الفصل الاول
الفصل الأول: اللقاء الذي لم يكن في الحسبان
لم يكن آدم يؤمن بأن بعض اللحظات قادرة على تغيير حياة الإنسان إلى الأبد. كان يرى أن الحياة تسير وفق سلسلة من القرارات الصغيرة، وأن المستقبل ليس سوى نتيجة لما نختار فعله اليوم، ولذلك لم يكن يؤمن بالصدف التي يتحدث عنها الناس، ولا باللقاءات التي يصفونها بأنها كُتبت لهم قبل أن يولدوا. كان في التاسعة عشرة من عمره حين بدأ عامه الجامعي الأول، شابًا هادئًا يميل إلى العزلة، لا يتحدث كثيرًا إلا عندما يجد سببًا يستحق الحديث، وكانت لديه أحلام أكبر من ظروفه؛ أراد أن يصبح رجلًا ناجحًا، وأن يمتلك يومًا ما منزلًا جميلًا تعيش فيه عائلته دون أن تقلق بشأن المال، وأن يجعل والدته تتوقف عن حساب مصاريف الشهر قبل أن تشتري شيئًا تحتاج إليه. كان والده قد توفي قبل أربع سنوات إثر أزمة قلبية مفاجئة، تاركًا خلفه زوجة وولدين، وديونًا لم تكن كبيرة في البداية، لكنها بدت أثقل مع مرور الوقت. كان آدم الابن الأكبر، وقد شعر منذ وفاة والده أن طفولته انتهت في تلك الليلة التي رأى فيها والدته تجلس أمام باب غرفة المستشفى، تمسك حقيبة والده الصغيرة وتبكي بصمت، كأنها تخشى أن يسمعها أبناؤها فيزداد ألمهم. لم يكن آدم يعرف كيف يواسيها، فلم يقل شيئًا سوى أنه سيهتم بها وبأخيه الأصغر، وكان في الخامسة عشرة من عمره حين وعدها بذلك. ومنذ ذلك اليوم، صار ينظر إلى كل شيء في حياته باعتباره مسؤولية يجب أن يتحملها، حتى أحلامه الشخصية كانت مؤجلة إلى أن يصبح قادرًا على منح أسرته حياة أفضل.في صباح يوم الاثنين من شهر سبتمبر، استيقظ آدم قبل أن يرن المنبه بدقائق. فتح عينيه على سقف غرفته القديم، وظل مستلقيًا قليلًا يستمع إلى صوت الرياح التي تحرك أغصان الشجرة أمام النافذة. كان الطقس باردًا على نحو غير معتاد، وكانت السماء ملبدة بالغيوم، لكن ذلك لم يكن كافيًا لإقناعه بالبقاء في فراشه. نهض، غسل وجهه، ثم ارتدى قميصًا أبيض وسترة داكنة احتفظ بها منذ تخرجه من المدرسة، ووقف أمام المرآة الصغيرة المعلقة بجانب خزانته. لم يكن يهتم كثيرًا بمظهره، لكنه حاول في ذلك الصباح أن يبدو أكثر ترتيبًا؛ لم يكن يريد أن يترك انطباعًا سيئًا في يومه الجامعي الأول. خرج من غرفته فوجد والدته، ماريان، تعد الإفطار في المطبخ، بينما كان أخوه الأصغر، دانيال، يجلس إلى الطاولة ويحاول إقناعها بأنه لا يحتاج إلى الذهاب إلى المدرسة لأنه يشعر بالنعاس. قالت ماريان وهي تضع طبقًا أمام آدم: «اجلس وتناول شيئًا قبل أن تذهب. لن تجد وقتًا للأكل إذا تأخرت». جلس آدم وأخذ قطعة من الخبز، ثم نظر إلى أخيه وقال: «لو كنت تقضي نصف الوقت الذي تقضيه في الشكوى في الدراسة، لأصبحت الأول على المدرسة». رفع دانيال رأسه وقال مبتسمًا: «ولو كنت تقضي نصف الوقت الذي تقضيه في التفكير في المستقبل في الاستمتاع بحياتك، لربما أصبحت إنسانًا طبيعيًا». كاد آدم يجيبه، لكنه اكتفى بهز رأسه، بينما ضحكت والدته وهي تضع كوب الشاي أمامه. كانت هذه إحدى عادات دانيال؛ أن يحاول إضحاك أخيه كلما وجده غارقًا في أفكاره، وكان آدم يتظاهر بالانزعاج، لكنه في الحقيقة كان يخشى أن يأتي يوم يفقد فيه حتى هذه التفاصيل البسيطة التي تمنح المنزل دفئه. قبل أن يغادر، اقتربت منه والدته وعدلت ياقة سترته، ثم قالت: «أنا فخورة بك يا آدم، مهما حدث في الجامعة، لا تجعل خوفك من الفشل يفسد عليك أيامك». نظر إليها لحظة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: «لن أفشل يا أمي». لم تكن تلك إجابة عن نصيحتها بقدر ما كانت وعدًا جديدًا يضيفه إلى قائمة الوعود التي قطعها على نفسه.استغرق الطريق إلى الجامعة قرابة أربعين دقيقة، قضى معظمها واقفًا في الحافلة المزدحمة، ممسكًا بحقيبته بيد وبالعمود المعدني باليد الأخرى. كان ينظر من النافذة إلى الشوارع التي بدأت تمتلئ بالطلاب والموظفين، وإلى المقاهي التي فتحت أبوابها للتو، وإلى الوجوه التي بدت مستعجلة كأن الجميع يركض خلف شيء لا يريد أن يفوته. عندما وصل، وقف أمام البوابة الرئيسية للحرم الجامعي للحظات. كانت المباني واسعة، والساحات مليئة بالطلاب، وكانت أصوات الضحكات والأحاديث تختلط بأصوات السيارات القادمة من الطريق القريب. شعر بشيء من القلق، لكنه أخفاه خلف ملامحه الهادئة، ثم أخرج ورقة صغيرة كتب عليها رقم القاعة التي يجب أن يتوجه إليها. كان قد اختار دراسة إدارة الأعمال لأنه رأى فيها طريقًا واضحًا إلى العمل والاستقلال المادي، ولم يكن الاختيار نابعًا من شغف كبير بقدر ما كان نابعًا من رغبته في بناء مستقبل يستطيع الاعتماد عليه. سار عبر الممر المؤدي إلى المبنى الرئيسي، لكنه توقف بعد دقائق عندما أدرك أنه دخل الجناح الخطأ. أخرج هاتفه ليتأكد من رقم القاعة، ثم تنهد وهو يقرأ اللافتات المعلقة