وضع القراءة:

الفصل السابع

الفصل السابع: ما تخفيه الابتسامة
مرّت أسابيع أخرى، واستمر آدم في الانشغال بعمله، بينما حاولت إيلينا أن تتأقلم مع غيابه المتكرر. لم تكن تريد أن تتحول حياتهما إلى سلسلة من العتاب والمشاجرات، لذلك احتفظت بكثير من كلماتها لنفسها، وكانت تستقبله بابتسامتها المعتادة كلما عاد إلى المنزل، حتى في الأيام التي كانت تتمنى فيها لو أنه عاد قبل ساعات، ليجلس معها ويتحدث عن يومه كما كان يفعل في الماضي. لكن شيئًا جديدًا بدأ يظهر في حياتها، شيئًا لم تستطع إخفاءه بسهولة كما أخفت حزنها. كانت تشعر بالتعب دون سبب واضح، وتستيقظ بعض الصباحات وهي تعاني دوارًا خفيفًا، وأحيانًا تفقد رغبتها في الطعام رغم أنها لم تكن قد تناولت شيئًا منذ ساعات. في البداية، ظنت أن الأمر نتيجة قلة النوم وكثرة التفكير، فأخذت تحاول تنظيم يومها والراحة أكثر، ولم تخبر آدم بشيء؛ فقد كانت تعرف حجم الضغوط التي يعيشها في عمله، ولم ترد أن تضيف إلى أعبائه قلقًا جديدًا بسبب أعراض ظنت أنها عابرة. وفي أحد الصباحات، كانت تعد القهوة حين شعرت بدوار مفاجئ جعلها تستند إلى حافة المطبخ. أغمضت عينيها وانتظرت حتى استقرت الأمور، ثم جلست على الكرسي القريب. بقيت هناك دقائق طويلة، تحدق في فنجان القهوة الذي لم تكمله، قبل أن تنهض ببطء وتكمل ما كانت تفعله. عندما عاد آدم مساءً، وجدها جالسة على الأريكة تقرأ كتابًا، فاقترب منها وقبّل رأسها، ثم بدأ يحدثها عن مشكلة وقعت في الشركة. استمعت إليه باهتمام، وسألته عن بعض التفاصيل، وحين انتهى لاحظ شحوب وجهها فقال: «هل أنتِ متعبة؟ تبدين شاحبة اليوم». أغلقت الكتاب وابتسمت قائلة: «قليلًا فقط، لم أنم جيدًا الليلة الماضية». جلس بجانبها وقال: «كان عليكِ أن تخبريني، ربما أستطيع أن أساعدكِ في شيء». نظرت إليه بحنان وأجابت: «لا تقلق، سأكون بخير». ثم وضعت رأسها على كتفه، بينما عاد هو إلى الحديث عن عمله، مطمئنًا إلى أن الأمر لا يستحق القلق.لكن التعب لم يختفِ. على العكس، بدأت الأيام التي تشعر فيها بالإرهاق تزداد، وصارت تحتاج إلى الراحة بعد أعمال منزلية بسيطة كانت تنجزها سابقًا دون تفكير. وفي بعض الليالي، كانت تستيقظ وتشعر بألم غامض في جسدها، فتجلس على حافة السرير حتى يهدأ، ثم تعود إلى النوم دون أن تخبر آدم. لم تكن تعرف ما الذي يحدث لها، وكانت تخشى أن يكون الأمر أكثر خطورة مما تريد تصديقه. وفي إحدى المرات، اتصلت بصديقتها المقربة وأخبرتها بأنها لا تشعر بأنها على ما يرام، فنصحتها بأن تزور الطبيب بدلًا من الاستمرار في تجاهل الأمر. ترددت إيلينا، ثم وافقت على حجز موعد في اليوم التالي. ذهبت وحدها، وأجرت بعض الفحوصات الأولية، وطلب منها الطبيب إجراء فحوصات إضافية لمعرفة سبب التعب المستمر. خرجت من العيادة وهي تحاول إقناع نفسها بأن الأمر قد يكون بسيطًا، لكن كلمات الطبيب بقيت تتردد في ذهنها طوال الطريق إلى المنزل. لم تخبر آدم بما حدث، ليس لأنها لا تثق به، بل لأنها أرادت أن تعرف الحقيقة أولًا، وأن تتأكد من أن مخاوفها