وضع القراءة:

الفصل الرابع

مرّت أشهر الربيع سريعًا، ومع اقتراب الصيف، أصبحت علاقة آدم وإيلينا أكثر وضوحًا، حتى إن أصدقاء إيلينا بدؤوا يمازحونها كلما رأوها تتفقد هاتفها، بينما اكتفى دانيال، شقيق آدم، بإطلاق ابتسامة واسعة كلما سمعه يذكر اسمها. لم يكن آدم من الأشخاص الذين يتحدثون عن مشاعرهم أمام الآخرين، لكنه لم يعد يحاول إخفاء سعادته حين يكون معها. كان ينتظرها كل صباح عند بوابة الجامعة، ويحمل عنها كتبها أحيانًا، ويحرص على مرافقتها إلى محطة الحافلات بعد انتهاء المحاضرات. أما إيلينا، فقد اعتادت أن ترسل إليه رسالة قصيرة في منتصف يومه، لا تسأله فيها عن شيء مهم، بل تخبره عن موقف مضحك حدث معها أو عن كتاب قرأت منه بضع صفحات. كانت تعرف أنه يعمل لساعات طويلة، ولذلك لم تكن تطالبه بأن يكون متاحًا طوال الوقت، لكنها كانت تفرح عندما تجد منه رسالة صغيرة تخبرها بأنه يفكر فيها.
في أحد أيام يونيو، انتهت محاضراتهما مبكرًا، فاقترحت إيلينا أن يتنزها في الحديقة العامة القريبة من النهر. كان الطقس دافئًا، والناس يتوزعون بين المقاعد والممرات، بينما يلعب الأطفال قرب الأشجار. جلسا في مكان هادئ، واشترت إيلينا مثلجات بنكهة الفراولة، في حين اختار آدم القهوة رغم إصرارها على أن الطقس لا يناسبها. قالت وهي تنظر إلى كوبه: «أظن أنك ستشرب القهوة حتى لو كنت واقفًا وسط حريق». أجابها مبتسمًا: «على الأقل سأكون مستعدًا لمواجهة الحريق». ضحكت، ثم سألته إن كان قد فكر في مستقبلهما بجدية. فوجئ بالسؤال، ووضع كوبه جانبًا قبل أن يجيب: «أفكر في ذلك كثيرًا، لكنني لا أريد أن أتحدث عن أشياء لا أستطيع تحقيقها بعد». نظرت إليه إيلينا وقالت: «أنا لا أطلب منك أن تحقق كل شيء الآن. أريد فقط أن أعرف إن كنت ترى لي مكانًا في ذلك المستقبل». نظر إلى وجهها، ثم قال بصدق: «أراكِ في كل مستقبل أتخيله». خفضت عينيها، وحاولت إخفاء ابتسامتها، لكنها لم تستطع. وبعد لحظات، أخبرته أنها تتمنى أن يعيشا يومًا في منزل صغير، بحديقة ونافذة واسعة، وأن تملأ رفوفه بالكتب، بينما يضع هو مكتبًا قرب النافذة ويعمل دون أن يضطر إلى قضاء يومه كله بعيدًا عنها. ابتسم آدم وقال: «سأحتاج إلى مكتب كبير». أجابت: «ولماذا؟» فقال: «لأنك ستملئين المنزل بالكتب، ولن تتركي لي مكانًا». ضحكت، ثم مالت برأسها على كتفه. بقيا كذلك لبعض الوقت، دون أن يتحدثا، ولم يكن أي منهما بحاجة إلى قول شيء آخر.بعد أسبوعين، قرر آدم أن يدعو إيلينا إلى منزله لتتعرف إلى والدته وشقيقه. قضى الصباح في مساعدة ماريان على ترتيب المنزل، بينما كان دانيال يراقبه من باب المطبخ ويقول إن أخاه لم يهتم يومًا بنظافة غرفته كما يهتم بها الآن. هدده آدم بإرساله إلى المدرسة الصيفية، فضحك دانيال واختفى قبل أن يرد عليه. وصلت إيلينا بعد الظهر، تحمل باقة صغيرة من الزهور لوالدته وبعض الحلوى لدانيال. استقبلتها ماريان بحرارة، وسرعان ما بدأت تسألها عن دراستها وعائلتها، بينما تولى دانيال مهمة إحراج أخيه بذكر المرات التي عاد فيها إلى المنزل مبتسمًا وهو ينظر إلى هاتفه. حاول آدم إسكاته، لكن