كبرياء
كبرياء
جزء 11 من 11
وضع القراءة:

10~زِفَاف

بعد أسبوع
مدينة أدريمارا تشهد حفل زفاف فريد من نوعه ، الكل يتحدث عن زواج وريث آل درافان و حفيدة آل كاروفا ، الزواج الذي صدم جميع سكان هذه المدينة العريقة ، من كان يتخيل أنّ آل كاروفا و آل درافان قد يتخطون عداوتهم و يصبحون أنساب؟! هذا جنون
فمنذ إعلان موعد الزفاف و كل الجرائد تنشر عنوانًا موحدًا
~صفحة جديدة في علاقة آل درافان و آل كاروفا و زواج غير متوقع~
ناهيك عن الصحفيين الذين ظلوا طيلة الأسبوع يتتبعون أفراد العشيرتين في كل أنحاء المدينة من أجل معرفة تفاصيل الصلح
و هناك في إحدى أفخم صالات الحفلات في المدينة ، بدأ الضيوف يتوافدون ، عفوًا أقصد أبناء الطبقة المخملية ، بثيابهم الأنيقة و نظراتهم المغرورة المتحدية و طبعًا أقنعة السعادة المزيفة
فضّلت السيدة ماري أن يقام الزفاف في صالة خارجية ، الطاولات موزعة بدقة فاتحةً ممرًا تحسبًا لقدوم العروس المنتظرة ، كما اختارت زينة تجمع بين الفخامة و البساطة حسب ذوق حفيدتها ، كأنها ستكترث بأمر الديكور
لكن دعونا نتكلم عن نجوم الحفل ، آل كاروفا و آل درافان ، في مكان واحد ، لمدة تجاوزت الساعة ، فليجلب أحدهم مصورًا أو رسّامًا لأن هذا المنظر يستحق التوثيق ، بغض النظر عن نظراتهم المشحونة لبعضهم و تقاربهم المحدود فإنّ الأوضاع بخير
في أرجاء المكان ، توزع مجموعة حراس شخصيين في أماكن مدروسة ، فرقة من حراس آل درافان و آخرون من حراس آل كاروفا ، ببذلاتهم السوداء و ملامحهم الجامدة أطفوا طابع فخم ، كل تفصيل صغيرة يجب أن يمر بهم ، تيقضهم لم يكن موجهًا للأجواء و الضيوف فقط ، بل لبعضهم أيضًا
و في الصالة الداخلية ، تحديدًا غرفة تجهيز العروس ، كانت سيليا تجلس أمام التسريحة بفستانها الأبيض الفضفاض ، تنظر لإنعكاسها في المرآة ، مساحيق التجميل على وجهها من المفترض أن تظهر سعادتها و حماسها لكن عينيها الخضراوتان لا تريان سوى السواد و الضياع ، ملامح خاوية و قدر مجهول
طرق خفيف على الباب انتشلها من أفكارها فالتفتت نحوه و قالت بنبرة مرهقة:
" ادخل "
لتظهر ميليس من خلف الباب بفستانها الأزرق الطويل و إبتسامتها المسالمة بدت كأميرة لطيفة خاصة مع ملامح وجهها الطفولية التي لا تعبر أبدًا عن عمرها ، اقتربت منها لتقول بهدوء:
" تبدين جميلة ، كعادتك"
إبتسمت سيليا إبتسامة مريرة و هي تعيد أنظارها نحو المرآة لتقول:
" هم سيرون فستان زفاف أبيض لكنني أرى كفنًا"
بدى الحزن على ملامح ميليس بعد جملة صديقتها البائسة ، تشعر بالأسى عليها و في نفس الوقت على نفسها لأنها لا تستطيع فعل شيء لها
وضعت يدها على كتف سيليا و قالت بنبرة مواسية و الدموع تتحجر في عينيها الزرقاوتان:
" تعلمين أنّني سأقف معك دائمًا و أيًا كان همك فسنتخطاه معًا ، كما نفعل دومًا"
إبتسمت سيليا بتأثر و وقفت لتعانق صديقتها عناقًا حميمًا عبّرت من خلاله عن مدى إمتنانها لوجودها في حياتها ، ذاك الشعور الجميل الذي ينتاب الإنسان حين يشعر بوجود من يستطيع فهمه في أسوء حالاته ، سيليا عاشته مع ميليس فقط ، ليست صديقة بل أخت
رنّ هاتف ميليس الذي كان بحوزتها حينها ، نظرت للرقم الظاهر على الشاشة ،و تغيرت ملامحها و أعادت نظرها لسيليا التي عقدت حاجبيها مستفسرة عن المتصل ، لتقول ميليس بنبرة متوترة:
" الدكتورة ناي"
تغيرت ملامح سيليا هي الأخرى عند سماع صديقتها ، و إستدارت للتسريحة مفرِّزة ما عليها و هي تبحث بهلع عن هاتفها ، كيف نست مثل هذا الموضوع ؟!