ليست أكبر من الواقع. وفي المساء، حين اتصل بها آدم ليخبرها أنه سيضطر إلى البقاء في العمل حتى وقت متأخر، أجابته بصوتها المعتاد: «حسنًا، لا تتأخر كثيرًا إن استطعت». قال لها معتذرًا: «أعرف أنني وعدتك بأن أعود مبكرًا، لكن هذه الفترة صعبة، وبمجرد أن تنتهي سأعوضك عن كل شيء». سكتت للحظة، ثم قالت: «لا بأس يا آدم، اهتم بنفسك». وبعد أن أنهت المكالمة، بقيت تمسك الهاتف وتنظر إلى اسمه على الشاشة، وكأنها كانت تريد أن تخبره بشيء، لكنها لم تعرف من أين تبدأ.بعد أيام، عادت إيلينا إلى الطبيب لإجراء الفحوصات المطلوبة. حاولت أن تبدو هادئة وهي تجلس في غرفة الانتظار، لكنها لم تستطع منع أصابعها من الارتجاف. كانت ترى المرضى يدخلون ويخرجون، وتسمع أصوات الممرضات في الممر، بينما تتزاحم في رأسها احتمالات لم تكن مستعدة لمواجهتها. وحين انتهى الموعد، أخبرها الطبيب أن بعض النتائج تحتاج إلى مراجعة دقيقة، وأن عليها العودة بعد استكمال فحوصات أخرى. لم يمنحها جوابًا نهائيًا، لكن ملامحه الجادة جعلتها تشعر بأن الأمر لا يشبه التعب العابر الذي حاولت إقناع نفسها به. عادت إلى منزلها في ذلك اليوم، وجلست قرب النافذة، تنظر إلى الزهور التي بدأت أوراق بعضها تذبل رغم اهتمامها بها. مدت يدها لتسقيها، لكنها توقفت حين شعرت بالتعب، فوضعت الإبريق جانبًا وأغمضت عينيها. تذكرت حديثها مع آدم عن المنزل الذي سيشتريانه يومًا ما، وعن الحديقة التي سيزرعان فيها أزهارًا أكثر، وعن الرحلات التي وعدها بأن يأخذاها حين تتحسن ظروفهما. حاولت أن تبتسم، لكن الدموع سبقتها. لم تكن تخاف على نفسها وحدها، بل كانت تخاف من أن يحدث شيء يجعل كل تلك الأحلام بعيدة، ومن أن تجد نفسها مضطرة إلى مواجهة أمر لا تستطيع حتى تسميته. ومع ذلك، مسحت دموعها سريعًا عندما سمعت صوت المفتاح في الباب؛ فقد عاد آدم في وقت أبكر من المعتاد. دخل وهو يحمل كيسًا صغيرًا، وقال بابتسامة متعبة: «انظري ماذا أحضرت لكِ». أخرج كتابًا كانت قد تحدثت عنه قبل أسابيع، فارتسمت على وجهها ابتسامة حقيقية رغم حزنها. أخذته بين يديها وقالت: «كنت أريد قراءته منذ مدة». جلس بجانبها وقال: «أعرف، ووجدته اليوم بالمصادفة. قلت لنفسي إنني لا أريد أن أؤجل كل شيء إلى الغد». نظرت إليه طويلًا، ثم احتضنته بقوة لم يتوقعها. استغرب آدم تصرفها وسألها: «ما الأمر؟» فأجابت وهي تخفي وجهها عند كتفه: «لا شيء، اشتقت إليك فقط». ضمها إليه وقال: «أنا هنا يا إيلينا». لكنها، وهي تسمع كلماته، شعرت بالخوف من احتمال أن يأتي يوم لا يكون فيه وجوده إلى جانبها كافيًا لإصلاح ما يحدث.