إيلينا كانت تضحك، ولم يكن قادرًا على إخفاء ارتباكه. خلال الغداء، لاحظت ماريان الطريقة التي ينظر بها ابنها إلى إيلينا كلما تحدثت، وشعرت براحة لم تشعر بها منذ سنوات. لم تكن تريد لآدم أن يتخلى عن مسؤولياته، لكنها كانت تخشى أن يقضي حياته كلها في العمل، حتى ينسى أن له الحق في أن يكون سعيدًا أيضًا. وبعد أن غادرت إيلينا المطبخ لمساعدة دانيال في ترتيب الأطباق، التفتت ماريان إلى ابنها وقالت: «إنها فتاة طيبة». أجاب آدم بهدوء: «أعرف». نظرت إليه قليلًا، ثم أضافت: «لا تجعلها تدفع ثمن خوفك من الحياة يا بني. ليس كل شيء يمكن تأجيله حتى تصبح مستعدًا». لم يرد، لكنه فهم ما تقصده، وظلت كلماتها ترافقه عندما خرج مع إيلينا في المساء ليوصلها إلى منزلها.في طريق العودة، سألته إيلينا إن كان سعيدًا لأنها التقت عائلته، فأخبرها بأن والدته أحبتها، وأن دانيال سيستغل تلك الزيارة لمضايقته طوال الأشهر القادمة. ابتسمت وقالت إنها أحبت المنزل، رغم بساطته، وإنها شعرت بالراحة منذ اللحظة التي دخلت فيها. ثم توقفت عند باب منزلها، وبقيت تنظر إليه كما لو أنها تريد أن تقول شيئًا. سألها آدم إن كانت بخير، فأجابت: «نعم، كنت أفكر فقط في أننا لم نعد مجرد صديقين يلتقيان في الجامعة». ابتسم وقال: «أعتقد أن دانيال أدرك ذلك قبلنا». ضحكت، ثم اقتربت منه واحتضنته للمرة الأولى. فوجئ آدم في البداية، لكنه سرعان ما أحاطها بذراعيه، وشعر بأن كل الكلمات التي ظل يحتفظ بها داخله أصبحت أقل أهمية من تلك اللحظة. لم يكن العناق طويلًا، لكنه بقي يفكر فيه طوال الطريق إلى منزله. وفي المساء، أرسلت إليه إيلينا رسالة كتبت فيها: «أشعر أنني أستطيع أن أكون نفسي معك، وهذا يعني لي الكثير». قرأها آدم أكثر من مرة، ثم أجابها: «أريدك أن تشعري بذلك دائمًا». لم يكن يعرف كيف يضمن لها المستقبل، لكنه كان صادقًا في رغبته بأن يكون الشخص الذي تستطيع العودة إليه حين تتعب من العالم.مع نهاية الصيف، بدأت علاقتهما تدخل مرحلة أكثر جدية. تحدثا عن أحلامهما، وعن العمل، وعن اليوم الذي سينهيان فيه دراستهما، ولم يعد الزواج فكرة بعيدة لا يجرؤ آدم على ذكرها. ومع ذلك، ظل يؤجل الحديث الرسمي مع عائلتها حتى يحصل على وظيفة أفضل ويجمع بعض المال. كانت إيلينا تفهم خوفه، لكنها كانت تخبره أحيانًا بأن الحياة لن تمنحه ضمانات كاملة مهما انتظر. وكان يجيبها بأنه يريد أن يأتي اليوم الذي يطلب فيه يدها وهو قادر على منحها حياة كريمة. لم تكن تريد أن تجادله في كل مرة، فكانت تكتفي بقول: «سأنتظر، لكن لا تجعل الانتظار أطول مما ينبغي». وفي إحدى الأمسيات، جلس آدم مع والدته وأخبرها أنه ينوي التقدم لخطبة إيلينا عندما تتحسن ظروفه قليلًا. ابتسمت ماريان، لكنها لم تشاركه حماسه بالكامل، وسألته: «وهل تعرف ما الذي تريده إيلينا؟». أجاب: «تريد أن نكون معًا». قالت والدته: «إذن تذكر أن تكون معها فعلًا، لا أن تنشغل طوال الوقت بمحاولة إعداد حياة مثالية لها». هز رأسه، ووعدها بأنه لن ينسى ذلك.