13~جرحٌ مفتوح
﴿ كم هو مرعب ذاك السواد الذي يغشو على قلوب الأشخاص المنكسرين من أُناس كان من المفترض أن يكونوا هم مصدر الأمان
يظن الناس أنّهم فقدوا ثقتهم ... لكنّهم في الحقيقة فقدوا أنفسهم ﴾
في لحظة واحدة توجهت أنظار الجميع نحو ماريا كاروفا الواقفة عند مدخل القاعة ترمق الجميع بنظراتها الحادة التي توقفت عند شخص واحد ... إبنتها سيليا
و في اللحظة نفسها التي اِلتقت فيها أعينهما أخذت سيليا شهيقًا لكنها لم تستطع إخراج زفيرها، كأنّ الهواء الذي اِستنشقته كان أثقل من أن تطلقه رئتاها ، و لازالت تلك الخضراوتان تعجزان عن إزاحة نظرهما لها
شيئًا فشيئًا اِسودّ محيطها من حولها ؛ سوى بقعة واحدة، البقعة التي تقف فيها أمها ، لاترى غيرها ، ولا تسمع إلّا همهمات و أصوات غير مفهومة، و في كل ثانية تحملق بها تغرق أكثر في ظلمة ، ظلمة ودّعتها منذ سنوات طِوال
هي على وشك فقد صوابها ، تدرك ذلك لكن لا تستطيع فعل شيء ، ماذا قد تفعل أساسًا؟!
" هل تريدين الإنصراف ؟"
شهقت بصوت خافت عند سماع صوت إدريان بجانبها لتنتشل من حالتها تلك و تجده ينتظر لها بهدوء بإنتظار إجابتها فتحرك رأسها بالرفض
" ما الذي تفعله هذه هنا ؟"
أردف رون بنبرة مشمئزة و وجه عابس كحال أغلب أفراد آل كاروفا الذين لم يعجبهم حضورها ،فيما أخذ آل درافان يتهامسون حول هوية هذه المرأة الجذابة التي اقتحمت الحفل، من الطبيعي ألّا يعرفوها فآخر مرة أتت فيها إلى أدريمارا كانت قبل 18 سنة
" هاااه! الآن تذكرتها "
هتف لويس بصوت خافت لتسأله زوجته بفضول:
" أخبرني من تكون ؟"
" إنّها ماريا كاروفا، الإبنة الكبرى للسيدة ماري و أم سيليا تلك "
" أنت تمزح ! أنظر إليها تبدو شابة كيف يمكن أن تكون أمها ؟!"
" أنا متأكد ، النظرات المتغطرسة نفسها ، شموخها كأنها صاحبة المكان، إنها هي حتمًا"
" لا أصدق إبنتها أصبت عروسًا و وجهها خالٍ من التجاعيد"
قالتها ناتاليا بنبرة حسرة و نظرة حسد ليقول لويس بسخرية:
" عزيزتي ناتاليا هل هذا الشيء الوحيد الذي شغل بالك حقًا؟"
" و ماذا سيشغلني إذًا؟"
" لا أدري ، ربما أنها لم تحضر عقد زواج إبنتها ، أو أنّ أفراد آل كاروفا تبدلت ملامحهم حين رؤيتها مثلًا "
" أجل هذا محير ... لكن موضوع التجاعيد لازال يحيرني أكثر "
تنهد لويس بإستسلام مقلبًا ناظريه يراقب بإمعان ماذا سيحدث
أراد كايل النهوض و إخراجها من المكان لولا يد لوكاس التي منعته رادًا إيّاه للجلوس ، و قد تراجع عن سؤاله له عن سبب منعه حين لاحظ جدّته تنهض من مكانها متّجهة نحو إبنتها ماريا
تقدمت نحوها محاولة الحفاظ على هدوئها أمام نظرات الجميع المترقبة حتى أصبت تقابلها تمامًا و تنظر لبؤبؤ عينيها البنيتين مباشرة
رسمت ماريا إبتسامة جانبية خفيفة أثناء تحديقها لأمها بنفس طريقتها لتكون هي أول من يكسر الصمت بينهما قائلةً:
" أمي العزيزة، أرى أنكِ اِشتقتي لي لدرجة اِستقبالي بنفسك"
تأملت السيدة ماري ملامحها لثوانٍ قبل أن تقول بهدوء:
" ما الذي تحاولين فعله؟ "
" بل ما الذين تحاولون أنتم فعله؟ كيف تقررون تزويج إبنتي دون إذني؟!"
