الفصل السادس
مرّ عام تقريبًا على زواج آدم وإيلينا، وكان منزلهما الصغير لا يزال يحتفظ بآثار أيامهما الأولى؛ كتب إيلينا على الرفوف، وصور زفافهما على الجدار، والزهور التي اعتادت الاعتناء بها قرب النافذة. لكن شيئًا ما بدأ يتغير بهدوء، دون أن ينتبه أي منهما إلى اللحظة التي بدأ فيها ذلك التغيير.
حصل آدم على ترقية في عمله، وأصبح مسؤولًا عن مهام إضافية تتطلب منه البقاء ساعات طويلة في الشركة. كان سعيدًا بما يحققه، فقد بدأ يشعر بأنه يقترب من الحياة التي وعد إيلينا بها، لكنه لم يعد يعود إلى المنزل في الوقت المعتاد. كانت تنتظره أحيانًا حتى يتناولا العشاء معًا، وحين يصل متعبًا، يخبرها بأنه يريد الاستحمام والراحة، ويعدها بأن يعوضها في اليوم التالي.
في إحدى الأمسيات، أعدت إيلينا عشاءً خاصًا بمناسبة ذكرى زواجهما الأولى. ارتدت فستانًا أحبه آدم، وأشعلت بعض الشموع، وانتظرت عودته. لكن هاتفها رنّ قبل موعد وصوله، فسمعت صوته يقول: «إيلينا، أنا آسف، ظهرت مشكلة في العمل، ولن أستطيع العودة مبكرًا. هل يمكننا الاحتفال في نهاية الأسبوع؟»
نظرت إلى الطعام الذي أعدته، ثم أجابت بابتسامة حاولت أن تجعلها تبدو طبيعية: «بالطبع يا آدم، لا تقلق بشأن ذلك».
أغلقت الهاتف، وجلست وحدها أمام المائدة. لم تكن غاضبة لأنه يعمل، بل لأنها بدأت تشعر بأن كل لحظة تنتظرها معه يمكن تأجيلها بسهولة، بينما لا تستطيع أن تطلب من الوقت أن يتوقف حتى يعود.
عاد آدم بعد منتصف الليل، فوجدها نائمة على الأريكة. اقترب منها، وغطاها ببطانية، ثم لاحظ المائدة التي بقيت كما هي. شعر بالذنب، لكنه أقنع نفسه بأنه سيعوضها قريبًا. لم يكن يريد أن يحزنها، ولم يكن يدرك أن تكرار الوعود المؤجلة قد يترك في قلبها حزنًا لا يظهر في الكلمات.
في صباح اليوم التالي، وضعت إيلينا فنجان القهوة أمامه وسألته: «هل تتذكر المنزل الذي كنا نحلم به؟»
ابتسم وقال: «بالطبع. سأجعله حقيقة يومًا ما».نظرت إليه وقالت بهدوء: «أنا لا أتحدث عن المنزل يا آدم. أتحدث عن الأيام التي تخيلنا أننا سنعيشها معًا».
صمت قليلًا، ثم أمسك يدها وقال: «أعرف أنني مقصر، لكنني أفعل كل هذا من أجلنا. أريد أن أضمن لكِ مستقبلًا أفضل».
أجابته: «أعرف، وأنا أقدّر كل ما تفعله. لكنني لا أريد أن أنتظر المستقبل طوال الوقت، بينما تمر أيامنا الآن».
تأثر بكلماتها، ووعدها بأن يخصص لها وقتًا أكبر. وفي الأيام التالية، حاول أن يعود مبكرًا أكثر من مرة، لكنه كان يجد دائمًا سببًا جديدًا للبقاء؛ اجتماع مهم، أو مهمة عاجلة، أو فرصة قد تساعده على التقدم في عمله. وكلما سألته إيلينا إن كان سيعود في موعده، أجابها بالجملة نفسها: «غدًا يا إيلينا، أعدك».
ومع مرور الوقت، بدأت تتوقف عن السؤال. لم تتوقف عن حبه، ولم تتغير معاملتها له، لكنها صارت تقضي أمسياتها في القراءة أو الاعتناء بزهورها، وتتناول عشاءها وحدها حين يتأخر. كان آدم يلاحظ هدوءها أحيانًا، فيسألها إن كان هناك ما يزعجها، فتجيبه بأنها بخير. وكان يصدقها لأنه يريد أن يصدقها، ولأن الاعتراف بأنه يخسر شيئًا مهمًا كان سيجبره على إعادة النظر في كل ما يسعى إليه.وفي إحدى الليالي، عاد إلى المنزل فوجد إيلينا جالسة قرب النافذة، وبين يديها كتاب مفتوح لم تقرأ منه سوى صفحات قليلة. جلس بجانبها وسألها: «لماذا لم تنامي؟»
قالت وهي تنظر إلى الشارع المظلم: «كنت أنتظرك، ثم نسيت أنني أنتظر».
تألم من عبارتها، فضمها إليه وقال: «سأعوضك عن كل هذا، أعدك».
استندت إلى كتفه، وأغمضت عينيها، ثم همست: «لا أريد تعويضًا يا آدم، أريدك فقط».
لم يجبها، بل ظل يحتضنها حتى نامت. وفي صباح اليوم التالي، غادر إلى عمله كعادته، بعد أن قبّل جبينها ووعدها بأنه سيعود مبكرًا.
أما إيلينا، فبقيت قرب النافذة تراقبه حتى اختفى عن نظرها، ثم عادت إلى زهورها. كانت تحبه كما أحبته في اليوم الأول، لكنها بدأت تفتقد الرجل الذي كان يجلس معها ساعات دون أن ينظر إلى الساعة، والذي كان يرى في حديثها أمرًا يستحق أن يؤجل العالم كله من أجله.ولم يكن آدم رجلًا قاسيًا، ولم يتوقف عن حبها؛ لقد كان يظن فقط أن لديه وقتًا كافيًا لإصلاح كل شيء لاحقًا.
كان يركض نحو مستقبل يريد أن يمنحه لها، غير مدرك أن الحاضر الذي يتركه خلفه هو الحياة الوحيدة التي يملكانها الآن.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!