لم تكن تلك الوعود كافية لتغيير آدم بين ليلة وضحاها، لكنه كان يحاول. بدأ يخصص بعض الأمسيات لإيلينا، ويترك هاتف العمل جانبًا عندما يجلس معها، ويستمع إلى أحاديثها عن الكتب والمشروعات التي تريد إنجازها. وكانت هي بدورها تدعمه في سعيه للحصول على وظيفة أفضل، وتحتفل بكل خطوة يحققها مهما بدت صغيرة. ومع مرور الأيام، أصبحا يتحدثان عن المنزل الذي سيعيشان فيه، والأثاث الذي سيختارانه، وحتى أسماء النباتات التي ستزرعها إيلينا في الحديقة. كانت أحلامًا بسيطة، لا تحتاج إلى ثروة كبيرة كي تتحقق، لكنها منحت آدم شعورًا بأنه يعمل من أجل شيء يتجاوز الأرقام والرواتب والترقيات. وفي إحدى الليالي، بينما كانا يتحدثان عبر الهاتف، قالت إيلينا إنها تتمنى أن يتذكرا هذه الأيام عندما يكبران، وأن يضحكا على كل ما كان يقلقهما. أجابها آدم: «سنضحك عليها في منزلنا، وأنتِ ستخبرينني أنني كنت أعمل أكثر مما ينبغي». قالت: «لن أحتاج إلى إخبارك، ستكتشف ذلك بنفسك». ضحك، ثم قال: «أعدك بأنني سأحاول أن أكون أفضل». لم تطلب منه أن يعدها بشيء آخر، بل قالت إنها تثق به، ثم تمنت له ليلة سعيدة.أغلق آدم الهاتف بعد انتهاء المكالمة، ونظر إلى الأوراق الموضوعة أمامه على المكتب. كان لديه الكثير ليفعله، والكثير من الأحلام التي يريد تحقيقها، لكنه شعر في تلك الليلة بأن المستقبل لم يعد شيئًا يخشاه كما كان من قبل. كانت إيلينا جزءًا منه الآن، وكان يعتقد أن أمامهما سنوات طويلة ليحققا كل ما تحدثا عنه. لم يكن يعلم أن الحياة التي خططا لها ستصبح يومًا حقيقة، وأنه سيجلس بالفعل إلى جوار نافذتهما، في المنزل الذي اختاراه معًا، لكنه سيجلس هناك وحيدًا، محاطًا بالأشياء التي تذكّره بها. في تلك المرحلة، لم يكن يعرف سوى أنه يحبها، وأنها تحبه، وأنهما يريدان البقاء معًا. وكان ذلك، في نظره، كافيًا ليطمئن إلى كل ما سيأتي.الفصل الرابع: أريدكِ زوجتي
لم يكن آدم من الرجال الذين يتحدثون كثيرًا عن أحلامهم، فقد اعتاد منذ وفاة والده أن يحتفظ بأمنياته لنفسه، وأن يتعامل مع الحياة باعتبارها سلسلة من المسؤوليات التي ينبغي عليه إنجازها قبل أن يسمح لنفسه بالتفكير في السعادة. لكنه منذ أن دخلت إيلينا حياته، بدأ يشعر بأن المستقبل لم يعد مجرد طريق طويل يسير فيه وحده، بل أصبح صورة تجمعهما معًا؛ منزل صغير، ونافذة واسعة، وكتب موزعة على الرفوف، وصوتها وهي تناديه من المطبخ، ويدها التي تمتد إليه حين يعود متعبًا من العمل. كان يتخيل تلك التفاصيل البسيطة، ثم يبتسم دون أن يشعر، قبل أن يتذكر واقعه ويعود إلى حساباته من جديد. كان يعرف أنه يحبها، ويعرف أنها تحبه، لكن الحب وحده، في نظره، لم يكن كافيًا لبناء حياة مستقرة. أراد أن يمنحها بيتًا لا تخشى فيه الغد، وأن يوفر لها حياة لا تضطر فيها إلى التنازل عن أحلامها من أجله. لذلك اتخذ قراره في إحدى ليالي يونيو، بينما كان يجلس إلى مكتبه الصغير بعد عودته من العمل، يراجع حساباته ويدون ما يحتاج إليه خلال الأشهر المقبلة. كتب في أعلى الورقة: «الزواج»، ثم بقي ينظر إلى الكلمة طويلًا، كأنها أكبر من أن تستوعبها ورقة واحدة. لم يكن خائفًا من الزواج، بل كان خائفًا من ألا يكون الزوج الذي تستحقه إيلينا.