وجدته تحت أحد علب المجوهرات ، و أول ما قابلها عند تشغيله هو ما يفوق عشرين إتصال من الدكتورة ناي ، ورطة أخرى ما الجديد
تنهدت سيليا بضيق و هي تقف لتأخذ هاتف ميليس من يديها و هو لايزال يرن ، و ما إن وضعته قرب أذنها سمعت نبرتها الغاضبة:
" أخبري صديقتك أنها إن لم ترد على إتصالاتي فإنّي سآتي بنفسي من لندن إليها"
" لا داعي أنا في الإستماع "
سكت الخط قليلاً قبل أن يعود صوتها:
" سيليا ، لماذا تصرين على جلطي بتصرفاتك اللامسؤولة ، أخبرتني صديقتي التي أرسلتك عندها أنّك فوّتي الموعد ، لماذا؟"
" أخبرتك أن اليوم زفافي "
" هذا ليس مبررًا ، و أنتِ تعلمين ذلك ، كما أنّ الموعد كان البارحة"
" دكتورة ناي ، أنا بخير كما أخبرتك طيلة الأسبوع و بشأن الموعد فقد أجلته فقط ولم ألغه"
" لا أعلم كيف أتصرف معك يا سيليا ، تتكلمين عن الموضوع كأنه أمر عادي و ليس.."
" حسنًا أعدك ، غدًا سأذهب لها و لن أفوت أي موعد"
" سنرى ، على كلٍ لا تنسي توجيهاتي ، و مبارك لكِ الزواج"
أغلقت الخط بعد جملتها و قالت بسخرية:
" بل قولي مبارك فنائي "
لاحظت نظرات ميليس القلقة نحوها فقالت بثبات:
" لا تقلقي الأمور بخير"
ترددت ميليس للحظة قبل أن تقول بصوت خافت:
" هل تنوين إخفاء الأمر عن إدريان؟"
" إيّاكِ ! "
ردّت سيليا بحدة جعلت ميليس تتنهد بإستياء و كانت على وشك قول شيء لكن طرقات خفيفة على الباب قاطعتها
نظرتا كلتاهما نحو الباب الذي فُتح بهدوء و ظهر من خلفه خالها لوكاس ببذلته الرسمية الرمادية مطرزة بعناية و معه كايل الذي ارتدى بذلة سوداء قاتمة تناسبت مع طوله الشاهق
حاولتا إخفاء تعابير محادثتهما الأخيرة لتخطو سيليا نحوهما بخطوات بطيئة تحت أنظارهما و كلاهما يقاتلان دموعهما لكي لا تفيض حتى وصلت إليهما بإبتسامة جانبية لطيفة
لانت عينا لوكاس و هو يمسك يديها كأنه يعبر عن مساندته لها بطريقته ، تنهد قبل أن يقول بنبرة عميقة:
" تمنيت لو عشتِ هذه اللحظة في أوضاع مختلفة لكن ما باليد حيلة"
الآن أصبحت هي من تقاوم الدموع ، خالها لوكاس لم يكن مثل بقية عائلتها ، لطالما كان بمثابة ملجأ ضعفها ، كأول يوم لها بحمل لقب آل كاروفا....
