الفصل الخامس
حلّ الخريف، وجاء اليوم الذي انتظره آدم وإيلينا طويلًا. لم يكن حفل زفافهما فاخرًا، ولم تمتلئ القاعة بالوجوه الغريبة أو الأضواء الباهرة، بل اقتصر على العائلة والأصدقاء المقربين، لكنه كان بالنسبة إليهما أجمل من كل ما تخيلاه. وقفت إيلينا بفستانها الأبيض البسيط، بينما كان آدم ينظر إليها وكأنه يراها للمرة الأولى. وحين اقتربت منه، همس لها: «أتعلمين؟ كنت أتخيل هذا اليوم كثيرًا، لكنني لم أتخيل يومًا أنكِ ستكونين أجمل من أحلامي». ابتسمت بخجل وقالت: «وأنا كنت أخشى أن أكون قد تخيلت حياتنا معًا أكثر مما ينبغي». أمسك يدها وأجاب: «من اليوم، لن نحتاج إلى تخيلها وحدنا». وفي تلك الليلة، غادرا الحفل زوجًا وزوجة، يحملان أحلامًا كثيرة ومالًا قليلًا، لكنهما كانا يعتقدان أن ذلك يكفي ليبدآ حياتهما.
كان منزلهما صغيرًا، يتألف من غرفتين ومطبخ متواضع، وفي غرفة الجلوس نافذة واسعة أصرت إيلينا على اختيارها منذ اللحظة الأولى. وضعت كتبها على رفوف خشبية، وزرعت بعض الأزهار قرب النافذة، بينما تولى آدم ترتيب الأثاث وإصلاح الأشياء التي لم تكن تعمل كما ينبغي. لم يكن كل شيء مثاليًا؛ فقد تعطلت المدفأة في أول أسبوع، وتأخرا في دفع أحد الفواتير، واضطرا إلى تأجيل شراء بعض الأغراض. لكنهما كانا يضحكان على تلك المشكلات بدلًا من أن يسمحا لها بإفساد سعادتهما. وفي إحدى الأمسيات، جلسا على الأرض يتناولان العشاء لأنهما لم يشتريا طاولة بعد، فنظرت إيلينا إلى المكان حولها وقالت: «هل تصدق أننا نعيش هنا الآن؟» ابتسم آدم وهو يمد إليها قطعة من الخبز: «كنت أظن أنني سأحتاج إلى سنوات حتى أستطيع أن أمنحكِ منزلًا». فأجابته: «لم تمنحني منزلًا فحسب، بل منحتني مكانًا أشعر فيه أنني أنتمي إلى أحد». لم يعرف ماذا يقول، فاكتفى بأن جذبها نحوه، فاستندت إلى كتفه وهي تبتسم.مرت الأشهر الأولى من زواجهما هادئة ودافئة. كانت إيلينا تستيقظ أحيانًا قبله، فتعد القهوة وتترك له رسالة صغيرة قرب فنجانه، بينما كان آدم يعود من العمل حاملًا شيئًا بسيطًا يعرف أنها تحبه؛ كتابًا مستعملًا، أو قطعة حلوى، أو زهرة اشتراها من بائع في الطريق. لم تكن قيمة الهدايا تعني لها شيئًا، بل كانت تحب أنه يتذكرها وسط انشغاله. وفي عطلات نهاية الأسبوع، كانا يخرجان للتنزه أو يزوران ماريان ودانيال، ثم يعودان إلى منزلهما ويتحدثان حتى وقت متأخر عن الكتب والأحلام والمستقبل. كانت إيلينا تخبره عن رغبتها في العمل بمجال الترجمة والنشر، وكان يشجعها على متابعة دراستها وتحقيق ما تريد. أما هو، فكان يحلم بالحصول على وظيفة أفضل، وأن يمتلك يومًا منزلًا أوسع، وأن يجعلها تعيش حياة لا تقلق فيها بشأن المال. كانت تلك الأحلام تمنحه القوة، لكنه بدأ تدريجيًا يعتقد أن عليه تحقيقها بأسرع وقت ممكن.
في أحد الأيام، عاد آدم إلى المنزل وأخبر إيلينا أنه حصل على فرصة للعمل في شركة تجارية، براتب أعلى وساعات عمل أطول. فرحت من أجله، واحتضنته وهي تقول: «كنت أعرف أنك ستنجح». لكنه حين أخبرها أنه سيضطر إلى قضاء وقت أقل في المنزل، خفتت ابتسامتها قليلًا. قالت بهدوء: «أنا سعيدة من أجلك، يا آدم، لكنني لا أريد أن يصبح بيتنا مكانًا تعود إليه للنوم فقط». أمسك يديها وقال: «إنه أمر مؤقت، إيلينا. أريد أن أؤمّن مستقبلنا، وبعد أن تتحسن ظروفنا سأمنحكِ كل الوقت الذي تريدينه». لم تجادله؛ فقد رأت التعب في عينيه، وعرفت أنه لا يفعل ذلك إلا لأنه يريد أن يوفر لهما حياة أفضل. ابتسمت وقالت: «حسنًا، لكن لا تنسَ أن تعيش معي هذا المستقبل الذي تعمل من أجله». وعدها بأنه لن ينسى.
في تلك الليلة، وبعد أن نامت إيلينا، بقي آدم مستيقظًا قليلًا، ينظر إلى وجهها الهادئ وإلى الغرفة التي بنياها معًا قطعة بعد أخرى. شعر بالامتنان لأنه أصبح زوجها، ووعد نفسه بأنه سيعمل بجد حتى لا تحتاج إلى القلق بشأن أي شيء. لم يكن يدرك أن إيلينا لم تكن تنتظر منه حياة مثالية، بل كانت تريد أيامًا عادية يقضيها معها، ووقتًا لا يضطران فيه إلى تأجيل سعادتهما. ومع ذلك، طبع قبلة على جبينها، ثم أطفأ المصباح واستلقى إلى جوارها.كان منزلهما الصغير يمتلئ بالضحكات، وكانت الأزهار قرب النافذة تنمو ببطء، وكانت إيلينا تكتب أحيانًا في دفترها عن حياتهما الجديدة. أما آدم، فقد بدأ يستعد لمرحلة مختلفة من حياته، مقتنعًا بأن التعب الذي يتحمله اليوم سيمنحهما غدًا أجمل. ولم يكن في المنزل ما يوحي بأن شيئًا سيتغير؛ لا في رسائل إيلينا الصغيرة، ولا في قهوته الصباحية، ولا في أحلامهما التي كانت تكبر كل يوم. لقد كانا سعيدين حقًا، وكان كل منهما يعتقد أن أمامهما وقتًا طويلًا ليقولا ويفعلا كل ما يريدانه. ولم يعرف آدم أن أكثر ما سيشتاق إليه يومًا لن يكون الأحلام الكبيرة التي سعى لتحقيقها، بل تلك الأيام البسيطة التي ظن أنها ستتكر
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!