في صباح اليوم التالي، أخبر والدته ماريان بقراره. كانت تجلس قرب النافذة تحتسي قهوتها، بينما كان دانيال يستعد للخروج إلى المدرسة، حين وقف آدم أمامها وقال بصوت حاول أن يجعله طبيعيًا: «أمي، أريد أن أتحدث معكِ في أمر مهم». رفعت ماريان عينيها إليه، ولاحظت ارتباكه قبل أن ينطق بالكلمة التالية. جلس قبالتها، وشبك أصابعه، ثم قال: «أريد الزواج من إيلينا». لم تجبه ماريان فورًا، بل ظلت تنظر إليه لثوانٍ، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة. «كنت أنتظر أن تقول ذلك منذ مدة». تنفس آدم بارتياح، لكنه أضاف سريعًا: «أعرف أن وضعي ليس مثاليًا. ما زلت أدرس، والعمل لا يمنحني الكثير، ولا أملك منزلًا أو مدخرات تكفيني لبدء حياة كما أريد. لا أريد أن أطلب يدها ثم أضعها في حياة مليئة بالقلق». وضعت ماريان فنجانها جانبًا وقالت: «يا آدم، لا أحد يبدأ حياته وهو يملك كل شيء. والدك وأنا لم نكن نملك الكثير حين تزوجنا، ومع ذلك بنينا بيتًا وعائلة. ما يهمني هو أن تكون صادقًا معها، وأن تعرف أن الزواج ليس وعدًا بأنك ستمنع عنها كل ألم، بل وعد بأنك لن تتركها تواجه الحياة وحدها». خفض آدم رأسه، فقد شعر أن كلماتها أصابت شيئًا عميقًا في داخله. ثم قالت وهي تمسك يده: «لكن لديّ طلب واحد. لا تجعل استعدادك للزواج يستغرق كل حياتك. لا تنتظر حتى تصبح حياتك كاملة، فالحياة لن تصبح كاملة أبدًا». ابتسم آدم وقال: «سأحاول يا أمي». لم تخفَ عنها كلمة «أحاول»، لكنها لم تضغط عليه. اكتفت بأن احتضنته، وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات أن ابنها الذي حمل مسؤوليات أكبر من عمره بدأ يفكر في تكوين عائلته الخاصة.خلال الأسابيع التالية، تغيرت تفاصيل أيام آدم الصغيرة. صار يقبل ساعات عمل إضافية في متجر القرطاسية، ويبحث عن فرصة عمل أفضل تتناسب مع دراسته، ويوفر جزءًا من كل مبلغ يحصل عليه. لم يخبر إيلينا بكل ما يفعله؛ أراد أن يفاجئها، وكان كلما رآها في الجامعة شعر برغبة شديدة في إخبارها بأنه يخطط لشيء سيغير حياتهما، لكنه كان يتراجع في اللحظة الأخيرة. كانت تلاحظ تعبه، وتسأله أحيانًا إن كان هناك ما يقلقه، فيجيبها بأنه يفكر في مستقبلهما. لم تكن تحب الإجابات الغامضة، لكنها لم تكن تريد أن تجبره على الحديث قبل أن يكون مستعدًا. وفي أحد الأيام، بينما كانا يجلسان في الحديقة التي اعتادا زيارتها، لاحظت أن آدم شارد الذهن، وأنه ينظر إلى يديها بين الحين والآخر، ثم يشيح بوجهه كلما التفتت إليه. سألته مبتسمة: «هل ارتكبت خطأً ما، أم أنك تخفي عني سرًا؟» ارتبك، ثم ضحك وقال: «ربما أخفي سرًا». ضيقت عينيها بمكر لطيف وقالت: «وهل ينبغي أن أقلق؟» هز رأسه. «لا، على العكس. أعتقد أنكِ ستسعدين به». ظلت تنظر إليه لحظة، ثم قالت: «إذن سأنتظر حتى تخبرني. لكن لا تجعلني أنتظر طويلًا يا آدم، فأنا لا أجيد الصبر». أراد أن يقول لها إنه لن يجعلها تنتظر، لكنه لم يستطع أن يفسد المفاجأة، فاكتفى بأن أمسك يدها وقال: «لن أنتظر أنا أيضًا طويلًا».