6~عَشَــاء آل كَـارُوفَـا
ها هي الآن تقف أمام الباب الرئيسي للقصر ، تحاول إنتقاء كلماتها قبل مواجهة جدتها ، تعلم أنها مهما قالت لن تسلم من غضبها ، لكن لا بأس بالمحاولة
توهم نفسها أن سبب ضيقة صدرها هو قلقها من ردة فعل جدتها ، و ليس محادثتها الأخيرة مع إدريان الذي أوصلها ثم همّ بالمغادرة فور إغلاقها لباب سيارته ، كأنه لا يحتمل الوجود معها في مكان واحد لمدة أطول
تنهدت و رفعت يدها لتدق الجرس حتى فُتح الباب قبل أن تصل أناملها له ، ليظهر أمامها إبن خالها الأكبر ، ليو ؛ و في نفس الوقت أخ جوليا ، بشعره الأشقر و عينيه الرماديتين و ملامح وجهه الجدية التي سرعان ما لانت حين رأى سيليا و رسم إبتسامة عفوية لها و هو يقول :
" سيليا ! متى عُدتِي ، يا لها من مفاجئة"
ردت سيليا بإبتسامة متكلفة:
" أهلاً ليو ، عدت اليوم صباحًا"
ظل ينظر لها بنظرات طويلة و يلمح كل تفصيل صغير من وجهها ، شعرت أن خدودها ستنفجر من كثرة إبتسامتها المتكلفة التي بدأت بالفعل بالزوال ، لتقطع السكوت قائلة:
" الباب "
" ماذا ؟ "
" أريد الدخول و أنت تحجب الباب "
" آاه ! عفوًا تفضلي "
تحولت إبتسامته العفوية إلى إبتسامة محرجة و هو يفسح لها المجال للدخول ، أغلقت الباب خلفها بينما توجه ليو إلى سيارته و غادر
توجهت إلى الدرج بهدوء ، و ما إن خطت أول درجة حتى سمعت صوت جدتها من منتصف غرفة الجلوس تناديها :
" سيليا ، تعالي"
أغمضت عينيها لثانية تلقائيا عند سماع صوتها و إستدارت متجهة نحو غرفة الجلوس الفاخرة التي طغى عليها اللون البني و الأبيض بتصميم جذاب ، كما هو حال الأثاث الحريري
كانت جدتها تجلس في أحد المقعدين منفردين ، تفصل بينهما طاولة صغيرة ذهبية بزخرفات بنية و بيضاء جميلة ، أشارت لها بالجلوس في المقعد المنفرد الآخر
سارت سيليا نحوها بخطوات بطيئة ، كأن كل خطوة محسوبة عليها ، جلست في المقعد و نظرت لها ، كانت جدتها ساكتة و هذه ليست علامة خير ، همّت بالكلام لولا يد جدتها التي رُفعت آمرة بالسكوت
بلعت كلماتها ، ضغطت بيدها بقوة على ذراعها للتخفيف من غضبها ، تكره هذه الحركة ، لو أن شخصًا آخر فعلها لإرتكبت جريمة ، جريمة شنيعة ، لكن قوانينها تسقط فقط أمام جدتها
" ظننتك ناضجة كفاية "
قالتها جدتها دون النظر إليها حتى ، و صمتت للحظة قبل أن تكمل :
" قلت حفيدتي سيليا مسؤولة و ستفكر في مصلحة العشيرة ، لكن اثبتي لي العكس"
ثم أدارت رأسها نحوها و قالت :
" هل لديك فكرة عن ماذا كان سيحدث لو.."
" أنا موافقة على هذا الزواج"
قاطعتها سيليا بنبرة هادئة و هي تنظر إلى عينيها ، ارتفع حاجِبا السيدة ماري بدهشة خفيفة ، كانت تتوقع محادثة طويلة أو بالأحرى شجارًا قبل سماع هذه الجملة
عادت جدتها لوضعيتها الأولى ، و أخذت نفسًا عميقًا ، و حين همّت سيليا بالوقوف للذهاب لغرفتها أردفت جدتها:
" إذن ، جهزي نفسك للعشاء العائلي "
" عشاء عائلي ؟!!"