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
قبل 18 سنة
ليلة عاصفة هزّت قصر آل كاروفا و أطفى عليه منظرًا مهيبًا ، لم يكن يومًا عاديًا عند أفراد العائلة ، فقبل ساعات من الآن احتضنت هذه الجدران نزاعًا بين السيدة ماري و إبنها الأكبر رون
سبب النزاع هو تلك الفتاة ذات الثماني سنوات التي تخفي جسدها الصغير بين طيّات غطائها الحريري وسط غرفتها ذات الإنارة الخافتة ، لا يرافق صوت المطر الهاطل سوى شهقاتها المكتومة التي لم تتوقف منذ إحضارها لهذا القصر و بين لحظة و أخرى تتمتم قائلة:
" أريد أمي ... أين أنتِ ؟"
لم تنتبه للشخصين الواقفين خلف شق الباب يراقبانها ، أحدهما كان لوكاس ذو السبع عشرة سنة و بجانبه كايل الذي قال هامسًا:
" لماذا تبكي "
" تريد أمها "
" لنحضرها لها إذًا "
" لا نستطيع"
" لماذا ؟ "
سكت لوكاس أمام سؤاله و لم يجد عبارة مناسبة لعمره الصغير فإكتفى بتحريك كتفيه
ظلا ينظران لها بأسى ، منظرها ذاك كان يبعث في لوكاس شعورًا بالذنب ، لم يرد معاملتها كما يعاملها الآخرون ، فجأة لمعت عيناه بفكرة خطرت بباله ، همس لكايل بسرعة:
" إبقى هنا ، سأعود "
و انطلق نحو السلالم بخفة تاركًا علامات إستفهام على ذاك الوجه الطفولي الذي تابع تحديقه بابنة خالته التي مازالت شهقاتها تملأ الأرجاء
ثواني و شعر بعودة جسد لوكاس بجانبه فالتفت له ناظرًا إلى ما بحوزته ، دمية قطنية لفتاة ذات فستان أخضر و أخرى لحصان أسود
" من أين أحضرتها؟"
سأل كايل بعفوية ليرد لوكاس :
" أحضرها أخي رون لإبنته المدللة صباحًا لكنها لم تعجبها ، من الجيد أن لُولا لم ترمها"
ابتسم كايل بحماس ناظرًا لخاله الذي أومأ له بالدخول ، دفع لوكاس الباب ببطء ليصدر صريرًا خفيفًا تزامن معه توقف شهقات سيليا تعلمهما بأنها تدرك وجودهما
تقدما أكثر ناحيتها و عندما شعرت بجلوسهما على السرير أخرجت رأسها الصغير من الغطاء ناظرة لهما بتوجس و عينين خضراوتين ذابلتين من كثرة البكاء
" سيليا، أنظري ماذا جلبنا لكِ "
قالها كايل بحماس و هو يقدم الدميتان أمام ناظريها ، لكنها لم تقل شيئًا و عادت لوضعتها الأولى من أجل جولة أخرى من البكاء
أغلقت عينيها بشدة و شهقاتها تعود مجددًا ، لكن فجأة...