لم تكن الخطوة التالية سهلة كما تخيلها. كان عليه أن يتحدث إلى ريتشارد، والد إيلينا، وأن يطلب موافقته على الزواج من ابنته. لم يكن آدم يجهل أن ريتشارد رجل عملي، يهتم بالمستقبل والاستقرار، وأنه قد ينظر إلى شاب ما زال في الجامعة ويعمل في متجر صغير باعتباره شخصًا لم يستعد بعد لتحمل مسؤولية الزواج. ومع ذلك، لم يرد أن يختبئ خلف الأعذار أو يؤجل المواجهة إلى أجل غير معلوم. أخبر ماريان بأنه يريد زيارة عائلة إيلينا رسميًا، فساعدته على اختيار ملابس مناسبة، وأوصته بأن يتحدث بصدق وألا يعدهم بما لا يستطيع تحقيقه. وفي المساء المحدد، وقف آدم أمام المرآة في غرفته، يعدل ياقة قميصه للمرة الثالثة، بينما كان دانيال يراقبه من الباب ويكتم ضحكته. قال دانيال: «أنت تبدو كأنك ذاهب إلى امتحان مصيري». التفت إليه آدم وقال: «الأمر أصعب من الامتحان». اقترب منه أخوه وربت على كتفه: «لكن إيلينا تحبك، أليس كذلك؟» أجابه آدم بابتسامة خفيفة: «نعم». فقال دانيال ببساطة: «إذن لا أفهم لماذا تخاف». لم يجد آدم جوابًا. كان دانيال صغيرًا بما يكفي ليعتقد أن الحب يحل كل المشكلات، أما آدم فقد كبر وهو يعرف أن الحياة لا تكتفي بأن تمنح الإنسان ما يحب، بل تختبر قدرته على الاحتفاظ به أيضًا.وصل آدم إلى منزل إيلينا برفقة والدته، واستقبلتهما العائلة بترحاب مهذب. كانت إيلينا تعرف أن هناك زيارة مهمة، لكنها لم تكن تعرف أن آدم قرر التقدم رسميًا لخطبتها. وحين رأته يدخل غرفة الجلوس مرتديًا قميصه الأنيق، لاحظت التوتر الواضح في ملامحه، فبادلته نظرة قصيرة حاولت أن تفهم منها ما يجري. جلس ريتشارد قبالته، وبدأ الحديث بأمور الدراسة والعمل، ثم انتقل إلى السؤال عن خططه المستقبلية. أجاب آدم بهدوء، متحدثًا عن دراسته في إدارة الأعمال، وعن عمله الحالي، وعن محاولاته للحصول على وظيفة أكثر استقرارًا بعد التخرج. استمع ريتشارد إليه دون أن يقاطعه، لكنه حين انتهى، شبك يديه وقال: «أقدّر صراحتك يا آدم، وأرى أنك شاب مسؤول، لكن الزواج ليس قرارًا يتخذه المرء لأنه يحب شخصًا فحسب. إيلينا ابنتي الوحيدة، وأريد أن أطمئن إلى أنها لن تعاني بسبب ظروف لم تستعد لها». شعر آدم بأن الكلمات ثقيلة، لكنه لم يغضب. كان يستطيع أن يفهم خوف الأب، حتى لو كان ذلك الخوف يضعه في موضع لا يحب أن يكون فيه. قال: «أتفهم ذلك تمامًا، سيدي. وأنا لا أستطيع أن أعدك بأنني سأمنحها حياة خالية من الصعوبات، لأنني لا أملك هذا الوعد حتى لنفسي. لكنني أستطيع أن أعدك بأنني لن أتعامل مع مسؤولية الزواج باستخفاف، وأنني سأعمل لأوفر لنا حياة مستقرة، وسأكون صريحًا معها في كل ما نواجهه». نظر ريتشارد إليه طويلًا، ثم سأله: «وماذا ستفعل إن وجدت أن العمل والدراسة لا يتركان لك وقتًا كافيًا لعائلتك؟» لم يكن السؤال عابرًا، لكن آدم لم يدرك حينها كم سيظل صداه معه في السنوات المقبلة. أجاب بعد لحظة: «سأحاول أن أوازن بينهما. لا أريد أن أكون زوجًا يوفر المال فقط، بل أريد أن أكون زوجًا تستطيع زوجتي الاعتماد عليه». ابتسمت ماريان ابتسامة صغيرة، بينما بقي ريتشارد صامتًا، وكأنه يحاول أن يقرر إن كان يثق بكلمات هذا الشاب أم ينتظر منه أن يثبتها بالأفعال.
