وضع القراءة:

الفصل الثاني

لم يتغير شيء في حياة آدم وإيلينا بين ليلة وضحاها، فلم يستيقظ أحدهما في صباح اليوم التالي ليعلن أنه وقع في الحب، ولم تتحول علاقتهما فجأة إلى قصة يعرفها الجميع. كان الأمر أبسط من ذلك، وربما لهذا السبب كان حقيقيًا إلى هذه الدرجة؛ فقد بدأت المسافة بينهما تتلاشى شيئًا فشيئًا، حتى أصبح وجود كل منهما في حياة الآخر أمرًا لا يحتاج إلى تفسير. منذ أن أرسلت إيلينا رسالتها الأولى، صار آدم أقل ترددًا في مراسلتها، ولم يعد ينتظر مناسبة دراسية أو سؤالًا عن محاضرة كي يبدأ الحديث. كان يسألها عن يومها، ويحكي لها عن المواقف التي تحدث معه في المتجر، ويخبرها أحيانًا بأشياء لم يكن يعتاد إخبار أحد بها. أما إيلينا، فقد أصبحت تعرف مواعيد عمله، وتعرف أنه ينسى تناول الطعام عندما ينشغل، وأنه لا يحب أن يقلق أحد بسببه، وأنه كلما شعر بالضغط ازداد صمتًا بدلًا من أن يتحدث عما يزعجه. كانت تلاحظ هذه التفاصيل دون أن تشعره بأنها تراقبه، وتحاول أن تجعل حياته أقل ثقلًا بطرق صغيرة لا يلتفت إليها في البداية. وفي أحد أيام فبراير، وصل آدم إلى الجامعة متأخرًا بعدما اضطر إلى مساعدة مدير المتجر في ترتيب بضاعة وصلت في الصباح. دخل القاعة وهو يعتذر للأستاذ، ثم اتجه إلى المقعد الذي اعتاد الجلوس فيه بجانب إيلينا. وجد أمامه قطعة من الخبز المحشو وكوبًا من القهوة، وعلى دفتره ورقة صغيرة كُتب عليها: «أعرف أنك لم تتناول الإفطار. لا تقل إنك فعلت، لأنني لن أصدقك». التفت إليها، فوجدها تحاول إخفاء ابتسامتها وهي تنظر إلى الأستاذ. همس لها: «هل أصبحتِ مسؤولة عن وجباتي أيضًا؟». أجابته دون أن تنظر إليه: «لا، أنا فقط أحاول منعك من الإغماء في منتصف المحاضرة، فلا أريد أن أشرح للأستاذ سبب سقوطك». كتم ضحكته، ثم تناول الطعام. لم يشكرها كثيرًا، ولم يكن بحاجة إلى ذلك؛ فقد كان يعرف أنها ستفهم امتنانه من الطريقة التي احتفظ بها بالورقة داخل دفتره بدلًا من رميها.مع مرور الأسابيع، بدأ آدم يكتشف أن إيلينا لم تكن مجرد فتاة لطيفة يعرفها في الجامعة، بل شخصًا يستطيع أن يتحدث أمامه دون أن يفكر طويلًا في الكلمات التي سيختارها. أخبرها ذات مساء عن خوفه من ألا يتمكن من منح والدته الحياة التي تستحقها، وعن شعوره أحيانًا بأنه متأخر عن الآخرين، وأن كل يوم يمضي دون أن يحقق شيئًا ملموسًا يبعده عن مستقبله الذي يتخيله. كانا يجلسان في حديقة الجامعة، وقد قاربت الشمس على الغروب، بينما كان الطلاب يغادرون المكان جماعات. استمعت إليه إيلينا حتى انتهى، ثم قالت: «أتعرف ما الذي يقلقني يا آدم؟». نظر إليها منتظرًا. تابعت: «أنك تتعامل مع حياتك وكأنها سباق، وأنك إذا لم تصل إلى خط النهاية بسرعة، فهذا يعني أنك خسرت. لكنك لست مضطرًا إلى إثبات قيمتك كل يوم». ابتسم ابتسامة باهتة وقال: «لو كانت الحياة بهذه البساطة، لكان الجميع سعداء». أجابت: «لم أقل إنها بسيطة، لكنك