10~زِفَاف
بعد أسبوع
مدينة أدريمارا تشهد حفل زفاف فريد من نوعه ، الكل يتحدث عن زواج وريث آل درافان و حفيدة آل كاروفا ، الزواج الذي صدم جميع سكان هذه المدينة العريقة ، من كان يتخيل أنّ آل كاروفا و آل درافان قد يتخطون عداوتهم و يصبحون أنساب؟! هذا جنون
فمنذ إعلان موعد الزفاف و كل الجرائد تنشر عنوانًا موحدًا
~صفحة جديدة في علاقة آل درافان و آل كاروفا و زواج غير متوقع~
ناهيك عن الصحفيين الذين ظلوا طيلة الأسبوع يتتبعون أفراد العشيرتين في كل أنحاء المدينة من أجل معرفة تفاصيل الصلح
و هناك في إحدى أفخم صالات الحفلات في المدينة ، بدأ الضيوف يتوافدون ، عفوًا أقصد أبناء الطبقة المخملية ، بثيابهم الأنيقة و نظراتهم المغرورة المتحدية و طبعًا أقنعة السعادة المزيفة
فضّلت السيدة ماري أن يقام الزفاف في صالة خارجية ، الطاولات موزعة بدقة فاتحةً ممرًا تحسبًا لقدوم العروس المنتظرة ، كما اختارت زينة تجمع بين الفخامة و البساطة حسب ذوق حفيدتها ، كأنها ستكترث بأمر الديكور
لكن دعونا نتكلم عن نجوم الحفل ، آل كاروفا و آل درافان ، في مكان واحد ، لمدة تجاوزت الساعة ، فليجلب أحدهم مصورًا أو رسّامًا لأن هذا المنظر يستحق التوثيق ، بغض النظر عن نظراتهم المشحونة لبعضهم و تقاربهم المحدود فإنّ الأوضاع بخير
في أرجاء المكان ، توزع مجموعة حراس شخصيين في أماكن مدروسة ، فرقة من حراس آل درافان و آخرون من حراس آل كاروفا ، ببذلاتهم السوداء و ملامحهم الجامدة أطفوا طابع فخم ، كل تفصيل صغيرة يجب أن يمر بهم ، تيقضهم لم يكن موجهًا للأجواء و الضيوف فقط ، بل لبعضهم أيضًا
و في الصالة الداخلية ، تحديدًا غرفة تجهيز العروس ، كانت سيليا تجلس أمام التسريحة بفستانها الأبيض الفضفاض ، تنظر لإنعكاسها في المرآة ، مساحيق التجميل على وجهها من المفترض أن تظهر سعادتها و حماسها لكن عينيها الخضراوتان لا تريان سوى السواد و الضياع ، ملامح خاوية و قدر مجهول
طرق خفيف على الباب انتشلها من أفكارها فالتفتت نحوه و قالت بنبرة مرهقة:
" ادخل "
لتظهر ميليس من خلف الباب بفستانها الأزرق الطويل و إبتسامتها المسالمة بدت كأميرة لطيفة خاصة مع ملامح وجهها الطفولية التي لا تعبر أبدًا عن عمرها ، اقتربت منها لتقول بهدوء:
" تبدين جميلة ، كعادتك"
إبتسمت سيليا إبتسامة مريرة و هي تعيد أنظارها نحو المرآة لتقول:
" هم سيرون فستان زفاف أبيض لكنني أرى كفنًا"
بدى الحزن على ملامح ميليس بعد جملة صديقتها البائسة ، تشعر بالأسى عليها و في نفس الوقت على نفسها لأنها لا تستطيع فعل شيء لها
وضعت يدها على كتف سيليا و قالت بنبرة مواسية و الدموع تتحجر في عينيها الزرقاوتان:
" تعلمين أنّني سأقف معك دائمًا و أيًا كان همك فسنتخطاه معًا ، كما نفعل دومًا"
إبتسمت سيليا بتأثر و وقفت لتعانق صديقتها عناقًا حميمًا عبّرت من خلاله عن مدى إمتنانها لوجودها في حياتها ، ذاك الشعور الجميل الذي ينتاب الإنسان حين يشعر بوجود من يستطيع فهمه في أسوء حالاته ، سيليا عاشته مع ميليس فقط ، ليست صديقة بل أخت
رنّ هاتف ميليس الذي كان بحوزتها حينها ، نظرت للرقم الظاهر على الشاشة ،و تغيرت ملامحها و أعادت نظرها لسيليا التي عقدت حاجبيها مستفسرة عن المتصل ، لتقول ميليس بنبرة متوترة:
" الدكتورة ناي"
تغيرت ملامح سيليا هي الأخرى عند سماع صديقتها ، و إستدارت للتسريحة مفرِّزة ما عليها و هي تبحث بهلع عن هاتفها ، كيف نست مثل هذا الموضوع ؟!
