيها إيلينا أمنيتها الصغيرة: «أن نقضي يومًا كاملًا معًا دون عمل أو هواتف أو وعود مؤجلة»، ظل يحدق في كلماتها طويلًا، ثم ابتسم والدموع تملأ عينيه، لقد فهم أخيرًا ما كانت تحاول قوله طوال تلك السنوات، لم تكن تريد منه بيتًا أكبر ولا مالًا أكثر ولا حياة مثالية، كانت تريد أيامًا معه، أيامًا عادية لا يؤجلها إلى الغد، فقال وهو يمرر أصابعه فوق خط يدها: «لو عاد بي الزمن، لما طلبت منكِ الانتظار يومًا واحدًا».
هبّت الريح وتساقطت أوراق الشجر حوله، وبقي جالسًا حتى المساء، وحين بدأ الناس يعودون إلى بيوتهم ظل في مكانه، لم يعد لديه بيت يعود إليه، ولا عمل ينتظره، ولا مستقبل يخطط له، كان لديه فقط ذكرياته، وفي آخر الليل أخرج صورة إيلينا ووضعها أمامه ثم قال بصوت خافت: «كنت أريد أن أبني لكِ حياة جميلة، فانتهى بي الأمر عاجزًا عن بناء حياة من دونكِ»، ولم يسمع جوابًا، وكعادتها منذ رحيلها تركت له الصمت، رفع رأسه نحو السماء وأغمض عينيه، لم يعد آدم الرجل الذي كان يركض خلف المستقبل، ولا الزوج الذي كان يعود إلى بيته متأخرًا معتذرًا، ولا الشاب الذي كان يحلم بمنزل صغير وحديقة ونافذة واسعة، كان مجرد رجل فقد الإنسانة التي جعلته يشعر بأنه ينتمي إلى العالم، وربما كان هذا هو أقسى ما في الحكاية، أن آدم وإيلينا لم يتوقفا عن الحب، ولم يخنهما الحب، ولم يكن بينهما ما يستحق أن ينهي قصتهما، فقط نفد الوقت.
وحين فتح آدم عينيه كانت المدينة من حوله لا تزال مستمرة، السيارات تمر، والناس يضحكون، والأبواب تُغلق، والأضواء تنطفئ وتشتعل، العالم لم يتوقف من أجل إيلينا، ولم يتوقف من أجل آدم، نظر إلى صورتها للمرة الأخيرة ثم وضعها في جيبه ونهض ببطء، ومشى في الشارع المظلم دون أن يعرف إلى أين، كان يسير بين آلاف الوجوه، لكن لم يكن أحد يعرفه، والأسوأ من ذلك أنه لم يعد يعرف نفسه، فقد أصبح غريبًا عن العالم، وغريبًا عن البيت الذي فقده، وغريبًا عن الحياة التي كان يعيشها، وربما للمرة الأولى فهم المعنى الحقيقي لكل ما حدث، لقد أمضى سنوات يؤجل سعادته إلى الغد، حتى جاء الغد الذي لم تكن فيه إيلينا، وفي غيابها لم يبقَ له شيء سوى الذكريات والندم، فرفع عينيه إلى السماء وهمس باسمها للمرة الأخيرة، ثم واصل سيره وحيدًا، بينما كانت المدينة تبتلع ظله شيئًا فشيئًا، حتى اختفى بين المارة وكأنه لم يكن هناك يومًا، ولم يبقَ من قصتهما سوى حب بدأ بلقاء عابر، وانتهى برجل يمشي وحيدًا في عالم لم يعد يشعر أنه ينتمي إليه.
في غيابكِ، أنا لا أحد.
النهاية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!