تجعلها أصعب على نفسك أحيانًا». ظل صامتًا، ثم أخبرها أنه لا يستطيع التوقف عن العمل لأن والدته تعتمد عليه، وأنه لا يريد أن يكبر أخوه وهو يشعر بالعجز الذي شعر به آدم بعد وفاة والده. تغيرت ملامح إيلينا عندما ذكر والده، فقد كانت تعرف أنه توفي، لكنها لم تكن تعرف مقدار ما تركه رحيله في داخله. قالت بهدوء: «أظن أن والدك كان سيفخر بك، حتى لو لم تحقق كل شيء تحلم به». أدار آدم وجهه نحو الحديقة، محاولًا إخفاء التأثر الذي ظهر في عينيه، ثم قال بصوت منخفض: «أتمنى لو كان هنا حتى أستطيع أن أسأله». لم تجبه إيلينا بكلمات جاهزة، بل جلست إلى جانبه في صمت. وللمرة الأولى منذ سنوات، لم يشعر آدم بالحاجة إلى تغيير الموضوع أو التظاهر بأن الأمر لا يؤلمه. كان صمتها مختلفًا عن صمت الآخرين؛ لم يكن فراغًا يريد أحدهما ملأه، بل مساحة سمحت له بأن يتنفس دون أن يشرح نفسه.وفي المقابل، بدأت إيلينا تمنحه شيئًا لم تكن تعرف أنها تستطيع منحه لأحد؛ الشعور بالأمان. كانت حياتها تبدو هادئة من الخارج، لكنها لم تكن خالية من الضغوط. كان والدها، ريتشارد، رجلًا عمليًا يؤمن بأن الاستقرار المادي أهم من الأحلام التي لا تضمن مستقبلًا، ولذلك لم يكن متحمسًا لفكرة أن تعمل ابنته في الترجمة أو النشر. كان يكرر عليها أن عليها اختيار وظيفة ثابتة، وأن الكتب لن تمنحها حياة مريحة، بينما كانت والدتها تحاول تهدئة الخلاف بينهما دون أن تقف بوضوح إلى جانب أحد. لم تكن إيلينا تكره والدها، بل كانت تعرف أنه يريد حمايتها من حياة صعبة، لكنها كانت تتمنى أن يراها كما هي، لا كما يريد لها أن تكون. وفي إحدى الأمسيات، بعد نقاش طويل معه حول مستقبلها، خرجت من المنزل وهي تشعر بالاختناق، وسارت في الشارع دون أن تعرف إلى أين تذهب. اتصلت بآدم، وحين أجابها لم تستطع أن تخفي الحزن في صوتها. سألها إن كان قد حدث شيء، فأخبرته بأنها تريد التحدث إلى شخص لا يحاول إقناعها بأن أحلامها خطأ. لم يسألها عن التفاصيل عبر الهاتف، بل أخبرها أنه سينتظرها في المقهى القريب من الجامعة. وصلت بعد نصف ساعة، فوجدته جالسًا قرب النافذة، وقد وضع أمامه كوبين من الشاي. جلست قبالته، ثم بدأت تتحدث عن خلافها مع والدها، وعن خوفها من أن تضطر يومًا إلى التخلي عن الشيء الوحيد الذي تحبه حتى ترضي الآخرين. استمع إليها آدم باهتمام، ثم قال: «لا أظن أنك تحتاجين إلى الاختيار بين أن تحبي عائلتك وأن تحققي حلمك. ربما تحتاجين فقط إلى وقت حتى تجدي طريقًا يجمع بينهما». نظرت إليه وقالت: «أحيانًا أتمنى لو أنني أستطيع أن أرى الأمور بالطريقة التي تراها بها». ابتسم وقال: «لا أنصحك بذلك، فأنا أقضي نصف حياتي قلقًا بشأن النصف الآخر». ضحكت للمرة الأولى منذ خرجت من منزلها، ثم قالت: «على الأقل أنت تعرف كيف تجعلني أضحك عندما أكون حزينة». أجابها: «هذه مهارة جديدة أكتسبها». بقيت في المقهى حتى هدأت، وعندما غادرا، شعرت بأن المشكلة لم تختفِ، لكن حملها أصبح أخف. وفي طريق العودة، أدركت أن آدم لم يحاول إصلاح حياتها أو اتخاذ القرارات بدلًا منها؛ لقد منحها فقط ما كانت تحتاج إليه، شخصًا يسمعها دون أن يحكم عليها.