وجدته تحت أحد علب المجوهرات ، و أول ما قابلها عند تشغيله هو ما يفوق عشرين إتصال من الدكتورة ناي ، ورطة أخرى ما الجديد
تنهدت سيليا بضيق و هي تقف لتأخذ هاتف ميليس من يديها و هو لايزال يرن ، و ما إن وضعته قرب أذنها سمعت نبرتها الغاضبة:
" أخبري صديقتك أنها إن لم ترد على إتصالاتي فإنّي سآتي بنفسي من لندن إليها"
" لا داعي أنا في الإستماع "
سكت الخط قليلاً قبل أن يعود صوتها:
" سيليا ، لماذا تصرين على جلطي بتصرفاتك اللامسؤولة ، أخبرتني صديقتي التي أرسلتك عندها أنّك فوّتي الموعد ، لماذا؟"
" أخبرتك أن اليوم زفافي "
" هذا ليس مبررًا ، و أنتِ تعلمين ذلك ، كما أنّ الموعد كان البارحة"
" دكتورة ناي ، أنا بخير كما أخبرتك طيلة الأسبوع و بشأن الموعد فقد أجلته فقط ولم ألغه"
" لا أعلم كيف أتصرف معك يا سيليا ، تتكلمين عن الموضوع كأنه أمر عادي و ليس.."
" حسنًا أعدك ، غدًا سأذهب لها و لن أفوت أي موعد"
" سنرى ، على كلٍ لا تنسي توجيهاتي ، و مبارك لكِ الزواج"
أغلقت الخط بعد جملتها و قالت بسخرية:
" بل قولي مبارك فنائي "
لاحظت نظرات ميليس القلقة نحوها فقالت بثبات:
" لا تقلقي الأمور بخير"
ترددت ميليس للحظة قبل أن تقول بصوت خافت:
" هل تنوين إخفاء الأمر عن إدريان؟"
" إيّاكِ ! "
ردّت سيليا بحدة جعلت ميليس تتنهد بإستياء و كانت على وشك قول شيء لكن طرقات خفيفة على الباب قاطعتها
نظرتا كلتاهما نحو الباب الذي فُتح بهدوء و ظهر من خلفه خالها لوكاس ببذلته الرسمية الرمادية مطرزة بعناية و معه كايل الذي ارتدى بذلة سوداء قاتمة تناسبت مع طوله الشاهق
حاولتا إخفاء تعابير محادثتهما الأخيرة لتخطو سيليا نحوهما بخطوات بطيئة تحت أنظارهما و كلاهما يقاتلان دموعهما لكي لا تفيض حتى وصلت إليهما بإبتسامة جانبية لطيفة
لانت عينا لوكاس و هو يمسك يديها كأنه يعبر عن مساندته لها بطريقته ، تنهد قبل أن يقول بنبرة عميقة:
" تمنيت لو عشتِ هذه اللحظة في أوضاع مختلفة لكن ما باليد حيلة"
الآن أصبحت هي من تقاوم الدموع ، خالها لوكاس لم يكن مثل بقية عائلتها ، لطالما كان بمثابة ملجأ ضعفها ، كأول يوم لها بحمل لقب آل كاروفا....