بدت ملامح الدهشة على ملامح سيليا مع جملتها الأخيرة ، لتتكلم جدتها شارحة الأمر:
" نعم ، عشاء عائلي من أجل إعلام العشيرة عن زواجك و قضية الصلح"
لم تنطق سيليا بحرف واحد ، فقط ظلت تنظر لجدتها لبضع ثواني قبل أن تعود من شرودها و تقف من مكانها و تغادر غرفة الجلوس قاصدة غرفتها
دخلت و أغلقت الباب خلفها ، ثم لتطلق زفيرًا طويلًا و ترجع رأسها للخلف مغمضة عينيها محاوِلة تهدئة نفسها ، ثم سارت نحو سريرها و ألقت بحقيبتها عليه و جلست على فراشها الحريري ، و رفعت رأسها تنظر للسقف بملامح خاوية
ماذا يحدث لها ؟
لماذا تشعر بالضياع ؟
إنه مجرد زواج صلح؟
مشاعرها مختلطة
تهاجمها من كل جهة
و هي تستمر بالغرق
لكن.....
كلماته لا تزال تتردد في عقلها
((لا أريدك))
تمتمت بها سيليا بصوت خافت ، لكن صداه كان أعمق و أقوى في عقلها
(( من أنت حتى ترفضني ؟!!))
هذه المرة كانت نبرتها قاسية و ملامحها تغيرت من الهدوء إلى السواد
((سيليا كاروفا لا تُرفض بل تَرفض ))
أنهت جملتها بإبتسامة مغرورة قبل أن تنهض و تحمل حقيبتها و تبدأ بتفريغها في خزانتها
و بينما هي منشغلة بأغراضها ، أتاها صوت مألوف من يسارها:
" حسنًا حسنًا ، أنظروا من هنا الآنسة سيليا عادت أخيرًا"
" أجل لكنها لم تفكر حتى بالسؤال عنّا يا أميرة التوليب"
إلتفت سيليا نحو الباب لتجد دميتين تُطلان عليها من شق الباب ، دمية أميرة بثوب أخضر و دمية حصان أسود ، ما إن رأتهما حتى ضحكت و حركت رأسها بقلة حيلة قائلة:
" ألا تظنان أنني صرت كبيرة على هذه الأمور"
حين انهت جملتها ظهر رجلان مبتسمان ، الأول كان خالها الأصغر الثلاثيني ، لوكاس ؛ أما الثاني فهو إبن خالتها الذي بنفس عمرها ، كايل ؛ حين رأتهما توجهت نحوهما و عانقتهما عناقًا جماعيًا
" يا لك من حقيرة ، كيف تأتين للبلد دون إعلامنا"
قالها كايل بنبرة معاتبة
" أتى كل شيء فجأة لم يتسنى لي الوقت لإخباركما "
أنهوا عناقهم ليتكلم لوكاس هذه المرة:
" لا يهم ، من الجيد عودتك ، أمّا مسألة إنقطاع إتصالاتك عنّا فنحن نسامحك"
" هذا ليس ما قلته طيلة..... آوتش!!!"
لم يكمل كايل جملته لأن لوكاس دعس على قدمه ليسكته ، ليصرخ به كايل و هو يتألم:
" لماذا دعست على قدمي؟"
" هل فعلت ؟ عذرًا ظننت أن هناك نملة على قدمك"
" هل تحميني من نملة؟"
" كفاك سخافة ، بل أحمي النملة منك"
ظلت ترى شجارهم بإبتسامة لطيفة ، لم يتغيرا أبدًا ، حرفياً هما الشيء الإيجابي الوحيد الذي حدث لها اليوم ، كما كانا طيلة فترة طفولتها ، بالرغم من كثرة أفراد عائلتها ، إلّا أنها لا ترتاح إلا معهما ، لوكاس كايل و ميليس ، الثلاثي الوحيد الذي يعرف سيليا حق معرفة
" صحيح ما أمر هذا العشاء؟"
سأل كايل بحيرة ، لتمحى ضحكة سيليا ، و يجيب لوكاس :
" لا أدري ، ربما إعلان إتفاقية عمل جديدة"
أرادت فعلًا إخبارهما ، و مشاركة همها ، لكن كيف ستشرح الأمر ؟ كل أفراد العشيرة يكرهون آل درافان حتى هما ! على كل حال سيعرفان في المساء
.