" لو أنّكِ كنتِ ترُدّين على اِتصالاتي لعرفتِ"
" هذا لا يبرر أنكم تستغلون إبنتي من أجل مصالح هذه العشيرة اللعينة!"
أمسكت السيدة ماري برسغ ماريا و مكلّمةً إيّاها بحدة:
" اِسمعيني جيدًا، لقد تخلّيتِ عن حقك بالوصاية قبل 18 سنة فلا تلعبي دور الأم المضحية الآن ، و لمعلوماتك؛ سيليا موافقة بالفعل لذا رأيك لن يغير شيئًا"
" أنا متأكدة أنّكِ ضغطتي عليها ، أعرفكِ جيدًا تفعلين أيّ شيء لتحقيق آمالك...حتى لو كان الثمن نبذ فرد من عائلتك"
أخرجت ماريا جملتها الأخيرة مع نبرة تحمل شيئًا من الإنكسار في حين ظلّت السيدة ماري محافظة على نفس حالتها و كأن كلامها لم يخدش ألمًا كتمته لسنين، لتقول بجفاء:
" لو كنتِ تعرفينني جيدًا كما تقولين لأدركتي أنّ آمالي كلها تتعلق بإستقرار هذه العائلة"
أفلتت رسغها ثم أكملت :
" غادري الآن "
قطبت ماريا حاجبيها و ردّت بنبرة متحدّية:
" لن أغادر قبل التحدث إليها "
" هل أنتِ متأكدة ؟"
سألتها السيدة ماري رافعة حاجبيها لتردف ماريا بإصرار:
" أجل ، متأكدة "
" إذن تحملي نتيجة اِستهتاركِ "
أفسحت السيدة ماري لماريا المجال لكي تدخل لتتبادلا النظرات المشحونة لثواني قبل أن تسير ماريا بخطواتها الواثفة نحو المكان الذي تقف فيه اِبنتها مع زوجها
" سحقًا، لم أسمع كلمة واحدة من حوارهما "
تذمرت ليونا دون أن تبدي أي تعبير و هي تراقب إبتعاد ماريا عن مكان وقوف أمها، لترتشف من كأس عصيرها القليل قبل أن تضعه أمامها على الطاولة
" و لماذا قد يكون حديثهما مهمًا ؟ "
همست بها لورا لأمها بإستغراب واضح ، غير أنّ ليونا لم تلتفت لها بل اِكتفت بنظرة جانبية حادة لها و هي تجيب بصوت خافت يحمل شيئًا من الصرامة:
" بالطبع لن تهتمي أيتها الغبية "
زمّت لورا شفتيها مشيحة نظرها للأسفل فيما أخذت ليونا ترمق آل كاروفا بعينيها الزرقاوين لتهمس بكلماتها قائلة:
" كلما عرفتِ عن عدوكِ أكثر زادت فرصتكِ في هزيمته بشكلٍ أسرع ، حتى لو كانت معلوماتكِ عنه عادية ؛ قد تكون هي دليلكِ لخفايا أعمق"
لم تتفوه لورا بكلمة واحدة بل ظلّت تكرر عبارة أمها في رأسها مرارًا و تكرارًا كأنه درس يجب أن تحفظه كي لا ترسب، لكنها لم تستطع منع نفسها من التساؤل عن اِستمرار أمها في اِعتبار آل كاروفا أعداء لهم حتى بعد الصلح
في الجانب الآخر ، كانت سيليا تقف جامدة أمام خطوات أمها التي تقترب شيئًا فشيئًا منها ، وجهها الذي بدأ يتّضح لها ، صوت كعبها الذي يزيد وقعه مع كل خطوة ، رائحة عطرها الذي ينذر باِقترابها ، كل حاسةٍ لديها تأكد لها حتمية لقاءها مع أمها
لقاءٌ بعد 18 سنة
أليس من المفترض أن يكون هذا لقاءًا حميمًا؟
أليس من المفترض أن تكون سعيدة برؤيتها؟
لماذا تشعر بأنها تختنق إذن ؟!
سيل من الأفكار و الذكريات مرّ عليها كنسمة خاطفة و باردة أعادتها للواقع تزامنًا مع وقوف أمها أمامها مباشرة تبتسم لها و تنظر لها بلمعة في عينيها، حاليًا تدور جملة واحدة في عقل سيليا...