في أواخر مارس، بدأت علاقتهما تتغير بطريقة لم يعد أي منهما قادرًا على تجاهلها. لم يعد آدم ينظر إلى إيلينا بوصفها صديقة فحسب، لكنه كان يخشى أن يؤدي اعترافه بمشاعره إلى تغيير العلاقة التي بنياها معًا. كان يعرف أنه يحب وجودها في حياته، لكنه لم يكن واثقًا من قدرته على منحها ما تستحقه. فهو ما زال طالبًا، يعمل بعد المحاضرات، ويساعد والدته، ولا يملك منزلًا أو مدخرات تكفي لبناء حياة مستقرة. وكان يعتقد أن الحب، مهما كان صادقًا، لا يستطيع وحده حل مشكلات الحياة. أما إيلينا، فقد كانت تشعر بأن بينهما شيئًا يتجاوز الصداقة، لكنها لم تكن تريد أن تضغط عليه. كانت تنتظر منه خطوة صغيرة، كلمة واحدة تؤكد لها أنها لا تتخيل ما يحدث بينهما. وفي أحد أيام الجمعة، دعته إلى معرض صغير للكتب المستعملة يقام في وسط المدينة. اعتذر في البداية بسبب عمله، لكنه عندما سمع خيبة الأمل في صوتها، اتصل بمدير المتجر وطلب تبديل نوبته مع أحد زملائه. لم يكن الأمر سهلًا، فقد اضطر إلى العمل ساعات إضافية في اليوم التالي، لكنه لم يندم على قراره. التقيا قرب المعرض، وأمضيا وقتًا طويلًا يتنقلان بين الطاولات، وكانت إيلينا تلتقط الكتب وتقرأ له بعض الجمل التي تعجبها، بينما كان آدم يتظاهر بأنه يفهم سبب اهتمامها بكل رواية قديمة. اشترى لها كتابًا صغيرًا بعدما لاحظ أنها أعادته إلى مكانه مرتين لأنها لم تكن تملك المال الكافي لشرائه. عندما قدمه إليها، نظرت إليه باستغراب وقالت: «آدم، لم يكن عليك فعل ذلك». أجابها: «أعرف، لكنني أردت ذلك». أمسكت الكتاب ونظرت إلى غلافه، ثم رفعت عينيها إليه وقالت: «سأحتفظ به». قال مازحًا: «أرجو ذلك، فقد أنفقت عليه جزءًا مهمًا من ثروتي». ضحكت، ثم احتضنت الكتاب إلى صدرها للحظة. لم تكن الهدية باهظة الثمن، لكنها كانت أول شيء يشتريه لها دون مناسبة، وأول مرة تشعر فيها إيلينا بأنه يريد إسعادها لمجرد أنها هي. وعندما خرجا من المعرض، كان المطر قد بدأ يهطل بخفة، فسارا تحت مظلة واحدة باتجاه محطة الحافلات. توقفت إيلينا فجأة أمام واجهة متجر تعرض صورًا لمنازل صغيرة ذات نوافذ واسعة وحدائق خضراء، وقالت مبتسمة: «هذا يشبه المنزل الذي أخبرتك عنه». نظر آدم إلى الصور، ثم قال: «سأجعلك تحصلين على منزل أجمل من هذا». التفتت إليه، وقد اختفت ابتسامتها المازحة قليلًا، وسألته: «وهل ستكون فيه؟». فوجئ بالسؤال، ثم نظر إليها وقال: «إذا كنتِ تريدينني أن أكون فيه». لم تجب فورًا، بل واصلت النظر إليه، وكأنها تحاول أن تتأكد من أنه يعني ما يقول. ثم قالت بهدوء: «أريدك أن تكون فيه يا آدم». كانت جملة قصيرة، لكنها بقيت بينهما طوال الطريق، ولم يحتج أي منهما إلى قول شيء آخر.