على الجدران. كان على وشك العودة أدراجه حين سمع صوتًا نسائيًا خلفه يقول: «إذا كنت تبحث عن القاعة الثالثة عشرة، فأنت تسير في الاتجاه المعاكس». التفت فوجد فتاة تقف على بعد خطوات منه، تحمل عدة كتب بين ذراعيها وحقيبة بنية تتدلى من كتفها. كان شعرها البني الطويل منسدلًا على كتفيها، وعيناها بلون العسل، وفي وجهها ابتسامة هادئة لم تكن متكلفة أو مبالغًا فيها. بدا أنها لاحظت ارتباكه، لكنها لم تضحك عليه، بل أشارت إلى الممر الذي جاءت منه وقالت: «عليك أن تعود إلى الدرج، ثم تصعد إلى الطابق الثاني. القاعة هناك، بجانب المكتبة». نظر آدم إلى الورقة في يده، ثم رفع عينيه إليها وقال: «يبدو أنني بدأت حياتي الجامعية بداية رائعة». ابتسمت الفتاة وقالت: «لا تقلق، لقد دخلت أنا مختبر الكيمياء صباح اليوم، مع أنني لا أدرس الكيمياء أصلًا». لم يستطع منع نفسه من الابتسام. قال: «إذن، ما زلت أفضل حالًا منك». أجابته وهي تعدل الكتب بين ذراعيها: «هذا ما تقوله الآن، انتظر حتى تضيع في المبنى مرة أخرى». ثم أشارت إلى الممر وقالت إنها ذاهبة في الاتجاه نفسه، فقررت أن ترافقه حتى يصل إلى القاعة. سار الاثنان جنبًا إلى جنب، وتحدثا خلال الطريق عن الجامعة وأقسامها، وعندما سألها آدم عن اسمها، أجابت: «إيلينا». كرر الاسم بصوت خافت، كأنه يحاول التأكد من نطقه الصحيح، ثم قال: «أنا آدم». نظرت إليه للحظة وقالت: «تشرفت بمعرفتك يا آدم». لم يحدث شيء استثنائي في تلك اللحظة؛ لم تتوقف الحياة، ولم يشعر آدم بأن العالم تغير من حوله، ولم يسمع موسيقى خفية كما يحدث في الأفلام. كل ما في الأمر أن فتاة غريبة أوصلته إلى قاعته، وأنه دخل محاضرته في الوقت المناسب. ومع ذلك، عندما جلس في المقعد الأخير وفتح دفتره، وجد نفسه يتذكر ابتسامتها دون سبب واضح، ثم هز رأسه قليلًا وعاد إلى التركيز على الأستاذ الذي بدأ يشرح تفاصيل الفصل الدراسي.مر الأسبوع الأول ببطء، وكان آدم يقضي معظم وقته بين المحاضرات والمكتبة والطريق الطويل إلى منزله. لم يكن لديه أصدقاء في الجامعة، ولم يشعر بالحاجة الملحة إلى تكوين صداقات جديدة. كان يتناول غداءه وحده أحيانًا، ويجلس في المكتبة حتى تنتهي محاضراته، ثم يعود إلى المنزل ليساعد والدته في بعض الأمور قبل أن يبدأ الدراسة. أما إيلينا، فقد كانت تظهر في أماكن مختلفة من الحرم الجامعي على نحو جعله يلاحظ وجودها أكثر مما توقع. رآها ذات مرة في الساحة تجلس مع فتاتين وتضحك، ومرة أخرى في المكتبة وهي تحاول الوصول إلى كتاب موضوع على رف مرتفع، وفي يوم الخميس لمحها أمام آلة القهوة وهي تتحدث مع أحد الطلاب. لم يكن يعرف عنها شيئًا سوى اسمها، لكنه بدأ يربط وجهها بتفاصيل يومه، حتى صار يتوقع رؤيتها في بعض الممرات دون أن يعترف لنفسه بذلك. وفي صباح الأسبوع الثاني، دخل القاعة قبل المحاضرة بعشر دقائق، فوجد مقعدًا فارغًا بجانب النافذة وجلس فيه. أخرج دفتره وهاتفه، ثم انشغل بقراءة رسالة من والدته تسأله فيها إن كان سيعود مبكرًا، وعندما رفع رأسه وجد إيلينا واقفة أمام المقعد المجاور. قالت: «هل هذا المكان شاغر؟». أشار إلى الكرسي وقال: «تفضلي». جلست ووضعت كتبها على الطاولة، ثم نظرت إليه بابتسامة خفيفة وقالت: «هل وجدت طريقك إلى القاعة هذه المرة؟». أجابها: «بصعوبة، لكنني وصلت دون الحاجة إلى دليل سياحي». ضحكت، وكانت ضحكتها واضحة بما يكفي لتجعل الطالب الجالس أمامهما يلتفت للحظة، ثم أخرجت دفترًا من حقيبتها وسألته إن كان قد فهم ما طلبه الأستاذ في المحاضرة السابقة. بدأ الحديث بينهما عن المادة، ثم انتقل إلى الدراسة عمومًا، واكتشف آدم أنها ليست من النوع الذي يتحدث لمجرد ملء الصمت؛ كانت تستمع إليه باهتمام، وتسأله عن رأيه، وتناقشه دون أن تحاول إثبات أنها تعرف أكثر منه. أخبرته أنها تدرس الأدب الإنجليزي، وأنها تحب الكتب القديمة والرسائل المكتوبة بخط اليد، وأنها تتمنى أن تعمل يومًا ما في مجال الترجمة أو النشر. وعندما سألها عن سبب اختيارها هذا التخصص، قالت بعد تفكير قصير: «لأنني أحب أن أعرف كيف يرى الآخرون العالم. أحيانًا نقرأ قصة شخص لا يشبهنا في شيء، ثم نكتشف أننا نفهم ألمه أكثر مما نفهم أنفسنا». بقي آدم صامتًا لحظة، فقد وجد في إجاباتها شيئًا مختلفًا عن الأحاديث المعتادة التي تدور حول الدرجات والوظائف والرواتب. لم يكن يشاركها حب الكتب، لكنه أحب الطريقة التي تتحدث بها عنها، كأنها لا تتحدث عن صفحات مطبوعة، بل عن أشخاص حقيقيين يعيشون خلف الكلمات. وحين بدأت المحاضرة، انصرف كل منهما إلى دفتره، غير أن آدم اكتشف بعد دقائق أنه يكتب ببطء أكثر من المعتاد، لأن جزءًا من انتباهه كان منشغلًا بالفتاة الجالسة إلى جانبه.