وضع القراءة:

الفصل الثالث

مرّت أشهر الربيع سريعًا، ومع اقتراب الصيف، أصبحت علاقة آدم وإيلينا أكثر وضوحًا، حتى إن أصدقاء إيلينا بدؤوا يمازحونها كلما رأوها تتفقد هاتفها، بينما اكتفى دانيال، شقيق آدم، بإطلاق ابتسامة واسعة كلما سمعه يذكر اسمها. لم يكن آدم من الأشخاص الذين يتحدثون عن مشاعرهم أمام الآخرين، لكنه لم يعد يحاول إخفاء سعادته حين يكون معها. كان ينتظرها كل صباح عند بوابة الجامعة، ويحمل عنها كتبها أحيانًا، ويحرص على مرافقتها إلى محطة الحافلات بعد انتهاء المحاضرات. أما إيلينا، فقد اعتادت أن ترسل إليه رسالة قصيرة في منتصف يومه، لا تسأله فيها عن شيء مهم، بل تخبره عن موقف مضحك حدث معها أو عن كتاب قرأت منه بضع صفحات. كانت تعرف أنه يعمل لساعات طويلة، ولذلك لم تكن تطالبه بأن يكون متاحًا طوال الوقت، لكنها كانت تفرح عندما تجد منه رسالة صغيرة تخبرها بأنه يفكر فيها.
في أحد أيام يونيو، انتهت محاضراتهما مبكرًا، فاقترحت إيلينا أن يتنزها في الحديقة العامة القريبة من النهر. كان الطقس دافئًا، والناس يتوزعون بين المقاعد والممرات، بينما يلعب الأطفال قرب الأشجار. جلسا في مكان هادئ، واشترت إيلينا مثلجات بنكهة الفراولة، في حين اختار آدم القهوة رغم إصرارها على أن الطقس لا يناسبها. قالت وهي تنظر إلى كوبه: «أظن أنك ستشرب القهوة حتى لو كنت واقفًا وسط حريق». أجابها مبتسمًا: «على الأقل سأكون مستعدًا لمواجهة الحريق». ضحكت، ثم سألته إن كان قد فكر في مستقبلهما بجدية. فوجئ بالسؤال، ووضع كوبه جانبًا قبل أن يجيب: «أفكر في ذلك كثيرًا، لكنني لا أريد أن أتحدث عن أشياء لا أستطيع تحقيقها بعد». نظرت إليه إيلينا وقالت: «أنا لا أطلب منك أن تحقق كل شيء الآن. أريد فقط أن أعرف إن كنت ترى لي مكانًا في ذلك المستقبل». نظر إلى وجهها، ثم قال بصدق: «أراكِ في كل مستقبل أتخيله». خفضت عينيها، وحاولت إخفاء ابتسامتها، لكنها لم تستطع. وبعد لحظات، أخبرته أنها تتمنى أن يعيشا يومًا في منزل صغير، بحديقة ونافذة واسعة، وأن تملأ رفوفه بالكتب، بينما يضع هو مكتبًا قرب النافذة ويعمل دون أن يضطر إلى قضاء يومه كله بعيدًا عنها. ابتسم آدم وقال: «سأحتاج إلى مكتب كبير». أجابت: «ولماذا؟» فقال: «لأنك ستملئين المنزل بالكتب، ولن تتركي لي مكانًا». ضحكت، ثم مالت برأسها على كتفه. بقيا كذلك لبعض الوقت، دون أن يتحدثا، ولم يكن أي منهما بحاجة إلى قول شيء آخر.بعد أسبوعين، قرر آدم أن يدعو إيلينا إلى منزله لتتعرف إلى والدته وشقيقه. قضى الصباح في مساعدة ماريان على ترتيب المنزل، بينما كان دانيال يراقبه من باب المطبخ ويقول إن أخاه لم يهتم يومًا بنظافة غرفته كما يهتم بها الآن. هدده آدم بإرساله إلى المدرسة الصيفية، فضحك دانيال واختفى قبل أن يرد عليه. وصلت إيلينا بعد الظهر، تحمل باقة صغيرة من الزهور لوالدته وبعض الحلوى لدانيال. استقبلتها ماريان بحرارة، وسرعان ما بدأت تسألها عن دراستها وعائلتها، بينما تولى دانيال مهمة إحراج أخيه بذكر المرات التي عاد فيها إلى المنزل مبتسمًا وهو ينظر إلى هاتفه. حاول آدم إسكاته، لكن إيلينا كانت تضحك، ولم يكن قادرًا على إخفاء ارتباكه. خلال الغداء، لاحظت ماريان الطريقة التي ينظر بها ابنها إلى إيلينا كلما تحدثت، وشعرت براحة لم تشعر بها منذ سنوات. لم تكن تريد لآدم أن يتخلى عن مسؤولياته، لكنها كانت تخشى أن يقضي حياته كلها في العمل، حتى ينسى أن له الحق في أن يكون سعيدًا أيضًا. وبعد أن غادرت إيلينا المطبخ لمساعدة دانيال في ترتيب الأطباق، التفتت ماريان إلى ابنها وقالت: «إنها فتاة طيبة». أجاب آدم بهدوء: «أعرف». نظرت إليه قليلًا، ثم أضافت: «لا تجعلها تدفع ثمن خوفك من الحياة يا بني. ليس كل شيء يمكن تأجيله حتى تصبح مستعدًا». لم يرد، لكنه فهم ما تقصده، وظلت كلماتها ترافقه عندما خرج مع إيلينا في المساء ليوصلها إلى منزلها.