كبرياء
كبرياء
جزء 6 من 8
وضع القراءة:

5~لا أُرِيـــدُك

وسط قصر عائلة كاروفا العتيق ، و بين الجدران التي تحكي عظمة سنين طوال من الثراء و الرخاء ، كل فرد من العائلة مشغول بأعماله الخاصة ، الحركة في كل مكان لكن كل خطوة مدروسة بسلاسة ، و هذا أمر طبيعي لدى عشيرة مرموقة كعشيرة آل كاروفا
و من بين كل هذه الحركة ، هناك صوت خطوات مهيبة تصعد الدرج بهدوء ، ثم ملتفة نحو رواق معين ، قاصدة بابًا واحدًا لا غيره ، وقفت أمامه و رفقت يدها لتطرقه ، طرقات هادئة لكن صوتها دوى في الرواق لخلائه
ما مِن إجابة
طرقت مرة أخرى بنفس الوتيرة
أيضًا لا إجابة
طرقت للمرة الثالثة لكن بقوة أكبر بقليل
نفس الأمر ، سكوت يسكن الأرجاء
أمسكت مقبض الباب تأمُل أن لا يكون حدث ما في بالها ، أدارت المقبض ببطء ، لتتبين لها معالم الغرفة شيئًا فشيئًا ، إنّها فارغة ، كما كانت طيلة السنة ، تفحصت الغرفة بعينيها جيدًا ، إتجهت نحو الحمام الخاص ، هو فارغ كذلك ، عادت إلى منتصف الغرفة ، و حين لمحت الخزانة أسرعت نحوها و فتحتها بعنف ، كما توقعت إنّها فارغة
تنهدت بنفاذ صبر ، و أغلقت عينيها و هي تتمالك أعصابها ، أخرجت هاتفها من جيبها ، و بحثت عن رقم معين ، ضغطت على زر الإتصال ، ثم قرّبت الهاتف لمسمعها
" إدريان ، حدث ما توقعتَه ... حسنًا تولى الأمر"
أغلقت الهاتف و جلست في زاوية السرير ، كانت تعلم منذ البداية أنّ إقناع سيليا ليس بالأمر الهين ، هي لا ليست كأحد أفراد كاروفا ، ففي حين يشتهر آل كاروفا بهدوئهم و تفانيهم في إظهار صورة حسنة تليق بعائلة مرموقة مثلهم كانت سيليا تتميز بحدة مزاجها و غضبها المخيف ، تقدم مهامها على أتم وجه لكن ليس خوفًا على سمعتها مثلهم بل فقط لأنها تحب ذلك
.
.
.
.
.
.
في أحد ضواحي مدينة أدريمارا ، تحديدا في المطار ، توقفت سيارة حمراء حديثة في موقف السيارات ، ترجلت منها صاحبتها بملابسها السوداء كسواد شعرها و عيناها الخضراوتان تتفحصان الأرجاء لتتأكد من أنّ حراس جدتها لا يلاحقونها ، توجهت نحو صندوق السيارة و أخرجت حقيبتها و ركضت نحو مدخل المطار
تشعر أنها هربت من سجن ، رغم شعورها بالسوء بعد محادثة جدتها لكنها قد حاولت فعلًا تقبل الأمر و لم تفلح ، على كل حال لابد أن يجدو حلًا آخر غير صلح الزواج السخيف
صحيح ؟!
ما إن أصبحت داخل المطار حتى تنفست الصعداء ، الآن تعتبر هاربة و ما دامت في لن تتراجع فلن يوقفها أحد
توجهت نحو شباك التذاكر لتقتني تذكرة طيران و العودة إلى بيتها و مقر شركتها بلندن ، إنتظرت دورها بفارغ الصبر ، و ظلت تلتفت وراءها عدة مرات ليزداد توترها ، شعرت كأن الصف متوقف ، لا تدري أنها لم تقضي سوى خمس دقائق
أخيرا وصل دورها ، تقدمت إلى شباك التذاكر بخطوات مترددة ، شعور داخلها يخبرها أن تعود أدراجها لكن سرعان ما كبتت ذاك الشعور عند تذكر الشخص الشخص الذي ستتزوجه ، و وجّهت كلماتها للمضيفة قائلة :
" أريد تذكرة طيران إلى لندن ، و أفضل أن تكون اليوم "
" حسنًا ، دعيني أنظر .... هناك مقعد فارغ و الرحلة بعد ثلاث ساعات"
" ألا يوجد أخرى أقرب ؟ "
" آسفة ، هذا أقرب موعد "
فكرت سيليا بينها و بين نفسها للحظة ، ثم أردفت :
" حسنًا أعطني التذكرة"
" جواز سفرك لو سمحتي "
أخرجت سيليا جواز السفر من حقيبتها و ناولته للمضيفة التي أخذته و بدأت بالإجراءات ، لكنها سرعان ما تغيرت ملامح وجهها و هي تحول نظراتها تارة على الحاسوب أمامها و تارة نحو سيليا التي بدا عليها الإستغراب ، فسألتها :
" هل هناك مشكلة ؟ "
" آسفة يا آنسة ، لا يمكنك السفر "
قالتها المضيفة بنبرة متوترة و هي تنظر لسيليا الحائرة أمامها ، ما الذي قد يحدث حتى لا تتمكن من السفر
" ماذا تقصدين ؟! لماذا ؟ "
سألت سيليا بنبرة غير مصدقة لتجيبها المضيفة قائلة :
" لا يمكنك السفر لأنك ممنوعة من خروج البلد حسب قاعدة البيانات الرئيسية"
كلماتها وقعت كالصاعقة على سيليا
لا بد أن هناك خطأ
لماذا قد تمنع من السفر
يستحسن أن يكون هناك تفسير منطقي لأنها على وشك قلب المطار رأسًا على عقب
كانت على وشك الإستفسار عن الأمر لولا تلك النبرة التي جاءتها من خلفها:
" مفاجأة غير متوقعة أليس كذلك ؟! "
إلتفتت خلفها لتجده واقفا أمامها بإبتسامته المستفزة و عيناه البنيتان تنظران لها بتكبر واضح
" إدريان !! "
قالت غير مصدقة ، تكاد تقسم أنّه كانت سيدة تقف خلفها في الصف ، لقد إلتفت لأكثر من مرة أثناء إنتظار دورها و كانت نفس السيدة دائمًا خلفها
مهلا لحظة
هل ما تفكر به صحيح ؟!