خلال الأسابيع التالية، أصبحت لقاءاتهما أكثر انتظامًا. كانا يجلسان معًا في المحاضرات التي تجمع تخصصيهما، ويتبادلان الملاحظات أحيانًا، ثم يخرجان إلى الساحة بعد انتهاء الدروس. لم تكن العلاقة بينهما عميقة بعد، ولم يكن آدم يفكر في الحب، لكن وجود إيلينا بدأ يجعل أيام الجامعة أقل رتابة. كانت تسأله عن والدته وأخيه، وتحفظ التفاصيل الصغيرة التي يذكرها من دون قصد، بينما كان هو يكتشف تدريجيًا أنها تخفي وراء ابتسامتها حساسية كبيرة تجاه الأشياء التي يمر بها الآخرون دون انتباه. ففي أحد الأيام، شاهدا عامل النظافة في الجامعة يحاول جمع الأوراق التي بعثرتها الرياح، وكان الطلاب يمرون بجانبه دون أن يلتفتوا إليه. توقفت إيلينا، ووضعت كتبها على مقعد قريب، ثم ساعدته في جمع الأوراق حتى أعادتها إلى الصندوق. لم يستغرق الأمر أكثر من دقيقتين، لكنها عادت بعدها إلى آدم وكأنها لم تفعل شيئًا يستحق الذكر. سألها وهو يسيران: «ألا تتأخرين عن محاضرتك بسبب هذه الأشياء؟». أجابت: «أحيانًا». قال: «إذن لماذا تفعلينها؟ كان بإمكانك أن تتركيه ينهي عمله». نظرت إليه باستغراب لطيف، ثم قالت: «لأنه كان يحتاج إلى مساعدة، ولأنني كنت أستطيع مساعدته. لا أظن أن الأمر يحتاج إلى سبب آخر». لم يعرف آدم بماذا يجيبها. كان معتادًا على التفكير في الوقت بوصفه شيئًا يجب استثماره، وفي كل فعل من حيث فائدته ونتيجته، أما إيلينا فكانت تتعامل مع بعض الأمور كما لو أن قيمتها تكمن في كونها صحيحة فحسب. لم يتفق معها في كل شيء، لكنه وجد نفسه يفكر في كلماتها بعد أن افترقا، متسائلًا متى أصبح مشغولًا إلى هذا الحد بحيث يحتاج إلى سبب ليمنح شخصًا آخر دقيقتين من وقته.مع نهاية الشهر الأول، بدأ آدم يعمل بضع ساعات مساءً في متجر صغير للقرطاسية قريب من منزله. لم يكن الأجر كبيرًا، لكنه كان كافيًا لتخفيف بعض المصاريف عن والدته وشراء الكتب الجامعية دون أن يضطر إلى طلب المال منها. لم يخبر إيلينا بالأمر في البداية؛ لم يكن يخجل من العمل، لكنه لم يكن يحب الحديث عن ظروفه الشخصية. لاحظت غيابه عن المكتبة في بعض الأيام، فسألته ذات مساء بينما كانا يغادران الجامعة: «هل لديك شيء يشغلك هذه الأيام؟». أجابها: «بدأت العمل بعد المحاضرات». توقفت عن السير للحظة، ثم قالت: «كل يوم؟». قال: «معظم الأيام». سألته إن كان العمل مرهقًا، فأجابها بأنه لا يملك رفاهية اختيار الأيام التي يكون فيها مرتاحًا. لم تكن نبرته قاسية، لكنها كانت أكثر جدية مما اعتادته منه. شعرت إيلينا أنه لا يريد الحديث عن الأمر، فلم تضغط عليه، واكتفت بالقول: «أتمنى ألا ترهق نفسك أكثر مما ينبغي». ابتسم وقال: «سأكون بخير». ثم سألها عن محاضراتها، وانتقل الحديث إلى موضوع آخر. غير أن إيلينا ظلت تفكر في كلماته بعد أن افترقا. لم تكن تعرف الكثير عن حياته، لكنها أدركت أنه يحمل مسؤوليات أكبر مما يظهره، وأنه ربما تعلّم منذ وقت مبكر أن يخفي تعبه كي لا يثقل على الآخرين. أما آدم، فقد شعر بالراحة لأنها لم تسأله أسئلة كثيرة، ولم تحاول معاملته بشفقة. كان يكره أن يشعر بأنه أقل من غيره بسبب ظروفه، وإيلينا لم تجعله يشعر بذلك ولو للحظة واحدة.
في منتصف أكتوبر، هطلت الأمطار بغزارة على المدينة، وتحولت الساحة الجامعية إلى مساحة واسعة من الماء تعكس أضواء المباني. انتهت محاضرات آدم متأخرة في ذلك اليوم، وكان عليه أن يصل إلى المتجر قبل الخامسة، لكنه اكتشف عند خروجه أن مظلته الصغيرة لم تعد في حقيبته. وقف تحت مدخل المبنى، ينظر إلى المطر المتساقط، ويفكر في الطريق الذي ينبغي أن يقطعه حتى يصل إلى محطة الحافلات. كان يستطيع الركض، لكنه سيصل إلى عمله وملابسه مبللة، وهو ما لم يكن مستعدًا لتحمله. وبينما كان يحاول اتخاذ قرار، سمع صوت إيلينا يقول من خلفه: «يبدو أنك ستحتاج إلى دليل سياحي ومظلة هذه المرة». التفت فوجدها تقف تحت مظلة زرقاء واسعة، وقد رفعت حاجبيها بابتسامة مازحة. قال: «هل تلاحقينني منذ اليوم الأول؟». أجابت: «لو كنت ألاحقك، لاخترت شخصًا لا يضيع في المباني». ضحك آدم، ثم أخبرها بأنه مضطر إلى الذهاب للعمل. نظرت إلى الساعة في هاتفها وقالت إن لديها وقتًا قبل أن يأتي أخوها لاصطحابها، ثم عرضت أن ترافقه حتى محطة الحافلات. تردّد في البداية، لكنه وافق عندما أخبرته أن الطريق ليس طويلًا. خرجا تحت المظلة نفسها، وكان عليهما أن يسيرا متقاربين كي لا يبتلا بالمطر. تحدثا عن أشياء بسيطة؛ عن أستاذ يشرح بسرعة، وعن كتاب لم تكمله إيلينا، وعن رغبة آدم في الحصول على وظيفة أفضل بعد التخرج. وعندما وصلا إلى مفترق الطرق، اكتشفا أن المظلة لم تمنع المطر من الوصول إلى كتفيه. نظرت إيلينا إلى سترته المبللة وقالت: «أنت دائمًا تتصرف كأنك تستطيع تحمل كل شيء وحدك». فوجئ آدم بالسؤال، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: «لأنني مضطر إلى ذلك أحيانًا». خفتت ابتسامتها