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
قبل 18 سنة
ليلة عاصفة هزّت قصر آل كاروفا و أطفى عليه منظرًا مهيبًا ، لم يكن يومًا عاديًا عند أفراد العائلة ، فقبل ساعات من الآن احتضنت هذه الجدران نزاعًا بين السيدة ماري و إبنها الأكبر رون
سبب النزاع هو تلك الفتاة ذات الثماني سنوات التي تخفي جسدها الصغير بين طيّات غطائها الحريري وسط غرفتها ذات الإنارة الخافتة ، لا يرافق صوت المطر الهاطل سوى شهقاتها المكتومة التي لم تتوقف منذ إحضارها لهذا القصر و بين لحظة و أخرى تتمتم قائلة:
" أريد أمي ... أين أنتِ ؟"
لم تنتبه للشخصين الواقفين خلف شق الباب يراقبانها ، أحدهما كان لوكاس ذو السبع عشرة سنة و بجانبه كايل الذي قال هامسًا:
" لماذا تبكي "
" تريد أمها "
" لنحضرها لها إذًا "
" لا نستطيع"
" لماذا ؟ "
سكت لوكاس أمام سؤاله و لم يجد عبارة مناسبة لعمره الصغير فإكتفى بتحريك كتفيه
ظلا ينظران لها بأسى ، منظرها ذاك كان يبعث في لوكاس شعورًا بالذنب ، لم يرد معاملتها كما يعاملها الآخرون ، فجأة لمعت عيناه بفكرة خطرت بباله ، همس لكايل بسرعة:
" إبقى هنا ، سأعود "
و انطلق نحو السلالم بخفة تاركًا علامات إستفهام على ذاك الوجه الطفولي الذي تابع تحديقه بابنة خالته التي مازالت شهقاتها تملأ الأرجاء
ثواني و شعر بعودة جسد لوكاس بجانبه فالتفت له ناظرًا إلى ما بحوزته ، دمية قطنية لفتاة ذات فستان أخضر و أخرى لحصان أسود
" من أين أحضرتها؟"
سأل كايل بعفوية ليرد لوكاس :
" أحضرها أخي رون لإبنته المدللة صباحًا لكنها لم تعجبها ، من الجيد أن لُولا لم ترمها"
ابتسم كايل بحماس ناظرًا لخاله الذي أومأ له بالدخول ، دفع لوكاس الباب ببطء ليصدر صريرًا خفيفًا تزامن معه توقف شهقات سيليا تعلمهما بأنها تدرك وجودهما
تقدما أكثر ناحيتها و عندما شعرت بجلوسهما على السرير أخرجت رأسها الصغير من الغطاء ناظرة لهما بتوجس و عينين خضراوتين ذابلتين من كثرة البكاء
" سيليا، أنظري ماذا جلبنا لكِ "
قالها كايل بحماس و هو يقدم الدميتان أمام ناظريها ، لكنها لم تقل شيئًا و عادت لوضعتها الأولى من أجل جولة أخرى من البكاء
أغلقت عينيها بشدة و شهقاتها تعود مجددًا ، لكن فجأة...