(( لن أتأثر بها بعد الآن ، أنا لست نفس الطفلة قبل 18سنة))
رفعت رأسها و قابلت عينيها الداكنتين ترمقها بقسوة و ملامح حادة تعاتبها ، تعاتبها على ماضيها و كوابيسها ثم حضورها غير المرغوب
بينما إدريان يقلب ناظريه بينهما ، تارة يتأمل سيليا منتظر ردة فعلها، و تارة أخرى ينظر لماريا بتوجس سببه عدم إرتياحه من ظهورها المفاجئ
" سيليا ، عزيزتي ... لقد كبرتي حقًا"
نطقت بها ماريا و هي تتأمل مظهر سيليا الجذّاب بفستان الزفاف الأبيض سامحة لنفسها بإكتشاف تفاصيل إبنتها كأنها المرة الأولى ، لترد سيليا بنبرة جافة:
" ماذا اِعتقدتِ ؟ أنّ حياتي ستتوقف عندكِ!"
تنحنحت ماريا محافظة على إبتسامتها لتجيب بثقة:
" كلّا ، أنا فقط ... أحسست بأنكِ تغيرتِ "
فتحت ذراعيها متقدمة نحوها قصد معانقتها لكن سيليا تراجعت خطوة للخلف جعلت أمها تتجمد مكانها و قد تلاشت إبتسامتها
إن كانت رابطة سيليا بأمها ماريا عبارة عن خطٍ رفيعٍ مشدود ، فإن تلك الخطوة كانت خنجرًا حادًا وقع عليه...
حتى سيليا نفسها لم تستوعب مافعلته ، هي فقط شعرت بجسمها يتراجع رغمًا عنها كأنها غريزة داخلية تحاول حمايتها...من أمها!
خفضت ماريا ذراعيها و هي ترمق سيليا بعينين خاليتين من المشاعر ، تحاول البحث عن أي علامة للندم في خضراوتيها ، لكن لم يقابلها سوى الجمود الذي طغى على تلك الملامح الذابلة
أرادت سيليا التفوه بشيء لكنها توقفت عندنا لاحظت أنظار الجميع عليهما، رغم أنهم يقفون عن بعد ليس بقريبٍ لدرجة سماعهم لكن نظراتهم الفضولية لمعرفة ما يجري لا تشعرها بالراحة
تنهدت بعمق قبل أن تهمس لأُمها متجاوزة إيّاها:
" اِتبعيني "
رأتها و هي تبتعد عنها قاصدة القاعة الداخلية قبل أن تتبعها تاركة مسافة بينهما ، فيما ظلّ إدريان واقفًا مكانه غير قادرٍ على منع نفسه من التساؤل عمّا ستفعله سيليا عندما ستضع نفسها مع أمها في مكانٍ واحد
(( لماذا قد أهتم ؟! فلتفعل ما تشاء بها هذا لايعنيني...لكن، ربما أمها قد تفعل...ظهورها بعد كل هذه السنوات مثيرٌ للشك))
" سحقًا "
تمتم بها إدريان عندما همّ باللحاق بهما، غير أنّ صوتًا رجوليًا ناداه من خلفه جعله بتوقف، فاِلتفت إدريان ليجد ريو صديقه و الأقرب إليه يتقدم نحو مرتديًا بذلة خشنة شديدة السواد
وقف أمامه و هو يلهث و العرق يتصبب من بشرته الحنطية ، حاله لم تعجب إدريان بتاتًا و اِستطاع التخمين على الفور من نظراته أنه قد حدث أمرٌ سيء فسأله قاطبًا حاجبيه:
" ماذا حدث يا ريو "
اِقترب ريو منه و همس بشيء له جعل عيني إدريان تتسعان على مصرعيهما ، فتجهم وجهه و شدّ على قبضتيه ليردف بحدة:
" أين هو ؟ "
" في المرآب الخلفي "
أجابه ريو مشيرًا برأسه نحو الباب الثاني للقاعة و الذي يؤدي إلى المرآب الخلفي، نظر إدريان نحو مدخل القاعة الداخلية فلم يرى أثرًا لسيليا، إذن لابد أنّها تتكلم مع أمها في إحدى الغرف و لو حدث شيء سيخبره الحرس
تنهد بضيق قبل أن يسبق ريو نحو ذاك الباب ، و كان سيلحقه ريو بالفعل لو لم تلتقي عيناه ببنيتي ميرال التي كانت تراقبه منذ دخوله القاعة ، و عندما لاحظت نظراته نحوها لوّحت له خلسة خشية أن ينتبه أحد ، اِبتسم ريو لها بلطف و بادلها التلويح قبل أن ينتبه إلى خروج إدريان و يتبعه راكضًا
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!