قليلًا، وقالت: «ربما. لكن هذا لا يعني أنك مضطر إلى فعل ذلك طوال الوقت». لم يجبها. كان قد سمع نصائح كثيرة عن المسؤولية والصبر والنجاح، لكنه لم يسمع كثيرًا من يقول له إنه ليس مضطرًا إلى تحمل كل شيء وحده. وصلت الحافلة، فصعد آدم بعد أن شكرها، ثم جلس قرب النافذة. وعندما تحركت الحافلة، وجدها لا تزال واقفة تحت المظلة، تلوّح له بيدها. ردّ التحية دون أن يفكر، ثم ظل ينظر إليها حتى اختفت خلف السيارات المتحركة. في تلك الليلة، وبعد أن عاد إلى منزله منهكًا من العمل والدراسة، جلس على طرف سريره وأخرج هاتفه. كان قد حصل على رقم إيلينا قبل أيام عندما تبادلا ملاحظات إحدى المحاضرات، لكنه لم يرسل إليها أي رسالة خارج إطار الدراسة. فتح المحادثة، وكتب: «وصلت إلى المنزل؟». نظر إلى العبارة طويلًا قبل أن يرسلها، ثم أضاف: «شكرًا على المظلة». لم تمضِ دقائق حتى جاءه ردها: «وصلت، والعفو. لكنك مدين لي بمظلة في يوم ما». ابتسم آدم، وكتب: «سأشتري لك واحدة عندما أصبح رجل أعمال مشهورًا». أجابته: «سأذكّرك بهذا الوعد عندما تصبح مشهورًا». وضع الهاتف على الطاولة، لكنه ظل مبتسمًا للحظات. لم يكن يعلم أن هذه الرسائل البسيطة ستصبح يومًا جزءًا من ذكريات سيعود إليها مرارًا، وأنه سيقرأها في أوقات كثيرة بحثًا عن صوت امرأة لم يعد بإمكانه سماعه.مرّت بقية أكتوبر ونوفمبر، ومع مرور الأيام، لم تعد إيلينا مجرد فتاة التقاها في ممر الجامعة. أصبحت الشخص الذي يبحث عنه بعينيه عند دخوله القاعة، والذي يرغب في إخباره عندما يحدث شيء مضحك في يومه، والذي يجد نفسه أحيانًا يكتب له رسالة ثم يتوقف لأنه لا يعرف إن كان لديه سبب كافٍ لإرسالها. لم يسمِّ آدم ما يشعر به حبًا؛ فقد كان يرى أن الحب مسؤولية كبيرة، وأنه لا يحق له الاقتراب من حياة شخص آخر قبل أن يكون قادرًا على بناء حياته الخاصة. لكنه بدأ يلاحظ تغيرات صغيرة في نفسه. صار يستيقظ صباحًا وهو يتذكر حديثًا دار بينهما في اليوم السابق، وصار يحتفظ بالأوراق التي تكتب عليها ملاحظاتها عندما تعطيه إياها بالخطأ، وصار يختار طريقًا أطول قليلًا عند مغادرته الجامعة إذا كان ذلك سيمنحه فرصة للسير معها. أما إيلينا، فقد بدأت تثق به بطريقة لم تكن تتوقعها. أخبرته عن خوفها من خيبة أمل والدها، الذي كان يريد لها أن تختار تخصصًا يضمن لها وظيفة ثابتة، وعن والدتها التي كانت ترى أن أحلام ابنتها جميلة لكنها بعيدة عن الواقع. كان آدم يستمع إليها دون أن يقاطعها، ثم يقول رأيه بصراحة، حتى عندما لا يتفق معها. وفي إحدى المرات، بعد أن أخبرته بأنها تخشى أن تقضي حياتها كلها في عمل لا تحبه، قال لها: «لا أظن أن المشكلة في العمل الذي لا تحبينه، بل في أن تستيقظي يومًا وتكتشفي أنك لم تحاولي أصلًا أن تفعلي ما تحبين». نظرت إليه طويلًا، ثم قالت: «غريب أن تقول هذا وأنت تقضي كل وقتك في العمل». أدرك أنها أصابت موضعًا لم يكن يريد التفكير فيه، فابتسم وقال: «أنا أحاول أن أصل إلى مكان يسمح لي بالاختيار». أجابته: «أتمنى أن تتذكر الاختيار عندما تصل». لم يعرف آدم لماذا بقيت هذه الجملة في ذهنه طوال ذلك اليوم، لكنه تذكرها في المساء، وهو يعد النقود التي حصل عليها من المتجر، ثم طوى الأوراق ووضعها في ظرف صغير يحتفظ فيه بما يدخره للمستقبل.في بداية ديسمبر، نظمت الجامعة فعالية ثقافية شارك فيها طلاب من أقسام مختلفة، وكانت إيلينا مسؤولة عن ركن صغير لعرض الكتب والترجمات. لم يكن آدم ينوي الحضور؛ فقد كان لديه اختبار قريب، وكان يفترض أن يدرس في المكتبة، لكنه تلقى منها رسالة صباح ذلك اليوم تسأله إن كان سيمر على الفعالية. كتب لها أنه سيحاول، ثم أمضى ساعات يحاول إقناع نفسه بأن الذهاب لن يستغرق وقتًا طويلًا. وصل إلى القاعة قبل انتهاء الفعالية بساعة، فوجد إيلينا تقف خلف طاولة مغطاة بالكتب، تشرح لامرأة مسنة فكرة إحدى الروايات. كانت تتحدث بحماس، وتبتسم كلما سألتها المرأة عن شخصية أو حدث، وبدا على وجهها أنها تنسى العالم من حولها عندما تتحدث عن الكتب التي تحبها. وقف آدم على مسافة قصيرة ينتظر حتى تنتهي، ثم اقترب منها. عندما رأته، اتسعت ابتسامتها وقالت: «كنت أظن أنك لن تأتي». أجابها: «قلت إنني سأحاول». قالت: «وهذا عندك يعني أنك قد تأتي بعد انتهاء كل شيء». نظر إلى الكتب وقال: «ما زال أمامك ساعة كاملة». ضحكت، ثم بدأت تعرفه إلى بعض الكتب التي شاركت في اختيارها. أمضيا بقية الوقت يتحدثان، وأصرت إيلينا على أن تمنحه رواية صغيرة قالت إنها ستعجبه، رغم أنه أخبرها بأنه لا يقرأ الروايات كثيرًا. قال وهو يقلب صفحاتها: «وماذا لو لم تعجبني؟». أجابت: «أعدها إليّ، وسأعطيك غيرها». سألها: «وهل تفعلين هذا مع الجميع؟». فكرت قليلًا ثم قالت: «لا. ليس مع الجميع». كانت إجابتها بسيطة، ولم تحمل اعترافًا صريحًا، لكنها