كانت إيلينا تجلس في الطرف الآخر من الغرفة، تكانت إيلينا تجلس في الطرف الآخر من الغرفة، تستمع إلى الحوار وقلبها يخفق بقوة. لم تكن بحاجة إلى أن تسمع كل كلمة كي تفهم سبب الزيارة، لكنها حين سمعت آدم يتحدث عن رغبته في أن يكون زوجًا تستطيع الاعتماد عليه، شعرت بأن الدموع تتجمع في عينيها. لم تكن تنتظر منه منزلًا فاخرًا أو حياة خالية من المتاعب. كانت تعرف ظروفه منذ البداية، وتعرف أنه يعمل بجد من أجل والدته وأخيه، وأنه يخشى الفشل أكثر مما يعترف. كل ما أرادته هو أن يختارها بوضوح، وأن يمنح علاقتهما مكانًا حقيقيًا في حياته. وحين التفت ريتشارد إليها وسألها إن كانت تريد هذا الزواج فعلًا، لم تتردد. قالت: «نعم يا أبي، أريده». ثم أضافت، وهي تنظر إلى آدم: «أنا لا أختاره لأنه يستطيع أن يمنحني كل شيء الآن، بل لأنني أرى فيه الإنسان الذي أريد أن أشارك معه حياتي. لا أطلب منه أن يكون غنيًا، ولا أن يعرف كيف يحل كل مشكلة، لكنني أريد أن نواجه المشكلات معًا». خفتت ملامح ريتشارد قليلًا، ونظر إلى ابنته طويلًا. كان يعرف أنها لم تعد طفلة، وأن قرارها لم يكن وليد لحظة عابرة. ومع ذلك، قال: «لن أمنعكِ من اختيار من تحبين، لكنني أريدكما أن تفكرا جيدًا في مسؤولياتكما. الحب جميل، لكنه يحتاج إلى صبر وتفاهم، وليس إلى الوعود وحدها». أومأ آدم باحترام وقال: «أتفق معك يا سيدي». وبعد حديث آخر امتد لبعض الوقت، وافق ريتشارد على الخطوبة، على أن يتفق الطرفان على موعد مناسب للزواج بعد أن ينظما أمورهما.عندما انتهت الزيارة وخرج آدم مع والدته، شعر وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدره. لم يكن قد حصل على كل ما أراده في تلك الليلة، لكنه حصل على فرصة حقيقية ليبدأ حياته مع الفتاة التي أحبها. وقبل أن يغادر، لحقت به إيلينا إلى مدخل المنزل، حيث لم يكن في وسعهما الحديث طويلًا. نظرت إليه بابتسامة تحاول إخفاء ارتجافها، وقالت: «إذن، كنت تخفي عني هذا السر طوال الأسابيع الماضية». ابتسم آدم، ثم قال: «كنت أخشى أن أخبرك قبل أن أتحدث مع والدك». سألته: «وهل كنت خائفًا؟» أجاب بصراحة: «كنت خائفًا جدًا». ضحكت ضحكة خفيفة، ثم قالت: «لم أرك خائفًا إلى هذا الحد من قبل». نظر إليها وقال: «لأنني لم أكن أطلب شيئًا أريده لنفسي وحدي. كنت أطلب فرصة لأبني حياة معكِ». اختفت ابتسامتها قليلًا، وحل محلها تأثر صادق. مدت يدها إليه، فقبض عليها برفق. لم يكن في المكان ما يسمح لهما بعناق طويل، ولم يحتاجا إلى كلمات كثيرة؛ فقد كانا يعرفان أن هذه الليلة ستبقى في ذاكرتهما طويلًا. وقبل أن يعود إلى السيارة، همست إيلينا: «أنا سعيدة يا آدم». فأجابها: «وأنا أكثر مما أستطيع أن أقول».