.
.
.
.
.
تحت ظلمة الليل ، و ضوء القمر البارز وسط النجوم المتلألئة ، في قصر آل كاروفا المهيب ، تتسارع خطوات الخدم جيئة و ذهابًا ، يتحققون من أن الأمور بخير و كل شيء مثالي ، كل خطوة ، كل حركة ، كل نفس ،محسوب عليهم
فشعار آل كاروفا هو ~الخطأ ممنوع~
إمتدت طاولة العشاء على طول الغرفة ، مع أضواء الشموع و التصميم الفخم بدت الأجواء كأنها من أحد قصور العصور القديمة ، على رأس الطاولة السيدة ماري ، على يمينها إصطف أولادها الأربع مع زوجاتهم ماعدا لوكاس الأعزب بالإضافة إلى إبنتها ريتا _أم كايل_ ، أما على يسارها ترتب أحفادها من الأكبر فالأصغر ، أولهم ليو و بجانبه سيليا ثم كايل و جوليا و بقية الأحفاد
بدت الطاولة كالمأدوبة لإمتلائها بأطباق ذات أصناف مختلفة و متنوعة ، ليس أمرًا غريبا على عائلة مثلهم ، كان أخوالها يتبادلون النقاش عن أوضاع الأسواق و الشركات الخاصة بالعائلة و أولادهم يتكلمون عن صفقاتهم التجارية الجديدة
يا لها من عائلة مثالية صحيح ؟!
بينما سيليا تشعر بالتوتر و هي تراقب جدتها و تنتظر اللحظة التي ستلقي فيها قنبلتها على هذه الطاولة الفاخرة ، هذه الليلة لن تمر على خير ، ليس لأن حفيدتهم الغالية ستتزوج و تتركهم لو كان الأمر هكذا لما إهتموا حتى ، لكن الأمر مختلف لأن العشيرة التي ستناسبهم هي نفسها عشيرة أعدائهم آل درافان
" ما بكِ ؟ "
أخرجها من شرودها سؤال كايل لها بنظرات قلقلة ، حركت رأسها بلا شيء مع إبتسامة خفيفة مطمئنة ، رغم عدم إقتناعه لكنه شعر أنه ليس المكان المناسب لفتح نقاش معها
" حسنًا ، الآن فلنتكلم عن الموضوع الذي جمعتكم من أجله"
صرّحت جدتها جاذبة أنظار الجميع لها إلاّ سيليا التي تجمدت مكانها ، لا تهتم برأي أحدهم سوى ردة فعل لوكاس و كايل عندما يعرفون أنّها وافقت على شيء كهذا و فوقها لم تخبرهم
في حين أنّ خالها الأكبر رون _ والد ليو و جوليا_ قال بنبرة عميقة:
" لكن إبنتك ماريا لم تأتي بعد "
ما إن سمعت نطقه لذلك الإسم حتى تغير مزاجها و نظرت نحو خالها فوجدته ينظر لها هو الآخر بطرف عينه ، أحست أن جملته مجرد وسيلة لإستفزازها ، فالكل يعرف أن والدتها لا تأتي في نفس الوقت الذي تكون فيه سيليا موجودة ، و نفس الأمر بالنسبة لها
" رون ، لسنا هنا لفتح جروح قديمة ، بل لإغلاق جروح أخرى للأبد"
بدا الإستغراب على كل أفراد العائلة بعد جملة السيدة ماري ، ماذا تعني بجروح أخرى؟!