جعلت آدم يصمت للحظة. لم يعرف إن كان ينبغي أن يسألها عما تقصده، فاختار أن ينظر إلى الكتاب بين يديه. وعندما انتهت الفعالية، عرض أن يساعدها في ترتيب الكتب ونقل الصناديق إلى غرفة التخزين. بقيا في القاعة بعد مغادرة معظم الطلاب، يجمعان الكتب ويضعان الملصقات في صندوق ورقي. وبينما كان آدم يرفع أحد الصناديق، سألته إيلينا عن خططه بعد التخرج. أخبرها بأنه يريد الحصول على وظيفة في شركة كبيرة، وأنه ينوي العمل بجد حتى يتمكن من شراء منزل لوالدته، ثم ادخار المال لبناء حياته الخاصة. استمعت إليه دون مقاطعة، ثم سألته: «وهل فكرت في الشخص الذي ستشاركه تلك الحياة؟». توقف عن ترتيب الكتب ونظر إليها. قال: «ليس الآن». خفضت عينيها إلى الكتاب الذي تحمله، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: «أنت تؤجل كل شيء إلى وقت لاحق، أليس كذلك؟». أجابها: «بعض الأشياء تحتاج إلى وقتها المناسب». قالت: «صحيح، لكن الحياة لا تنتظر دائمًا حتى نكون مستعدين». لم يكن في صوتها لوم، ومع ذلك شعر آدم بأن كلماتها اقتربت من شيء يخشاه. أراد أن يخبرها بأنها أصبحت جزءًا من الأيام التي لا يريد تأجيلها، لكنه لم يجرؤ على قول ذلك. كان يخشى أن يمنحها وعدًا لا يستطيع الوفاء به، أو أن يفتح بابًا لا يعرف كيف يحافظ عليه. لذلك اكتفى بابتسامة هادئة، وحمل الصندوق الأخير، ثم خرجا من القاعة معًا.بعد انتهاء الفصل الدراسي الأول، جاءت أيام الامتحانات وانشغل الجميع بالمراجعة. صار آدم يذهب إلى الجامعة في الصباح، ثم يعمل في المساء، ويعود إلى المنزل ليدرس حتى وقت متأخر. لم تعد لقاءاته بإيلينا طويلة كما كانت، لكنهما ظلا يتبادلان الرسائل كل يوم تقريبًا. كانت تسأله إن كان قد تناول الطعام، ويرد بأنه فعل حتى عندما يكون قد نسي ذلك، وكانت ترسل إليه صورًا للصفحات التي يخطئ في فهمها، بينما كان يساعدها أحيانًا في ترتيب مواعيدها ومراجعة بعض الموضوعات العامة. وفي إحدى الليالي، اتصلت به بدلًا من إرسال رسالة. كان آدم يجلس أمام مكتبه، تحيط به الكتب والأوراق، وعندما رأى اسمها على الشاشة شعر بمفاجأة صغيرة. أجاب وقال: «هل حدث شيء؟». سمع ضحكتها الخافتة من الطرف الآخر، ثم قالت: «هل أحتاج إلى سبب حتى أتصل بك؟». لم يعرف ماذا يقول، فمرر يده على شعره وقال: «لا، بالطبع لا. ظننت فقط أنك ربما تحتاجين إلى شيء». ساد صمت قصير، ثم قالت: «أحيانًا أشعر أنك لا تعرف كيف يتحدث الناس دون أن تكون لديهم مهمة محددة». ابتسم رغم أنه لم يكن يراها وقال: «ربما لأن معظم يومي يتكون من مهام محددة». قالت: «إذن دعنا نجرب شيئًا مختلفًا. أخبرني عن يومك، لكن ممنوع أن تتحدث عن الدراسة أو العمل». فكر آدم قليلًا، ثم بدأ يخبرها عن رجل غريب في الحافلة ظل يتحدث بصوت مرتفع طوال الطريق، وعن طفل صغير في المتجر أصر على شراء قلم أزرق رغم أن والدته أرادت له قلمًا أسود، وعن دانيال الذي أخفى جهاز التحكم بالتلفاز كي يجبره على مشاهدة فيلم معه. كانت تلك أول مرة يتحدث فيها آدم عن يومه بهذه التفاصيل لشخص لا يعيش معه، وأول مرة يشعر فيها أن الأشياء التي يراها عادية قد تكون ممتعة عندما يرويها لأحد. تحدثا قرابة ساعة، وانتقلا من موضوع إلى آخر، حتى نسي آدم الأوراق المكدسة أمامه. وعندما أخبرها أخيرًا أن عليه العودة إلى الدراسة، قالت: «حسنًا، لن أمنعك من مستقبلك العظيم». أجابها مبتسمًا: «وأنت لا تنامي متأخرة». قالت: «سأحاول». ثم صمتت لحظة وأضافت بصوت أكثر هدوءًا: «أنا سعيدة لأنك جئت إلى الفعالية ذلك اليوم يا آدم». شعر بأن قلبه يخفق على نحو مختلف، لكنه لم يستطع أن يجد الكلمات المناسبة. قال فقط: «وأنا سعيد لأنك دعوتني». بعد أن أنهيا المكالمة، بقي الهاتف في يده لوقت طويل، ثم نظر إلى الساعة واكتشف أنه تأخر عن موعد الدراسة الذي حدده لنفسه. كان ينبغي أن ينزعج، لكنه لم يفعل. للمرة الأولى منذ وقت طويل، لم يشعر بأن الساعة التي مرت كانت وقتًا ضائعًا.انتهت الامتحانات مع بداية يناير، وظهرت النتائج بعد أسبوعين. حصل آدم على درجات جيدة، وإن لم تكن الأولى على دفعته، بينما حققت إيلينا نتيجة ممتازة في معظم المواد. عندما التقيا في الجامعة بعد إعلان النتائج، كانت تحمل ورقة درجاتها وتلوح بها من بعيد. اقترب منها آدم وقال: «أظن أنك ستبدئين الآن بإخباري أن الدراسة سهلة». أجابت: «لا، سأكتفي بإخبارك أنني كنت أتوقع منك نتيجة أفضل قليلًا». رفع حاجبيه وقال: «هل هذه طريقتك في الاحتفال بنجاحي؟». ضحكت وقالت إنها تمزح، ثم أخبرته بأنها كانت تتمنى أن يحتفل كل منهما بالآخر بدلًا من العودة مباشرة إلى الدراسة والعمل. اقترحت أن يذهبا إلى مقهى صغير قريب من الجامعة، حيث يمكنهما تناول شيء دافئ والتحدث بعيدًا عن ضجيج الساحة. تردد آدم للحظات، لأن المال الذي معه كان