في الأيام التي تلت ذلك، بدأت الخطوبة تأخذ مكانها في حياتهما. زارت ماريان منزل عائلة إيلينا مرة أخرى، وتحدثت العائلتان عن الترتيبات والموعد المناسب، بينما بدأ آدم وإيلينا يناقشان التفاصيل التي طالما تخيلاها. لم يكن لديهما مال كثير، لذلك اتفقا على حفل بسيط يجمع العائلتين والأصدقاء المقربين، وعلى تأجيل بعض الأمور التي يمكن الاستغناء عنها في البداية. كانت إيلينا تريد منزلًا صغيرًا ذا نافذة واسعة، كما أخبرته منذ أشهر، أما آدم فكان يريد أن يجعل ذلك الحلم حقيقة، ولو احتاج الأمر إلى سنوات من العمل. وفي إحدى الأمسيات، جلسا معًا في الحديقة، وأخرجت إيلينا دفترًا صغيرًا بدأت تدون فيه أفكارها عن المنزل؛ مكان الكتب، ولون الستائر، والنباتات التي تريد زراعتها قرب النافذة. أخذ آدم ينظر إلى ما تكتبه، ثم قال مازحًا: «أظن أنني سأحتاج إلى العمل طوال حياتي لأحقق كل هذه الطلبات». رفعت رأسها إليه وضحكت: «لا أريد كل ذلك الآن. يمكننا أن نبدأ بالقليل». قال: «سأمنحكِ أكثر مما تتخيلين». توقفت عن الكتابة ونظرت إليه بجدية لطيفة: «لا أريدك أن تقضي عمرك تحاول أن تمنحني كل شيء يا آدم. أريد أن تكون معي وأنت تبنيه». ابتسم وقال: «سأكون معكِ». صدقته إيلينا، وكان صادقًا حين قالها؛ ففي تلك اللحظة، لم يكن يريد شيئًا في العالم أكثر من أن يفي بوعده.وقبل نهاية الصيف، صار الزواج قريبًا بما يكفي ليشعرا بأن حياتهما القديمة تقترب من نهايتها، وأن حياة جديدة تنتظرهما خلف باب لم يفتحاه بعد. بدأت إيلينا تجمع بعض الكتب التي تريد أخذها معها، واختار آدم قطعة أثاث صغيرة لغرفتهما المستقبلية، بينما كانت ماريان تساعدهما بما تستطيع، ويصر دانيال على أن يكون أول من يزور المنزل بعد اكتماله. كان كل شيء بسيطًا، لكنه كان يحمل معنى كبيرًا لهما. ذات مساء، وبينما كان آدم يرافق إيلينا إلى منزلها بعد نزهة قصيرة، توقفت عند بوابة المنزل، ثم التفتت إليه وقالت: «آدم، هل تعرف ما أكثر شيء أخشاه؟» شعر بالقلق وسألها: «ماذا؟» أجابت: «أن تتغير حياتنا كثيرًا بعد الزواج، وأن ننشغل بكل شيء حتى ننسى كيف كنا حين بدأنا». لم يتوقع هذا الجواب، فظل صامتًا لحظة قبل أن يقول: «لن أنسى». نظرت إليه وكأنها تريد أن تحفظ ملامحه في ذاكرتها، ثم ابتسمت وقالت: «إذن، لا تنسَ أنني أحبك حتى في الأيام التي لا نملك فيها شيئًا، وحتى حين لا تسير الأمور كما نريد». أمسك يدها وقربها من صدره، وقال: «وأنا أحبكِ يا إيلينا. وسأظل أختاركِ، مهما تغيرت الأيام». لم تكن تعرف أن بعض الوعود لا ينقضها غياب الحب، بل تضعفها تفاصيل الحياة الصغيرة حين تتراكم دون أن ينتبه أصحابها. أما آدم، فقد عاد إلى منزله تلك الليلة وهو يفكر في موعد الزواج، وفي العمل الذي ينبغي أن ينجزه، وفي المال الذي يحتاج إلى ادخاره، وفي كل ما يريد أن يهيئه قبل أن يبدأ حياته معها. كان سعيدًا، وكان يحبها بصدق، وكان يعتقد أن أمامهما وقتًا طويلًا ليعيشا كل ما حلما به. لم يكن يعلم أن الحياة لا تمنح أحدًا ضمانًا بأن الغد سيأتي كما خطط له، وأن أجمل الوعود قد تبدأ حكايتها في اللحظة التي يظن فيها أصحابها أنهم أصبحوا أخيرًا مستعدين لكل شيء.
12 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.