في طريق العودة، سألته إيلينا إن كان سعيدًا لأنها التقت عائلته، فأخبرها بأن والدته أحبتها، وأن دانيال سيستغل تلك الزيارة لمضايقته طوال الأشهر القادمة. ابتسمت وقالت إنها أحبت المنزل، رغم بساطته، وإنها شعرت بالراحة منذ اللحظة التي دخلت فيها. ثم توقفت عند باب منزلها، وبقيت تنظر إليه كما لو أنها تريد أن تقول شيئًا. سألها آدم إن كانت بخير، فأجابت: «نعم، كنت أفكر فقط في أننا لم نعد مجرد صديقين يلتقيان في الجامعة». ابتسم وقال: «أعتقد أن دانيال أدرك ذلك قبلنا». ضحكت، ثم اقتربت منه واحتضنته للمرة الأولى. فوجئ آدم في البداية، لكنه سرعان ما أحاطها بذراعيه، وشعر بأن كل الكلمات التي ظل يحتفظ بها داخله أصبحت أقل أهمية من تلك اللحظة. لم يكن العناق طويلًا، لكنه بقي يفكر فيه طوال الطريق إلى منزله. وفي المساء، أرسلت إليه إيلينا رسالة كتبت فيها: «أشعر أنني أستطيع أن أكون نفسي معك، وهذا يعني لي الكثير». قرأها آدم أكثر من مرة، ثم أجابها: «أريدك أن تشعري بذلك دائمًا». لم يكن يعرف كيف يضمن لها المستقبل، لكنه كان صادقًا في رغبته بأن يكون الشخص الذي تستطيع العودة إليه حين تتعب من العالم.مع نهاية الصيف، بدأت علاقتهما تدخل مرحلة أكثر جدية. تحدثا عن أحلامهما، وعن العمل، وعن اليوم الذي سينهيان فيه دراستهما، ولم يعد الزواج فكرة بعيدة لا يجرؤ آدم على ذكرها. ومع ذلك، ظل يؤجل الحديث الرسمي مع عائلتها حتى يحصل على وظيفة أفضل ويجمع بعض المال. كانت إيلينا تفهم خوفه، لكنها كانت تخبره أحيانًا بأن الحياة لن تمنحه ضمانات كاملة مهما انتظر. وكان يجيبها بأنه يريد أن يأتي اليوم الذي يطلب فيه يدها وهو قادر على منحها حياة كريمة. لم تكن تريد أن تجادله في كل مرة، فكانت تكتفي بقول: «سأنتظر، لكن لا تجعل الانتظار أطول مما ينبغي». وفي إحدى الأمسيات، جلس آدم مع والدته وأخبرها أنه ينوي التقدم لخطبة إيلينا عندما تتحسن ظروفه قليلًا. ابتسمت ماريان، لكنها لم تشاركه حماسه بالكامل، وسألته: «وهل تعرف ما الذي تريده إيلينا؟». أجاب: «تريد أن نكون معًا». قالت والدته: «إذن تذكر أن تكون معها فعلًا، لا أن تنشغل طوال الوقت بمحاولة إعداد حياة مثالية لها». هز رأسه، ووعدها بأنه لن ينسى ذلك.لم تكن تلك الوعود كافية لتغيير آدم بين ليلة وضحاها، لكنه كان يحاول. بدأ يخصص بعض الأمسيات لإيلينا، ويترك هاتف العمل جانبًا عندما يجلس معها، ويستمع إلى أحاديثها عن الكتب والمشروعات التي تريد إنجازها. وكانت هي بدورها تدعمه في سعيه للحصول على وظيفة أفضل، وتحتفل بكل خطوة يحققها مهما بدت صغيرة. ومع مرور الأيام، أصبحا يتحدثان عن المنزل الذي سيعيشان فيه، والأثاث الذي سيختارانه، وحتى أسماء النباتات التي ستزرعها إيلينا في الحديقة. كانت أحلامًا بسيطة، لا تحتاج إلى ثروة كبيرة كي تتحقق، لكنها منحت آدم شعورًا بأنه يعمل من أجل شيء يتجاوز الأرقام والرواتب والترقيات. وفي إحدى الليالي، بينما كانا يتحدثان عبر الهاتف، قالت إيلينا إنها تتمنى أن يتذكرا هذه الأيام عندما يكبران، وأن يضحكا على كل ما كان يقلقهما. أجابها آدم: «سنضحك عليها في منزلنا، وأنتِ ستخبرينني أنني كنت أعمل أكثر مما ينبغي». قالت: «لن أحتاج إلى إخبارك، ستكتشف ذلك بنفسك». ضحك، ثم قال: «أعدك بأنني سأحاول أن أكون أفضل». لم تطلب منه أن يعدها بشيء آخر، بل قالت إنها تثق به، ثم تمنت له ليلة سعيدة.أغلق آدم الهاتف بعد انتهاء المكالمة، ونظر إلى الأوراق الموضوعة أمامه على المكتب. كان لديه الكثير ليفعله، والكثير من الأحلام التي يريد تحقيقها، لكنه شعر في تلك الليلة بأن المستقبل لم يعد شيئًا يخشاه كما كان من قبل. كانت إيلينا جزءًا منه الآن، وكان يعتقد أن أمامهما سنوات طويلة ليحققا كل ما تحدثا عنه. لم يكن يعلم أن الحياة التي خططا لها ستصبح يومًا حقيقة، وأنه سيجلس بالفعل إلى جوار نافذتهما، في المنزل الذي اختاراه معًا، لكنه سيجلس هناك وحيدًا، محاطًا بالأشياء التي تذكّره بها. في تلك المرحلة، لم يكن يعرف سوى أنه يحبها، وأنها تحبه، وأنهما يريدان البقاء معًا. وكان ذلك، في نظره، كافيًا ليطمئن إلى كل ما سيأتي.
13 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.