محسوبًا لمصاريف الأسبوع، لكنها لاحظت تردده وقالت إنها ستدفع ثمن القهوة هذه المرة. رفض في البداية، إلا أنها أصرت قائلة إن الاحتفال لا ينبغي أن يتحول إلى حسابات مالية. وافق أخيرًا، وسارا إلى المقهى الذي كانت تمر به كل يوم دون أن تدخله من قبل. جلسا قرب النافذة، وطلبت إيلينا قهوتها المعتادة، بينما اكتفى آدم بالشاي. كان المقهى هادئًا، ورائحة القرفة تملأ المكان، وخلف الزجاج كانت السيارات تتحرك ببطء فوق الشوارع المبتلة. أخبرته إيلينا عن كتاب بدأت قراءته خلال العطلة، ثم سألته عن الشيء الذي يرغب في فعله لو لم يكن مضطرًا إلى التفكير في المال أو المسؤوليات. فاجأه السؤال، وظل صامتًا وهو ينظر إلى كوبه. لم يكن قد طرح على نفسه هذا السؤال منذ سنوات. بعد لحظات قال: «ربما أسافر. ليس إلى مكان محدد، لكنني أريد أن أرى مدنًا أخرى، وأن أعيش فترة دون أن أفكر في كل شيء قبل أن أفعله». ابتسمت إيلينا وقالت: «إذن لديك حلم لا يعرفه أحد». أجابها: «ليس حلمًا حقيقيًا. مجرد فكرة». قالت: «الأحلام لا تصبح أقل أهمية لأنها تبدأ كأفكار صغيرة». نظر إليها وسألها عن حلمها هي، فأخبرته بأنها تريد أن تنشر كتابًا مترجمًا يحمل اسمها، وأن يكون لديها منزل مليء بالكتب، ونافذة واسعة يدخل منها ضوء الصباح، وربما حديقة صغيرة تعتني بها. سألها مازحًا إن كانت ستسمح لأحد بدخول ذلك المنزل، فضحكت وقالت: «إذا كان يعرف كيف يعيد الكتب إلى أماكنها». ضحك آدم معها، ثم قال: «أظن أنني أستطيع تعلم ذلك». توقفت إيلينا عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه نظرة مختلفة، كأنها تحاول أن تعرف إن كان يمزح أم يقول شيئًا آخر. لكنه انشغل بتناول قطعة الحلوى التي وضعتها أمامه، فتركت السؤال دون إجابة. قضيا أكثر من ساعتين في المقهى، وعندما حان وقت العودة، اكتشف آدم أنه لم ينظر إلى هاتفه طوال الجلسة، ولم يفكر في العمل أو الدراسة إلا عندما تذكر أن عليه العودة إلى المنزل. كان ذلك شعورًا غريبًا، لكنه لم يكن مزعجًا؛ كان يشبه فتح نافذة في غرفة ظل فيها الهواء ساكنًا مدة طويلة.مع بداية الفصل الدراسي الثاني، أصبحت علاقتهما أكثر قربًا، وإن ظلت بلا اسم واضح. لم يعترف آدم بحبه، ولم تطلب إيلينا منه ذلك، لكن بعض الأمور الصغيرة بدأت تقول ما لم يقله أي منهما. صار يحتفظ بمقعد لها عندما يصل إلى القاعة قبله، وصارت هي تضع له أحيانًا قطعة شوكولاتة على الطاولة عندما تعرف أنه لم يتناول الإفطار. عندما يمرض أحدهما أو يغيب عن الجامعة، يسأل الآخر عنه قبل أن يسأل عن المحاضرات. وإذا حدث شيء يستحق الضحك، كان أول ما يفكر فيه آدم أن يخبر إيلينا به. أما هي، فقد بدأت تلاحظ أن آدم لا يتحدث عن مشاعره بسهولة، لكنه يظهر اهتمامه من خلال أفعاله؛ يصلح لها قلمًا مكسورًا بدلًا من أن يكتفي بإعطائها قلم آخر، ويحمل كتبها عندما تتعب ذراعاها، وينتظر معها الحافلة حتى عندما يكون طريقه في الاتجاه المعاكس. ومع ذلك، كانت هناك مسافة صغيرة لم يتجاوزها بعد. لم يكن آدم يقترب بما يكفي ليعترف، ولم تكن إيلينا تريد أن تجبره على قول شيء لم يستعد له. وفي إحدى الأمسيات، بعد أن أنهيا مراجعة طويلة في المكتبة، خرجا إلى الساحة فوجدَا أن معظم الطلاب قد غادروا. كان الهواء باردًا، وأضواء المصابيح تنعكس على الأرض، وكانت إيلينا تسير وهي تتحدث عن محاضرة أثارت اهتمامها. فجأة توقفت وسألته: «آدم، هل أنت سعيد؟». التفت إليها مستغربًا وقال: «لماذا تسألين؟». أجابت: «لأنك دائمًا تفكر في الشيء التالي. عندما تنتهي من امتحان، تفكر في العمل. وعندما تنتهي من العمل، تفكر في المال. وعندما تحصل على المال، تفكر في المستقبل. أريد أن أعرف إن كنت تستمتع بأي شيء من كل هذا». لم يجبها فورًا. نظر إلى الساحة الفارغة، ثم إلى يديه اللتين اعتاد أن يراهما مشغولتين بالكتب أو العمل. قال بعد صمت: «لا أعرف. أحيانًا أشعر أنني إذا توقفت قليلًا، فسوف يتأخر كل شيء، وسأكتشف أنني لم أعد قادرًا على إصلاحه». بقيت إيلينا تنظر إليه، ثم قالت: «أنت لا تحتاج إلى إصلاح حياتك كلها في يوم واحد». ابتسم ابتسامة متعبة وقال: «أعرف ذلك نظريًا». اقتربت منه خطوة، وقالت: «إذن حاول أن تصدق ذلك أحيانًا». لم تكن كلماتها حلًا لمشكلاته، لكنها جعلته يشعر بأنه ليس مضطرًا إلى إخفاء خوفه أمامها. وفي تلك اللحظة، أدرك أن ما يجذبه إليها ليس جمالها أو ابتسامتها فحسب، بل قدرتها على رؤية الأشياء التي يحاول هو إخفاءها، ثم التعامل معها برفق دون أن تجعله يشعر بالضعف.