وضع القراءة:

الفصل الحادي عشر

لم يكن آدم يعرف كيف يمكن للإنسان أن يستيقظ في اليوم التالي لموت الشخص الذي كان يظن أن حياته لا يمكن أن تستمر من دونه. مرّت الأيام الأولى بطيئة وثقيلة، وكان المنزل الذي جمعه بإيلينا يبدو أكبر مما كان عليه، وأكثر برودة، وكأن كل زاوية فيه تتعمد تذكيره بأنها لن تعود. بقي فنجانها المفضل قرب النافذة، وكتابها مفتوحًا على الطاولة، ومعطفها معلقًا خلف الباب. لم يستطع أن يلمس شيئًا من أغراضها، فقد كان يشعر أن تغيير مكانها يعني الاعتراف النهائي بأنها لن تحتاج إليها مرة أخرى.
في الصباح، كان يستيقظ وينظر إلى الجانب الفارغ من السرير، ثم يمد يده نحوه دون وعي. أحيانًا كان ينهض ويعد كوبين من القهوة، قبل أن يتذكر، فيبقى واقفًا أمام الكوب الثاني طويلًا، ثم يعيده إلى مكانه دون أن يشرب منه. وفي بعض الليالي، كان يتحدث معها بصوت خافت، يخبرها بما حدث خلال يومه، ثم يصمت منتظرًا إجابة لن تأتي. لم يكن مجنونًا، بل كان رجلًا لم يستطع عقله أن يتقبل أن الصوت الذي كان يطمئنه لن يسمعه مجددًا.
حاولت ماريان، والدته، أن تبقى إلى جانبه. كانت تأتي كل يوم تقريبًا، تنظف المنزل وتحضر له الطعام، لكنه نادرًا ما كان يأكل. وفي إحدى الأمسيات، وجدته جالسًا على الأرض قرب النافذة، يحمل كتاب إيلينا إلى صدره. جلست بجانبه وقالت بحنان: «آدم، عليك أن تأكل شيئًا، لم تأكل منذ الصباح». أجاب دون أن ينظر إليها: «كانت تحب هذا الكتاب يا أمي. كانت تجلس هنا وتقرأ لي منه، حتى عندما كنت أكون متعبًا». سكت قليلًا، ثم أضاف بصوت مكسور: «لماذا لم أستمع إليها أكثر؟ لماذا كنت أطلب منها الانتظار دائمًا؟».
لم تجد ماريان جوابًا يعيد إليه زوجته، فاكتفت بأن احتضنته. بكى آدم بين ذراعيها كما لم يبكِ منذ وفاة والده، لكنه هذه المرة لم يكن يبكي شخصًا فقده فحسب، بل كان يبكي أيامًا كاملة لم يعشها كما ينبغي، ووعودًا أجّلها، وأحاديث كان يستطيع أن يسمعها لكنه اختار العمل بدلًا منها.
أما دانيال، فكان يحاول إخراج أخيه من عزلته. دعاه إلى المشي، وأحضر له الطعام، وجلس معه ساعات دون أن يطلب منه الكلام. وفي أحد الأيام، قال له: «أخي، إيلينا لم تكن تريدك أن تعيش هكذا». نظر إليه آدم بعينين حمراوين وقال: «أعرف، لكنني لا أعرف كيف أعيش من دونها». اقترب دانيال منه وأمسك بيده: «إذًا لا تحاول أن تعرف كل شيء الآن. فقط عِش هذا اليوم، وغدًا نفكر في الغد». ابتسم آدم ابتسامة صغيرة خالية من الفرح، وقال: «هذا ما كنت أقوله لها دائمًا... غدًا يا إيلينا».
بدأ عمل آدم يتأثر بغيابه المتكرر وعدم قدرته على التركيز. اتصل به مديره أكثر من مرة، وفي النهاية استدعاه إلى مكتبه. أخبره أن الشركة لا تستطيع الاستمرار في منحه الإجازات، وأن عليه العودة إلى عمله بانتظام أو ترك الوظيفة. بقي آدم صامتًا للحظات، ثم قال: «أفهم». وحين عاد إلى المنزل، خلع معطفه وجلس في المكان نفسه الذي اعتاد أن يجلس فيه مع إيلينا. لم يشعر بالغضب أو الخوف من خسارة عمله؛ فقد بدا له كل شيء صغيرًا أمام خسارتها. وبعد أيام، انتهت وظيفته، ولم يعد لديه ما يشغله عن التفكير فيها.