في الأسابيع التالية، حاولت إيلينا أن تعيش حياتها بصورة طبيعية، فكانت تقرأ وتعتني بمنزلها وتنتظر عودة آدم، لكنها صارت تتوقف كثيرًا لتستريح، وبدأت تلاحظ أن ملابسها أصبحت أوسع قليلًا بسبب فقدانها بعض الوزن. وحين سألها آدم عن ذلك، أخبرته بأنها فقدت شهيتها في الفترة الأخيرة، وأنها ستراجع الطبيب مجددًا. تغيرت ملامحه وقال بقلق: «لماذا لم تخبريني من قبل؟» أجابت: «لم أرد أن أقلقك قبل أن أعرف ما الذي يحدث». أمسك يدها وقال: «إيلينا، أنا زوجك. لا أريدكِ أن تواجهي أي شيء وحدكِ، مهما كان». شعرت بالخجل لأنها أخفت عنه الأمر، لكنها لم تخبره بكل التفاصيل؛ فقد كانت تنتظر نتائج الفحوصات، ولم ترد أن تخيفه باحتمالات لم تتأكد منها بعد. وعدها آدم بأنه سيرافقها في موعدها المقبل، وأخبرها أنه سيحاول ترتيب عمله حتى لا يضطر إلى المغادرة. وفي اليوم التالي، وبينما كان يستعد للخروج، وجدها جالسة على طرف السرير، تنظر إلى يديها بصمت. اقترب منها وسألها: «هل أنتِ خائفة؟» رفعت عينيها إليه، ثم قالت بصوت منخفض: «قليلًا». جلس أمامها وأمسك يديها بين يديه، وقال: «مهما يكن، سنعرف ما يحدث ونتعامل معه معًا». حاولت أن تبتسم، ثم سألته: «أتعدني أنك لن تتركني وحدي؟» بدا السؤال غريبًا بالنسبة إليه، لكنه أجاب دون تردد: «أعدكِ يا إيلينا». عندها أسندت رأسها إلى صدره، وبقيت صامتة، بينما كان يمسح على شعرها برفق. لم يكن آدم يعرف أن هذا الخوف الذي سمعه في صوتها لم يكن خوفًا عابرًا، وأن الفحوصات التي تنتظر نتائجها قد تفتح بابًا لم يتخيل أي منهما وجوده في حياتهما.وفي نهاية ذلك الأسبوع، اتصلت العيادة بإيلينا وأبلغتها بأن نتائج فحوصاتها أصبحت جاهزة، وأن عليها الحضور لمراجعة الطبيب. كانت وحدها في المنزل عندما تلقت المكالمة، وشعرت بأن قلبها يخفق بعنف حتى اضطرت إلى الجلوس. سألت الموظفة إن كان من الممكن تأجيل الموعد، لكنها أخبرتها بأن الأفضل هو الحضور في أقرب وقت. أغلقت الهاتف وبقيت تحدق فيه، ثم فتحت محادثة آدم وكتبت: «أريدك أن تأتي معي إلى الطبيب، هناك شيء أخاف منه». قرأت الرسالة مرات عدة قبل أن ترسلها. لم تمضِ سوى دقائق حتى اتصل بها، وكان صوته مختلفًا هذه المرة، خاليًا من انشغال العمل المعتاد. قال: «سأنهي ما بيدي وأعود إليكِ. لن تذهبي وحدكِ». أغمضت إيلينا عينيها، وشعرت ببعض الراحة، ثم أجابته: «حسنًا، سأنتظرك». وبعد انتهاء المكالمة، ذهبت إلى غرفة النوم وفتحت درجها، حيث احتفظت بصور زفافهما ورسائل آدم القديمة. أخرجت إحدى الرسائل وقرأت كلماته التي كتبها لها في بداية علاقتهما، حين أخبرها أنها أصبحت جزءًا جميلًا من أيامه. مررت أصابعها على الورقة، وابتسمت بحزن، ثم أعادتها إلى مكانها. لم تكن تعرف ما الذي سيخبرها به الطبيب، لكنها شعرت للمرة الأولى بأن حياتها قد تقف على حافة تغير كبير، وأنها لم تعد تريد تأجيل الأشياء التي تحبها، ولا الكلمات التي تخشى قولها. وحين سمعت آدم يدخل المنزل، نهضت من مكانها واتجهت إليه. لم يسألها عن شيء في البداية، بل احتضنها طويلًا، ثم ابتعد قليلًا ونظر إلى وجهها وقال: «سنذهب معًا، اتفقنا؟» أومأت برأسها، وأمسكت يده بقوة. وفي تلك اللحظة، لم يكن أي منهما يعلم أن الحقيقة التي تنتظرهما في العيادة ستغير معنى كل يوم قادم، وأن آدم، الذي قضى أشهرًا يؤجل سعادتهما من أجل المستقبل، سيصبح مستعدًا للتخلي عن كل شيء مقابل يوم إضافي واحد معها.
10 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.