حلّ الربيع، وبدأت الأشجار في ساحة الجامعة تستعيد خضرتها، وصارت الأيام أطول وأكثر دفئًا. كان قد مضى نحو سبعة أشهر منذ اللقاء الأول، ولم يعد آدم وإيلينا غريبين كما كانا في ذلك الصباح الماطر. أصبح لكل منهما مكان ثابت في يوم الآخر، وبدأت بعض العادات الصغيرة تتشكل بينهما دون اتفاق؛ يلتقيان صباحًا عند الدرج المؤدي إلى القاعات، ويتناولان الغداء معًا عندما تسمح المحاضرات، ويتبادلان الرسائل مساءً قبل النوم. وفي بعض الأيام، كانا يمشيان إلى محطة الحافلات ببطء متعمد، يؤخران لحظة الوداع بحجة الحديث عن موضوع لم ينتهيا منه. ومع ذلك، لم تكن علاقتهما خالية من الاختلاف. كان آدم يرى أن التخطيط للمستقبل ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، بينما كانت إيلينا تعتقد أن الإفراط في التخطيط قد يجعل الإنسان ينسى الحياة التي يعيشها الآن. كانا يختلفان أحيانًا، ثم يعودان إلى الحديث بعد ساعات وكأنهما لا يريدان أن يتركا بينهما سوء فهم طويلًا. وفي إحدى المرات، تأخر آدم عن لقاء اتفقا عليه في المكتبة بسبب عمل طارئ في المتجر. وصلت إيلينا في الموعد، وانتظرته قرابة ساعة، ثم أرسلت إليه رسالة قصيرة تخبره بأنها ستغادر. عندما وصل أخيرًا، وجد مقعدها فارغًا، واتصل بها أكثر من مرة قبل أن تجيب. اعتذر لها، وشرح ما حدث، لكنه فوجئ بأنها لم تكن غاضبة بقدر ما كانت حزينة. قالت له: «أعرف أنك تعمل كثيرًا، وأعرف أنك لا تفعل ذلك من أجل نفسك فقط. لكن عندما نتفق على شيء، أريد أن أشعر أن وقتي مهم لك أيضًا». سكت آدم، وشعر بالخجل لأنه كان مستعدًا للدفاع عن نفسه قبل أن يفكر في شعورها. قال: «أنت محقة. كان يجب أن أخبرك قبل أن تتعبي نفسك في الانتظار». هدأت نبرتها، ثم أخبرته بأنها لا تريد منه أن يترك عمله أو يغير حياته من أجلها، بل تريد منه أن يتذكر أن هناك أشخاصًا ينتظرون قضاء الوقت معه. وعدها بأنه سيحاول أن يكون أكثر انتباهًا، ولم يكن وعده في تلك اللحظة مجرد محاولة لإنهاء النقاش؛ لقد فهم ما تقصده، أو ظن أنه فهمه. لكن الحياة كانت لا تزال في بدايتها، ولم يكن يعرف أن هذا الخلاف الصغير سيعود يومًا إلى ذاكرته بصورة مختلفة، وأنه سيتذكره بعد سنوات وهو يحاول أن يستعيد صوتها، ويتمنى لو أنه فهم منذ البداية أن بعض الأشياء لا يمكن تعويضها مهما امتلك الإنسان من الوقت لاحقًا.في نهاية العام الجامعي الأول، أقيم حفل بسيط لتكريم الطلاب المتفوقين، وشاركت إيلينا في تنظيمه. لم يكن آدم من الطلاب الذين يهتمون بهذه المناسبات، لكنه حضر لأن إيلينا طلبت منه ذلك، ولأنها أخبرته أن غيابه سيجعلها تشعر بأن كل ما فعلته لم يكن مهمًا. ارتدى سترته الداكنة نفسها، ووصل إلى القاعة قبل بدء الحفل بقليل. وجدها تقف قرب المنصة، ترتب الأوراق وتتأكد من أن كل شيء في مكانه. عندما رأته، بدت عليها علامات الارتياح، واقتربت منه قائلة: «كنت أخشى أن تختلق عذرًا في اللحظة الأخيرة». أجابها: «لقد قطعت وعدًا». نظرت إليه مبتسمة وقالت: «بدأت تتعلم». جلس آدم في الصفوف الخلفية، وشاهد إيلينا تتحرك بين الطلاب، تساعد هذا وتطمئن ذاك، حتى بدأ الحفل. لم يكن يعرف لماذا شعر بالفخر وهو يراها تتحدث أمام الحضور بثقة وهدوء، لكنه أدرك أنه يحب رؤيتها تفعل شيئًا تحبه. بعد انتهاء الحفل، خرجا إلى حديقة الجامعة، حيث كانت الشمس تميل إلى الغروب، والسماء تتلون بدرجات البرتقالي والوردي. جلسا على مقعد خشبي تحت شجرة كبيرة، وظلا صامتين قليلًا، يستمعان إلى أصوات الطلاب الذين يغادرون المبنى. قالت إيلينا أخيرًا: «هل تصدق أننا التقينا هنا منذ أشهر فقط؟». أجاب آدم: «أحيانًا أشعر أنني أعرفك منذ وقت أطول». ابتسمت، ثم قالت: «وأنا أيضًا». كان في صوتها شيء من التردد، كأنها تريد أن تقول شيئًا لكنها لا تعرف كيف تبدأ. لاحظ آدم ذلك، فالتفت إليها وسألها إن كان هناك ما يشغلها. هزت رأسها، ثم قالت: «لا شيء مهم. كنت أفكر فقط في أن بعض الأشخاص يجعلون الأيام العادية أجمل، دون أن يفعلوا شيئًا استثنائيًا». شعر آدم بأن الكلمات موجهة إليه، لكنه لم يسألها. نظر إلى الأشجار المحيطة بهما، ثم قال: «ربما لأن الأشياء الاستثنائية ليست دائمًا كما نتخيلها». نظرت إليه إيلينا، وبقيت عيناها عليه لحظة أطول مما اعتاد، ثم ابتسمت. لم يعترف أي منهما بما بدأ ينمو في داخله، لكن الصمت الذي أعقب حديثهما لم يكن فارغًا. كان صمتًا يحمل سؤالًا لم يجرؤ أي منهما على طرحه، وخوفًا صغيرًا من أن تتغير العلاقة إذا تحولت المشاعر إلى كلمات واضحة.