كانت مدخراته تتناقص، والفواتير تتراكم، لكنه لم يستطع الاهتمام بشيء منها. كان يبيع بعض أغراضه لتغطية النفقات، ثم يعود إلى المنزل حاملًا ما تبقى من أشياء إيلينا، كأنه يخشى أن يختفي أثرها إذا لم يحتفظ به. وفي إحدى الليالي، فتح دفتر الأمنيات الذي كتبه معها، وراح يقرأ الصفحات واحدة تلو الأخرى. وجد أمنية بخطها تقول: «أن نقضي يومًا كاملًا معًا، دون عمل أو هواتف أو وعود مؤجلة». وضع يده فوق الكلمات، وانهمرت دموعه.
«لقد فعلت كل شيء من أجل مستقبلنا»، همس لنفسه، «لكنني لم أفهم أن المستقبل الذي كنت أستعد له كان يمر أمامي كل يوم».
في صباح بارد، قرر أخيرًا أن يرتب المنزل. لم يكن ذلك لأنه تجاوز حزنه، بل لأنه شعر أنه لم يعد قادرًا على تحمل الفوضى. جمع ملابسها بعناية، لكنه حين وصل إلى معطفها، توقف. تذكر اليوم الذي عادت فيه من الجامعة تحت المطر، وكيف ضحكت عندما حاول تجفيف شعرها بمنشفة صغيرة. جلس على الأرض وهو يحتضن المعطف، وبقي هناك حتى المساء.
وفي الأيام التالية، بدأ يتجنب ماريان ودانيال. لم يكن يريد أن يراهما وهما يحاولان إنقاذه، لأنه كان يشعر بأنه يغرق في مكان لا يستطيع أحد الوصول إليه. ومع ذلك، لم تتوقف والدته عن الاتصال به، ولم يكفِ دانيال عن زيارته. كانا يعرفان أنه يحتاج إليهما، حتى لو لم يعرف هو كيف يطلب المساعدة.
قبل نهاية الشهر، عاد آدم إلى المستشفى الذي ماتت فيه إيلينا. وقف أمام الغرفة التي قضت فيها أيامها الأخيرة، وسأل الممرضة إن كان بإمكانه الدخول للحظات. وحين وقف في المكان الذي كان يجلس فيه بجانب سريرها، أغمض عينيه وتذكر آخر مرة أمسكت فيها يده. سمع صوتها في ذاكرته وهي تقول له ألا يضيّع حياته في الندم، لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من الهمس:
«سامحيني يا إيلينا. كنت أظن أن لدي وقتًا كافيًا لأمنحك كل شيء، ولم أفهم أن كل ما أردتِه هو أن أكون معك».
لم يجبه أحد. لم يكن هناك سوى الصمت الذي أصبح رفيقه منذ رحيلها.
عاد إلى المنزل عند الغروب، ووقف أمام النافذة الواسعة التي حلمت إيلينا بها يومًا. كانت الكتب لا تزال في أماكنها، والأزهار التي زرعتها قرب النافذة قد ذبلت، ولم يعد هناك من يسقيها. جلس على الأريكة وأخرج صورة زفافهما من الدرج. مرر أصابعه على وجهها، ثم قال بصوت بالكاد يُسمع:
«كنتِ تقولين إنك تريدين أن نكبر معًا... لماذا تركتِني أكبر وحدي؟».
وفي تلك الليلة، لم ينم آدم. ظل جالسًا حتى طلوع الفجر، يراقب الضوء وهو يتسلل إلى المنزل الذي كان يومًا مليئًا بالضحكات. لم يعد يعرف ما الذي ينتظره في اليوم التالي، ولم يعد يملك حلمًا يسعى إليه. كل ما كان يعرفه أن المرأة التي أراد أن يبني لها حياة مثالية قد رحلت، وأنه بقي وحيدًا في حياة لم يتعلم كيف يعيشها من دونها.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.