في تلك الليلة، لم يستطع آدم النوم بسهولة. كان يفكر في كلمات إيلينا، وفي الطريقة التي نظرت بها إليه عندما وعدها بالمنزل. أدرك أنه لم يعد يريد أن يبني مستقبلًا لنفسه فقط، وأن الصورة التي يحملها عن حياته أصبحت تضمها دون أن يستأذن نفسه. لكنه لم يكن يريد أن يتسرع، فقرر أن يمنح الأمر وقتًا حتى يصبح قادرًا على الحديث معها بوضوح. غير أن الأيام التالية جعلت مشاعره أكثر وضوحًا مما توقع. صار يفتقدها عندما يغيب عنها يومًا، ويشعر بالقلق إذا تأخرت في الرد، ويفكر فيها حتى أثناء عمله. وفي أحد الأيام، اتصلت به إيلينا لتخبره بأنها نجحت في الحصول على فرصة للمشاركة في مشروع ترجمة طلابي، وأن المشرف أعجب بعملها. كان صوتها مليئًا بالحماس، ووجد آدم نفسه يبتسم قبل أن تنهي حديثها. قال لها إنه كان يعرف أنها ستنجح، ثم استمع إليها وهي تشرح تفاصيل المشروع، وتسرد الأفكار التي تريد تنفيذها. بعد أن أنهت كلامها، ساد صمت قصير، ثم قالت: «كنت أتمنى لو أنك هنا الآن». شعر آدم بأن قلبه انقبض بشيء من الشوق، فأجابها: «وأنا أيضًا». قالت: «أحيانًا أشعر أنني أريد أن أخبرك بكل شيء يحدث لي، حتى الأشياء التي لا تستحق الذكر». ابتسم وقال: «أخبريني بها، سأستمع». ثم سمعها تضحك، وقالت: «أخشى أن أزعجك يومًا». أجابها دون تردد: «أنتِ لا تزعجينني يا إيلينا». لم تكن الجملة اعترافًا كاملًا، لكنها كانت أقرب شيء قاله حتى ذلك الوقت. وعندما أنهيا المكالمة، ظل آدم جالسًا في غرفة الاستراحة الصغيرة خلف المتجر، يفكر في أنه أمضى أشهرًا يحاول أن يتأكد من قدرته على بناء مستقبل مستقر قبل أن يسمح لنفسه بالحب، لكنه بدأ يدرك أن الحب لا يأتي دائمًا عندما تنتهي مشكلاتنا، بل قد يأتي ونحن ما زلنا نحاول حلها.بعد أيام قليلة، التقيا في الحديقة نفسها التي تحدثا فيها عن والده ومستقبله. كان الجو دافئًا، والجامعة تستعد للامتحانات النهائية، لذلك بدت الساحة أكثر ازدحامًا من المعتاد. جلسا تحت الشجرة، وتحدثا عن العطلة الصيفية وخططهما للفصل القادم. أخبرته إيلينا أنها ستزور جدتها لبضعة أسابيع، وأنها قد تقضي جزءًا من العطلة في العمل على مشروع الترجمة. أما آدم، فقال إنه سيزيد ساعات عمله في المتجر ويحاول البحث عن وظيفة أفضل. استمعت إليه، ثم قالت: «أتمنى أن تجد وقتًا لنفسك أيضًا». ابتسم وقال: «أعتقد أنني بدأت أفعل ذلك». نظرت إليه بفضول، فسألته عما يقصده. تردد قليلًا، ثم التفت إليها وقال: «أقصد أنني بدأت أكتشف أن هناك أشياء لا أريد أن أؤجلها». بقيت تنظر إليه دون أن تتكلم، فأكمل: «وأنتِ واحدة من تلك الأشياء». شعر بالتوتر فور أن خرجت الكلمات من فمه، وخشي أن يكون قد عبّر عن نفسه بطريقة غامضة، لكنه لم يتراجع. خفضت إيلينا عينيها، وظهرت ابتسامة خفيفة على وجهها، ثم قالت: «كنت أنتظر منك أن تقول شيئًا كهذا منذ مدة». تنفس آدم بعمق، وقال: «كنت أخشى أن أعدك بشيء لا أستطيع الوفاء به». رفعت رأسها ونظرت إليه