" فِي قَلْبِي سِرٌ صَغِيْر " ♪♪♪♪♪♪
أعادت فتحهما عند سماع صوت لوكاس و هو يغني أول مقطع من أغنية أطفال تعرفها و في نفس الوقت يحرك الدمى أمامها
عرفها كايل أيضًا و أخذ يغني معه بتناوب:
" يَحْكِي عَن حُلْمٍ كَبِير "♪♪♪♪♪
" عَن أمِيرَةٍ فَوقَ حِصَان"♪♪♪♪♪
" تَجْرِي نَحوَ الأمَان "♪♪♪♪♪
"في الريحِ يعلو صوتُها"♪♪♪
"والنورُ يتبعُ خطوتَها"♪♪♪
"لا تخشى ليلَ الطريق"♪♪♪
"وقلبُها دومًا صديق"♪♪♪
"هيّا بنا نحوَ السماء"♪♪♪
هذه المرة سيليا هي من غنّت المقطع لينظرا لها بإبتسامة لطيفة و يكملوا الغناء معًا:
"نرسمُ دربَ الكبرياء"♪♪♪
"بالأملِ نحيا ونغنّي"♪♪♪
"والحبُّ في الدنيا يُضيء"♪♪♪
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
استفاقت من ذكراها إثر حضن لوكاس لها ، ظلّت ساكنة للحظة قبل أن تبادله العناق ، حضنه كان تعبيرًا عن وقوفه معها أمّا عناقها فكان شكرًا و إمتنانًا له
أزاح كايل نظراته عندما شعر بدمعة متمردة نزلت من عينيه العسليتين ، ليقابل وجه ميليس المتأثرة من المشهد أمامها ، تأمل إطلالتها لوهلة و لم يشعر بملامحه التي لانت فجأة ، لكنه أفاق من وضعه عائدًا إلى وضعيته الأولى عندما نظرت هي نحوه
فصل كلٌ من سيليا و لوكاس العناق الحميم الذي جمعهما ليتقدم كايل ببطء منها بإبتسامة جانبية و يقول بصوته الذي أخفى نبرة تأثره:
" إيّاكِ أن تفكري أنّكِ ارتحتي مني ، يكفي إتصال واحد منك و أكون بجانبكِ"
ضحكت سيليا بسخرية لترد:
" خسارة ، كنت آمل أن أتخلص من نُكتكَ التافهة"
ابتسم رافعًا حاجبه و هو يتوعدها برد أقوى لاحقًا ، ثم تقدم معانقًا إيّاها ، هي على بعد القليل من ذرف الدموع ، في تلك اللحظة أدركت أنّها حقًا محظوظة بوجودهم معها ، أي فتاة أخرى مكانها لما تحملت مثلها و هي لا تنكر أنهم أحد أهم دوافع بناء شخصيتها الحالية
قطع سيل أفكارها صوت كايل :
" لا زال عرضي قائمًا ، رصاصة واحدة و أنهي أمر صهرنا"
" أجل و تشعل حرب جديدة مع آل درافان ، هذا إن تركتك أمي قادرًا على الحراك"
قالها لوكاس بسخرية ليفصل كايل عناقه و ينشغل بنزاع مع خاله الذي لم يدّخر أي كلمات مستهزئة إلّا و قالها له
صدى صوت طرق على الباب شدّ انتباههم له ، لتظهر أحد منظِّمي الحفل بزيها الرسمي الأنيق و تقول بإبتسامة مجاملة:
" آنسة سيليا ، حان وقت عقد الزواج و السيد إدريان ينتظرك بالأسفل"
أومأت لها سيليا سامحة لها بالذهاب و نظرت نحو من في الغرفة الذين تغيرت ملامحهم فجأة كأنهم تذكروا للتو أنّها ستزف لوريث آل درافان
قال لوكاس بنبرة جادة:
" سأنزل معكِ"
" لا داعي سأنزل وحدي ، أنتم انضموا للحفل"
ردّت سيليا بهدوء ليبدو عليهم عدم الرضا لكنهم رغم ذلك نفذّوا مطلبها لأنهم يعلمون أنّها لن تغير رأيها مهما فعلوا
ها قد أصبحت وحدها في تلك الغرفة ، تنظر تارة لثوبها و تارة لإنعكاسها في المرآة ، كيانها محاصر بين الواقع و مشاعرها ، تنفست بعمق ثم توجهت نحو الباب بخطوات ثابتة و نظرات حادة ، أمسكت مقبض الباب و قالت قبل فتحه بصوت واثق:
" إن كان هذا قدري فسأعيشه بمزاجي"
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!