عندما حلّ المساء، نهضا وغادرا الحديقة معًا. كان على آدم أن يذهب إلى المتجر، وكانت إيلينا تنتظر أخاها عند البوابة، لذلك افترقا بعد أن اتفقا على اللقاء في اليوم التالي. سار آدم نحو محطة الحافلات، ثم توقف فجأة عندما سمعها تنادي اسمه. التفت، فوجدها تقترب منه بخطوات سريعة. وقفت أمامه وهي تمسك بحقيبتها، ثم أخرجت من جيبها ورقة صغيرة مطوية ومدتها إليه. قال مستغربًا: «ما هذه؟». أجابت: «افتحها عندما تصل إلى المنزل». أخذها منها وسألها إن كانت رسالة مهمة، لكنها اكتفت بالابتسام وقالت: «ليست مهمة جدًا، لكنها تستحق أن تقرأها». أراد أن يسألها أكثر، إلا أن أخاها وصل في تلك اللحظة، فلوحت له وابتعدت. ظل آدم واقفًا للحظات، ثم أكمل طريقه وهو يضع الورقة في جيب سترته بحذر غريب، كأنها شيء قد ينكسر إذا تعامل معه بلا انتباه. وعندما عاد إلى المنزل في تلك الليلة، تناول العشاء مع والدته ودانيال، وساعد أخاه في حل بعض الواجبات، ثم دخل غرفته وأغلق الباب. أخرج الورقة ووضعها على المكتب، وظل ينظر إليها قليلًا قبل أن يفتحها. كانت مكتوبة بخط إيلينا المرتب، ولم تحتوِ على اعتراف طويل أو كلمات مبالغ فيها. كتبت: «يا آدم، لا أعرف إن كنت تلاحظ ذلك، لكنك أصبحت جزءًا جميلًا من أيامي. أحب الحديث معك، وأحب أنك تستمع حتى عندما لا تعرف ماذا تقول، وأحب أنك تحاول دائمًا أن تكون قويًا، رغم أنني أتمنى أحيانًا لو أنك تسمح لنفسك بأن ترتاح. لا أعرف إلى أين ستأخذنا الأيام، لكنني سعيدة لأنني التقيتك». قرأ الرسالة مرة، ثم أعاد قراءتها ببطء. شعر بشيء دافئ يستقر في صدره، شيء لم يكن يشبه القلق الذي اعتاد أن يحمله معه، ولا الفرح السريع الذي يشعر به عندما ينجز عملًا أو يحصل على درجة جيدة. كانت الرسالة بسيطة، لكنها جعلته يدرك أن وجود إيلينا في حياته لم يعد أمرًا عابرًا، وأنه لم يعد يريد أن يراها مجرد صديقة يلتقي بها في الجامعة. جلس على كرسيه، وأمسك هاتفه، وفتح محادثتهما. كتب عدة جمل، ثم حذفها، وكتب غيرها، ثم حذفها أيضًا. لم يكن يريد أن يرسل إليها كلامًا لا يشبهه، ولم يكن يريد أن يختبئ خلف عبارة عابرة. وبعد دقائق طويلة، كتب أخيرًا: «لا أعرف كيف أقول هذا دون أن يبدو أقل مما أشعر به، لكنني سعيد لأنني التقيتك أيضًا يا إيلينا. وأظن أنني أصبحت أنتظر رؤيتك أكثر مما أعترف لنفسي». قرأ الرسالة مرات عدة، ثم أرسلها قبل أن يتراجع. لم تجبه فورًا، فحاول أن يعود إلى دراسته، لكنه لم يستطع التركيز في السطور أمامه. وبعد نحو عشر دقائق، أضاء الهاتف. كانت رسالتها قصيرة: «إذن، لسنا وحدنا من يشعر بذلك». ابتسم آدم، وأسند ظهره إلى الكرسي، ثم رفع عينيه نحو النافذة. كانت المدينة هادئة، والسماء مظلمة، وأضواء المنازل تتلألأ من بعيد. لم يكن يعلم ما الذي ينتظره في السنوات القادمة، ولا كم من الصعوبات سيتعين عليه تجاوزها، لكنه عرف في تلك اللحظة أنه يريد أن تكون إيلينا جزءًا من مستقبله، لا مجرد ذكرى من أيام الجامعة. وللمرة الأولى منذ وفاة والده، سمح لنفسه أن يتخيل مستقبلًا لا يقوم كله على العمل والواجبات والوعود التي يجب الوفاء بها، بل على حياة يتقاسمها مع شخص آخر، حياة فيها منزل صغير ونافذة واسعة وكتب كثيرة، وضحكة يسمعها كل مساء قبل أن ينام. لم يكن يعرف أن الحياة قد تمنحه ذلك الحلم يومًا، وأنه سيعيشه بالفعل، وأن الأيام التي بدأ يتخيلها ستصبح يومًا أغلى ما يملك من ذكريات. ولم يكن يعرف أيضًا أن الإنسان قد يحصل على ما يتمناه، ثم يخسره، وأن بعض الخسارات لا تأتي لأن الحب كان ناقصًا، بل لأننا نكتشف متأخرين أن الوقت الذي نملكه مع من نحب ليس وعدًا أبديًا، بل فرصة قد لا تتكرر.في تلك الليلة، نام آدم وهو يضع رسالة إيلينا داخل كتابه الجامعي، بين الصفحات التي كان يظن أنها لا تحمل سوى المعلومات التي يحتاجها للامتحانات. لم يفعل ذلك بقصد الاحتفاظ بها إلى الأبد، ولم يتخيل أنه سيعود إليها بعد سنوات طويلة، حين تصبح الورقة القديمة واحدة من الأشياء القليلة التي بقيت له من حياته السابقة. كان في التاسعة عشرة من عمره، وكانت إيلينا في بداية حياتها هي الأخرى، ولم يكن بينهما سوى شعور جميل بدأ ينمو بهدوء، ووعد لم يُكتب بعد، ومستقبل لا يزال مفتوحًا أمام احتمالات كثيرة. وفي صباح اليوم التالي، عندما دخل آدم إلى الجامعة ورآها واقفة قرب الدرج، شعر بأنه يريد أن يقول لها شيئًا، لكنه لم يجد الكلمات المناسبة. اكتفى بأن اقترب منها وابتسم، فابتسمت له بدورها، ثم سارا معًا نحو القاعة. لم يكن ذلك اليوم مختلفًا عن الأيام السابقة، ولم يحدث فيه ما يمكن أن يرويه أحد باعتباره بداية قصة عظيمة، لكنه كان واحدًا من تلك الأيام التي تبدو عادية تمامًا وهي تحدث، ثم تصبح بعد سنوات جزءًا من حياة يتمنى صاحبها لو يستطيع العودة إليها ولو لدقيقة واحدة. وهكذا، دون أن يدرك أي منهما، بدأت حكاية آدم وإيلينا؛ حكاية ستمنحهما حبًا لم يتوقعاه، وحياة سيبنيانها معًا، وذكريات ستظل حية حتى بعد أن يصبح كل شيء حولهما مختلفًا. أما آدم، الذي كان يعتقد أن المستقبل يمكن تأمينه بالعمل والتخطيط، فقد بدأ يكتشف أن بعض الأشياء لا تُبنى بالمال ولا تُحفظ بالوعود، بل باللحظات الصغيرة التي نمنحها لمن نحب، دون أن نعرف أن تلك اللحظات قد تصبح يومًا كل ما تبقى لنا منهم
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!