بجدية: «أنا لا أطلب منك أن تعدني بحياة مثالية. لا أحتاج إلى رجل يملك كل شيء، ولا أريد منك أن تتخلى عن أحلامك. أريد فقط أن أعرف أنني لست شخصًا ستتذكره عندما تنتهي من بناء حياتك». شعر آدم بأن كلماتها وصلت إلى مكان عميق داخله. مد يده ببطء ووضعها فوق يدها، ولم تسحب إيلينا يدها، بل تشبثت بأصابعه برفق. قال: «لا أريد أن أتذكرك في نهاية الطريق يا إيلينا. أريدك أن تكوني معي وأنا أسير فيه». ابتسمت، وكانت عيناها تلمعان بشيء من التأثر، ثم قالت: «إذن، لا تجعلني أمشي خلفك طوال الوقت». أجابها: «سأحاول أن أمشي إلى جانبك». لم يكن وعدًا كبيرًا، ولم يكن اعترافًا يشبه ما تقوله الشخصيات في الروايات، لكنه كان صادقًا بما يكفي ليغير طبيعة العلاقة بينهما. بقيا جالسين متشابكي الأيدي، يتحدثان عن أشياء عادية، عن الامتحانات والعطلة والكتب التي تريد إيلينا قراءتها، وعن الوظائف التي يبحث عنها آدم. ومع ذلك، كان كل شيء يبدو مختلفًا؛ فاليد التي تمسك بيده لم تعد يد صديقة فحسب، والصمت بينهما لم يعد يحتاج إلى تفسير.عندما افترقا ذلك المساء، سارت إيلينا إلى منزلها وهي تشعر بخفة لم تعرفها منذ وقت طويل، بينما عاد آدم إلى منزله وهو يدرك أن حياته بدأت تتخذ شكلًا جديدًا. لم يكن قد تخلص من مسؤولياته، ولم تصبح مشكلاته أقل، ولم يمتلك فجأة المال الذي يحتاج إليه، لكنه لم يعد يرى مستقبله طريقًا طويلًا عليه أن يقطعه وحده. وفي تلك الليلة، أخبر والدته للمرة الأولى عن إيلينا، فاستمعت إليه ماريان بابتسامة هادئة، ثم سألته إن كان يحبها. صمت آدم قليلًا، وكأنه فوجئ بأن السؤال الذي حاول تجنبه أشهرًا يمكن أن يكون بهذه البساطة، ثم قال: «أعتقد أنني أحبها يا أمي». ابتسمت والدته، ومسحت بيدها على كتفه وقالت: «إذن لا تجعل خوفك من المستقبل يحرمك من السعادة في الحاضر». نظر إليها آدم، وتذكر كلمات إيلينا، فابتسم دون أن يجيب. لم يكن يعرف ما الذي ستجلبه السنوات القادمة، لكنه كان يؤمن أن أمامهما وقتًا طويلًا، وأنهما سيكبران معًا، ويحققان أحلامهما، ويصنعان ذكريات أكثر مما يستطيعان تذكره. وفي اليوم التالي، عندما التقى إيلينا عند بوابة الجامعة، لم يحتج إلى اختلاق سبب للحديث معها، ولم يتظاهر بأنه جاء إلى المكان مصادفة. اقترب منها مباشرة، ومد يده إليها، فسألته مبتسمة: «إلى أين؟». قال: «إلى المحاضرة، ثم إلى المقهى، إذا لم يكن لديك مانع». ضحكت وأمسكت بيده، ثم سارا معًا. كانا في بداية شيء لم يعرفا كيف يصفانه تمامًا، لكنهما لم يعودا يخشيان الاعتراف بوجوده. ولم يكن آدم يعلم أن هذه الأيام الهادئة، بكل ما فيها من أحاديث بسيطة ولقاءات عادية ووعود صغيرة، ستصبح يومًا أثمن ما في حياته؛ وأنه سيشتاق إلى تلك الطريق الجامعية، وإلى المقهى القريب، وإلى يد إيلينا وهي تستقر في يده، أكثر مما سيشتاق إلى أي نجاح حققه في عمله.
17 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.