هل وضع من يتتبعها خِلسَة ؟!
فجأة تغيرت ملامحها من الصدمة إلى الغضب ، و قد لاحظ إدريان ذلك و حاول مسح إبتسامتة و قال بجدية :
" هيا ستعودين لقصر عائلتك "
" ليس قبل أن أحصل على تفسير حول ما يحدث"
قالتها سيليا بنبرة متحدية ، الأمر الذي جعل إدريان يتنهد بتكلف و يقول :
" إن كنت تقصدين مجيئي فأجل كلّفت من يتتبعك ، أمّا إن كنت تقصدين منعك من السفر أيضًا أجل لدي دخل بالموضوع ، الآن إن أنهيتي فقرة أسئلتك فهيا جدتك تنتظر"
" لن آتي معك ، و يستحسن أن تنسى موضوع الزواج السخيف"
أراد الرد عليها لولا مقاطعة المضيفة لهم :
" سيدي لو سمحت هناك صف طويل ينتظر خلفكما"
نظر خلفه ليرى العديد من الناس تقف بعدم صبر و معظمهم كانوا يرمقونه بنظرات غاضبة إستفزته تلك النظرات لكنه حافظ على هدوئه فهذا ليس الوقت ولا المكان المناسب لإفتعال مشكلة
أعاد نظراته لسيليا ليجدها إختفت ، نظر من حوله في أرجاء المطار ليراها متجهة نحو المخرج ، أسرع إليها محاولًا اللحاق بها حتى صار خلفها تَمامًا ، ما إن خطت أول خطوة خارج المطار حتى سحبها من ذراعها ليوقفها قائلًا بصوت أشبه بهمس غاضب:
" هل تظنين الأمر مزحة ؟ هل تظنين نفسك الوحيدة المجبرة على هذا الزواج ؟"
نظرت له بحيرة فهذه أول مرة تراه بهذه الحالة المزاجية ، سرعان ما تداركت وضعها حتى قالت بنفس نبرته محاولة فك نفسها منه:
" من أنت حتى تعاتبني ؟ أفلت ذراعي !"
حين قالت جملتها الأخيرة إنتبه إدريان لنفسه و نظر نحو يده الممسكة بذراعها لولهة قبل أن يتركها ، مسح على وجه براحة يده محاولة إعادة بروده ، و قال بنبرة جادة:
" إسمعي ، لديك خياران لا ثالث لهما ، إمّا أن تضبطي تصرفاتك و تدَعي مسألة الزواج تمر على خير ، أو تهربي و تشعلي بذلك حرب دموية بين العشيرتين"
نظرت له بتوتر و هي تحاول ربط كلامه بكلام جدتها ، ليكمل حديثه:
" هذا ليس زواجًا عاديًا ، هذا وعد بين أكبر عشيرتين في أدريمارا ، و نقضه يعني الحرب"
أنهى جملته و سار نحو سيارته بخُطَى ثابتة ثم توقف و نظر نحوها من خلف كتفه و قال:
" أنا أيضًا لا أريدك ."
رغم أنّها تحمل نفس المشاعر إلّا أنّ جملته تركت أثرًا فيها ، كما أثّرت فيه ، نفس ضيق الصدر شعرا به في آنٍ واحد
ظلت سيليا واقفة مكانها ، لم تشعر يومًا بمثل هذا الشعور ، هي مضطربة و عقلها لا ينفك يطرح أسئلة ، أمّا قلبها ....
ركب إدريان سيارته ، و أخذ نفسًا عميقًا ، جانب منه يقول أنه على حق ، بينما جانب آخر _الجانب الذي لطالما كتمه_ يقول أنه بالغ
و بينما هو في دوامة أفكاره ، فُتِح الباب المجاور للسائق و تصعد سيليا السيارة و تضع حزام الأمان دون أن تنطق بحرف ، ظل ينظر لها لفترة قبل أن يقطع شروده صوت رنين هاتفه ، أزاح نظره نحو الشاشة ليرى أنّ المتصل هو السيدة ماري أغلق الخط ، ثم أرسل رسالة نصية ليخبرها بأنهما عائدان
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.