" زارنا ضيوف في الصباح"
نظرت جدتها نحوها و أكملت :
" و طلبوا يد سيليا للزواج"
توجهت كل النظرات نحو سيليا ، و لعل أكثر من بدت عليهم الصدمة هما لوكاس و كايل ، في حين أن ليو تجمدت ملامح لثواني قبل أن يلتفت إلى سيليا التي لم تنظر له حتى بل ظلّت معلقة أنظارها على جدتها
" و هل هذا موضوع يستحق عشاءًا عائليًا من أجله؟! على كل حال ، من هذه العائلة تعيسة الحظ؟"
أردف رون بنبرة مستهزئة مما جعل خالاها التوأمان ينظران لها بإستصغار وسط ضحكات زوجاتهم المكتومة ، يحاولون إستفزازها ككل تجمع عائلي ، كانوا سينجحون لو لم تكن واثقة أنّ ردة فعلهم ستتغير بعد قليل
ترقب الجميع جواب السيدة ماري خاصة ليو الذي كاد يفقد رشده من الصدمة بينما يده تعتصر طرف سترته تحت الطاولة
" عشيرة آل درافان طلبوا يدها لوريثهم إدريان"
بووووم ، قنبلة العشاء
فجأة تغيرت ملامح الجميع ، ملامح تجمع بين الصدمة و الغضب ، من بين كل عشائر مدينة أدريمارا الواسعة ، يأتي آل درافان لطلب يد آل كاروفا
أي جنون هذا ؟!
" ما هذا السخف ؟!"
صرخ بها لوكاس بوجه غاضب ، لينطق أحد التوأمان:
" لا تقولي أنّك وافقتي "
" بالطبع لا ، أليس كذلك أمي ؟"
سألت ريتا ناظرة للسيدة ماري التي لم تجبها ، بينما ظل رون صامتًا و يحدق بالفراغ ، يتمنى أن لا يكون ما في باله صحيحًا ، ثم وجه ناظريه نحو أمه السيدة ماري و قال بنبرة عميقة:
" أ تَنوينَ الصلح ؟ "
ساد صمت في الغرفة بعد مقولة رون ، الكل ينظر لبعضه البعض بإستغراب ، السيدة ماري لم تجب و إكتفت بإماءة أكدت شكوكه
" صلح ؟ لماذا قد يرغبون بعقد صلح بعد عقود من العداوة؟"
سأل لوكاس بإنفعال ، فمجرد التفكير بالأمر يوتره ، كما هو حال الجميع في هذه العشيرة ،
أخذت السيدة ماري نظرة سريعة عليهم كلهم قبل أن تصرح:
" تكلمت منذ مدة مع السيد آلفرد درافان ، نرى أن إستمرار هذه العداوة لن يجلب للعشيرتين سوى المصائب"
نظرت نحو سيليا التي كانت ترمقها بنظرات باردة على غير عادتها ، و أكملت:
" لذا قررنا كسر قيود العداوة ، و ذلك بزواج بين فردين من العشيرتين"
لم يبدو على أحدهم القبول ، الجميع يراها فكرة سيئة لكن يعلمون أنه عند عقد إتفاق بين قائدي عشيرتين فلا أحد يستطيع نقده
نظر كايل لسيليا ، لم يعجبه برودها خاصة في موضوع كهذا ، علم فورًا أنها تعلم مسبقًا و على الأرجح تم إقناعها ، أراد قول شيء لكن ليو سبقه و هو يقول بنبرة جادة:
" هذه ليست طريقة عادلة لحل خلاف ، أصلا لا أظن أن سيليا ستوافق على هذا خصوصًا أنّ..."
" أنا موافقة "
قاطعته سيليا بكلمتها التي صدمت الجميع ، لكنه الوحيد الذي أحس بها كطعنة في قلبه ،
" سيليا !! هل جُنِنتي؟!"
قالها لوكاس بنبرة غير مصدقة ، لتجيبه سيليا قائلة:
" أنا أعي ما أقوله "
ثم نظرت نحو جدتها و أكملت:
" أرى قراركما صحيحًا ، و أنا موافقة على الزواج بإدريان درافان"
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!