" فِي قَلْبِي سِرٌ صَغِيْر " ♪♪♪♪♪♪
أعادت فتحهما عند سماع صوت لوكاس و هو يغني أول مقطع من أغنية أطفال تعرفها و في نفس الوقت يحرك الدمى أمامها
عرفها كايل أيضًا و أخذ يغني معه بتناوب:
" يَحْكِي عَن حُلْمٍ كَبِير "♪♪♪♪♪
" عَن أمِيرَةٍ فَوقَ حِصَان"♪♪♪♪♪
" تَجْرِي نَحوَ الأمَان "♪♪♪♪♪
"في الريحِ يعلو صوتُها"♪♪♪
"والنورُ يتبعُ خطوتَها"♪♪♪
"لا تخشى ليلَ الطريق"♪♪♪
"وقلبُها دومًا صديق"♪♪♪
"هيّا بنا نحوَ السماء"♪♪♪
هذه المرة سيليا هي من غنّت المقطع لينظرا لها بإبتسامة لطيفة و يكملوا الغناء معًا:
"نرسمُ دربَ الكبرياء"♪♪♪
"بالأملِ نحيا ونغنّي"♪♪♪
"والحبُّ في الدنيا يُضيء"♪♪♪
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
استفاقت من ذكراها إثر حضن لوكاس لها ، ظلّت ساكنة للحظة قبل أن تبادله العناق ، حضنه كان تعبيرًا عن وقوفه معها أمّا عناقها فكان شكرًا و إمتنانًا له
أزاح كايل نظراته عندما شعر بدمعة متمردة نزلت من عينيه العسليتين ، ليقابل وجه ميليس المتأثرة من المشهد أمامها ، تأمل إطلالتها لوهلة و لم يشعر بملامحه التي لانت فجأة ، لكنه أفاق من وضعه عائدًا إلى وضعيته الأولى عندما نظرت هي نحوه
فصل كلٌ من سيليا و لوكاس العناق الحميم الذي جمعهما ليتقدم كايل ببطء منها بإبتسامة جانبية و يقول بصوته الذي أخفى نبرة تأثره:
" إيّاكِ أن تفكري أنّكِ ارتحتي مني ، يكفي إتصال واحد منك و أكون بجانبكِ"
ضحكت سيليا بسخرية لترد:
" خسارة ، كنت آمل أن أتخلص من نُكتكَ التافهة"
ابتسم رافعًا حاجبه و هو يتوعدها برد أقوى لاحقًا ، ثم تقدم معانقًا إيّاها ، هي على بعد القليل من ذرف الدموع ، في تلك اللحظة أدركت أنّها حقًا محظوظة بوجودهم معها ، أي فتاة أخرى مكانها لما تحملت مثلها و هي لا تنكر أنهم أحد أهم دوافع بناء شخصيتها الحالية
قطع سيل أفكارها صوت كايل :
" لا زال عرضي قائمًا ، رصاصة واحدة و أنهي أمر صهرنا"
" أجل و تشعل حرب جديدة مع آل درافان ، هذا إن تركتك أمي قادرًا على الحراك"
قالها لوكاس بسخرية ليفصل كايل عناقه و ينشغل بنزاع مع خاله الذي لم يدّخر أي كلمات مستهزئة إلّا و قالها له
صدى صوت طرق على الباب شدّ انتباههم له ، لتظهر أحد منظِّمي الحفل بزيها الرسمي الأنيق و تقول بإبتسامة مجاملة:
" آنسة سيليا ، حان وقت عقد الزواج و السيد إدريان ينتظرك بالأسفل"
أومأت لها سيليا سامحة لها بالذهاب و نظرت نحو من في الغرفة الذين تغيرت ملامحهم فجأة كأنهم تذكروا للتو أنّها ستزف لوريث آل درافان
قال لوكاس بنبرة جادة:
" سأنزل معكِ"
" لا داعي سأنزل وحدي ، أنتم انضموا للحفل"
ردّت سيليا بهدوء ليبدو عليهم عدم الرضا لكنهم رغم ذلك نفذّوا مطلبها لأنهم يعلمون أنّها لن تغير رأيها مهما فعلوا
ها قد أصبحت وحدها في تلك الغرفة ، تنظر تارة لثوبها و تارة لإنعكاسها في المرآة ، كيانها محاصر بين الواقع و مشاعرها ، تنفست بعمق ثم توجهت نحو الباب بخطوات ثابتة و نظرات حادة ، أمسكت مقبض الباب و قالت قبل فتحه بصوت واثق:
" إن كان هذا قدري فسأعيشه بمزاجي"
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.